المنشور

من وحي مقطع من فيلم سوفيتي عن ابن سينا السينما السوفييتية والقضايا العربية

حظي مقطع من فيلم سوفييتي قديم يعود إنتاجه إلى أواسط القرن الماضي (1956)، ويتناول جوانب من حياة وإسهامات الفيلسوف والمفكر العربي – الإسلامي ابن سينا العلمية، لا سيما في مجال الطب، بإعجاب منقطع النظير لدى كل من شاهده من الروس والعرب على السواء، وذلك على إثر تداوله على أوسع نطاق في فضاء التواصل الاجتماعي؛ فقد تناولته بالتقريظ العديد من الصحف والقنوات الفضائية العربية.

ولا شك أن مبعث الإعجاب جاء لما انبهروا به بما يتمتع ذلك العالم الموسوعي الفذ من معرفة علمية معمقة في مجال الطب، وهو مجال واحد من عدة مجالات علمية نبغ فيها، وقد تجلى ذلك – كما يتبين من الفيلم – في التدابير التي دوّنها وأوصى مجتمعه باتباعها للوقاية من عدوى الأوبئة الفتّاكة، كالطاعون أو ما سُمي “الموت الأسود” المنتشر حينها في بلدته، فضلاً عن تشخيصه الدقيق لخواص الفيروس وكيفية انتشاره؛ حيث كان كلاهما (التشخيص وسُبل الوقاية) شديدي الشبه بما توصل إليه علماء عصرنا بخصوص الأوبئة، ومنها “كورونا” قياساً بمستوى التطور العلمي والتكنولوجي الذي بلغه مجتمعه والعالم وقتذاك (عاش بين عام 980 م إلى 1037).

وبقدر ما يثيره انتشار بين جمهرة كبيرة من الناس بذلك المقطع من الفيلم السوفييتي وإعجابهم به من ارتباح في النفس، بقدر ما يثيره من لواعج من الأسى لما آلت السينما الروسية من تراجع كبير، ليس منذ انهيار الاتحاد السوفييتي فحسب، بل وإبان وجوده أيضاً.

ولن يعرف المرء المكانة التي كانت تتميز به السينما الروسية، مالم يعرف على الأقل شيئاً من تاريخها العريق وما كانت تلعبه من أدوار بالغة الأهمية على مختلف الأصعدة الثقافية والسياسية والإجتماعية منذ نشأتها أواخر القرن التاسع عشر والتي جاءت بعد شهور قليلة من ولادة السينما العالمية في باريس أواسط القرن نفسه على إثر ظهور أول جهاز سينمائي في روسيا، والذي بفضله ظهرت الأفلام الروسية البسيطة، ثم أخرج كميل سيرف أول فيلم روسي تناول فيها تتويج نيقولاي الثاني قيصراً على البلاد في الكرملين.

على أن مؤرخي السينما الروسية يعتبرون المحطة التاريخية الأبرزفي نشأتها جاءت خلال عامي 1907 و1908 حيث أنتج الكسند درانكوف أول فيلم روائي “ستينكا رازين”، وتأسست أول مجلة سينمائية مختصة بشؤون السينما. وعلى إثر ثورة اكتوبر الاشتراكية 1917 بقيادة لينين دخلت السينما الروسية طوال ما يقرب من قرن حتى سقوط الاتحاد السوفييتي 1991 في مرحلة جديدة من الصعود والهبوط؛ وكان لينين نفسه قد أدرك منذ البداية الدور الخطير الذي يلعبه “الفن السابع” في الثقافة والتوعية السياسية بين الجماهير؛ فرفع شعاره الشهير “السينما هي الأكثر أهمية لنا بين جميع الفنون” ، وكان خير من جسّد هذا الشعار وآمن به بعمق – كرسالة نضالية اشتراكية وإنسانية – الفنان الكبير والمخرج سيرجي ايزنشتاين مخرج الفيلمين الرائعين: “المدرعة بوتمكين” و”الإضراب”، وهما أول فيلمين كبيرين بعد قيام الأتحاد السوفييتي.

وبشهادة معظم كبار النقّاد في العالم اُعتبر الفيلم الأول هو الأجمل على الإطلاق في تاريخ السينما العالمية. ومع أن عدد الأفلام التي أخرجها خلال حياته ضئيل إلا أنها عُدت مهمة وإبداعية تعكس بصمات ليس مخرج عظيم فحسب؛ بل ومنظّر استثنائي في الفن السابع، ولا سيما في طرائق الأنتاج الذي يصف أهميته الفائقة بتعبير “هو الفيلم بأكمله””.

على أن هذا الفنان العبقري العظيم لم يحظَ للأسف برعاية رسمية كافية خلال سيرته الفنية القصيرة في ظل الدولة السوفييتية؛ وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بحاجته إلى هامش من الاستقلالية لتحقيق طموحه وأحلامه السينمائية الكبرى التي وأدت بفعل الوصاية الرعناء المتعسفة من قِبل قيادة الحزب الشيوعي الحاكم، وبخاصة خلال عهد القائد الفولاذي “ستالين”، مثله في ذلك مثل ما تعرض له سائر المبدعين من فنانين وشعراء ومثقفين، فقد اُخضعت بعض مشاريع أعماله السينمائية للتضييق أو التبييت دون الترخيص بالمضي فيها ، من ذلك فيلمه ” ايفان الرهيب ” الذي صدر جزؤه الأول عام 1945، وظل جزؤه الثاني محجوزاً لدى الرقابة حتى عام 1958.

فيما حال رحيله المبكر سنة 1948 (عن 50 عاماً) دون تحقيق طموحه بإنجاز الجزء الثالث، وكالعادة لم ينجُ ايزنشتاين من التهم التنميطية الجاهزة، كالشكلانية والانحراف عن مبادئ الثورة وغيرها، وعندها أدرك أن المطلوب منه تمجيد “القائد الفولاذي” أكثر من مباديء الاشتراكية وثورة اكتوبر، رغم أنه نذر حياته النضالية الفنية من أجلها، هو القائل: “إذا كانت الثورة هي التي قادتني إلى الفن، فإن الفن أغرقني في الثورة كلياً”. وإلى جانب هذا المخرج برز مخرجون آخرون كبار من نظرائه السوفييت أمثال المخرجة إسفير شوب، و فسيفولود بودو فكين، وبوريس بارنت، وغيرهم ممن برزوا بعد رحيل ستالين حتى انهيار الاتحاد السوفييتي.

