المنشور

نكبة فانهيار فنضال طبقي



أحدثت
النكبة في سنة 1948 وما أعقبها من تداعيات تغييرات جذرية في مسيرة الحركة
العمالية الفلسطينية داخل مناطق 1948. فقد أدت إلى تشريد أغلبية العمال
العرب شأنهم شأن أغلبية الشعب الفلسطيني، لا سيما من المدن الكبرى مثل يافا
وحيفا. في الوقت نفسه، لم تبق بعد النكبة مصانع أو مشاغل عربية كثيرة،
وقامت الدولة العبرية بالسيطرة على القليل مما تبقى منها. وكانت الحركة
العمالية الفلسطينية قبل هذه النكبة مؤلفة أساساً من عمال هذه المصانع
والمشاغل، وخصوصاً في المدن الكبرى، ومن العمال في معسكرات الجيش البريطاني
التي انتشرت في فلسطين إبان الحرب العالمية الثانية، ومن العمال في
الأشغال العامة التي كانت قائمة في البلد خلال فترة خضوعها لسلطة الانتداب
البريطاني. وفي موازاة ذلك، أدت النكبة أيضاً إلى انهيار الحركة النقابية
في فلسطين. وكانت هذه الحركة ناشطة جداً منذ عشرينيات القرن العشرين
الفائت، بداية في إطار جمعية العمال العربية الفلسطينية، ومن ثم في إطار
مؤتمر العمال العرب في فلسطين. 


يشير
المؤرخ الدكتور إميل توما إلى أنه عقب قيام إسرائيل استمر مؤتمر العمال
العرب في نشاطه دفاعاً عن الطبقة العاملة العربية بين أوساط المجتمع
الفلسطيني الباقي، والتي تغيّر حالها من النقيض إلى النقيض. وعقد مؤتمره
الرابع في نيسان/ أبريل 1949، واشترك فيه مندوبون عن خمسة آلاف عامل عربي.
ويضيف أنه انطلاقاً من الوعي الذي ميّز القيادة الطبقية الأممية لمؤتمر
العمال العرب هذا، فقد دعا المؤتمر الرابع قيادة اتحاد نقابات العمال
اليهود (الهستدروت) إلى «توحيد الطبقة العاملة اليهودية والعربية في الدولة
الناشئة – إسرائيل». غير أن قيادة الهستدروت رفضت هذه الدعوة جملة
وتفصيلاً. في المقابل، تحالف مؤتمر العمال العرب مع الحزب الشيوعي
الإسرائيلي (راكاح)، الذي كان ممثلوه في الهستدروت يكافحون من أجل توحيد
الحركة النقابية في الدولة على أسس أممية. وفي سنة 1953 عادت قيادة
الهستدروت ووافقت على ضم العمال العرب إلى صفوف النقابات المهنية، وفي إثر
ذلك قرر مؤتمر العمال العرب في ختام أعمال مؤتمره السادس الذي عقد في تموز/
يوليو 1953 أن يحلّ نفسه، وانخرط معظم قادته في صفوف الحزب الشيوعي
الإسرائيلي. منذ ذلك الوقت وحتى الآن، يدور أغلب حراك الحركة العمالية
الفلسطينية في مناطق 1948 حول نشاط الحزب الشيوعي الإسرائيلي داخل
الهستدروت، وفي ما بعد حول نشاط هذا الحزب مع حلفائه في إطار الجبهة
الديموقراطية للسلام والمساواة، كما أنه يتأثر به إلى حدّ بعيد. ويأخذ هذا
النشاط منحيين متصلين يشكلان نفس المنحيين اللذين يميزان نشاط الحزب
الشيوعي عموماً في كل ما يتعلق بحراك الفلسطينيين في الداخل، وهما المنحى
الطبقي والمنحى القومي. ووفقاً لما يؤكده توما، فإن العمال العرب في مناطق
1948 «خاضوا معارك طبقية على جميع الجبهات»، وذلك على الرغم من ظروف
الاضطهاد القومي والتمييز العنصري التي كان الفلسطينيون في هذه المناطق
واقعين تحت وطأتها منذ قيام إسرائيل. وهو يشدّد على أن العمال العرب
انتسبوا بأعداد كبيرة إلى الهستدروت حتى خلال السنوات التي كانت قيادتها
تضع فيها الكثير من العقبات أمامهم، وهذا يدل على أن هؤلاء العمال راغبون
في التنظيم النقابي، وفي عدم فصل نضالهم القومي عن نضالهم الطبقي. 


مع
ذلك، لا بُد من رؤية ما يلي: على مستوى الممارسات الميدانية والنضالات
العمالية والنقابية، عادة ما كان يتم تجيير المنحى القومي لمصلحة المنحى
الطبقي بوحي من الأيديولوجيا التي يتبناها الحزب الشيوعي الإسرائيلي وتوجه
سياساته العامة حتى يومنا هذا. فمثلاً، تجلت أول مظاهر المنحى القومي ضمن
حراك الحركة العمالية في مبادرة الحزب الشيوعي إلى تنظيم «المؤتمر القطري
الأول للعمال العرب» الذي عقد في مدينة حيفا في نيسان/ أبريل 1961. وقرّر
هذا المؤتمر الذي حضره ثلاثمئة عامل عربي من منطقتي الجليل والمثلث ما يلي:
أولاً، مطالبة وزارة العمل الإسرائيلية بتأمين العمل لكل طالبيه، وفتح
أبواب المصانع الكـــــبيرة والدوائــــــر والمؤســــسات الرسمية أمام
العمال العرب والمتعلمين؛ ثانياً، مساواة العمال العرب في الأجور وشروط
العمل وضمان المساواة التنظيمية داخل الهستدروت؛ ثالثاً، إلغاء الحكم
العسكري كلياً (كان مفروضاً على الفلسطينيين في الداخل منذ قيام الدولة
واستمر حتى سنة 1966)، وبخاصة أنظمة التصاريح؛ رابعاً، إيقاف سلب الأراضي
العربية وضرب الزراعة العربية. 


