المنشور

مسار الحركة الشيوعية العربية: محاولة للمراجعة – محمد سيد رصاص



ارتبط نشوء الحركة الشيوعية العربية بثورة تشرين الأول/ أكتوبر البلشفية الروسية عام 1917. وكاد تفكّك الاتحاد السوفياتي عام 1991 أن يجعل الشيوعيين العرب في حالة موت سريري. يعطي هذا صورةً عن تبعية الحركة للمركز السوفياتي، وهو ما لم يكن مقتصراً على السياسة والتنظيم بل شمل الفكر والثقافة.


ومع ذلك، لم تكن هذه الحركة تعتمد على أوكسجين خارجي فقط، بل بلغت حدّاً بأن تكون قوّةً سياسيةً كبرى، في العراق وسوريا والسودان، فيما كان لها دور ثقافي كبير في مصر ولبنان، ويدّلُ على انغراز في التربة المحلية العربية.


ففي مراحل عدّة، كان العامل السوفياتي مساعداً لنمو الأحزاب الشيوعية، وتقويتها. فحينما انتصرت الحركة السوفياتية الرئيسية على النازية، ساعدت في نشوء وإحداث مدٍّ شيوعي عربي في العراق 1945-1948، وفي سوريا 1945-1947. كان دور موسكو في مساعدة الرئيس المصري جمال عبد الناصر في حرب 1956 عاملاً رئيسياً في نشوء مدٍّ شيوعي جديد في سوريا، في 1957-1958، وفي العراق 1957-1963، وفي مصر 1957-1958.


وفي مراحل أخرى، كان الموقف السوفياتي دافعاً لإحداث كوارث عند الشيوعيين العرب. موقف موسكو في تأييد قرار تقسيم فلسطين، وفي تأييد قيام دولة إسرائيل، دفع الشيوعيون العرب ثمنه غالياً في دمشق وبغداد، عامي 1947-1948. ودفع موسكو بالشيوعيين العراقيين للصدام مع العروبيين، إثر ثورة 14 تموز 1958. وكان سبباً في اعتقالات رأس سنة 1959 للشيوعيين السوريين والمصريين من قبل عبد الناصر.


فالمجازر المتبادلة بين الشيوعيين والعروبيين في العراق، بدأت في الموصل، في آذار1959، وبلغت ذروتها ردّاً على ما فعله الشيوعيون، هناك، بمجزرة ارتكبها البعثيون ضدهم إثر انقلاب 8 شباط 1963. حينها، ضغطت موسكو على الشيوعيين المصريين لحل حزبهم عام 1964، بعد زيارة خروتشوف للقاهرة، وعلى الشيوعيين العراقيين للتقارب مع حكم عبد السلام عارف، عبر «خط آب 1964». ثم ضغط الكرملين على الشيوعيين السوريين والعراقيين للركوب في مركبي النظامين البعثيين في دمشق 1972، وبغداد 1973. فيما قاد هذا الضغط السوفياتي على الشيوعيين السودانيين إلى التعاون مع النميري، وإلى انشقاق الحزب الشيوعي السوداني عام 1970، وإلى الدفع بعبد الخالق محجوب، الرافض لضغط موسكو إلى انقلاب 19-22 تموز 1971 الفاشل.

في مراحل ثانية، كان العامل الذاتي سبباً في النمو والانغراز في التربة المحلية. يُلاحظ ذلك في الحزب الشيوعي السوداني، بين النشوء في 16 آب 1946، وضربة النميري في 22 تموز 1971. وحتى في مرحلة ما بعد إعدام محجوب، والشفيع الشيخ، استطاع الشيوعيون السودانيون اثبات أنهم رقم صعب في المعادلة السياسية السودانية، طوال أربعة عقود لاحقة. وهذا لم ينتج عن مهارات ذاتية فقط، بل عن تجذّر الحزب عميقاً في التربة المحلية.



في العراق يُلاحظ هذا في فترة قيادة يوسف سلمان يوسف، «فهد»، للحزب بين عامي 1941 و1947، وفي فترة قيادة حسين الرضي، «سلام عادل»، 1955 -1963. وعندما تحوّل الشيوعيون العراقيون، في الفترة الأولى، إلى قوة كبرى في الأوساط العمالية والطلابية، سيطروا على فئة المثقفين. وفي الأوّل من أيّار 1959، أنزلوا مليون شخص إلى شوارع بغداد، في بلد لم يتجاوز مجموع سكانه، يومها، عشرة ملايين نسمة.
كان هناك نمو ذاتي في الحزب الشيوعي السوري في فترة النضال ضد ديكتاتورية الشيشكلي (1951-1954). وبعد سقوطه، وبداية الفترة البرلمانية، حيث عكست الأصوات الكبيرة التي أخذها خالد بكداش في دمشق في انتخابات 1954 ذلك. كذلك الأصوات التي نالها أحمد محفل في حلب، عندما كاد أن ينجح أمام مرشح حزب الشعب. وكان النمو الكبير للحزب عام 1957 مؤدياً إلى تحوّل الحزب إلى القوة السياسية الكبرى في دمشق. وهو ما دفع عروبيين كثيرين للارتماء في أحضان عبد الناصر، خوفاً من ترجمة المدّ الشيوعي في الانتخابات البرلمانية، المرتقبة، عام 1958.


وفي فترة 1967-1970، شهد الحزب الشيوعي السوري مدّاً في العضوية والامتداد، بحكم صدمة هزيمة 5 حزيران 1967. كانت أزمة الحزب في عامي 1971-1972، ثم انشقاقه عاملاً أساسياً في توقف ذلك المدّ، الذي كان ردّ فعلٍ على فشل عبد الناصر والبعث أمام اسرائيل. وهو ما شهدنا آثاراً له إثر هزيمة حزيران في سوريا. إذ تحوّل عروبيون كثر في «حركة القوميين العرب» و»حركة الاشتراكيين العرب» و»البعث» نحو الماركسية. وهو ما تولّدت عنه ظاهرة «الحلقات الماركسية»، بين عامي 1971-1973.


كان هذا التحول قد شمل الكثير من قيادات «حركة القوميين العرب» في الوطن العربي، من جورج حبش، إلى نايف حواتمة، ومحسن ابراهيم، وعبد الفتاح اسماعيل. لم يستطع الشيوعيون العرب تحويل هذه الهجرة إلى الماركسية عند العروبيين إلى نمو ذاتي، في التنظيمات الشيوعية. وهو ماقاد إلى نشوء تنظيمات ماركسية موازية للشيوعيين، كـ»منظمة العمل الشيوعي» في لبنان، و»رابطة العمل الشيوعي» في سوريا.


لم يكن هنا العامل الذاتي عند الشيوعيين قادراً على استيعاب هذه الهجرة، لذلك أدّى هذا إلى بناء بيوت موازية ولكن في الاتجاه الماركسي نفسه. وهو ما يدلُّ على تخلخل البناء الشيوعي الذاتي. فيما رأينا «الإخوان المسلمين» بعد خروجهم من السجن عام 1971 يستوعبون في مصر 1973- 1975 شباب «الاتجاه الإسلامي الجديد»، في الجامعات ويستوعبون «اتجاه سيد قطب»، الذي تنافر معهم في السجن، ما دفع حسن الهضيبي للردّ على سيد قطب في كتاب «دعاة لا قضاة»، عام 1969.


كان هذا التخلخل بادياً في السبعينيات عند الشيوعيين العرب بشكل عام، مع بداية موجة المدّ الإسلامي، لو لم يكن هناك أحزاب نمت بالسبعينيات، مثل «الحزب الشيوعي اللبناني»، في ظرف تنامي اليسار اللبناني أمام اليمين الكتائبي _ الشمعوني، وفي ظل الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان. وفي الثمانينيات، كانت هناك حالة جزرٍ عند جميع الشيوعيين العرب. وقد كاد التفكك السوفياتي أن يقود إلى الموت التنظيمي _ السياسي، وهو ما تفادته العديد من الأحزاب الشيوعية العربية. فيما هناك أحزاب شيوعية في تونس، وفلسطين، قد تخلّت عن الماركسية وعن اسمها الشيوعي، ولبست لبوساً أيديولوجياً _ سياسياً _ تنظيمياً آخر. وهو ما كان، أيضاً، حال الكثير من الشيوعيين العرب الأفراد الذين تحولوا إلى «الليبرالية الجديدة».


خلال ربع قرن من بدء التفكك السوفياتي، لم تجرِ حتى الآن مراجعة جديّة عند الشيوعيين العرب للتجربة، من أجل استخلاص خلاصات فكرية _ سياسية _ تنظيمية جديدة. هناك ملامح منذ 3 تموز 2013، مع سقوط حكم «جماعة الإخوان المسلمين»، في القاهرة. وهي التي تبدأ بها الموجات الفكرية _ السياسية _ العربية، «الليبرالية» عام 1919 مع سعد زغلول، و»العروبية» في 23 تموز 1952، والمد الإسلامي المصري في النصف الأول من السبعينيات، على انتهاء موجة المدّ الإسلامي، وبداية الجزر في حركة هذا التيار الفكري _ السياسي _ التنظيمي.