إن غايتنا من كل العرض السابق هو التنويه بأنه إلى جانب دور السينما السوفييتية في الداخل للترويج للفكر الاشتراكي، فقد كان لها أيضاً دور موازٍ مشهود لنشر رسالة هذا الفكر اُممياً في الخارج، علاوة على دعم حركات التحرر العالمية، ومنها حركة التحرر الوطني العربية التي نرى ثمة تقصير كبير تجاهها، رغم ما حققته من انجازات في هذا الصدد، ومنها الفيلم السوفييتي “إبن سينا” الذي تناولناه آنفاً.

وأياً كان الأمر؛ فقد كانت غايتنا مما تقدم من استعراض عابر للمحات مميزة في مسيرة السينما السوفييتية هي التنويه بالدور المفترض المغيّب الذي شاب تلك المسيرة طوال عمرها فيما يتعلق تحديداً بدعم بلدان حركات التحرر الوطني العربية في الجانب الإعلامي السينمائي، بحيث لا يقتصر دعم الاتحاد السوفييتي لهذه البلدان على الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية فحسب، بل يشمل الجوانب التراثية الفكرية الفلسفية والعلمية من الحضارة العربية – الإسلامية ؛ لاسيما أن روسيا كانت ومازالت أكثر دولة في العالم اهتماماً بالاستشراق وتزخر بمئات المستشرقين والمستعربين الذين قدموا دراسات تاريخية ولغوية موضوعية رصينة بخصوص التراث العربي الإسلامي؛ بل وفي تقديرنا أنه لولا هذه الدراسات المنشورة بالروسية لما أمكن كتابة سيناريو فيلم “إبن سينا”. وربما وُجدت بعض الأفلام الروسية من هذا القبيل لكن الأرجح لم يتم الاكتراث بترجمة حواراتها إلى العربية.

ولا شك أن مثل ذلك الدور لو أعتنت الدولة السوفييتية به لكان من شأنه تعزيز مكانتها لدى مختلف فئات الشعوب العربية الإجتماعية علاوة على تياراتها السياسة، وليس اليسارية فقط ؛ وهذا ما يعزز قوتها الناعمة في المنطقة. فلئن كان مقطع من فيلم يتناول جانباً من منجزات علَم واحد من أعلام الحضارة العربية الإسلامية قد حقق كل ذلك النجاح والصدى الإيجابي لدى ملايين العرب فلنا أن نتخيّل لو كانت الدولة الروسيا اليوم لديها مخزون وفير من الأفلام الروسية المترجمة إلى العربية التي تتناول التراث العربي، وهي أفلام تتميز عن السياسية – الدعائية بأنها دائمة المنفعة ولا تتخطاها الأحداث، ولا تموت على مر الزمن، ومن ثم يمكن إعادة عرضها مرات ومرات. صحيح هي في زمان الاتحاد السوفييتي ماكانت ستحقق الانتشار الذي تحققه الآن مع التطور الهائل وسائل التواصل الاجتماعي، لكن كان بالإمكان بدرجة أو اخرى تحقيق مستوى من الانتشار من خلال عرضها في المراكز الثقافية السوفييتية في عدد من العواصم العربية ودور السينما التجارية فيها.

وحتى قناة RT التي توجهها الحكومة الروسية وتقدّم نفسها كامتداد لسياسات الاتحاد السوفييتي في تبني القضايا العربية لم تتجاوب سريعاً مع ما حققه مقطع الفيلم من نجاح بحيث تعمد إلى ترجمته كاملاً؛ لولا أن قام بذلك المذيع اللغوي الفلسطيني في قناتها محمد أبوسمية بمبادرة تطوعية لترجمته أثناء الحجر المنزلي خلال إجازته المهنية . وصفوة القول أن الاتحاد السوفيتي السابق كان أكثر اهتماماً بترجمة الأفلام الدعائية، رغم ندرة ما هو مترجم منها، وكذلك ندرة أو انعدام وجود ترجمة للأفلام التي تتناول أعلام تراثه الأدبي العظيم، رغم ما يحظى به هذا التراث من شعبية كبيرة لدى النخبة الأدبية العربية وسائر القراء من عشاق الأدب الروسي وبخاصة الأعمال الروائية.

