المنشور

نزاهة العمل البرلماني ..!!


 
كثير من التعليقات، كثير من ردود الأفعال، في شأن تلك المسرحية السمجة التي قام ببطولتها نواب على خلفية تغييرات استوجبت في امانة مجلس النواب، صبت بمجملها في خانة التشديد على رفض كل ما يختزله ويمثله ويعبر عنه هيمنة تلك الجمعية، وهاتيك الجماعة، والمجموعة التي لم يكن همها الا البحث عن حصص ومغانم، ومواقع، وألقاب، وانتماءات ضيقة، وكل ما هو غير مطابق للأصول وخال من الضمير، رغم ان منهم من بات في المناسبات والمزادات يظهر لنا في صورة المناضل الذي يحول دون ان تمضي مجريات الامور بعكس المفروض، ويريد ان يقنعنا بأن جل همه بلوغ المواطنة الصحيحة التي تتغذى من الحق والعدالة والقانون والنزاهة والمساواة والصدقية في زمن اللاصدقية ..
 
اللافت في كل ذلك الكم من التعليقات وردود الأفعال تلك الإشارات التي تتحدث عن الفساد، وهذه المرة عن الفساد البرلماني تحديدا – تصوروا – وبدا انه ما من احد ينكر، خاصة أولئك الذين يحسنون قراءة مواطن الخطأ والخلل، الا ويجدون بان ثمة حاجة لفتح ملف نزاهة العمل البرلماني بمزيد من الصفاء والموضوعية، ورب ضارة نافعة ان تلك المسرحية السمجة قد وجهت الأنظار الى ما كنا قد اعتبرناه ملفاً مسكوتاً عنه هو اخطر مما يبدو ويتجاوز حدود امانة النواب، كما انه يفتح الباب لإطلاق العنان لكلام متعمق حول نزاهة واستقامة النواب والعمل البرلماني، ومما يؤسف له ملاحظة ان كثيرا من النواب على مدى السنوات الماضية من عمر التجربة البرلمانية كانت لهم إسهامات واضحة فى انزلاق الأداء والعمل البرلماني الى مستوى مثير لكثير من اللغط لا يجدي تجاهله، وحسبنا هنا ان نذكر بان لاشيء يلزم تخلي النواب في الفصل التشريعي السابق تقليص وتقييد دورهم الرقابي في موقف فريد على مستوى كل برلمانات العالم، يضاف إلى ذالك اعتراضهم على انشاء هيئة وطنية مستقلة لمكافحة الفساد، التي هي احدى موجبات الاتفاقية الدولية لمحاربة الفساد التي صادقت عليها البحرين قبل سنوات، وتلك مواقف لا تفعل شيئاً سوى خلق فرص أخرى للفساد..
 
نعود الى صلب الموضوع، نزاهة واستقامة العمل البرلماني، وان شئنا الدقة، الفساد في العمل البرلماني، وهنا ثمة مجال للتوقف عند ما قاله النائب احمد قراطة في الندوة التي نظمتها عدة جمعيات لمناقشة برنامج عمل الحكومة، (عقدت بنادي العروبة في 3 فبراير الجاري)، فالرجل ومن دون الدخول في اي تفاصيل يقر علناً بان هناك نواباً فاسدين ..!! وهو كلام ليس فيه ما يدعو الى الدهشة والعجب، ولا أظنه مصبوغاً ببعض القسوة، لانه كلام متداول منذ زمن، الا انه على الأقل يمكن اعتباره من باب «شهد شاهد من أهلها»..
 
