المنشور

“الساق على الساق” لأحمد فارس شدياق

حكاية أديب علّمه الترحال

يقال بأن خيوط السرد تكشفت أمام القارئ العربي مع رواية “الساق على الساق” لأحمد فارس شدياق. هل هي رواية أم سيرة ذاتية و أين موقع الشعر من كل ذلك ؟

يروي كتاب “الساق على الساق” حياة البطل “الفرياق” منذ ولادته وحتى منتصف عمره. ويرمز هذا الاسم الى اسم الكاتب وعائلته. قد نطلق عليها رواية تشكيل على غرار “سنوات تعلم فلهلم مايستر” لغوته، الا إن لهذه الرواية مذاقاً آخر يدمج الشعر مع السرد. بروح استكشافية، سرد شدياق مغامرات الفرياق أثناء تنقله من موطنه لبنان إلى مصر ومالطا وتونس وإنجلترا وفرنسا، ولأن في السفر غذاء للفكر، كانت هذه الرحلات تمدّ المؤلف بموضوعات غنية تتضمن مناقشات مشوقة متنوعة المجالات كالجهل وفساد المؤسسات، وحرية الضمير وحقوق المرأة، والعادات والتقاليد بين الأوروبيين والشرق أوسطيين والفروق بين الآداب الأوروبية والعربية المعاصرة مع الاحتفال بتفرد وجمال اللغة العربية الفصحى.

لم تكن لهذه المواضيع فرصة للنقاش لولا السفر: “بمجرد أن قرر مغادرة الجزيرة للذهاب إلى أرض الإنجليز، قال له الجميع: “أنت ذاهب إلى بلد لا تظهر فيه الشمس أبدًا”، قال أحدهم ؛ وأضاف الآخر: “تطأ أرضاً لا ينبت فيها حنطة ولا خضر. لن تأكل إلا اللحم والبطاطس صباحاً ومساءً! […] ولكن عندما وصل إلى إنجلترا، وجد أن الشمس كانت هي الشمس ذاتها، والهواء هو الهواء، والماء هو الماء، هناك الرجال والنساء ، والنساء و الرجال، المنازل تحتوي على أناس، المدن مزدهرة، والأرض وفيرة بالمحاصيل، ومغطاة بالمروج. […] لحسن الحظ لم يستمع إلى مخبريه. أيها المسافر، إذا كنت قلقًا بشأن الاضطرار إلى التخلي عن النرجيلة أو تدليك قدمك قبل النوم، فاعلم أن هذه الأرض المليئة بالوفرة ستظهر لك ما يكفي لنسيان الجنة التي تعيش فيها عادةً. […] كيف تتنازل عن السفر لبلدٍ لا يتكلم لغتك، إلى موطن فكرة مختلفة عن وطنك؟ قد تحتوي قبعة الغريب على أفكار وانعكاسات لم تمس أبدًا الجانب السفلي من أنفك: قد تجعلك تتأمل، وقد تجعلك ترغب في معرفة العقلية التي تقبع فيها هذه الأفكار الجديدة”

لو لم يسافر شدياق، ولو لم يقرأ أعمالاً عالمية بلغتها الأم، فلربما ما كان أحدث التغيير الذي أحدثه في الأدب العربي. ليس لأن الأدب العربي كان بحاجة للتغيير، ولكنه في ذلك الوقت كان أكثر ميلاً للشعر من السرد، فأتى شدياق بفكره المنفتح على الأديان والأفكار المختلفة لاستحداث أنواع سردية جديدة، حتى صار البعض يقول بأن السرد بدأ مع شدياق. ساقت رضوى عاشور على سبيل المثال بأن الرواية العربية الأولى قد تكون الى حد كبير “الساق على الساق” . لا شك في كون أحمد فارس شدياق شخصية من الشخصيات التأسيسية في الأدب العربي الحديث. ولد في 1805 لعائلة مارونية بارزة في لبنان، وأصبح كاتباً وناشراً رائداً وشاعراً ومترجماً، لا وبل كان له دور أساسي في تطوير الصحافة العربية.

ترجمت رواية “الساق على الساق” إلى لغات مختلفة كالإنجليزية والفرنسية، و في مجلدات ثنائية اللغة. بمهارته، جعل شدياق اللغة متجانسة، ونظم النثر من دون تغيير الهجاء، فكان للسرد مكان للشعر مكان:
“بالجملة فإنّ فكري كان دائماً يحوم على الشِّعر، فكنت أتصدى لنظم كل ما يخطر ببالي من المعاني، غير أنّي كنت أشعر، وأنا أشعر بأنّ بضاعتي فيه مزجاة؛ لأنّي كنت أجد في الكتب من الألفاظ اللغويّة ما لم أدرك معناه، فلم يكن ما أدركته كافياً لصوغ المعاني التي أريدها”.

واضح تأثر العربي بالشعر في كتاباته السردية حتى اليوم. معظم الروائيين يهتمون بإيقاع الجملة النثرية، التي يجب أن تأخذ من الشعر تناغمه الموسيقي. إن كانت جمل شدياق شعرية، فذلك لأن شعور الكاتب أخذ منحى أكثر جمالا مع الشعر، وإيصال هذا الشعور كان مهماً بالنسبة لكاتب نازح، أرغم على ترك لبنان بعد اعتناقه البروتستانية وقتل شقيقه سعد شدياق. عاش شدياق بين بلدان عدة كالبيكارو، أو الشطاري المهمش عن مجتمعه، وهو يروي نظرته للمجتمع، فتغيرت أفكاره حول قضايا عدة وهو يكتب، كالسياسة، والمرأة والغرب والشعر والدين ليعتنق الإسلام فيما بعد، ويقضي نحبه عام 1887في اسطنبول، ونقل رفاته الى جبل لبنان. لم يعد الى بلده خالي الوفاض، بل بإرث أدبي كبير لا ينضب.