المنشور

لوران فابيوس..صفحة طُويت!

  فجأة وعلى
حين غرة، لم يعد رجل الدبلوماسية الأول في فرنسا، لوران فابيوس، موجودا في “كاي
دورسي” مقر وزارة الخارجية الفرنسية. “سوف أترك رولز رويس”، بهذه
العبارة أجاب “الفيل الاشتراكي” (الوصف الذي خلعته عليه الصحافة
الفرنسية لدى تعيينه من قبل الرئيس فرانسوا هولاند لتولي حقيبة الخارجية في عام
2012 بعد فوز الأول في الانتخابات الرئاسية أمام منافسه الرئيس السابق
ساركوزي، بوصفه الرجل المخضرم صاحب الخبرة الذي تحتاجه الدبلوماسية الفرنسية في
هذه المرحلة التي تشهد تحديات أوروبية وعالمية) – أجاب على استفسار الصحافة اثناء
احد لقاءاته الاخيرة في مقر وزارة الخارجية الأربعاء 10 فبراير 2016. وقالت وكالة
الصحافة الفرنسية إن فابيوس أعلن مغادرته الحكومة خلال مجلس وزاري أسبوعي، في
أعقاب قرار الرئيس فرانسوا هولند، وحزبه الاشتراكي الحاكم على ما يبدو، لإجراء تعديل
على تشكيلة حكومة مانويل فالس بغية توسيع دائرة أنصاره قبل أكثر من عام على اجراء
الانتخابات الرئاسية عام 2017، خرج منها الى جانب لوران فابيوس ثلاثة وزراء آخرين
بينهم وزيرة الثقافة فلور بيليرين. وقد خلف لوران فابيوس في منصب وزير الخارجية
جون مارك ارو رئيس الحكومة السابق، فيما أُعلن عن تعيين فابيوس رئيسا للمجلس
الدستوري، وهو أعلى محكمة دستورية في فرنسا، لتسع سنوات.
     شاغل منصب
لوران فابيوس في منصب وزير الخارجية،  وهو
جان مارك أيرولت أو جان مارك إروه، كان قد شغل منصب رئيس الحكومة الفرنسية بين 15 مايو2012و 31 مارس2014  وذلك بعد أن عينه الرئيس فرانسوا هولاند في المنصب. لوران فابيوس أيضا كان
رئيسا للوزراء خلال 1984-1986 إبان ولاية الرئيس الراحل فرانسوا ميتران، مع فارق
أن فابيوس يتمتع بسجل حافل من المناصب الحكومية الرفيعة التي شغلها على مدار أكثر
من ثلاثين عاما. فقد انضم فابيوس إلى الحزب الاشتراكي منتصف سبعينيات القرن
العشرين، وترأس بلديات وتجمعات مدن منذ 1977، وانتخب لأول مرة نائبا في
البرلمان عام 1978 بمنطقة السين البحرية (السين ماريتيم) شمالي البلاد. وقد عُيِّن  رئيسا لديوان زعيم الحزب الاشتراكي فرانسوا
ميتران
حتى انتخاب الأخير رئيسا للجمهورية عام 1981. واعترافا بوفائه
وكفاءته، عينه ميتران في وزارتي الموازنة (1981-1983) والصناعة (1983-1984)، ثم
رئيسا للحكومة خلال
1984-1986 وكان عمره 37 عاما، ليصبح يومها أصغر رئيس حكومة في تاريخ الجمهورية
الخامسة. كما اختير عضوا في اللجنة القيادية وفي المكتب الوطني للحزب
الاشتراكي، وشغل منصب رئيس نقابة البلديات المتعددة الأغراض (سيفوم) لمدينة
روان وضواحيها خلال 1989-2000، واختير أمينا عاما للحزب عام 1992-1993. وترأس الجمعية
الوطنية (الغرفة السفلى في البرلمان) مرتين: الأولى عام 1988-1992،
والثانية خلال 1997-2000، ثم أسندت إليه وزارة الاقتصاد والمالية (2000-2002).
بل إنه حاول خوض غمار انتخابات الرئاسة الفرنسية في عام عام 2007 مرشحا عن الحزب
الاشتراكي، لكنه أخفق وقتها في انتخابات الحزب أمام القيادية سيغولين رويال التي
فشلت بدورها في السباق أمام المرشح اليميني نيكولا
ساركوزي
. أما سيرة خليفته في المنصب جان مارك إروه، فهي تبدو متواضعة
أمام السيرة الذاتية الحافلة لرولان فابيوس، فهو لم يتول مناصب وزارية، وإنما شغل
منصب عمدة لمدينة سانت أوريلا خلال الفترة من 14 مارس1977 إلى 20 مارس1989، ثم عمودية
مدينة نانت التي شغلها من 20 مارس1989 حتى تاريخ
تعيينه رئيسًا للحكومة، إضافة الى خبرة عمل نائب في البرلمان الفرنسي. وهي خبرة
متواضعة نسبيا كانت قد حذرت من مغبتها على الدبلوماسية الفرنسية، قوى المعارضة
اليمينية بعيد تسليمه حقيبة الخارجية.