نقول الكلام متداول منذ زمن، بل من سنوات، عن الفساد البرلماني، هو فساد أطل برأسه مرات كثيرة، مرة حين خدع هؤلاء النواب ناخبيهم بتقديم انفسهم ايام الانتخابات بصورة المستقلين، فيما هم واقعاً ينتمون لجمعية من الجمعيات يأتمرون بأمرها، أليس هذا من عداد الكذب والتورية المذمومة أخلاقياً ودينياً، ومرة حين لم يتردد هؤلاء فى فترة الانتخابات بتقديم رشاوى انتخابية عينية ومالية، ومرة حين وجدنا نواباً أخلوا بقواعد الحضور تحت قبة البرلمان، ومرة حين جعلوا انفسهم أداة هيمنة على بعض مواقع العمل وشرعوا الباب للانتماءات والولاءات الضيقة. ومرة حين تشاغل النواب بشكل غلب عليه الطابع الكاركاتوري في مناوشات اتسمت بالقحط، ولم تثمر عن تعاط جاد ومسؤول مع ملفات عديدة في المقدمة منها ملف تقارير ديوان الرقابة المالية، ولو انهم احسنوا في عملية التصدي والمتابعة والمحاسبة لما جاء في هذه التقارير كل تلك التجاوزات المتراكمة منذ سنوات كما لا يمكن ان ننسى ولجان التحقيق التي تشكلت، ومنها كمثال ليس إلا، لجنة التحقيق في تجاوزات مستشفى الملك حمد، التي قال رئيسها آنذاك، بأن التجاوزات في هذا الملف فاق التوقعات، وهذا كلام موثق ومنشور…
 
 يمكن أيضاً ان نذكر من يميل الى النسيان، او له مصلحة فيه، بذلك اللغط الذي أثير في الفصل التشريعي السابق على خلفية ما نشر في شأن فساد نائبين تمكنا وبقدرة قادر من رفع رواتبهما التقاعدية حين كانا في موقعي عملهما الرسمي بمقدار يتجاوز 150 بالمائة، ونذكر كيف ان نواباً في مسرحية سمجة أخرى، وهم يحولون جلسة برلمانية الى جلسة صاخبة معترضين على ذلك الاتهام، مطالبين بمعرفة اسماء النائبين وبوضع النقاط على الحروف في هذا الملف حتى لا يكونوا جميعهم عرضة للشبهات، ولكن لم نجد بعد ذلك سوى لا مبالاة فريدة، محيرة ومثيرة بامتياز لعلامات تعجب شتى ..
 انه لممل ان نستعرض الشوائب المتنوعة التى شابت أداء نواب كثر على مر السنوات الماضية، ولعله من المناسب هنا، ان نذكر بان اتفاقية الامم المتحدة لمحاربة الفساد تنص على ردع اي سلوك غير أخلاقي قد يصدر من اي برلماني ومعاقبة مرتكبه حتى لا يسيء للسلطة التشريعية بكاملها، وتعزيز ثقة الجمهور في النواب، والتصدي لاحتمالات المتاجرة بالنفوذ من جانب بعض البرلمانيين، وعليه اصبح لمعظم البرلمانات في العالم مدونات السلوك البرلماني تحكم عمل وأداء البرلماني، وان كانت هذه المدونات والقواعد لم تعد كافية في الوقت الحاضر، خاصة مع زيادة محاولات أطراف هنا او هناك لإفساد البرلمانيين، ومع استعداد بعضهم للانحراف في دورهم لمصلحة تربحهم او مد نفوذهم او هيمنتهم.
 
على كل حال، نعاود الترحيب بموقف رئيس البرلماني الحالي الرافض السماح بتبعية امانة مجلس النواب لأي جمعية سياسية او توجه معين. فهو موقف وان كان يستحق التسجيل والتنويه، فان ثمة استخلاصاً نعود اليه، هو ان موضوع نزاهة واستقامة النواب والعمل البرلماني يجب ان يوضع على الطاولة بكل أريحية وشفافية، بقدر ما هي الحاجة ملحة لمشروع تصحيحي يرفع هيمنة وتسلط واستحواذ تيارات بعينها على مواقع عمل ومسؤولية ضاربين بعرض الحائط ما يتناقض مع كل الكلام الجميل الذى يتردد في المناسبات والمزادات.