المنشور

دكتاتورية الأغلبية النسبية



برنارد
ليو الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي في جنوب المتوسط الذي رافق كاثرين
آشتون ممثلة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي في زيارتها إلى مصر للتوسط
في حل الأزمة السياسية في مصر، لم يقل كامل الحقيقة يوم (الأربعاء 14
أغسطس/ آب 2013) حين ذكر أن الإخوان وافقوا على الحل الذي توسط فيه هو
وآشتون فيما رفضه ممثلو الحكومة المصرية الجديدة برئاسة حازم الببلاوي .
كان عليه أن يكشف أيضاً رفض الإخوان حين كانوا في السلطة لصفقة الحل الوسط
الذي طرحه هو وتوسط فيه على مدار عدة أيام في شهر إبريل/ نيسان الماضي
واشتمل على تشكيل حكومة وحدة وطنية وإقالة النائب العام طلعت عبدالله
وتعديل الدستور مقابل موافقة أكبر ستة أحزاب علمانية على المشاركة في
الانتخابات البرلمانية . حيث أعطى الرئيس المخلوع محمد مرسي موافقته على
الخطة قبل أن ترفضها جماعته بدعوى أن لديها شرعية صندوق الانتخاب وهي غير
مضطرة للمساومة عليه .


كما
قلنا في مقال في قراءة سابقة ل “الربيع العربي” وملابساته، إن أقطاب
الرأسماليات العالمية، الولايات المتحدة والدول الرئيسة في أوروبا الغربية،
قد وقع اختيارهم، بعد دراسة وتمحيص أفضل المقاربات المناسبة لتجديد أنظمة
الأمر الواقع لضمان الحفاظ على استمرار خط إمدادات مصالحها، على جماعة
الإخوان المسلمين في المنطقة العربية، باعتبارها القوة الاجتماعية الأقدر
على الإمساك بزمام الأمور وتأمين تلك المصالح، وتم عقد الصفقة بعد اتصالات
وحوارات امتدت لحوالي سنتين (منذ وصول أوباما لسدة الرئاسة في عام 2008) .


بمعنى
أن أمريكا وحلفاءها الأوروبيين الغربيين لا يحبذون التعامل مع صيغة نظام
حكم قائمة على التعددية، ويفضلون عوضاً عنها صيغة أحادية الحكم تناسب
تعاطيهم المباشر مع جهة واحدة تم التوافق معها مسبقاً على طريقة إدارة
مصالحهما المشتركة .


لاحظ
الآن كيف يتباكى الغرب، حكومات وأجهزة إعلامية على الديمقراطية “المختطفة”
في مصر، وهم الذين ظلوا يقدمون كافة أشكال الدعم والمؤازرة لدكتاتورية
واستبداد وفساد نظام مبارك على مدى أكثر من ثلاثة عقود .


وفي
رهانهم على استمرار التزام الغرب بتلك الصفقة المعقودة، فإن الإخوان في
مصر متمسكون بأصل ما جرى الاتفاق عليه، وهم يراهنون بالتالي على استمرار
وقفة العواصم الغربية مع مطلبهم غير الخاضع للمساومة بالعودة إلى السلطة .


ولذلك
نجد السيناريو ذاته في تونس، حيث يتمسك راشد الغنوشي رئيس حزب النهضة
الإخواني بموقفه المصرّ على استمرار هيمنة حزبه على الحكومة وعلى مؤسسات
الدولة رغم كل الذي حدث في بلاده (اغتيال زعيمين سياسيين معارضين كبيرين
هما شكري بلعيد ومحمد البراهمي) وازدهار الإرهاب وتشكيلاته في كنف سلطة
الإخوان، وبرغم عبرة الدرس المصري، وذلك برفضه في 15 أغسطس/آب مقترح
الاتحاد التونسي للشغل، أقوى قوة اجتماعية في البلاد، بحل الحكومة وتشكيل
حكومة وحدة وطنية .


والحال
أن المشيخة الفكرية التي تقدم النصح والمشورة عبر خزانات أفكارها الشهيرة
للطبقة السياسية الحاكمة في قلب المنظومة الرأسمالية: الولايات المتحدة، قد
اهتدت على ما هو ظاهر، حتى الآن، للعيان، إلى تركيا حزب العدالة والتنمية
الإخواني الحاكم، باعتباره نموذجاً صالحاً للتعميم في بقية الأنحاء العربية
المتقادمة هياكل نظمها السياسية بفعل “عوامل التعرية” الزمانية والمكانية .


ورغم
انقسام أوساط تلك الخزانات الفكرية التي تسهم بفعالية في تقرير وصناعة
السياسات والقرارات بين مؤيد ومعارض ومتحفظ على النموذج السياسي التركي،
إلا أن الغلبة كانت لصالح المراهنين عليه وعلى فرص تعميمه، من حيث توفره
على فرص النجاح المتمثلة في تقليده لنماذج النمور الآسيوية وتحديداً كوريا
الجنوبية وهونغ كونغ وتايوان إلى ما قبل تحولها قبل بضع سنوات، من الشمولية
إلى الديمقراطية . فلقد نجحت هذه الدول الآسيوية الثلاث في مقايضة أنظمتها
الشمولية مقابل الرفاه الاجتماعي لشعوبها التي قبلت في مرحلة من مراحل
تنميتها السياسية بتغييب حقها في انتخاب ممثليها الحكوميين . وبموازاة هذه
المقاربة التي نجحت فيها بلدان النمور الآسيوية في مرحلة ما، فإن تلك
النماذج أمنت لها مكاناً متميزاً في النظام الدولي لتقسيم العمل الإنتاجي
من خلال بناء وتمتين علاقات التحالف الاقتصادي مع المراكز الاقتصادية
الكبرى في الغرب الرأسمالي المتقدم .


وهذا
ما فعله ونجح فيه على مدى السنوات العشر الماضية نموذج حزب العدالة
والتنمية الإخواني في تركيا، كقائد لعملية التحول التنموي المحققة لنسب
معقولة من الرفاه الاجتماعي، والعمل بالتوازي على تأمين ظهر هذا النموذج
بتمتين عرى التحالف مع الغرب على مختلف الصعد .


بيد
أن هذا النموذج التركي قد استنفد مخزونه ووصل إلى نفس ما انتهت إليه أنظمة
النمور بعد أن فاض الكيل بالناس من شدة خنق القبضة الشمولية، وهو ما بكر
بالوصول إليه النموذج التركي بانكشاف الوجه التسلطي الزاحف بسرعة على كافة
مواقع التعددية (الحزبية والإعلامية والقضائية والثقافية) .


هذه
القراءة الموصوفة برسم وقائع الأحداث الجارية، سوف تفضي حكماً إلى تحميل
الولايات المتحدة، ومن خلفها أوروبا الغربية الحليفة، مسؤولية الفوضى
المندلعة في أوطاننا بسبب إصرارها على دعم مقاربة الحكم الأحادي لسهولة
التعامل مع آلياته الإدارية الكلية – حتى ولو كانت شمولية فاقعة – من حيث
تأمينها السلس لمصالحها ولاستمرار بقاء الدولة ال “أرتيفيشال” (المصطنعة)
التي أنشأتها لحماية هذه المصالح . ثم ان التعددية ليست على أية حال مكوناً
صديقاً لنسق الثقافة المسيطرة للطبقة السياسية الحاكمة في الولايات
المتحدة والمهيمنة على آليات عمل النظام السياسي الأمريكي .