اقرأ المزيد

على العالم أن يفيق

يقول فيودور ديستوفسكي في روايته “الليالي البيضاء”: “على الرغم من أن الماضي لم يكن أفضل فإن المرء يشعر وكأنه كان أفضل على نحوٍ ما، وأن الحياة كانت أكثر سلمًا، وأن المرء كان خاليًا من الأفكار السوداء التي تطارده الآن”.
محقٌ ديستوفسكي. الماضي لم يكن أفضل من الحاضر بالضروة. التاريخ البشري شاهد على فظائع من الحروب والكوارث والانتهاكات، وكذلك على الأوبئة التي حصدت أرواح الملايين. يمكن أن نعيد إلى الذاكرة جائحة “الإنفلونزا الإسبانية” التي اجتاحت العالم بين عامي 1918 – 1919، وطالت نحو 400 مليون إنسان، فيما يترواح عدد من قضوا بسببها بين 50 إلى 100 مليون نسمة، أي أضعاف ضحايا الحرب العالمية الأولى التي كانت، يومها، قد انتهت للتو.
الماضي لم يكن أفضل، لكننا في هذه اللحظة بالذات، حيث العالم من أقصاه حتى أقصاه، مبتلى بهذه الجائحة الفتاكة، نشعر أن العالم، قبلها، كان أفضل، فها نحن نرى الشلل وقد أصاب الكثير من أوجه الحياة، فيما كبريات العواصم والمدن التي لم تكن تنام، وتعج بالحركة وضجيج الحياة وصخبها، تحولت إلى أشباح، وأصبحت أعداد هائلة من الناس ملازمين لأماكن سكنهم، ناهيك عن أولئك الذين في الحجر الاحترازي أو في المستشفيات، فيما فارق عشرات الآلاف الحياة، وتسود العالم حالًا من اللايقين حول الوجهة التي نحن إليها ذاهبون، حيث تتعاظم الأسئلة، فيما تظل الأجوبة قلقة ورجراجة مسكونة بالشك.
ما يتعين التفكّر فيه مليًا اليوم، في حال اجتاز العالم المحنة بعد شهور أو اعوام، هل سيعود إلى سابق عهده؟ إلى “الماضي الذي يبدو أنه كان أفضل”؟، أم أن هذا العالم سيطرح على نفسه السؤال الأكثر أهمية: هل حقاً كان العالم أفضل، أم أن الأمر لا يعدو كونه مجرد وهم. أم لم يكن هذا الماضي هو نفسه الذي قادنا إلى الكارثة التي نحن في لجتها حالياً؟.
عالم فرنسي في الأحياء اسمه ديدييه راوول ينطلق من الملاحظة التي تكاد تكون محل اجماع من أن تجربة العالم مع “كوفيد 19” كشفت أن الدول الغنية ليست أكثر استعدادًا من الدول الفقيرة للتعامل مع الوباء وهي غالبًا بطيئة في الاستجابة، ليقول إن “العديد من البلدان التي لديها أعلى معدلات وفيات لفيروس كورونا هي “الدول الغنية”. وهذا يكشف عن “انفصال بين الثروة والقدرة على الاستجابة لأزمات من هذا النوع”، حتى أن الدول الفقيرة، او بعضها على الأقل، حققت نتائج أهم من الدول الغنية والمتقدمة، وفي هذا السياق يتعين إيلاء العناية بما فجّره، وسيفجًره، تفشي “كوفيد 19” من نقاشات عميقة حول مدى كفاءة النظم السياسية في البلدان المختلفة في التعامل مع تحدٍ بهذه الخطورة، لم تعهد البشرية مثيلاً له منذ زمن طويل، منذ قرن على الأقل.
التعثر في مواجهة تفشي الفيروس أظهر هشاشة الكثير من برامج الحماية الاجتماعية، وبشكلٍ خاص الرعاية الصحية، التي بدت عاجزة عن تأمين ليس متطلبات مواجهة هذا التحدي فحسب، وإنما حتى توفير الحدود الدنيا من العناية بصحة الناس، فحيث تغيب الخدمات الطبية المجانية، اتضح أن أعدادًا هائلة من البشر خارج التغطية الصحية التي عُهدت إلى شركات التأمين، التي تتعامل بمنطق المال والربح، لا منطق “الأنسنة”.
على العالم أن يفيق! ما جدوى الهوس بالقوة، إذا كانت الدول المهووسة بها، لا تملك مستشفيات ومراكز صحية كافية، ولا عدداً كافياً من الأطباء والممرضين، ولا مخزوناً من الأدوية، والأهم نظاماً للرعاية الطبية، يجعل الصحة حقاً للجميع، لا للأثرياء وحدهم. حتى التأمين الصحي باهظ التكاليف لم يعد يجدي المشمولين به، فالأسرّة غير متوفرة، ولا أجهزة التنفس، ولا حتى الكمامات القماشية البسيطة.

اقرأ المزيد

اعتقال الشيخ الرئيس

“الوهم نصف الداء والاطمئنان نصف الدواء والصبر أول خطوات الشفاء” – صاحب هذا القول هو ابن سينا العالم والفيلسوف،هذا الطبيب الجليل ألفّ أكثرمن مئتي كتاب في مواضيع متعددة، حيث كان متوقد الذكاء ذا موهبة فذة وعبقرية لا تضاهى، نال من التنكيل ما ناله غيره من العلماء، فأحرقت كتبهم واتهموا بالكفر والزندقة، ومع ذلك ظلّت سيرهم وأعمالهم باقية رغمًا عن منكليهم، واستفاد منها العالم وأصبحت مدخلا للعلوم والبحوث الغربية فغربلت وطورت، وأصبحت كتبهم تدرس في مختلف الجامعات والمؤسسات البحثية والمدارس ودور العلم أمد طويل.

والحسين بن سينا عالم موسوعي طبيب وفيلسوف وعالم في الرياضيات والفل، وهو أول عالم كان يقرن الحالة النفسية بالمرض فكتب الكثير في ذلك، واشتهر بالشعروالمنطق، يتكلم العربية والفارسية ولد في العام 980 م ومن كتبه الشفاء في أربعة أجزاء وكتاب القانون والذي جمع فيه معارف في الطب مع النظريات والأمراض التي اكتشفها.

في رواية للمفكر والروائي المصري يوسف زيدان توصيف بليغ وعميق وراقٍ لسيرة ابن سينا الطبيب والفيلسوف الفذ. الرواية صدرت عن دار الشروق في العام 2018 بعنوان “فردقان …اعتقال الشيخ الرئيس”. وفردقان هي القلعة التي سجن فيها ابن سينا، وفيها تدور احداث الرواية، وكون الكاتب باحث ودارس للمخطوطات القديمة وهو صاحب رواية “عزازيل” الشهيرة، فلا غرو أن تكون هذه الرواية أيضًا فيها من التشويق ما فيها ومن البحث العلمي والفلسفي والتاريخي وفيها من العبر الكثير الكثير، والذي نـحن في أمس الحاجة اليه في هذه الفترة العصيبة بالذات، مما أضفى على الرواية قيمة فنية رائعة سحرت كل من فرأها وبهرته وأعادت إليه سحر تلك السنين من التاريخ الإسلامي بحلوها ومرّها وماعاشه العلماء والفلاسفة والمفكرين من مرارات وما وقع عليهم من عذابات، وما انتابهم من حيف، وما حلّ عليهم من ظلم وصل إلى درجة حرق مكتبات بأكملها وخسرت البشرية الكثير من عصارة تفكيرهم وجهدهم.

