المنشور

أمريكا بعد الانتخابات

أفول زمن الثوابت

تشي كل الأمور بأن أميركا دخلت مرحلة طويلة من النزاعات الداخلية. وفي مقالة سابقة (“التقدمي”، عدد 157) بحثنا وإياكم في الجذور الاجتماعية الاقتصادية لما جرى في الانتخابات الأميركية. وبناء على تحلينا السابق لا يكمن الأمر في الخصومة السياسية بين ترمب والديمقراطيين وحتى مع قسم من الجمهوريين. ورغم الدهشة التي يثيرها مسلك ترمب السياسي فقد هيأ هذا الرجل لتمزيق “مختلف الأقنعة” التي كشفت عن مجمل مركب المشاكل الاجتماعية الاقتصادية التي لم يعمل أحد في أميركا على حلها منذ عقود طويلة، حتى انفجرت مواجهات اجتماعية سياسية حادة وانقساماً مجتمعيا خطيرا. “بفضل” مواصفاته الخاصة استدعى ترمب إلى الظهور كل “الأرواح” الممكنة – من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار في صراع بين “أميركتين” مختلفتين. الأولى – أميركا المحافظة والتقليدية التي تضرب بجذورها في تصور الوافدين الأوائل، القادمين من أوروبا، الباحثين عن الحرية الفردية و”القرن الذهبي” المتميز عن الآخرين. الثانية – أمريكا الليبرالية، المرتبطة بطاقات الإبداعات الاجتماعية وغيرها، التي حولت أميركا على مدى 150 عاما من مُنزَوٍ فخور بذاته إلى مهيمن في السياسة العالمية. هذه الاصطفافات – المشاكل تراكمت منذ ثمانينات القرن الماضي، فطفت على السطح في شكل ما سمي “بالحرب الأهلية الباردة” التي باتت تهدد مستقبل أميركا.
قد يتراجع لبعض الوقت أنصار ترمب، وليس أنصاره فحسب، بل، ببساطة، خصوم بايدن، لكن ليستجمعوا قواهم ويعيدوا تنظيم أنفسهم على مستوى أفضل. ويصعب تقدير كم ستكون شدة الموجة القادمة، وبأي قدر ستستعر الصدامات. ولا يخفف من الخطورة تصوير أجهزة الإعلام الوضع بأنه قريبا ستتم معاقبة “الإرهابيين الداخليين”، وستعود المياه إلى مجاريها. كان من الواجب استيعاب خطوة المحتجين على أنها إشارة جدية بأن السياسيين يعملون تماما على غير ما يجب، وأنهم لا يجيدون حتى التداعي فيما بينهم للوصول إلى مساومات تاريخية. والآن صارت الأرض تميد من تحت أقدامهم، بينما هم ملتهون بلعبة العزل. لقد ضرب العجز تفكير النخب الأميركية. ويبدو كما لو أن الوحش النائم في أحشاء المجتمع الأميركي قد استيقظ من سباته.. أيقظته حماقات المعالجات الراهنة.
ومع كل حلقة جديدة في حلزون تاريخ هذا البلد يصبح التعايش أكثر صعوبة بين هذين النموذجين. لكن الأزمة الأميركية الداخلية تزداد وطأة لكونها تندلع في ظروف تغيرات مجمل النظام العالمي وتشكل جزءا منه. وهذا ما يفسر جزئيا حمأة النزال البعيدة عن أن تبرد. أصبح اختلال النظام الاجتماعي السياسي جدي للغاية. الليبراليون يستشعرون إمكانية النصر المؤزر – العوامل الديمغرافية والتكنولوجية تبدي شديد الضغط على أميركا التقليدية. والجمهوريون يدركون ذلك جيدا، ولذلك يسترشدون بمنطق “لا خطوة للوراء!”.
وجود ترمب كرمز في هذا الصراع كهرب هؤلاء وأؤلئك. والحيلولة دون عودته إلى الرئاسة بنتيجة انتخابات 2024 أصبحت هدفا مقدسا. لذلك غدت مسألة “العزل” قضية القضايا لدى الديمقراطيين، رغم أن ترمب لم يعد رئيسا. ويَرشَح من نوايا الجمهوريين الآن أنهم عازمون على طرح ثلاث قضايا عزل لبايدن في المراحل القادمة لإرباكه طوال فترة رئاسته، إن أكملها بصورة طبيعية دون أن يتنازل لصالح نائبته كمالا هاريس.
في ظل هذا الصراع العديم الآفاق بالنسبة لأميركا يزداد التذمر الشعبي من الرأسمالية ومن بنية المجتمع الأميركي حجما وعمقا. وأظهرت عدة استطلاعات للرأي ميلا متزايدا لدى قسم واسع من السكان نحو الأفكار الاشتراكية. لكن ذلك لا يقابله طرح نظري يقدم البدائل، حتى من جانب اليسار الحقيقي للأسف. ما تيسر لنا الإطلاع عليه من طرح اليسار لا يتعدى لحد الآن أهداف التحالف المرحلي بين تيارات اليسار المختلفة والحزب الديمقراطي والضغط لتعديل بعض الجوانب الاجتماعية في البرنامج الانتخابي للرئيس بايدن ووسائل تطبيقاتها بعد الانتخابات. وهذا مبرَر تكتيكيا، لكن حركة من يتطلعون صوب الاشتراكية لن تمتلك اتجاهها الهادف والفاعل ما لم تستند إلى نظرية ثورية تعالج تطور الرأسمالية في مرحلة هيمنة الرأسمالية المالية الاحتكارية وأزمتها المستفحلة، وتطرح البدائل. فالناس تعرف أن كل شيئ سيئ وأنها سئمت من ذلك، لكنها لا تجد حلولا. قسم آخر من اليسار يبدو مشوش الطرح. نعوم تشومسكي ناقد مرير للرأسمالية، لكن ما الذي يطرحه بديلا؟ مع كل الاحترام له، أشبه بالأناركية السنديكالية. أما برامج بيرني ساندرز فتحوم في إطار “اليسار الليبرالي”.