هذا يمكن تلمسه من البصرة إلى الرباط، ومن حلب إلى عدن. هناك ملامح على بدء موجة يسارية عند العرب، يمكن أن تكون العدّة الفكرية _ السياسية _ التنظيمية الحالية للأحزاب، والحركات، والتنظيمات الشيوعية، والماركسية العربية غير مناسبة أو قادرة على استيعاب هذا المد اليساري الجديد، إذا لم تقم بنفضة ذاتية كبرى في بيوتها الداخلية.
اقرأ المزيد

المرأة الحديدية

درست ديلما روسيف، رئيسة البرازيل السابقة، الاقتصاد، وقاومت مرض السرطان حتى انتصرت عليه. يشبّهها البعض بالمستشارة الألمانية ميركل لما هي عليه من قوة وعزم وإصرار، وهو ما أظهرته حتى بعد قرار البرلمان البرازيلي بتنحيتها عن منصب الرئاسة، في الكلمة الأخيرة التي ألقتها قبل مغادرتها القصر الرئاسي مقرة: «وقعتُ في أخطاء، لكن لم أرتكب جريمة»، معبرة وبتصميم عن عزمها على مواصلة «القتال» لتعود إلى الرئاسة ثانية، ولا تعني بالقتال هنا أنها ستحمل السلاح، وإنما إظهار العزم على خوض معركتها مع خصومها حتى النهاية، عبر القانون، تماماً كما لجأ الخصوم إلى القانون لإزاحتها.


ولو كانت أمريكا اللاتينية تعيش ظروف سبعينات القرن العشرين لما تردد هؤلاء الخصوم بإزاحتها عبر انقلاب عسكري، على دأب الجنرالات في تلك المرحلة، بالإطاحة بالرؤساء الشرعيين الذين وصلوا إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع كما فعل الجنرال بينشويت مع الرئيس التشيلي المنتخب سلفادور الليندي، لكن زمن الانقلابات العسكرية، كما زمن الكفاح المسلح أصبحا ماضياً في القارة التي ولجت اللعبة الديمقراطية، لتنقل المعركة من ساحة السلاح إلى ساحة السياسة.


توصف ديلما روسيف أيضاً بالمرأة الحديدية وهو نفسه اللقب الذي كان يطلق على مارغريت تاتشر رئيسة الوزراء البريطاني الأسبق، التي لم تكن تجد غضاضة في أن توصف بأنها «الرجل الوحيد» في حكومتها، في إشارة إلى طغيان شخصيتها على باقي فريقها الحكومي. ومثلها لم تجد روسيف غضاضة في تقريع وزرائها علناً، ولا غضاضة في القول للصحفيين، ولو على سبيل المزاح: «أنا المرأة الفظة الوحيدة في البرازيل ومحاطة برجال لبقين».


ولدت لأب بلغاري، وهو محامٍ يساري الميول هاجر إلى البرازيل في نهاية عشرينات القرن العشرين هرباً من الاضطهاد قبل أن تصبح بلغاريا تحت الحكم الاشتراكي. من الأب، على ما يبدو، ورثت البنت البالغة اليوم ثمانية وستين عاماً، ميوله اليسارية، ما عرضها للاعتقال والتعذيب فترة الحكم العسكري بين الستينات والثمانينات الماضية، حين حكم عليها بالسجن ست سنوات، قضت منها، سجينة، ثلاثاً على الأقل.


عنها قال معلمها رئيس الجمهورية السابق لولا دي سيلفا الذي عينها وزيرة: «لقد وصلت ومعها حاسوبها الصغير. وبدأنا نتناقش وشعرت بأن لديها شيئاً مختلفاً». ورغم أنها ليست من الوجوه التاريخية في حزب العمال، إلا أن دي سيلفا حين عزم على عدم ترشيح نفسه دفع بها مرشحة لرئاسة البلاد خلفاً له، ففازت في ولايتين متتاليتين بالمنصب، ما جعلها تتفاخر في وجه من أطاحوا بها: «لقد عزلتم الرئيسة التي جاءت بأصوات 54 مليون ناخب». 
اقرأ المزيد

ما بين قوة فرد العضلات والقوة الناعمة..روسيا نموذجاً

اختارت مجلة “الايكونومست” البريطانية الشهيرة
وضع الجزء العلوي من صورة الرئيس بوتين داخل مجسم حديدي مجوف لعملاق بعضلات مفتولة
يستعرضها على طريقة لاعبي كمال الأجسام، وعنونت الصورة بكلمتين موحيتين
“القوة الخارقة..الجوفاء”





(Hollow superpower)





، وجعلت من هذا التصوير موضوعا لغلاف عددها الأسبوعي
الذي يغطي الفترة 19-25 مارس 2016.


وقد أفردت لهذا الموضوع 5 صفحات كاملة من بينها افتتاحية
المجلة التي حملت عنوان الغلاف إياه (القوة الخارقة..الجوفاء)، فيما خصصت الصفحات
16 و 17 و 18 للحديث عن حرب بوتين في سوريا بغرض رفع أسهم شعبيته داخل روسيا، بحسب
المجلة. ومواصلة لتغطية الدور العسكري والسياسي الروسي في سوريا، أفردت المجلة
صفحتها رقم 31 للحديث عن الجانب السياسي والدبلوماسي الذي مثلته المبادرة الروسية
الأمريكية المشتركة لحل الأزمة السورية.


في المقدمة، ما أن تبدأ في قراءة موضوعها حتى تتأكد من
صحة مقولة “إن بعض الكتب تُقرأ من عناوينها”. فلقد حفل بمفردات عدائية
ساخنة، هي مزيج من التهكم والسخرية والكيد والتحريض الصريح للولايات المتحدة ولحلف
الناتو لاتخاذ “مبادرات” حربية ضد روسيا، ونشر مزيد من القوات الأطلسية
في جمهوريات شمال البلطيق السوفييتية السابقة، ولكأني بكاتب تلك المقدمة أراد
تمثيل حالة الغضب والحنق البالغين وهو يخط مقدمة العدد.
في الموضوع الثاني الذي حمل عنوان “استراتيجية
المسرح” (الحربية)، فإن صفحاته الثلاث (16،17،18)، كُرست تماما للهجوم الشخصي
على الرئيس الروسي بالاستعانة بالخطاب الاعلامي البريطاني الكلاسيكي المنتمي
لسنوات الحرب الباردة..من كيد وقدح وذم في روسيا وتسقيط طاقاتها الاقتصادية
بالحديث عن مفعول العقوبات الغربية ضدها. ولم تنس المجلة في معرض هجومها الغاضب
على الرئيس الروسي، الإشادة بخطة الرئيس الأمريكي باراك أوباما التي أعلنها في شهر
فبراير الماضي، القاضية بزيادة مخصصات الانفاق العسكري الأمريكي في بلدان وسط وشرق
أوروبا، بما فيها دول البلقان، الى 3.4 مليار دولار، قبل أن تنهي المجلة موضوعها
بتحدي الرئيس بوتين ارسال قوات برية لأوكرانيا وسوريا بدلا من سياسة الاستعراض
الجوي. 
   





واستكمالا للتغطية الواسعة التي حظيت بها روسيا ورئيسها
في هذا العدد من المجلة المذكورة، فقد أفردت لهما موضوعا ثالثا (صفحة 31) حمل
عنوان “مفاجأة روسيا في سوريا..بوتين صانع سلام”، انصب للتقليل من شأن
ما أسمته المجلة “مفاجأة بوتين الجديدة”، المتمثلة في قرار سحب معظم
القوات الروسية من سوريا واطلاق جولة جديدة من محادثات السلام بين أطراف الصراع في
سوريا. إذ ترد المجلة على بوتين بالقول إنه لم يسحب كامل قواته، فلازال هناك 12
طائرة حربية على الأقل مرابضة في طرطوس بالقرب من اللاذقية ستواصل تحليقها من
هناك، ولازال هناك حوالي 1000 من المستشارين العسكريين والقوات الخاصة
متواجدين  للرد على أي طارىء، ولازالت
منظومة صواريخ أس-400 منصوبة على الأراضي السورية. والنتيجة، بحسب المجلة، أن
بوتين وفر مبلغ الثلاثة ملايين دولار يوميا، هي تكلفة عمليته العسكرية في سوريا،
في ذات الوقت الذي أبقى على وجوده هناك. ولا تنس المقالة أن تبدي أسفها على تضاؤل
ما أسمته التفاهمات الأمريكية الروسية لتقسيم سوريا الى ثلاثة أقاليم، اقليم غربي
يمتد من اللاذقية في الشمال نزولا حتى العاصمة دمشق، وتحكمه غالبية علوية، واقليم
في الشمال الشرقي يحكمه الأكراد السوريون، وما تبقى يشكل الاقليم الثالث الذي ستحكمه
غالبية سنية سيتم توفير الدعم الجوي الغربي والروسي لها لتحرير مدينة الرقة من
سيطرة داعش.


الآن وبعيدا عن لغة الحرب الباردة التي لازالت تغلف
الخطاب الاعلامي البريطاني الكلاسيكي، وبضمنه مجلة الايكونومست، فإن الموضوعية
تقتضي التسليم بصوابية جوهر ما ذهبت اليه المجلة في عددها المشار اليه آنفا، وهو
لجوء روسيا في عهد الرئيس فلاديمير بوتين لسياسة فرد العضلات العسكرية الضاربة
كأداة لتحقيق الأهداف السياسية. في ذات الوقت الذي صارت فيه الولايات المتحدة في
عهد الرئيس باراك أوباما تميل أكثر لاتباع سياسة “القوة الناعمة” أو
“القيادة من الخلف” كما سماها الرئيس أوباما نفسه، ولكن من دون التخلي
عن “سياسة العصا الغليظة للقوة العسكرية الضاربة” الأثيرة دائما لقلوب
قادة المؤسسة الأمريكية الحاكمة، والتي أمنت للولايات المتحدة على مدار العقود السبعة
الأخيرة، هيمنة كونية شاملة. 