يصف زيدان قلعة فردقان وصفًا جميلًا بأنها قابعة هنا منذ قديم الزمان، وقد توالت عليها السنون حتى صارت تبدو للمتأمل فيها، مثل عجوز ثكلى تتكوم في سكون، وتظهر للناظر إليها من بعيد وحيدة لاشئ حولها إلا أرض يباب بلا مبان أو أشجار أو اخضرار …الخ، وهي ملتقى طريقين من طرق التجارة وشيدت لحفظ الأمن يتوسطها بقايا من معبد للنار يعود تاريخه للعصر الساساني يأتيه الحجاج للتبرك، أو يعرجون عليه في طريق حجهم إلى جبل النار المقدسة المطل على بحرقزوين ويقع في المنطقة الجبلية المعروفة بجنجن بمقاطعة فراهان بإيران على مقربة من طهران.

يقدّم يوسف زيدان توصيفًا للقادم إلى هذه القلعة وإشارة إلى ابن سينا: “أما هذا القادم فهو رجل جليل القدر ومشهور كحكيم بارع، وله عند معظم الناس مقام عال، ومعتقل بأمرٍ أميري لمدة غير معلومة. وهو لم يحاكم أصلا ، فلا ندري كم سيبقى هنا إذا جاء”.

حبس ابي علي الحسين بن سينا في تلك القلعة إثر الاضطرابات السياسية آنذاك والتنازع على الحكم بين تلك الدويلات، ولكن من حسن الحظ وعلى خلاف المعتاد يتحصل ابن سينا على معاملة خاصة من آمر القلعة المتنورالمكنى بالمزدوج مقدرًا للقيمة العلمية لهذا العالم الجليل ليعامل أحسن معاملة، وتقدّم له التسهيلات اللازمة والمتطلبات كي يواصل مشواره العلمي على الرغم من هذا الحبس. وأثناء وجوده في القلعة يقدم خدماته للقاطنين فيها والمحبوسين داخلها والمقدرعددهم بمائة وخمسين وفيهم مرضى كثيرون ليقوم بمعالجتهم والسهر على صحتهم، إضافة إلى إنهماكه في الكتابة وتحصيل العلم والمعرفة مما مكنّه من تأليف ثلاثة كتب أثناء اعتقاله وهي من أهم ما كتبه طوال حياته فكتب الهداية، رسالة في الفولنج، حي بن يقظان.

وهنا يشير يوسف زيدان إلى ذلك بالقول: “أنسته الممارسة الطبية إنه بهذه القلعة معتقل. فانهمك نهارا في فحص الأبدان، وليلا في تسويد ثم تبييض (مقالة في الفولنج).

“فردقان” رواية جميلة مزج فيها زيدان الخيال بالواقع في ثوب أدبي قشيب، ملحمة أدبية وتاريخية لعالم ومفكر كابن سينا وظفه زيدان لنشر الأفكار العقلانية وهو الذي يقول بأنه لا يجوز الاحتجاج بالنقل لدحض الحجج العقلية، لأن العقل مقدم بالضرورة على النقل، كونه الأعم في النوع الإنساني، وكونه مناط التكليف وشرطه الأول لبناء الحضارة العربية والإسلامية ومن خلاله بث رسائل عديدة أراد الكاتب إيصالها لنا من خلال اختياره لهذا الطبيب، وهو الذي أتى ثمرة زواج والدته (ستاره) الفارسية السنية المذهب ووالده عبدالله ابن سينا الإسماعيلي الشيعي.

وكأنما الكاتب يوّد أن يقول لنا بأن العظماء يسمون على الخلافات المذهبية والطائفية، ومن هنا نرى في سيرة إبن سينا كيف إنه لم يفرق في علاجه بين أبناء مختلف الطوائف والأعراق الإسلامية والمسيحية وغيرها من الأديان والمذاهب، بل اجتهد في معالجة الفقراء دون مقابل كما عالج الحكام والولاة، وتقلّب في سرايا الحكام من السنة والشيعة على حد سواء كوزير وطبيب.

رسالة أخرى أراد زيدان إيصالها من خلال هذه الرواية الرائعة وهى أن ابن سينا في حلقات العلم التي يعقدها للبحث والنظر والتأملات مع طلابه أباح لحبيبته (روان) والتي يروي زيدان عنها: “يرى في ملامح وجهها البرئ الوضاح، تماوج الحب والحياء وتدافع البراءة والرغبة، واضطراب الندف الثلجي حين تلعب به ريح الشتاء القارس. تلك المعشوقة التي هام بها عشقًا، سمح لها بأن تجالس طلابه للدرس والتحصيل لما يمثله ذلك من إعادة الاعتبار للمرأة وتقدير لمكانتها في المشاركة في تحصيل العلم والمعرفة، شريكة للرجل جنب الى جنب وكأنما يود ان يهمس في إذن الغلاة والمتطرفين بأن العلم للناس أجمعين ولا فرق بين مالك ومملوك ولا لفقير أو غني.

لما لا تكون (روان) مع طلابه وهي المحظية لديه (روان بحار من تحتها بحار، وسماوات فوق سماوات حسنها بعضه ظاهر، ومعظمه مخبوء خلف الأردية والحياء. فإذا تجردت وتجرأت، سلبت العقل بفرط الليونة والنعومة والبهاء. كل ما فيها فاتن وساحر بقدرٍ لا يقدر قلب المحب على الصبر عنه، ولا يكتفي منه بنوال. خصوصًا وهي المحبة، المانحة، السكرى بالكؤوس وبالانفاس الساخنة السابحة بشفتيه فوق حناياها، وكل أنحائها)، وكما يقول زيدان: “الرجال مهما كانوا حكماء فإنهم لا يبرأون من الطيش الطفولي”.

فقد كان الحكيم على الرغم من انشغالاته العديدة في التأليف والمعالجة وتدريس طلابه، محبًا للحياة منهمكًا في لذاتها شأن غيره من البشر آنذاك وفي ذلك الزمان، فالجواري والإماء والقيان الحسان ومنهن من يجدن العزف والغناء كن يعشن في كنف الحكام ورجالات الدولة، وهنا يسرد زيدان حال ابن سينا في توزيع أوقاته فيقول: صارت أوقاته موزعة على منوال واحد، في الصباح يعود المرضى ويصف العلاجات، ومن أوان العصر الى أول الليل يجالس تلامذته ويملي عليهم كتاباته، ويناقش معهم قضايا المنطق والفلسفة والإلهيات وبعد صلاة العشاء ينعقد مجلس الشراب والألحان والغناء. وقرب انتصاف الليل، يقوم منفردا الى غرفته فينكب على الكتابة وتبييض المسودات والأمالي. ثم يختتم يومه بسويعات سريرية في حضن “روان”.