وفي ذات الوقت لا تملك الطبقات المسيطرة أية حلول لأزمتها بالمرة. بدلا من ذلك تُكثِر الحديث عن الشيوعية، وخصوصا الحزب الشيوعي الصيني لغرضين : كتوظيف لهذه “الشتيمة” للنيل من هيبة الصين وتفوقها الاقتصادي الملحوظ في المنافسة بين البلدين، والمقررة لمعالم تطور عالم المستقبل، ومن جهة ثانية كفزاعة – حذار من التوجهات الداخلية صوب “الشيوعية”. إذن إلى أين ؟ لا أحد يعرف.
كل هذا كان يمكن أن يعتبر أمرا أميركيا خالصا، لو أن أميركا لا تحتل مكانة عالمية متميزة. وآفاق خضات أميركا تقلق الكثيرين بسبب آثارها المحتملة على بقية البشرية. لكن هذا الأخير ليس قدراً مطلقاً، لسببين : أولا، أن انخفاض مستوى الهيمنة الأميركية العالمية يحدث حتى بدون النزاعات الداخلية الأميركية، أي بحكم التطور العالمي العام. ثانياً، بالمقاييس التاريخية عانى العالم الإنهيار المنظومي لدولة عظمى – الاتحاد السوفييتي، لكنه تكيف مع ذلك بسرعة معقولة.
ربما الإنجليز، الأكثر دهاء، أكثر من أدرك هذه الحقائق منذ زمن. وهم يعرفون جيدا كيف ينجون بأنفسهم. ويبدو أنهم ليس اعتباطا قفزوا من على ظهر سفينة “الاتحاد الأوروبي”. كما يبدو أنهم سيكيفون لصالحم حدث وفاة البارون بنجامين دو روتشيلد الشهر الماضي. وهو رئيس مجلس إدارة شركة “إدمون دو روتشيلد” الفابضة التي تشرف على المجموعة المالية الفرنسية السويسرية. هذا الحدث سيهيئ للفرع البريطاني من عائلة آل روتشيلد الصعود في عالم المال كونيا.
كما أن مناطق أخرى في العالم بدأت منذ زمن في رسم ملامح نظمها الإقليمية الخاصة ابتعادا عن المركزية الأميركية. ومما تقدم، ومع انتظار ومراقبة ما سيحدث في أميركا، يبدو أننا نقترب من لحظة إعادة صياغة جذرية للعالم – عالم بلا أميركا التي ستستغرق وقتا طويلا لإعادة بنائها الداخلي. نأمل أن يجدوا تلك الحقيقة والعدالة ويعودوا للعالم الكبير مُجدَّدِين.
لكن ماذا عن وضعنا الإقليمي في هذا العالم المتغير بتسارع نحو اللامركزية، وانتهاء حقبة قيادة دولة أوحد لمجمل العالم وتقرير مصائره؟ الرئيس السابق ترمب استعار من مبدأ الرئيس نيكسون “سياسة الركيزتين” (إيران الشاه كقوة عسكرية ضاربة في المنطقة + السعودية كصُرَّة المال) لترتيب أوضاع منطقة الخليج وتبعا لذلك الجزيرة العربية وكامل الشرق الأوسط. على أن تقوم هذه الركائز بضبط أوضاع المنطقة. ترمب يتبع ما يشبه هذا المبدأ تمهيدا لابتعاد أميركا تدريجيا في سياق شعار “العودة إلى الدار” الذي آمن به. وواضح أن الرئيس الحالي جوزيف بايدن سينسف مبدأ ترمب (هنا كما في كل شيئ)، ويعود أدراجه إلى رؤية رئيسه السابق باراك أوباما تجاه الخليج والجزيرة العربية، بما يعني إحداث توازن للقوى في المنطقة بين إيران وجاراتها الخليجية، مع إعادة إيران إلى المجتمع الدولي وعودة الأطراف المعنية إلى الاتفاق النووي الإيراني، وإنهاء حرب اليمن.
وهكذا تتبدل الاستراتيجيات الأميركية تجاه المنطقة مع تبدل الإدارات الرئاسية الأميركية. وبافتراض جاء الجمهوريون إلى الرئاسة بعد الانتخابات القادمة 2024 فستتبدل الاستراتيجية الأميركية نحو المنطقة من جديد. فأين رؤية دول المنطقة الخاصة إزاء أمنها الإقليمي الذاتي؟ هذا السؤال يطرح نفسه الآن بأضعاف قوة إلحاحه وحيويته في ظل المتغيرات الجديدة في الأوضاع الأميركية – العالمية، المتسمة بتراجع المركزية الأميركية ورياديتها للعالم !!