سياسة استخدام قوة “العصا”، لها أكلاف باهظة
ولها متطلبات لا تستطيع كبريات الدول تحملها اذا لم تكن “عوائدها”
المادية والاستراتيجية تفوق تلك الأكلاف. الصين مثلا لا تفضل مجاراة الولايات
المتحدة في استخدام “عصاتها” العسكرية لتعضيد وتعزيز وتوسيع قوتها
الاقتصادية “الضاربة” ونفوذها العالمي. هي أميل الى
“الانتشار” الاقتصادي الهادىء في “أعالي البحار”، كالقارتين
الافريقية والأمريكية اللاتينية. حتى واشنطن بدأت تستشعر وطأة الكلفة الباهظة
والمتزايدة لاستمرار وظيفتها القيادية العالمية باستنفار (واستخدام إن اقتضى
الأمر) كافة أذرعها، العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، على مدار الساعة. وسمعنا
خطابات المرشح الجمهوري دونالد ترامب، التي انتقد فيها حلفاء بلاده الأوروبيين
الذين يتقاعسون عن تقاسم أكلاف الجهد القيادي الأمريكي العالمي مع بلاده، قبل أن
يطالبهم بدفع جزء عادل من تلك الأكلاف.


هل نجحت روسيا في توظيفها لـ”عصاها” العسكرية
الضاربة؟ وهل بوسعها المداومة على هذا التوظيف “كلما اقتضت
الحاجة”؟..يمكن القول بشيء من التحفظ أنها نجحت فعلا في جورجيا (استعادتها
لأوسيتيا الجنوبية التي احتلتها جورجيا لبضعة أيام في عام 2008)، وفي أوكرانيا
(استعادة شبه جزيرة القرم وسيفاستوبل من أوكرانيا في عام 2014)، وفي سوريا (منع
سقوط النظام السوري وإعادة تثبيته في مفاوضات الحل النهائي للأزمة السورية).
ولكنها لا تستطيع تأمين عنصرالاستدامة لمثل هذه النجاحات المبنية على ذارع القوة،
لأن طاقتها الاقتصادية لا تسعفها كما هو حال الولايات المتحدة التي تتمتع حصريا بامتياز
احتكار صك عملتها واجبار العالم على تداولها. 
اقرأ المزيد

غورباتشوف يعترف

لعلها المرة الأولى التي يعترف فيها آخر رئيس للاتحاد السوفييتي السابق، ميخائيل غورباتشوف، بمسؤوليته عن انهيار تلك الدولة العظيمة في عام 1991، بهذا الوضوح والصراحة.
لقد سبق له في مناسبات سابقة، بينها حديث أجرته قناة «روسيا اليوم» معه منذ سنوات أن أشار إلى مجرد أخطاء فادحة رافقت عملية إعادة البناء «بيروسترويكا» التي أطلقها، لكنه لم يقر بمسؤوليته المباشرة عما حدث، كونه على رأس الدولة والحزب الذي يحكمها.
في ذلك الحديث قال إنه كان عليه أن يرسل بوريس يلتسين إلى مكانٍ ما، قاصداً إلى السجن، بعد أن اتضح تورطه في الفساد وسرقة أموال الدولة، لكنه تجاهل القول إنه لولاه ما كان بوسع يلتسين أن يصبح بالنفوذ الذي حازه، فهو من أتى به من مدينة نائية في أقاصي روسيا، كان مجرد مسؤول حزبي مغمور فيها، ليسلمه مسؤولية العاصمة موسكو، ويفتح أمامه أبواب التدرج الحزبي، على مصاريعها.
ولما أدرك يلتسين ضعف الرئيس الذي أتى به، تسلق السلالم، لا بطريقة درجة درجة، وإنما بالقفزات السريعة إلى أعلى، حتى أفلح أخيراً، هو وعصابة نافذة من رجال المافيا ذوي الميول الصهيونية، على ما بات مؤكداً، لا في إقصائه من موقعه فحسب، وإنما لإزالة مسمى الدولة التي كان يرأسها من الخريطة، وتفكيكها إلى جمهوريات، تورطت، غير مرة، في الاقتتال ما بينها.
بعيد ذلك مباشرة أجرت قناة تلفزيونية غربية حواراً مع غورباتشوف عما سيفعله في اليوم الأخير له كرئيس لدولة زالت عن الخريطة، فقال إنه سيذهب في الصباح إلى مكتبه في «الكرملين» ليجمع أوراقه الشخصية كي يأخذها إلى بيته الريفي خارج العاصمة، وبالفعل توجه في ذلك الصباح مع سائقه إلى هناك، ولكن حراس البوابات الخارجية للكرملين منعوه، بأمر من يلتسين، من مجرد عبور البوابة، وأعادوه أدراجه خائباً.
ما قيمة الندم اليوم بعد أن وقع الفأس على الرأس، لا على رأس غورباتشوف وحده، ولا روسيا وحدها، وإنما كل الأمم والشعوب التي كانت ترى في وجود الدولة السوفييتية عاملاً من عوامل التوازن في السياسة الدولية، حتى وإن اختلفت مع عقيدتها السياسية والإيديولوجية، بمن فيهم العرب، رغم أن بعض بني جلدتنا هللوا ساعتها لذلك السقوط، فكانوا أشبه بأول الراقصين في عرسٍ لم يدعهم أحد إليه؟
متحدثاً عن الحلقة المحيطة به يومها قال غورباتشوف: «كانوا يسرقون روسيا، حتى الآن لا أستطيع مسامحتهم على ما فعلوا»، لكنه نسي التساؤل عما إذا كان التاريخ سيسامحه هو شخصياً على ما اقترفه. 
اقرأ المزيد

هل يصمد “بريكس” أمام العاصفة أم يضمحل

في غضون سبع سنوات، ظهرت مجموعة “بريكس” التي
تأسست عمليا في منتصف عام 2009، على المسرح الدولي باعتبارها مركز ثقل سياسي
واقتصادي عالمي جديد، له رؤيته وسياساته الداخلية والخارجية المستقلة عن مراكز
صناعة القرار التقليدية الحاكمة في العلاقات الدولية. حيث توجت عملها الإئتلافي
الهادىء المتمثل في السرعة النسبية  لبلورة
تجمعها كإطار جديد للقوى المتنافسة في الفضاء الكوني، بإعلان تأسيسها في يوليو عام
2014 لأهم مؤسستين اقتصاديتين ذات تأثير مبتغى في العلاقات الاقتصادية والنقدية
العالمية، هما بنك التنمية برأسمال مشترك يبلغ 100 مليار دولار، وصندوق مشترك
برأسمال قدره 100 مليار دولار لتمويل العجوزات وقت الأزمات الطارئة التي قد تتعرضت
لها أية دولة عضو في التجمع.
لكن سرعان ما ارتفع هزيز الرياح الهابة من جهة الغرب
باتجاه بلدان المنظومة الوليدة، فراحت تغرق الواحدة تلو الأخرى (راجع المقال
السابق “بريكس تحت الضغط، الخليج ؟؟؟؟)، في أزمات سياسية واقتصادية، باتت
معها الأنظمة السياسية الحاكمة فيها، لاسيما في البرازيل وجنوب افريقيا، تحت تهديد
الاقصاء من السلطة، خصوصا بالنسبة للرئيسة البرازيلية ديلما روسيف التي تقاوم هجمة
شرسة ومنظمة تهدف ليس فقط لاقصائها من السلطة في تصويت يوم الأحد 17 ابريل 2016 لمجلس
النواب البرازيلي البالغ عدد أعضائه 513 عضوا، من خلال إدانتها





(Impeachment)