رسالة أخرى وجهها زيدان من خلال هذه الرواية وهي أن أمور الدول الإسلامية والتطاحن بين المذاهب لن يصطلح الا بوجود الدولة المدنية العلمانية التي ترعى شؤون المواطنين كافة دون تمييز طائفي أو مذهبي أو عرقي ليعيش الكل بسلام وأمان.

فهل انطق واستنطق يوسف زيدان في هذه الرواية الشيقة التاريخ وأحداثه من خلال اختياره لابن سينا كمثال حي على ما لاقاه الفلاسفة والمفكرين والكتاب والمثقفين من بطش وإرهاب وتعذيب حتى يومنا هذا من قبل الحكام والقابضين على سدة الحكم؟ ألا نعيش نفس السيناريو في هذا الوقت بالذات والاقتتال قائم بين الدول الإسلامية وكأنما التاريخ يعيد نفسه ؟

الوصف الجميل والمبهر للاحداث في هذه الرواية يأخذك بسحره إلى الفترة التي عاش فيها ابن سيناء طالبًا وعالمًا وانسانًا قبل كل شيء، له ما له وعليه ما عليه، وهذا الفن الروائي يتميز به يوسف زيدان شديد التميزعن غيره، فهي ميزة لا نجدها إلا عند القليلين من الرواة وبالخصوص إذا ما أخذنا بعين الإعتبار بأن زيدان مفكر ودارس للفلسفة وتاريخ العلوم.

يوسف زيدان أبدع رواية جميلة عميقة المبنى والمعنى والدلالات وبأسلوب عربي فصيح قلّ نظيره، وفتح كوة للباحثين للاستزادة من التاريخ للنهوض بالحاضر وأخذ العبر للمستقبل. ولا عجب إن احتفلت اليونسكو بمرور ألف عام على ولادة ابن سيناء في العام 1980 في دمشق، فذاك تكريم مستحق لهذا العبقري الفذ الذي خلّد اسمه بحروف من ذهب، فهل نحتفل بذكرى مرورألف واربعين عاماً على مولده هذا السنة؟