في
الوقت نفسه، حرص المؤتمر على تبديد أي رهان يمكن أن يعوّل على عقد هذا
المؤتمر إلى ناحية تنظيم العمال العرب على أساس قومي، من خلال قرار دعا إلى
توحيد الصفوف وتقوية تنظيم الهستدروت وتشديد نضال العمال العرب واليهود ضد
الغلاء والضرائب. وأيضاً من خلال توجيه المؤتمر نداء إلى القوى
الديموقراطية اليهودية يناشدها تأييد كفاح العمال العرب «كون ذلك يخدم
الطبقة العاملة بأسرها- يهودية وعربية- ويبني صرح الأخوة بين الشعبين
اليهودي والعربي». 


ينبغي
أن نشير هنا إلى أن فكرة تنظيم صفوف الفلسطينيين في الداخل على أساس قومي
بدأت تختمر في أواسط سبعينيات القرن العشرين الفائت، وخصوصاً بعد يوم الأرض
الأول في سنة 1976. وكما أشرنا مراراً في مقالات سابقة، ففي تلك الفترة
برزت مرحلة جديدة من الوعي الوطني فحواها الأساسي ضرورة تنظم الفلسطينيين
في الداخل على أساس قومي للمطالبة بالحقوق القومية إلى جانب الحقوق المدنية
(والتي تطورت في فترة لاحقة إلى مرحلة تحدي فكرة الدولة اليهودية). بيد أن
المبادرات الساعية إلى ترجمة هذا الوعي على مستوى الممارسة أو النشاط
الحزبي والأهلي قفزت عن الحركة العمالية وعن النضالات النقابية. وفي الوقت
الذي ما زال الشيوعيون وحلفاؤهم يولون أهمية كبيرة لانتخابات الهستدروت
التي تشكل فرصة لطرح رؤيتهم العمالية والسياسية المنطلقة من نظرة طبقية،
فإن التيارات المنافسة الرئيسية الأخرى، وخصوصاً القومية والإسلامية، تكاد
تكون غائبة عن حلبة هذه الانتخابات.



أول تجربة نقابية على أساس قومي




كان على الحركة العمالية في الداخل أن تنتظر حتى سنة 2011 التي تمّ فيها
تأسيس «نقابة العمال العرب»، وهي تعرّف نفسها على أنها منظمة عمالية
ديمقراطية غير حزبية، انطلقت كنقابة مستقلة من أجل تنظيم العمال
الفلسطينيين داخل المجتمع الفلسطيني في مناطق 1948. وهي تعتبر أول تجربة
لإقامة تنظيم نقابي لهذا المجتمع على أساس قومي. 


ترى نقابة العمال العرب نفسها بأنها جزء لا يتجزأ من الطبقة العاملة
الفلسطينية، وهي أيضا جزء من سائر الطبقات العمالية في العالم العربي،
وأيضا الحركات النقابية التقدمية في العالم بأسره. وقد سجلت كنقابة رسمية
ومعترف بها محليا ودوليا من أجل تنظيم العمال العرب في أماكن العمل،
والدفاع عن حقوقهم النقابية المسلوبة. وجاءت وليدة مبادرة لعمال وعاطلين عن
العمل من مدينة الناصرة وقراها، لديهم تجربة في العمل النقابي. وتهدف إلى
تنظيم العمال العرب الفلسطينيين في الداخل في إطار نقابي عربي مستقل، وذلك
انطلاقا من إيمانها الراسخ بحرية التنظيم النقابي وفقا لما نصت عليه قوانين
العمل الدولية، وخصوصا ميثاق منظمة العمل الدولية التي أقرت وأكدت حرية
التجمع والتنظيم العمالي النقابي لكل فئة أو مجموعة عمالية مهما يكن دينها
أو توجهاتها ومعتقداتها الدينية والقومية. كما تشدّد النقابة على حقها في
تنظيم نضالات شعبية للعمال من أجل انتزاع حقوقهم في مواقع العمل، وعلى حق
العمال في التنظيم النقابي وإقامة لجانهم العمالية في ظل غياب كامل لنقابة
العمال الإسرائيلية الهستدروت، وتخاذلها مع أرباب العمل. وتؤمن بحقها وحق
جماهير العمال والعاطلين عن العمل في المشاركة والمساهمة في نضالات المجتمع
العربي الفلسطيني في الداخل في مواجهة سياسات التمييز والعنصرية التي
تمارسها المؤسسة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في الداخل، وخصوصا في مجال
التمييز في قبول العمال العرب في مواقع العمل الإسرائيلية بسبب انتمائهم
القومي.


لا
شك في أن الدفع قدماً نحو تنظيم الحركة العمالية الفلسطينية في الداخل على
أساس قومي، سوف يظل متأثراً إلى درجة كبيرة بمستقبل الحراك العام الساعي
إلى إعادة تنظيم حراك الفلسطينيين في الداخل عموماً على أساس قومي. وهذا
الحراك ما زال يراوح بين قليل من المدّ وكثير من الجزر ارتباطاً بأوضاع
الفلسطينيين في مناطق 48 وهوية قواهم السياسية، وكذلك بالوضع الفلسطيني
عموماً، والأوضاع الإقليمية والدولية. 
[نشر للمرة الأولى في محلق “قلسطين” لجريدة “السفير” ويعاد نشره بموجب إتفاقية تعاون بين “السفير” و”جدلية”.]