     ومن خلال أدائه طوال السنوات الأربع التي
قضّاها في منصبه كوزير خارجية لبلاده، فإن لوران فابيوس يمكن وضعه في عداد الصف الثاني
بين كبار صانعي السياسة الدولية، إذ يأتي مباشرةً بعد الصف الأول الذي يضم في مقدمته
جون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية وسيرغي لافروف وزير خارجية روسيا
الاتحادية. وقد اشتُهر فابيوس بمواقفه التي اتسمت بالشراسة خصوصا في الملف السوري
والملف الإيراني. ما ذكر بمواقف صقور المحافظين الجدد للحزب الجمهوري إبان ولاية
الرئيس جورج دبليو بوش، خصوصا فيما خص ملف ما أسمته واشنطن بالحرب على الارهاب
وعلاقات الولايات المتحدة مع الدول التي وضعتها في خانة الأعداء. لكنه في الشهور
الستة الأخيرة تحول بصورة لافتة للغاية الى ناصية الاعتدال الواضح في مواقفه
الخاصة بالملفين خصوصا بعد أن عاد الارهاب ليضرب فرنسا من جديد بقوة صاعقة في شهر
نوفمبر الماضي. ومن شارك في قمة تغير المناخ التي عقدت على مدار اسبوعين في باريس
نهاية الشهر نفسه، لابد وأن يكون قد لاحظ الفارق بين شخصية الصقر التي غلفت أداء
رئيس الدبلوماسية الفرنسية في إدارته الملفين السوري والنووي الإيراني من الوجهة
الفرنسية في السنوات الثلاث ونيف الأخيرة، وبين شخصيته الوديعة الهادئة التي ظهر
بها إبان رئاسته وإدارته لأعمال مؤتمر الأطراف الحادي والعشرين لتغير المناخ في
باريس. فقد ظهر فابيوس بكامل هيبته وتواصله السلس ودبلوماسيته التي استوعب بها مواقف
متعارضة لوفود 193 دولة بلغ تعدادهم 43 ألفا بينهم 150 من رؤساء الدول والحكومات،
وهو ينتقل من مسار تفاوضي تعددي الى ثنائي الى كواليسي، دون كلل أو ملل، ومن دون
أن تظهر عليه علامات التعب والارهاق رغم تحول مكتبه في مقر المؤتمر الى خلية نحل
تصل الليل بالنهار.
     وأمام هذا الأداء الدبلوماسي المدهش، الذي أراح
جميع الوفود وتكتلاتها التفاوضية، والذي سرق الأضواء حتى من الرئيس الفرنسي هولاند
نفسه، خصوصا لحظة تتويج هذا الجهد باتفاق تاريخي لطالما بدا بعيد المنال الى ما
قبل انعقاد المؤتمر – لم يكن أحد ليتصور أن تكون تلك نهاية المطاف بالنسبة للوزير
فابيوس، خصوصا وانه سوف يستمر في ممارسة مهامه كرئيس لمؤتمر الأطراف الحادي
والعشرين حتى انعقاد مؤتمر الأطراف القادم في مراكش في شهر نوفمبر القادم!
     البعض أشاع انه استقال والبعض الآخر قال انه
جرى ابعاده عن المسرح في لحظة لم ترق فيها انعطافته السياسية والدبلوماسية
المفاجئة في بعض الملفات العالمية الساخنة، لحكام قصر الأليزيه، فتقرر استبداله
بآخر “ملتزم بضوابط القصر”، وترضيته بمنصب شرفي هو منصب رئيس المجلس
الدستوري. علماً بأن العلاقة بين الرجلين فابيوس وهولاند، كانت قد تعرضت لنكسات خطيرة،
كانت إحداها عندما صوت لوران فابيوس بـ”لا” في استفتاء 2005 حول الدستور
الاوروبي، في تعارض تام مع الخط الذي حدده الحزب الاشتراكي، ما ادى الى ابعاده من
الامانة الوطنية للحزب واشتداد حدة الخلاف بينه وبين فرنسوا هولاند الذي كان حينها رئيسا للحزب الاشتراكي ومن بعد رئيسا للجمهورية. واستمر الجفاء بين الرجلين
لسنوات قبل أن يخفف من حدته وصول هولاند لمنصب رئاسة الجمهورية، الذي لم يستطع
تجاهل قيادات الحزب وخبراتها وعلى رأسها لوران فابيوس.
     هو طبعا قامة كبيرة في الدبلوماسية
العالمية. ومن الصعب تخيل امكانية تعويضه على المسرح الدولي في هذا الظرف الدقيق
الذي تمر به العلاقات الدولية والدور المميز الذي تضطلع فيها الجمهورية الفرنسية.