اقرأ المزيد

ماركس والسُكان الأصليون في المُستعمرات – 3

بقلم: John Bellamy Foster
ترجمة: غريب عوض

ولكي نكون مُتأكدين، في مقال لعام 1853 حول “النتائج المستقبلية للحكُم البريطاني في الهند” كَتَبهُ لصحيفة New York Daily Tribune، ماركس ذو الخمس وثلاثين عاماً، مُشبّعاً بالتفاؤل الثوري، قدّم الاستعمار البريطاني، على النمط الهيغيلي، “كأداة غير واعية للتاريخ،” تُمثل، وإن كان في شكل مُتناقض، حركة تقدُمية عالمية ضمن التاريخ بشكل عام. ومع ذلك، بقي نقدة للإستعمار صارماً: فكتب يقول “إن النفاق العميق والهمجية المُتأصِلة في الحضارة البُرجوازية، تكذبُ أمام أعيوننا، خارجة من موطنها، حيثُ تتخذُ شكلاً مُحترماً، إلى المستعمرات، حيثُ تُصبح عارية.” بالإضافة، إلى أن “الظروف التاريخية المُتغيّرة، سمحت للنقد الثوري الشامل لماركس للإستعمار بالظهور الكامل بعد أربع سنوات فقط. في عام 1857، في استجابة لاذِعة للإستعمار البريطاني في ضوء ما سُمي بحرب الإستقلال الهندية الأولى، أيد ماركس الحرب من أجل “الإستقلال الوطني” التي نظمتها “الرابِطة الثورية” التي سعت إلى طرد البريطانيين من الهند. وقال، أن الحُكم الإستعماري البريطاني تأسس على “مبدأ تدمير الوطنية” من خلال التدمير العنيف ووسائل أُخرى. ومن تلك النقطة فصاعداً، تركز تحليلهُ بشكل مُباشر على التراجُع بدلاً من التقدم “اللاواعي” المُرتبط بالحُكم الاستعماري الأوروبي.
في سنواته الأخيرة، وضع ماركس جانباً العمل في المُجلدين الثاني والثالث من رأس المال ليس فقط بسبب هذا التماهي المُباشر مع ثورات الشعوب الأصلية، ولكن أيضاً بسبب الإلحاح الهائل الذي تصدى بهِ لدراسة المجتمعات غير الرأسمالية وأشكال المُلكية. كان إصدار مؤلف تشارل دارون Charles Darwin “أصل الأنواع” والأرتفاع الموازي للدراسات الأنثروبولوجية المُتبحِرة في الثقافات التقليدية للشعوب الأصلية وعصور ما قبل التاريخ مُمثلاً ما قد أطلق عليه “ثورة في الزمن الإثنولوجي”، أثار موضوع نقداً أكثر اكتمالاً وأكثر ثورية للمجتمع الرأسمالي. وفتح الإمكانية لتفهّمٌ راديكالي جديد كامل للعالَم التي بهِ يتم تغييره. وكان في هذهِ الفترة حينما تعلم اللغة الروسية لكي يتمكن من دراسة الأدب الشعبي لتلك البلد مجتمع قرية الفلاحين. وعلى إثر نشر المجلد الأول لكتاب رأس المال، توسع ماركس أيضاً في دراساتهِ البيئية، بالخصوص ما يتعلق بالزراعة. وعلى الرغم من ذلك، على نحوٍ مُتزايد، استغرق وقتهُ منقِبَل الأبحاث البائِسة تقريباً التي تُمثِلُها دفاتر الإثنولوجيا الضخمة. بالنسبة لماركس، تضمنت هذهِ الدراسات أدِلة ليس فقط فيما يتعلق بالماضي، ولكن بالمستقبل أيضاً.
تضمنت دفاتر الإثنولوجيا لماركس مُقتطفات (واستكمالات) من الأعمال الأنثروبولوجية (عِلم الإنسان) للويس هينري مورغان Lewis Henry Morgan و جون بود فير John Budd Phear و هينري سومنير مين Henry Sumner Maine و جون لوبوك John Lubbock تم اقتباسها في الفترة ما بين عام 1880 إلى 1882. وفي عام 1879، اقتبس أيضاً الدراسات الإثنولوجية لعالِم الإجتماع الروسي الشاب مكسيم كوفاليفيسكي Maxim Kovalevsky – الذي حضنهُ ماركس بنفسهِ – من مخطوطة كِتاب، المُلكية الجماعية للأراضي: الأسباب، سيرة وأسباب فنائها، التي أرسلها المؤلف لهُ. وبمعية هذهِ الدراسات، ملئ ماركس دفاتره بالتحقيقات حول الكومونة الروسية، وتاريخ الهند، وتاريخ العالَم. (دفاتر ماركس من العام 1880-1881 حول تاريخ العالم من أعمال كارلو غوسيبي غوغليلمو بوتا Carlo Giuseppe Guglielmo Botta، و فريدريك كريستوف شلوسير Friedrich Christoph Schlosser، تتكون من أربع دفاتر مُقتطفات، تقع في حوالي 1700 صفحة.) وفي عام 1880-1881، نَسَخَ فقرات من كِتاب “جافا؛ أو “كيف تُدير المُستعمرة (1861) لجيمس ويليم بي موني James William B. Money. كما درس ماركس وإنجلز كِتاب “The Native Races of the Pacific States of North America’ للمؤرخ هيوبرت هاو بانكروفت Hubert Howe Bancroft، (تكون من خمس مجلدات)، بإشارة خاصة لقبائل جنوب شرق ألاسكا وشمال غرب الباسيفيكي.
أخذ ماركس مُقتطفات مُستكملة واسعة النِطاق من عمل لويس مورغن Lewis Morgan الرئيس “المجتمع القديم Ancient Society” الذي كان مؤسس على دراسات الأخير للأمريكيين الأصليين في الولايات المتحدة (على وجه الخصوص، عشيرة أيروغوس Iroquois، الذين كتب حولهم ماركس فيما بعد عمل سابق، “رابِطة هو-دي-نو-سو-ني، أو أيروغوس). وفيما بعد ألف إنجلز كِتابهِ “Origin of the Family, Private Property, and the State (1884)، “أصل العائلة، المُلكية الخاصة، والدولة (1884) أرتكز على كتاب لويس مورغن “المجتمع القديم”، ودفاتر ماركس حول لويس مورغن، ومصادرٌ أُخرى. في دراسة ماركس لأعمال لويس مورغن، كما هو موضح في سطورهِ العامودية في صفحات دفاترهِ أكد على صفحات مُعيّنة – تركزت أولاً وقبل كلُ شيء على: (1) الطائفة، وصِلة الرحم (المجتمع القائم على القرابة)، بما في ذلك أساسه في الجينات أو العشيرة، وشكلهُ الديمقراطي، والمُساواة النسبية للمرأة؛ و(2) أشكال المُلكية الجماعية المُرتبِطة بِها، تُكوّن الاقتصاد الطبيعي بتجارتهِ غير السِلعية. كما أن ماركس أعار انتباهاً للمحاصيل المزروعة وأشكال االفِلاحة والزراعة. وكتب يقول ” أن جميع أفراد عشيرة أيروغوس Iroquois، وفقاً لويس مورغن، شخصياً أحرار، مُستعدين للدفاع عن حُرية بعضهم البعض.”
وكما كتب فرانكلين روزمونت Franklin Rosemont في كارل ماركس وعشيرة أيروغوس Iroquois،”
في صفحة تلو الأُخرى، يُسلط ماركس الضوء على مقاطع بعيدة جداً عن ما يُعتبر عادةً على أنهُ “الموضوعات القياسية” من عمله. ولهذا نجدهُ يستدعي منزلاً على شكل جرس للقبائل الساحلية في فنزويلا؛ تصنيع أحزِمة عشيرة أيروغوس Iroquois “بإستخدام خيوط رفيعة مصنوعة من خيوط الدردار ولُحاء الزيزفون”، وأسطورة البيرو Manco Capac and Mama Ocllo، ’أطفال الشمس‘؛ وعادات الدفن في توسكارورا؛ واعتقاد شوني بمرض الذُهان؛ والأدب غير المكتوب للخُرافات والأساطير، والتقاليد”؛ والعلوم البدائية لهنود القرية في الجنوب الغربي؛ كِتاب Popul Vuh، الكتاب المُقدس لعشيرة Quiche Maya القديمة؛ واستخدام ريش النيص في الزخرفة؛ والألعاب الهندية والرقص كشكل من أشكال العِبادة.”
بالإضافة إلى الملاحظات المُستفيضة حول عشيرة أيروغوس من عند لويس مورغن، أخذ ماركس أيضاً مُلاحظات مُفصلة عن قبائل ديلاوير، وكري، وشاوني، وسريك، والتشيكاساو، والشيروكي، والسيمينول، والداكوتا، والبونيه، وفوكس، وبلاكفوت، وقبائل أخرى عديدة. كان في جميع القضايا مُهتماً “بممارسة الفنون” من قِبَل مُختلف القبائل والأمم الأمريكية الأصلية. تجنب ماركس تحديداً فكرة أحادية الطول لمسيرة التطوّر. وبالفعل، كانت دراستهِ مُركزة بشكل مُستمر على إعادة بناء الأشكال القديمة من المجتمعات الأصلية غير الرأسمالية على مستوى تاريخي أعلى، تُساعِدهُ استمرارية أشكال الثقافات/الأشكال الثقافية المُبكِرة. “وكتب روزمونت Rosemont يقول: “لقد قدم رأي مورغن النابض بالحياة عن شعب أيروغوس، لماركس وعياً حيوياً بواقع الشعوب الأصلية، وربما حتى لمحة عن ما كان يحلم بِهِ آنذاك من إمكانية أن تُقدم هذهِ الشعوب مُساهماتها الخاصة في النِضال العالمي من أجل التحرر البشري.”