التي تمهد الطريق لعزلها من
رئاسة البلاد، وإنما أيضا لتشويه صورة اليسار الحاكم في البرازيل وأمريكا
اللاتينية عموما، منذ وصول زعيمه لولا دا سيلفا الى السلطة في عام 2003. وقد علقت
الرئيسة البرازيلية على ذلك بالقول “إن البرازيل تعيش لحظات غريبة..ملؤها
التآمر والمهازل والخيانات والانقلابات”.
حتى الاعلام الغربي، الأمريكي والبريطاني تحديدا، الذي
واكب منذ عامين ونيف عملية تسقيط نظام الحكم في البرازيل، اقتصاديا (بالتركيز على
موضوع الفساد لاسيما في شركة بتروبراس النفطية الوطنية البرازيلية)، وسياسيا، لم
يتمكن من تقديم ما يثبت تورط الرئيسة البرازيلية في أي قضية من قضايا الفساد المثارة.
بل ان الواجهة الاعلامية الأبرز في المملكة المتحدة لم تجد بدا من الاعتراف بأنه
لم يثبت تورط الرئيسة البرازيلية في عمليات فساد، ولكنها تصر على أنها مسؤولة عن
عملية تدليس أرقام أداء الاقتصاد البرازيلي لتزيين صورة حكومتها قياسا الى أدائه
قبل حوالي سنتين من تسلمها قيادة البلاد.
الهدف صار قاب قوسين أو أدنى من التحقيق، على الأقل في
البرازيل، وذلك برسم الانقسام المجتمعي الذي سوف يفرز انعطافةً نحو اليمين، يلي
ذلك، التفرغ لنظام الحكم الوطني الذي أشاده حزب المؤتمر الوطني الافريقي وزعيمه
التاريخي الراحل نيلسون مانديلا في جنوب افريقيا. وسقوطهما سوف يعني نهاية
توجهاتهما السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية، على نحو ما يحصل الآن
للأرجنتين بعد انتهاء الولاية الثانية للرئيسة كريستيانا كوشنير وحزبها الحاكم حزب
جبهة النصر البيرونية وفوز مرشح اليمين ماوريسيو ماكري في الانتخابات التي جرت في
شهر نوفمبر من العام الماضي.
لقد خسر “بريكس” عمليا الأرجنتين التي كانت
المرشحة الأولى للالتحاق به في قمته المقبلة في مدينة غوا الهندية خلال الفترة من
15-16 أكتوبر المقبل. فبمساحتها البالغة حوالي 2.8 مليون كيلومتر مربع (ثامن أكبر
دولة في العالم)، وعدد سكانها البالغ أكثر من 43 مليون نسمة (2015)، واجمالي
ناتجها المحلي البالغ حوالي واحد تريليون دولار (2015)، كانت ستعزز ركائز وجود
“بريكس” في أمريكا اللاتينية الى جانب البرازيل. الارجنتين الآن في ايدي
اليمين الذي اعاد البلاد الى صراط مؤسسات النظام المالي الغربي. “بريكس”
لا يناسبها، فهو يمثل سياسة الاستقلال وقادتها الجدد لا يريدون الاستقلال وانما
القبول بقواعد اللعبة الاقتصادية الغربية، ومنها القبول بأوامر المحاكم الأمريكية التي
سمحت قبل أيام للحكومة الأرجنتينية الجديدة بالتفاوض مع صناديق التحوط الأمريكية
الدائنة للأرجنتين. هذا المصير هو ما هو منتظر للبرازيل في مقبل الأيام.
هل ستؤثر هذه المستجدات على ائتلاف “بريكس”؟
بالتأكيد سوف تؤثر. تفكك المنظومة ليس واردا، على الأقل في المديين القريب
والمتوسط (حتى 3 سنوات)، إنما سوف تفقد زخمها بفقدان تجانس وتلاقي رؤى المؤسسين
لها. من حيث أن من اجتمع لتأسيسها في عام 2006، كانوا قادة يمثلون خطاً ذا نزعات
استقلالية في السياسات الوطنية لبلدانهم، أما وقد تعرضت البنى الحاكمة في بعض
بلدانها لانقلاب كامل في الرؤية المركزية للعالم ولعلاقاتها به، فإن الصورة ستتغير
حكماً.
تجمع “بريكس”، هو أحدث محاولة جدية لإحداث
اختراق نوعي في النظام السياسي والاقتصادي الذي أشادته الولايات المتحدة بعد نهاية
الحرب العالمية الثانية، والذي جعلت مركزية صناعة القرار السياسي والاقتصادي
والنقدي، وأدوات صناعة هذا القرار فيه، في أيديها حكراً وحصراً. واعتبرت أي محاولة
لتغيير هذا الواقع بمثابة تحدي لسلطانها وتعدي للخطوط الحمراء التي رسمتها في
الحياة الدولية. قبل “بريكس” كانت هناك حركة عدم الانحياز التي أشادها
زعماء حركات التحرر والاستقلال في بلدان آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية، مثل
تيتو ونهرو وعبدالناصر وسوكارنو؛ وكانت هناك أيضا منظمة الوحدة الافريقية. وكل هذه
المحاولات قد انتهت الى الاضمحلال والتلاشي.
فهل يكون “بريكس” استثناءً من هذا المآل شبه
المحتم؟ ربما..إذا ما أسعفته المصادفات التاريخية والانعطافات الفجائية في الأحداث
العالمية، وإذا ما قُدر لروسيا والصين الاستمرار في لعب دور النواة المستقطبة
للدول الجسورة والراغبة في وضع صياغة جديدة متوازنة لنظام العلاقات الدولية. 
اقرأ المزيد

فلسفة محضة ؟ الفلسفة صراع فكري في حقل السياسة، ومهمتها تغيير العالم لا تفسيره









“جميع
البشر فلاسفة”، هذه هي احدى المقولات الاساسية التي يكررها الكُل بفعل هيمنة
غرامشي الطاغية. لكن هل هذه المقولة صحيحة ؟ أكل البشر فلاسفة ؟









.




نعم ولا








.




كل البشر فلاسفة  “الفلسفة البديهية”، ولكن ليس الكل “فلاسفة”
بالمعنى المحدد للكلمة









.




لنضع هذا الكلام على
جانب للحظة









.




ما الذي اكتشفه ماركس
؟ “ فلسفة” جديدة ؟ أم “ علماً “ جديداً ؟. نحن نسمع في عدة مواضع، ولا سيما في
كتاب ماركس مثلاً ( الايديولوجيا الألمانية – 1845) نقضاً لكل فلسفة بإعتبارها
وهماً او خيالاً، وفي عدة مواضع أخرى حديثاً عن “ فلسفة” ماركسية ( في صراعات
إنجلز او لينين). مريب حقاً، خطاب واحد يحتوي على امرين متناقضين









.




حقاً الامر سيكون
مريباً اذا نظرنا  إلى هذه المسألة بشكل “
واحدي” : إما فلسفة او علم. لكن اذا فهمنا الامر على نحو : إن إكتشاف ماركس كان
بالأساس إكتشافاً علمياً : ايّ حدثاً معرفياً، بإيجاد علم جديد الذي هو علم
التاريخ، سنفهم لِمَ توجد احاديث فلسفية كذلك. نحن نعلم إن احدى الاوهام التي
تنتجها الفلسفة هو ذاك الوهم الشمولي المطلق : “ فلسفة محضة ”، إنها امر خارج مدار
العالم العملي، خارج عن الممارسة، إنها فعل “تأملي” بحت. لكن هذا هو فعل “
إنكاري” لوظيفة الفلسفة نفسها









.




يقول كانط، تبعاً
لنظرة هوبز لطبيعة التجمع الإنساني، إن فضاء الفلسفة هو “ الكل ضد الكل”. فالفضاء
هذا ساحة حرب، كل طرف يحاول ان ينال من الآخر. وبما إن الحرب الفلسفية هذه، في
نهاية الامر، صراع ما بين المادية والمثالية، فإن مستقبل الفلسفة -كما يقول إتيان
باليبار- هو هو ماضيها، في تكرارية زمنية.  
نحن نعلم مسبقاً، إن لا يمكن للفلسفات ان توجد دون العلوم، هذا اذا اقتصرنا
نظرتنا في علاقة “ العلوم” بالفلسفة، دون النظر في زوايا اخرى التي نظر فيها آلان
باديو مثلاً : السياسة، والفن، والحب، الخ، فمن دون العلوم تبقى لدينا نظرات
عالمية فقط. الفلسفة، اذن، تكرارية، إن تاريخها هو التكرار، لذا ليس لها تاريخاً









.




تبقى المسألة: دون
العلوم لا فلسفات، فقط نظرات عالمية. حيث العلوم هي الشرط الأساسي في توليد
الفلسفة، كإعادة تنظيم مقولاتية لمفهومات علمية. وبذلك، بما أن الفلسفة ساحة حرب،
فالفلسفات تمثل “ موقعاً” معيناً، الذي هو، في نهاية المطاف موقعاً طبقياً. وبما
إن كل حرب تضمن “ العنصرين” فلا يوجد ما يسمى بكتلة “ مادية” محضة وكتلة “ مثالية”
محضة. لنفسر الأمر قليلاً










:




إن العلم الماركسي (
الذي هو علم التاريخ) ولّد فلسفةً مع نشأته كحدث نظري، ايّ في لحظة إنقطاعه وتكونه
كمعرفة علمية. صحيح إن في علم التاريخ هذا، الثورة الفلسفية أعلنت قبل تأسسه بشكل
كامل، او قبل، بتعبيرات لينين،  وضع حجر
زاويته ( في كتاب رأس المال – 1867)، في ( أطروحات حول فويرباخ) عندما أعلن ماركس
إن على الفلسفة  ”تغيير العالم”
وليس “تفسيره”. إن هذا الإعلان الفلسفي لم يكن منفصلاً عن” لحظة” او “
الظرف” في الإنصهار السياسي، بل انفجر في تطور المراحل السياسية عند ماركس بالذات،
فإن هذا الإعلان أتى مع تبنيه لموقع الطبقة العاملة في السياسة، إن “ التغيير” هو
واجب على الفلسفة. الثورة الفلسفية هذه مهدت، وفتحت الطريق لتكّون “ علم التاريخ”.
لكن هذه الفلسفة، كذلك، لم تولد بشكل “ فلسفي”. الفلسفات تولد كهي بذاتها، ايّ في
شكلها التأملي، ايّ كفلسفات، بينما الفلسفة الماركسية ولدت بشكل “لا فلسفي”، ايّ
ماركس أوجد ممارسة جديدة للفلسفة، لا فلسفة جديدة، حيث اكتشافه هو -اساساً- علمي









.