في الواقع، كان ماركس مُنغمساً في إدعاء مورغن أن العشيرة القديمة، كما يتضح من عشيرة أيوغوس، أحتوت النواة المجتمعية ليتم استنساخها على مُستوى أعلى في مجتمع المُستقبل المٌختلط. وبتعبير مورغن، كما أخذهُ ماركس وأكد عليهِ: “سيكون إحيائاً [لمُستوى مجتمعي أعلى] في شكل أعلى من الحرية والمُساواة واخوة النُبلاء القُدماء [مجتمع القرابة المُجتمعية]”. هذا شبيه برأي ماركس المُبكر، كما عبر عنه في عام 1868 في رِسالة إلى أنجلز Engels، كان ذلك ضرورياً “أن تنظر إلى ما وراء العصور الوسطى إلى داخل العصر البِدائي لِكُلُ شعب – وهذا يتجاوب مع الميول الإشتراكية، على الرغم من أن هؤلاء الرجال الأكاديميون [Georg Ludwig von Mauer، مشهور لِدِراساتهِ للمجتمعي التعاوني الألماني المُبكر، و Jakob Grimm، خبير فقة اللُغة والمؤرخ الثقافي] لم تكن لديهما فكرة عن [أن الأشكال التعاونية “البدائية”] لها صِلة بهِا [الميول الإشتراكية]. ولهذا أُصيبا بالدهشة حينما أكتشفا إن ما هو جديد بالنسبة لهما موجود في مُمارسات لشعوب قديمة.”
ونفس المنطق التاريخي العام موجود في مقتطفات ماركس حول ثقافات الشعوب الأصلية في أمريكا اللاتينية من كتاب “المُلكية التعاونية للأرض” للكاتب الروسي الشاب مكسيم كوفاليفيسكي. هُنا، كان ماركس مُهتماً بشكل خاص بالإنتناج الجماعي للشعوب الأصلية، وبتفكك هذا النوع تحت التأثير الأسباني، والأشكال اللاحِقة للهيمنة الاستعمارية. ولهذا، في مُلاحظاتهِ حول المعاملة الاستعمارية الإسبانية للشعوب الأمريكية الأصلية، سجل ماركس: “السياسة الأسبانية الأصلية لإبادة الإنسان الأحمر. وبعد نهب الذهب وما إلى ذلك، الذي وجدوه، تم الحُكم على الهنود بالعمل في المناجم. ومع انخفاض قيمة الذهب والفضة، يتحول الأسبان إلى الزِراعة، ويُحولوا الهنود إلى عبيد من أجل زراعة الأرض لهم.”
والتقصي البحثي المُماثل حول تأثيرات الاستعمار على أشكال الإنتاج الجماعي يمكن رؤيتهِ في دفاتر وكِتابات ماركس فيما يتعلق بالجزائر والهند. في مقتطفاتهِ المُقحمة من كوفاليفيسكي حول الجزائر، لاحظ ماركس (من خلال كوفاليفيسكي) أن “قرون من الحُكم العربي والتُركي، وأخيراً الفرنسي، بإستثناء الفترة الأخيرة … لم يكُن بوسعهم تفكيك منظمة الأقارب [القائمة على القرابة] ومبادئ عدم قابلية التجزئة للأرض وعدم قابلية تحويل مُلكية الأرض.” وعلى الرغم من هذا،
أولى اهتمامات الفرنسيين بعد غزوهم لجزء من الجزائر كان الإعلان أن أكبر جزء للمناطق المُستولى عليها أن تكون من أملاك الحكومة (الفرنسية) … لويس فيليب Louis-Philippe، كخليفة للإمام … لا يستولي على عقارات الدولة فحسب، بل جميع الأراضي المحروثة [عقارات عينية]، من ضمنها المراعي الجماعية، والغابات، والأراضي البور… وبهذهِ الطريقة: من ناحية، مُلاك العقارات الجماعية السابِقة <يتم> تقليصهم إلى وضع قاطنين مؤقتين في الأراضي الحكومية؛ ومن ناحية أُخرى، <هُناك> السرِقة بالقوة لأجزاء كبيرة من الأرض تسكِنُ فيها العشائر، وزراعتها لصالح المستعمرين الأوروبيين… والأراضي الجماعية في ظل الحاكم لويس فيليب تم وضعها تحت التصرف الحُر للإدارة العسكرية-المدنية التي أُقيمت في المُستعمرة.
أصبحت المصادر الفرنسية للأراضي الجماعية رسمية بموجب القانون سيء الصيت لعام 1873، الذي أنشأ أخيراً مُلكية خاصة في الأرض؛ بإمكان كل عربي الآن أن يتخلص بحرية من قطعة الأرض التي خُصِصت لهُ كمُلكية خاصة؛ ستكون النتيجة: مُصادرة تُربة السُكان الأصليين من قِبَل المُستعمرين والمُضاربين الأوروبيين. لم يكن لدى ماركس أو كوفاليفيسكي، شك بأن هذا يُشكّل “نهبٌ مُباشر!” ويكتب ماركس في مُذكراتهِ: “مُصادرة العرب التي يقصدها القانون:1) من أجل إمداد الفرنسيين بِأكبر قدر مُمكن من الأراضي؛ 2) من خلال تمزيق العرب من رباطِهم الطبيعي في الأرض لكسر القوة الأخيرة لإتحادات العشائر وبالتالي حلها، وبالتالي، أي خطر للتمرُد.”
يقول كوفاليفيسكي وماركس لكي تتمكن من الإستيلاء على الأراضي الجماعية من الجزائريين وتحويلها إلى مُلكيّة خاصة، روجت الحكومة الفرنسية فكرة بأن السُلطة المَلَكيّة أو الدولة الإستعمارية هي الوريث الشرعي لجميع الأراضي الجماعية والغابات والأراضي البور – وهي السياسة التي تبناها الإنجليز أيضاً في الهند وقد أشهرها جيمس ميل James Mill، الذي كان عملهُ مألوفاً جداً لدى ماركس.
وفي محاولة لإستعادة صحتهِ، أمضى ماركس شهران في الجزائر في عام 1882، والعام الذي قبل وفاتهِ وبضع سنوات فقط بعد أن أخذ المقتطفات عن الجزائر من كوفاليفيسكي. وفي رسائله التي بعث بها إلى إبنتهِ لورا لافارغيو Laura Lafargue، أشارَ إلى إعجابهِ بالمُسلمين الجزائريين على “المُساواة المُطلقة في علاقاتهم الإجتماعية … ورغم ذلك، بدون الحركة الثورية سيذهبون إلى الخراب والتهدُم.”
وفي مقتطفات ماركس من كوفاليفيسكي، نجدُ أيضاً المُلاحظة بِأن في البُنجاب، شمال الهند، من خلال “الرهن” أو “الأغتراب”، الذي يُقرهُ القانون، تعمل الحكومة الإنجليزية على حل … المُلكية الجماعية للفلاحين، ومُصادرتها النهائية، وتطوير الأراضي الجماعية إلى المُلكية الخاصة للمُرابي.” وتعليقاً (من خلال كوفاليفيسكي) على “سَرِقة العقار الجماعي والخاص للفلاحين،” كتب ماركس في دفاتر المُقتطفات لديه بأن هذا أفضى إلى “سِلسِلة كاملة من الثورات المحلية للفلاحين ضد مُلاك الأراضي.”
مُعبِراً عن السياسة الإستعمارية الإنجليزية في الهند، كتب ماركس في “مسودة رسائلهِ إلى الكاتِبة الروسية فيرا زاسوليتش Vera Zasulich”، بأن “لم يكُن قمع مُلكية الأرض الجماعية سوى عمل من أعمال التخريب الإنجليزي الذي دفع السُكان الأصليين نحو التخلف بدلاً من التقدُم.” وأدرك، أنهُ يجب تمييز الإنجليز عن جميع المُحتلين السابقين للهند حيثُ لم يحافظوا على الري، والقنوات، والسدود، ومستودعات المياة، وأنظِمة صرف المياه، ووحدات تخزين الحبوب وغيرها من البُنية التحتية العامة، وبالتالي تمهيد الطريق للمجاعات الضخمة. في مُلاحظاتيهِ عام 1867 من تقرير خاص عن مجاعة أوريسا أُجري لمجلس العموم البريطاني، أكد ماركس أن “الميل نحو الزيادة في الأراضي الزراعية” أدى إلى “تعرية الغابات الطبيعية”، مما جعل المواسم أكثر حِدة، والفيضانات أكثر سِرعة وشمولية.”
في جميع مُعالجاتهِ المُختلِفة للإقتصادات الطبيعية والتشكيلات الثقافية للسُكان الأصليين – الأكثر إثارة للأهمية المستقبلية لكومونة الفلاحين الروسية – رأى ماركس بشكل ثابت مثل هذهِ المجتمعات غير الرأسمالية للسُكان الأصليين كتعبيراً عن النضال الطويل من أجل التطور الحُر للإنسان، ذلك الذي تضمن الصِراع من أجل بقاء مجتمعات السُكان الأصليين وسيطرتهم على أراضيهم وحياتهم.
بالاعتماد على جاكوس دريدا Jacques Derrida حول شبح ماركس وبالتالي بشكل غير مُباشر على ماركس، أكد جيرالد فيزنور Gerald Vizenor مفهوم البقاء على قيد الحياة في مواجهة الأرهاب والإبادة الجماعية على أنهُ يُمثّل تجربة السُكان الأصليين. “إن البقاء على قيد الحياة بالنسبة للسكان الأصليين هو إحساس نشط بالوجود ضد الغياب … إن قصص البقاء على قيد الحياة هي نبذ الهيمنة، والإنحرافات، والإضطرابات، والمشاعر التي لا تُطاق للمأساة، وإرث الضحية … إنها مُقاومة نشِطة ورفض.