هنا تظهر اطروحة
جديدة حول الفلسفة : إنها صراع سياسي في الحقل النظري، وان من واجبها – كما يقول
لينين وآلتوسير- رسم خطوط التفرقة ما بين ما هو ايديولوجي وما هو علمي في الحقل
ذاته، وبذلك، وفقاً لهذا كله، تقول الاطروحة : إن في التاريخ الفلسفي، الصراع فيه
ليس خارجياً وحسب، بل أيضاً داخلي









.




صحيحة الأطروحة
القائلة إن تاريخ الفلسفة هو عبارة عن صراع، في نهاية المطاف طبقي، ما بين التيار
المادي والتيار المثالي، إلا ان هناك شيئاً مفقوداً في هذا، ويمكننا ان نعدل ( وهو
تعديل نجده عند مهدي عامل ، وآلتوسير، وبيير رايموند، وبيير ماشيري)  هذه الاطروحة بقولنا : إن تاريخ الفلسفة هو عبارة
عن صراع ما بين التيار المادي، الذي فيه نفسه، صراعاً هيمنياً ما بين النزعة
المادية والمثالية، وما بين التيار المثالي، الذي فيه صراعاً هيمنياً ما بين الميل
المثالي والمادي. إن في هذا القول جانب ( النطاق النظري)، اما في الطرف الاخر من
القول نفسه، يجد النطاق السياسي ممارسته النظرية في هذا التضاد، ايّ واقع الصراع
السياسي الذي نجده في شكله النظري، فالصراعات الفلسفية هي ليست ميكانيكية، ولكن
عناصر ( سياسياً) او نزعات (فلسفياً) كل طبقة تتداخل مع الأخرى.

 فالفلسفة المادية الماركسية، في نشأتها، وكذلك
تطورها، ليست كتلة “ مادية” متكاملة واحدة، دون ميول “ مثالية”، فمادية المادية هي
النزعة الغالبة او المهيمنة في هذه الحالة، لأن يستحيل “ الإنقطاع” في الفلسفة،
وإلا سيكون تفكيرنا تفكيراً وضعياً. فالفلسفة هي تمثيل سياسي في العلم، وتمثيل
علمي في السياسة. إما إن تشكل عنصراً تقدمياً ( ثورياً) لتقدم العلم نفسه، او
ترجعه إلى مقولات مثالية بورجوازية قديمة مثل : “الإنسان”، “الحرية”،
“المساواة”، “العدالة”.














لهذا السبب، لهذا
السبب وحده .. تحلق بومة (منيرفا) في الليل، بعد النهار، بعد كل شيء









..




 

         




 

اقرأ المزيد

أزمة التعددية السياسية في الدول العربية

عندما نتحدث
عن التغيير السياسي والاجتماعي نتحدث عن حاجة الشعوب إلى الحقوق المدنية والسياسية
والدستورية والتعددية وحقوق الانسان عامة من أجل الغاء الاستغلال والقهر بأشكاله
المختلفة، وغياب ذلك يعني ثمة فجوة كبيرة بين الدولة والمواطنين وهو أحد الأسباب
المسؤولة عن تصاعد التوترات والاحتقانات.

ولا يمكن ان
يكتمل البناء الديمقراطي ويتطور إلا بإصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية
والاجتماعية والثقافية، وهذا يقتضي الالتزام بالحقوق والواجبات والوحدة الوطنية
والولاء للوطن لا لغيره.

والملاحظ كما
يقول الفقيه الدستوري محمد نور فرحات في كتابه “البحث عن العدالة” أن
أغلب الدساتير العربية قد نصت صراحة على الحقوق والحريات إلا أن هذه النصوص
الدستورية لم تؤد إلى إشاعة مناخ وفلسفة التعددية السياسية في المجتمع، أما لوجود
نصوص دستورية أخرى تحظر إنشاء أحزاب الرسمي على باقي الأحزاب الأخرى، وأما لا حاله
الدستور إلى التشريع العادي ليقيد هذه الحقوق والحريات وليصادرها نهائياً من خلال
وسائل تشريعية أخرى.

وإذا ما
أردنا الحديث عن التعددية السياسية، تجدر الإشارة إلى أن نصوص حقوق الإنسان تصبح
فارغة المضمون في ظل بناء تشريعي يقوم على الإيمان العميق على مبدأ احتكار السلطة!

وعن هذه الإشكالية
يتحدث فرحات وبإسهاب عن إنكار السلطات الحاكمة في أغلب الدول العربية لمبدأ
التعددية السياسية، الأمر الذي كان وراء كثير من مظاهر الازمة العربية الراهنة،
وهي أزمة يقول عنها بإيجاز: العجز عن أحداث تنمية اقتصادية – إجتماعية مستقلة
متحررة من إسار التبعية عن تأمين العجز تأمين الحد الأدنى من احترام حقوق الانسان وتعدد
مظاهر انتهاكات هذه الحقوق على مستويات مختلفة.

إن أزمة
التعددية السياسية في الدول العربية نابعة من إصرار النظم العربية الحاكمة على
تهميش المواطن عن المشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بمصيره، وانفراد جماعة
معينة أيا كان توجهها الاجتماعي والسياسي وأيا كان سند شريعتها باحتكار السلطة
السياسية والانفراد باتخاذ القرارات، وهذا بحد ذاته، وفضلا عما فيه من مصادرة حقوق
الانسان، يصيب حركات الفصل السياسي العربي بالتحجر والجمود والعجز عن مواجهة
تغيرات الواقع الاجتماعي الديناميكي لأنه ينطوي على مواجهة هذا الواقع الذي يفرض
كل يوم تغيرات جديدة برؤية سياسية ثابتة واحدة لا تغيير مما يجعل جماعات الحكم
عاجزة عن لتعامل معه في نحو رشيد.

وعلى هذا
الأساس وفي ضوء الواقع التشريعي في البدان العربية يصبح – في  رأيه- المطالبة بإعادة تشكيل البنية السياسية
العربية لتأمين حق المواطنين في المشاركة السياسية وضمان الاعتراف الفعال
بالتعددية السياسية من أجل السماح بتداول السلطة السياسية بين مختلف الجماعات
الاجتماعية ذات الرؤي المتميزة، تصبح هذ المطالبة بإلحاح امراً لازماً ليس فقط
إيماناً بجدوى الديمقراطية واحترام حقوق الانسان وانما من أجل ترشيد الأداء
السياسي العربي وكطريق وحيد للخروج من المأزق العربي الراهن.

ولا يقف
الأمر عند هذه الإشكالية فهناك قضية على جانب كبير من الأهمية والخطورة وهي وضع
مؤسسة الجيوش العربية في سياق التعددية السياسية في العالم العربي، وإذا تأملنا
حقيقة الواقع السياسي في هذه الدول نجد (على جد تعبير فرحات) أن المؤسسة العسكرية
العربية تباشر الحكم والسياسية إما بطريقة سافرة في شكل حكم عسكري معلن، وإما
بطريقة غير سافرة من خلال موقعها المؤثر في قلب النظام السياسي العام. إذن
فالحقيقة التي لا مجال للمجاملة فيها ان المؤسسة العسكرية قد احتلت موقعها طوعاً
او كرهاً في قلب النظام السياسي العربي. ولكن المعضلة التي تتطلب توافر الجهود
للتفكير في حل لها أن المؤسسة العسكرية العربية وإن أسهمت في صنع المسار السياسي
للعالم العربي إلا أنها لا تعكس رؤى منسجمة ومتسقة من الناحية الاجتماعية من ناحية،
وترفض بحكم تراثها العقلي من ناحية أخرى ان تعترف بحق الأطراف الأخرى في منظومة
التعددية في الوجود والتأثير وتداول السلطة!

ومن أهم
التحديات التي تواجه التعددية السياسية وأكثرها خطورة تتمثل – كما يراها فرحات –
في موقع قيمة التعددية لدى عديد من الإيديولوجيات التي يطالب أصحابها بها كوسيلة
للوصول إلى السلطة.

وبعبارة أخرى
فانه إذا ما استعرضنا الخريطة السياسية في المجتمعات العربية فسرعان ما سنكتشف أنه
رغم أن عديداً من الجماعات السياسية خارج السلطة تطالب بإلحاح بإشاعة مناخ
التعددية السياسية كوسيلة لتداول السلطة وعدم إحتكارها، إلا أن نفي الآخرين والايمان
بوحدانية الحقيقة التي تعلنها، تقعان في قلب بنائها الأيديولوجي، الامر الذي يضفي
شكوكاً جدية حول ما إذا كانت هذه الجماعات تؤمن بالتعددية وبتداول السلطة كموقف
مبدئي أم تتخذ هذه الشعارات كوسيلة للوصول إلى السلطة ثم يأتي بعد لك شأن آخر!

يصدق ذلك على
الإسلاميين الذين تصر كثير من أطروحاتهم على نفى الآخرين وعلى أن التعددية تعني
التناقض وليس التكامل، لأن حزب الله لابد وأن التناقض مع حزب الشيطان ويتنافى معه!

وهذه
المطابقة بين الحقيقة الدينية والحقيقة السياسية سرعان ما تؤدي بطريق اللزوم
والتداعي إلى أن تصبح هذه الحقيقة الأخيرة حقيقة مقدسة لا تقبل النقاش ولا التعايش
أو الحوار مع غيرها، ويصدق ذلك أيضاً على بعض الأحزاب السياسية العربية المتطرفة
التي تطالب بالديمقراطية والتعددية كخيار حضاري لإدارة المجتمع في حين أن
ممارساتها السياسية لا تسمح بذلك!





 

 

اقرأ المزيد

منظمات المجتمع المدني في البحرين


 


– 1


المرحلة الأولى


















منذ فترة يدور الحديث
عن منظمات المجتمع المدني والدور الذي يجب أن تلعبه إن صح التعبير في بلادنا ، ولكن
قبل ذلك علينا أن نذكر أهمية وجود منظمات أو هيئات المجتمع المدني في أي مجتمع يعمل
على ترسيخ النشاط  المدني التطوعي المنظم بصفته
جزء رئيسي من البناء الفوقي للمجتمع أو على حد تعبير المفكر الإيطالي غرامشي ( البنية
الفوقية ) للمجتمع ويقصد بها (الاتحادات و النقابات العمالية والنسائية والطلابية ،
والمثقفين والكتاب وغيرها من المنظمات والهيئات المجتمعية ) في  وصفه للمجتمع المدني ، الذي يعنينا هنا هو منظمات
المجتمع المدني في بلادنا البحرين ، نستطيع القول بأنه مضى عليها زمن طويل، إذا اعتبرنا
بأن الأندية الأدبية والثقافية أو التي تشكلت منذ عشرينات القرن الماضي، وفيما بعد
الأندية الرياضية والثقافية في ثلاثينات القرن الماضي   من ضمن منظمات المجتمع المدني في تلك الفترة التاريخية
، فمضى حوالي قرن من الزمن على وجود المجتمع المدني، أعتقد بأن الوجود الحقيقي للمجتمع
المدني  وتبلوره و تطوره  في بداية ومنتصف خمسينات القرن الماضي  بنشوء العديد من المنظمات المدنية بما في ذلك الجمعيات
النسائية وكثرة الأندية  الرياضية والثقافية  والفرق الفنية وإصدار العديد من الجرائد و الصحف
اليومية والأسبوعية ، والتحاق العديد من الطلبة للدراسة  في الجامعات العربية و تشكيل الروابط الطلابية في
الخارج وقبل ذلك وجود الطبقة العاملة البحرينية منذ عام 1932م بسبب اكتشاف البترول
في البحرين، وتأثير ثورة يوليو عام 1952بقيادة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر وصعود
حركة التحرر الوطني في البلدان العربية والعالم ، مما ساعد على  انتشار الأفكار القومية، وأيضاً الأفكار الاشتراكية،
مما  أعطى 
زخماً قوياً لتبلور وتشكيل مجتمع مدني، سوف تتضح ملامحه بشكل أفضل في سنوات
لاحقة، بعد تأسيس أحزاب الحركة الوطنية البحرينية ، بعد ضرب هيئة الاتحاد الوطني في
عام 1956م ، والدور الذي سوف تقوم به تلك الأحزاب الوطنية









.



 










2














المرحلة الثانية







 

تبدأ من بداية الستينات
حتى منتصف السبعينات من القرن الماضي، تبلور الوعي الوطني والطبقي وانخراط العديد من
أبناء شعبنا في صفوف تنظيمات الحركة الوطنية البحرينية وتزايد تشكيل الروابط الطلابية
في الخارج التي ضمت الطلبة البحرينيين الدارسين في الجامعات العربية والأجنبية، وتصاعد
النضال الوطني ضد الاستعمار البريطاني ( سلطات الحماية) والرجعية من أجل الحرية والاستقلال
الوطني والديمقراطية والتقدم الاجتماعي، جاء اندلاع انتفاضة مارس 1965م ، ليشكل محطة
هامة من محطات النضال الوطني في تاريخ البحرين، على أثر تسريح شركة بابكو 1500 عامل
على دفعات ، اشتعلت مدن و بعض قرى البحرين ، تضامناً مع العمال المفصولين، قمعت الانتفاصة
بوحشية وسقط الشهداء والجرحى وسيق العديد من المناضلين إلى غياهب السجون والمعتقلات
في القلعة وجزيرة جدا، وأضطر آخرون للجوء للمنفى . بعد قمع انتفاضة مارس 1965م المجيدة
، عملت جبهة التحرير الوطني البحرانية على تأسيس منظمات جماهيرية مثل  شبيبة جبهة التحرير، الاتحاد الوطني لطلبة البحرين
في الداخل، بالإضافة إلى اللجان العمالية والنقابية في بعض من مواقع العمل، وفي عام
1969 تأسست أسرة الأدباء والكتاب من مجموعة من الأدباء والشعراء والمثقفين البحرينيين
في جلهم محسوبين على الحركة الوطنية البحرينية، و بعد عام تقريباً تأسس مسرح أوال في
عام 1970م ، وقبله تأسست جمعية أوال النسائية، وأشهرت رسمياً في 25 مارس 1970، بعد
نيل البحرين استقلالها الوطني  في 14 أغسطس
من عام 1971م ،  من ( سلطات الحماية البريطانية
) تصاعد النضال المطلبي العمالي وتأسست اللجنة التأسيسية للعمال والمستخدمين وأصحاب
المهن الحرة ، عمال من ( التحرير + الشعبية + مستقلين ) قادت الاحتجاجات والمسيرات
والتظاهرات العمالية المطالبة بحرية العمل النقابي وغيرها من المطالب العمالية توجت.
ذلك بما عرف بالانتفاضة العمالية في مارس عام 1972، قبل الاحتجاجات العمالية ،  تأسست جمعية الريف النسائية في 5 فبراير عام
1972، أول جمعية نسائية تتأسس في قرى البحرين، بسبب مواقف القوى الرجعية لم تشهر الجمعية
إلا في مرحلة الانفراج السياسي في عام 2001م، وتأسس الاتحاد الوطني الطلبة البحرين
في الخارج  في 25 فبراير عام 1972م ، من الروابط
الطلابية البحرينية في الخارج، حيث عمل على نشر الوعي السياسي والنقابي في صفوف الطلبة
البحرينيين وشكل رافداً  من روافد الحركة الوطنية
البحرينية ، وبفضل التظاهرات العمالية في مارس عام 1972، وعلى أثر بعض الوعود التي
أدلى  بها حاكم البحرين الراحل الشيخ عيسى بن
سلمان ، إلى ممثلي الأمم المتحدة الذين أشرفوا على الاستفتاء حول عروبة البحرين في
عام 1970م ، بإصدار دستور للبحرين و إقامة انتخابات نيابية، جرت انتخابات المجلس التأسيسي
في عام 1972م ، و انتخابات المجلس الوطني في 7 ديسمبر 1973م ، التي فازت فيها بعض الكتل
النيابية أبرزها كتلة الشعب اليسارية، فى تلك الفترة التاريخية في البحرين ، حدثت تطورات
هامة على صعيد نشاط منظمات المجتمع المدني ، أهمها تشكيل النقابات العمالية والمهنية
الأربع: في شركة البا ، وزارة الصحة ، الإنشاءات ، الكهرباء














في تلك الفترة  أيضاً تأسس اتحاد الشباب الديمقراطي البحراني (
أشدب ) في 16 مارس من عام 1974،كمنظمة شبابية تقدمية، نظم المئات من الشبيبة في صفوفه
 وأدخل الوعي الوطني والطبقي لديهم وناضل من
أجل  مطالب وحقوق الشباب في التعليم والعمل
والسكن، ودفع مناضلوه الثمن باهظاً من الاستشهاد والاعتقال والنفي والفصل من العمل
والمنع من السفر لمواصلة دراستهم ، حدث  هذا
أيضاً مع أعضاء الاتحاد الوطني لطلبة البحرين في الخارج، هاتان المنظمتان بالاضافة
إلى اللجان العمالية السرية والجمعيات النسائية ، وجمعية المحامين البحرينية التي تأسست
في عام 1975م ، وتم إشهارها في عام 1977م ، وبعض الأندية الرياضية التي كانت تقوم بأنشطة
ثقافية و فنية، و الفرق المسرحية ، وأسرة الأدباء والكتاب ، كانت تشكل أهم منظمات المجتمع
المدني في تلك الفترة التاريخية الهامة من حياة شعبنا، هذا يعود إلى الوعي الوطني الذي
يتحلى به أعضاء منظمات المجتمع المدني ، لا وجود لاصطفافات طائفية أو فئوية









.


 










3











 


المرحلة الثالثة




تبدأ من منتصف السبعينات
من القرن الماضي حتى نهاية عام 2000م ، ما قبل الانفراج السياسي في فبراير 2001م ،
مرحلة قانون أمن الدولة السيء الصيت، جاءت بعد حل المجلس الوطني المنتخب في 26 أغسطس
من عام 1975م ، كانت الأجواء في البحرين قمعية ، حيث زُجّ بمناضلي الحركة الوطنية من
( التحرير والشعبية ) وبعض من النواب اليساريين أعضاء كتلة الشعب في غياهب السجون والمعتقلات،
وعلقت بعض مواد دستور 73، في هذة الحقبة السوداء من تاريخ البحرين ، قدم شعبنا قوافل
من الشهداء والمعتقلين والسجناء السياسيين والمنفيين على مدار ربع قرن  ومن مختلف الإتجاهات السياسية والفكرية في البحرين
، ففي مثل هذه الظروف الصعبة نشط كوادر وأعضاء ومناصرو الحركة الوطنية البحرينية في
العديد من منظمات المجتمع المدني ، وتأسست بعض الجمعيات  ذات أبعاد مهنية مثل  المهندسين والأطباء، الاجتماعيين ، الفنانين  التشكيليين في منتصف سبعينات وثمانينات القرن الماضي
وفرقة أجراس الفنية في الثمانينات وفي بداية التسعينات جمعية الاقتصاديين  ومسرح الصواري وغيرهما









.


 










4














المرحلة الرابعة


















منذ بداية الانفراج
السياسي في شباط من عام 2001م ، بعد التصويت على ميثاق العمل السياسي ، وإطلاق  سراح المعتقلين والسجناء السياسيين  وعودة المنفيين والسماح بممارسة  النشاط السياسي بالعلن تحت مسمى ( الجمعيات السياسية
) وصدور دستور عام 2002، الذي حدث  حوله خلاف
بالرغم من إجراء انتخابات مجالس البلدية في مايو 2002، وانتخابات مجلس النواب في أكتوبر
2002، في تلك الفترة  برزت بين الجمعيات المعارضة
ماعرف بثنائية ( المشاركة والمقاطعة ) وظل الخلاف 
قائماً لعام 2006 ،  في هذه المرحلة  توسع نشاط منظمات المتجمع المدني وتأسست العشرات
من الجمعيات النسائية والشبابية والحقوقية والفنية والثقافية وغيرها بالإضافة إلى السماح
بتأسيس النقابات العمالية بعد إصدار جلالة الملك مرسوم   بقانون رقم ( 33) لسنة 2002، بإصدار قانون النقابات
العمالية في سبتمبر من عام 2002، بتعديل مرسوم قانون العمل في القطاع الأهلي لسنة
1976م، مما  فتح آفاق للعمال والموظفين لتأسيس
نقاباتهم في مواقع العمل المختلفة للدفاع عن مطالبهم وحقوقهم









.

في السنوات الأولى
كان نشاط منظمات المجتمع المدني ملحوظاً في المجتمع ووسائل الإعلام ، كما صدرت العديد
من الجرائد المحلية اليومية والأسبوعية والشهرية، وفي فترة لاحقة صدرت نشرات  الجمعيات السياسية، وكانت أول نشرة صدرت باسم  ( أخبار المنبر ) ( التقدمي حاليًا )  نشرة تنظيمنا في شهر يناير 2003م ، كان حراك منظمات
المجتمع المدني نشطاً و ملموساً، وأيضاً الجمعيات السياسية ومجلس النواب في دورته الأولى
والثانية ، والمجالس البلدية ، كان هامش الحريات العامة وحرية الرأي والتعبير أوسع
مما عليه الآن.

 هناك رأي يقول بأن نشاط جمعيات و منظمات المجتمع
المدني قلٌ عمّا  كان عليه في فترة قانون أمن
الدولة ، حيث الكثير من الكوادر و الأعضاء في تلك الجمعيات التحقت بالجمعيات السياسية
لتنشط فيها ، وتحديداً جمعيات المعارضة من ( التيار الديمقراطي ) ، هذا الرأي نعتقد
بأنه صائب ، لهذا نرى النشاط قلّ شيئاً فشيئاً عن السنوات الأولى من مرحلة ( الانفراج
السياسي ) ولاحقًا ضعف ، وبعض من الجمعيات توقف نشاطها وأخرى تم حلٌها من قبل المؤسسين
أو وزارة العمل والتنمية الاجتماعية لأسباب عدة ، وتبدو أوضاع بعض جمعيات المجتمع المدني
اليوم صعبة للغاية، بانعدام الحماس  وروح المبادرة
لم تعد موجودة لدى العديد من الناشطين في تلك الجمعيات بالأخص  إذا أخذنا بعين الاعتبار بأنه  ( عمل تطوعي ) يأخذ الكثير من الوقت والجهد، دون
أن يسمع من ينشط في هذا المجال  كلمة ( شكر
أو تقدير  ) يصاب البعض بالإحباط واليأس، أضف
لذلك قلة الموارد المالية من أجل تنفيذ بعض المشاريع أو البرامج المقررة سلفاً ، والبعض
لا يستطيع دفع إيجار المقر، كما حدث للعديد من منظمات المجتمع المدني، مثل الاتحاد  النسائي البحريني الذي تم إشهاره في 28 فبراير من
عام 2006م ، قرأنا في الصحافة بأنه  لم يستطع
تسديد الإيجارات التي عليه إلى صاحب العقار ( المقر) لأشهر ، و لكنه  حلّ الموضوع عن  قريب، مثل هذا الاتحاد الذي في عضويته  جمعيات نسائية عريقة ومناضلة ، ألا يستحق أن يحصل
على  عقار ( ملك خاص ) له أسوة ببعض الجمعيات
التي حصلت على أموال ومقرات لا تاريخ يذكر لها









.

هذه نبذة عن  تاريخ منظمات المجتمع المدني، نأمل أن تسمح لنا الظروف
بالتوسع فيها وتطويرها.





 


 


 


 

اقرأ المزيد

الحاجة إلى الوحدة الوطنية

تتزايد
الدعوات إلى الوحدة الوطنية بهدف معالجة تداعيات الأزمات التي يواجهها المجتمع،
لكن هذه الدعوات تبدو للعديد من فئات المجتمع دعوات مبهمة في ظل عدم تصحيح الأوضاع
المؤدية للازمات، ومن هنا يبرز السؤال ماذا نعني بالوحدة الوطنية؟

يتكون التعريف اللغوي للوحدة الوطنية
من مفردتين هما (وحد) أي إتحد الشيء والشيئان أو الأشياء وصارت واحدة.









 

والوطن
ويقال (أيطن) وطناً أي أقام به؛ والوطن مكان إقامة الإنسان وإليه انتمائه.

من خلال التفسير اللغوي
للمفردات المكونة للوحدة الوطنية يمكن القول إن الوحدة الوطنية تعني حالة التعايش
والقبول بين مختلف مكونات المجتمع الواحد، بما يكفل التساوي في الحقوق والواجبات،
وبما يضمن اقتناع أعضاء المجتمع، بشرعية النظام السياسي كجهاز له حق اتخاذ القرارات
وإلزام الأفراد باحترامها، واحترام النظام السياسي من جانب آخر لمكونات المجتمع
كقوة يستمد منها شرعيته، ويضمن لها القنوات العادلة والكفيلة للتعبير عن إرادتها.

إلا أن المجتمع البحريني الذي
يعرف بطابعه التعددي، يعاني من استغلال


بعض الأطراف



لهذه التعددية في تغذية
الصراعات السياسية وتحويلها من طابعها المدني إلى طابع عصبوي يبنى على أساسات
طائفية، وعرقية، يغذيها في ذلك قدر البحرين الجغرافي  الذي أوقعها وسط دول كبرى على ضفتي الخليج
تتبنى الإسلام السياسي الطائفي منهجاً لها.

هذا التصارع الإقليمي سرعان ما
يترجم في الداخل مرجعاً كل اختلاف سياسي إلى حاضنه الإقليمي، ومدخلاً مكونات
المجتمع البحريني في دوامة من الاتهامات المتعلقة بإخلاصها لوطنيتها وانتمائها.

هذا الصراع يبدو منهكاً
للمجتمع، ومؤثراً في استقراره ونمائه، وفارضاً حالة من غياب الثقة بين أطرافه، ومعطلاً
لجميع مشاريع الإصلاح السياسي والاقتصادي بحجة غياب الاستقرار.

هنا تبرز الحاجة للوحدة الوطنية
لتجاوز هذا الحائط المسدود الذي يعطل تقدم المجتمع، لكن دعوات الوحدة الوطنية يجب أن
تنبع من قناعة جميع الأطراف باستحالة استمرار الأوضاع على ما هي عليه، وضرورة
التوصل إلى حل عادل لجميع الأطراف.

هذه القناعة لا تتأتى دون نزع
فتيل التعصب وإرساء سقف أدنى من التسامح، وهو ما يقتضي بيئة ينمو فيها ويترعرع
ويزدهر الاعتراف بالآخر، وحقه في العيش بسلام ومن دون خوف، وضمان حقوقه كاملة على
أساس المساواة والمشترك الإنسان، وإنصاف الأفراد والجماعات التي تعرضت حقوقها
للانتهاك، و

ا
لإقرار
بمعاناة جماعات تعرضت بسبب اللاتسامح وهضم الحقوق لمآس كبيرة.

إذا الإقرار بالمشكلة،
والاقتناع باستحالة المضي دون حلها تعد خطة أولى نحو حل كفيل بتحقيق الوحدة
الوطنية.

هذا يعني أن تحقيق الوحدة
الوطنية بحاجة إلى  مصالحة وطنية شاملة
تقوم على مبدأ العدالة الانتقالية تتمثل في لجنة وطنية يتوافق عليها شعبياً
ورسمياً، تتكفل بوضع خارطة طريق من أجل طي صفحة من الخلافات والصراعات داخل
المجتمع، على قاعدة الاعتراف بأخطاء الماضي، وجبر الضرر والتعويض، والإصلاح الشامل
في بنية النظام السياسي والاجتماعي، للانتقال إلى عهد جديد تسوده العدالة المبنية
على فهم مشترك بين مختلف مكونات المجتمع، مما يحقق الوحدة الوطنية.

دون ذلك ستبقى دعوات الوحدة
الوطنية دعوات رومانسية، يجدها كثيرون دعوات مهينة في ظل ما يعايشونه من معاناة مستمرة.

اقرأ المزيد

بريطانيا مع الاستقلال عن الاتحاد الأوروبي وضد استقلال اسكوتلندا !

كان مقررا أن يجري استفتاء شعبي في بريطانيا لتحديد بقاء
بريطانيا في الاتحاد الأوروبي من عدمه، في عام 2017. ولكن يبدو أن الأحداث
وتداعياتها محليا وأوروبيا، قد فرضت على الحكومة البريطانية التي يقودها حزب
المحافظين، إعادة جدولة أولوياتها، وتقديم موعد اجراء الاستفتاء الى الثالث
والعشرين من شهر يونيه/حزيران القادم.


لقد كانت الاعتراضات البريطانية على سياسات الاتحاد
الأوروبي المتعلقة بالهجرة، منصبة في الأصل على “تسكين” وتمكين مواطني الاتحاد
الأوروبي من الدول المنضمة حديثا للاتحاد الأوروبي، وتحديدا مواطني بلدان أوروبا
الشرقية والوسطى، من الوصول الى كافة المزايا الاقتصادية والاجتماعية التي يتمتع
بها مواطنو الدول الأعضاء في بلدانهم، على اعتبار أن ذلك يضيف أعباءً غير محتملة
في الموازنة البريطانية، فضلا عن مزاحمتهم للأيدي العاملة البريطانية في سوق العمل
البريطاني وتضخيم مستوى البطالة. إنما الذي أملى على الحكومة البريطانية تصدير هذا
الملف أولوياتها، هي الظروف الديموغرافية الاستثنائية التي تمر بها أوروبا منذ
أواخر العام الماضي، حين دوهمت بلدانها بموجة غير مسبوقة من تدفق اللاجئين عليها
من منطقة الشرق الأوسط، لم تشهدها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. حيث قدرت المنظمة
الدولية للهجرة عدد الفارين من الحروب والفقر في الشرق الأوسط وأفريقيا عبر تركيا،
إلى أوروبا، بأكثر من مليون نازحاً قسرياً. وخلال شهرين فقط، أي منذ بداية العام
الجاري وصل الى أوروبا حوالي مائة ألف نازح مقارنة بنفس العدد الذي وصل اليها في
العام الماضي ولكن في ستة أشهر.


ولأن القضية فرضت أولويتها، فقد كان متوقعا تبكير الحملة
البريطانية الحكومية المنظمة لتهديد وابتزاز مفوضية الاتحاد الأوروبي في بروكسل
والدول الأعضاء فيه، لاسيما تلك التي تتخذ مواقف متشددة من الطلبات البريطانية
باحترام “خصوصيتها” واستثنائها من حزمة الامتيازات (الحقوق) الاجتماعية الممنوحة
لمواطني الاتحاد الأوروبي. وذهب ديفيد كاميرون الى أكثر من دولة أوروبية، مركزية
وطرفية، للحصول على دعم حكوماتها للمطالب البريطانية. وعُقدت القمة الأوروبية التي
خصصت لهذا الموضوع وموضوع موجة النازحين من الشرق الأوسط، وحصل كاميرون فيها على
بعض التنازلات التي اعتبرها كافية لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، ودعا
البريطانيين للتصويت على ذلك في الاستفتاء الذي قررته حكومته في 23 يونيه/حزيران
القادم. فقد تحصل على: استثناء رعايا الاتحاد الأوروبي الى بريطانيا من مزايا معونة
العمل بشكل تلقائي، ولمدة 4 سنوات اعتبارا من اليوم التالي لإجراء الاستفتاء، من
دون الاخلال بميثاق الاتحاد حول حرية التنقل وعدم التمييز؛ استمرار السماح
للمهاجرين بتحويل أموالهم الى ذويهم في بلدانهم ولكن بكمية أقل مما هو حادث حاليا؛
احتفاظ بريطانيا بالحق في توقيف المشتبه بهم بالارهاب والاجرام حتى لو لم يكن
تهديدهم حالّا؛ عدم قبول الزواج المرتب من بريطانيات الهادف للحصول على جنسية
الاتحاد الأوروبي والعمل في بريطانيا. كما تنص الوثيقة التي حصل عليها كاميرون،
على أن بريطانيا غير ملزمة بخطوات تكامل سياسية للاتحاد الأوروبي؛ وحصول مجلس
العموم البريطاني على حق استخدام “الكارت الأحمر” بالتضامن مع







برلمانات “الدول المتماثلة في التفكير” (




(Like-minded





لمنع تمرير أي تشريع
تصدره المفوضية في بروكسل، والاعتراف قانونا لأول مرة بأن الاتحاد الأوروبي لديه
أكثر من عملة، وذلك حمايةً للجنيه الاسترليني؛ وأن لا تكون أموال دافعي الضرائب
البريطانيين خاضعة لدعم منطقة اليورو؛ وان أي قضية تمس كافة الدول الأعضاء يجب أن
تناقش من قبل كافة الدول الأعضاء في الاتحاد (الـ 28 دولة) وليس فقط الدول الأعضاء
في منطقة اليورو (18 دولة)؛ وأن يقوم الاتحاد الأوروبي ببذل الجهود لخفض
بيروقراطية مؤسساته خصوصا الصغيرة والمتوسطة التي تقول الحكومة البريطانية أنها
أضرت بقطاعات الأعمال البريطانية.


تدرك بريطانيا أهمية عضويتها الكبرى في الاتحاد
الأوروبي. فهي تحل ثانيةً بعد ألمانيا في حجم الأقتصاد، بإجمالي ناتج محلي يبلغ
2.945 تريليون دولار مقابل 3.859 تريليون دولار لألمانيا (المصدر: البيانات
الاقتصادية العالمية لصندوق النقد الدولي، أبريل 2015)، ناهيك عن قوتها العسكرية،
والتي من الصعب، إن لم يكن من الاستحالة بمكان للاتحاد الأوروبي أن يهدرها.
فالاتحاد الأوروبي هو في الواقع ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا واسبانيا
وهولندا، والباقي مجرد أعضاء عاديين تستقوي بلدان المركز بأعداد سكانهم ومساحاتهم
الجغرافية وترتيبا أسواقهم الاستهلاكية. ولذلك تستطيع بريطانيا ابتزاز كبار
الأعضاء والحصول على الاستثناءات التي ترومها. وقد حصلت عليها بالفعل تقريبا.
إنما سوف نرى هذه الدولة التي تهدد في كل مرة بالخروج
و”الاستقلال” عن الاتحاد الأوروبي – سنراها على مقلب آخر وهي ترفع
عقيرتها دفاعا عن وحدة وسيادة الأراضي البريطانية والتحذير من مغبة النزعة
الانفصالية لاسكوتلندا التي كانت مستقلة حتى 1 مايو 1707، والتي تشكل إحدى الدول
أو الأقاليم الأربعة للمملكة المتحدة (بريطانيا) الى جانب كل من إنجلترا، وأيرلندا
الشمالية، وويلز، المنشأة في عام 1800 ضمن إطار نظام ملكي دستوري. فقد قامت الدنيا
ولم تقعد في لندن حين قرر الاسكوتلنديون اجراء استفتاء للاستقلال عن بريطانيا.
وجرى الاستفتاء في 18 سبتمبر/أيلول 2014 في أجواء مشحونة بالتشنج والانفعال الناتج
عن تهديدات لندن لإدنبرة بالنتائج الاقتصادية الوخيمة لانفصالها عن بريطانيا، فكان
أن حصل معارضو الانفصال على 55.3% بينما كانت نسبة المصوتين لصالح الاستقلال
44.7%. ولكن المسألة لم تنتهِ بعد، فلقد حقق الحزب الوطني الاسكوتلندي

The
Scottish National Party – SNP)





) الداعي للاستقلال فوزا ساحقا في الانتخابات
البرلمانية التي جرت في 8 مايو/آيار 2015، بحصوله على





64






مقعدا من إجمالي المقاعد البالغ





128





، ليجدد العهد باجراء استفتاء ثاني وتحقيق حلم
الاسكوتلنديين في الاستقلال عن بريطانيا خصوصا اذا لم يوفِ ديفيد كاميرون بوعوده
التي أعطاها للاسكوتلنديين عشية الاستفتاء بمنحهم المزيد من الحكم الذاتي.


وكما أن من الصعب، إن لم يكن من الاستحالة بمكان انسحاب
بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لأن بريطانيا لن تجد بكل بساطة من يفتح لها ذراعها
الدافىء سوى “شقيقتها الكبرى” الولايات المتحدة، إنما البعيدة عنها
بآلاف الأميال، فإن من الصعب أيضا، اقتصاديا وجيوسياسيا وأمنيا، على الاسكوتلنديين
اتخاذ قرار مصيري وخطير بحجم الانسحاب من كيان المملكة المتحدة والاستقلال التام
عنها. فالمسألة هنا ليست محض استطلاعية للآراء، كما تبدو في الظاهر، وكما يتم
ترتيبها، وإنما هي خاضعة بالكامل لإدارة مراكز قوى جبارة تقيس مصالحها بالقلم
والمسطرة.
اقرأ المزيد