اقرأ المزيد

التلصص في الحل والترحال

في كتابه “يوميات التلصص” أبحر د. حسن مدن في بحار من المعايشات لا تحدها شواطئ، ولامس أشياءً في الحياة تمرق من أمامنا دون أن نعيرها انتباهاً، فكشف زواياها المهملة لتغدو أبسط الأشياء أهمها، وغاص في أعماق وجوهٍ جرفته بما يلفت، وحلق في الأجواء وعبر الفيافي ليحط رحاله في بقاع الدنيا مستكشفاً الأماكن بتفاصيلها وأحداثها وشخصياتها.
التلصص لدى د. حسن مدن لا ينطوي على المعنى القاموسي للكلمة بمعنى التجسس أو تكلُف اللصوصية، بل يذهب كما طرح الكاتب في مقدمته إلى معاني المتابعة النابهة أو المراقبة المركزة المضاهية للفراسة. يقول نصاً: “ثمة بشر يمتلكون هذه الحاسة النافذة في التقدير ودقة الملاحظة.” ولعمرنا فكاتبنا أحدُ هؤلاء البشر بجدارة.
لم يكتب د. حسن مدن يوميات ولا سيرة ذاتية لكنه كتب الحياة معملاً فيها دقة ملاحظته وحاسته النافذة في متابعتها وتقليبها على الجنبين وانثيال التأمل في تفاصيلها لتنبثق خاطرةٌ فغوص في العمق يستدعي ما يحوزه كاتبنا من مخزون ثقافي متراكم يغرف منه ما يواتيه في المواءمة بين ما يُعمل فيه تأمله وبين آراء أو أقوال أو ابداعات لآخرين. وهو في ذلك يحلل ويفلسف ليس بغموض وفذلكة الفلاسفة بل ببساطة الحياة نفسها. يفلسف أبسط الأشياء والظواهر مضفياً عليها قيمة حياتية لافتة يكتشفها القارئ فيقول لسان حاله: كيف لم ألتفت لهذا الجانب. ينتهي د. مدن إلى بلورة رؤيته الخاصة ويصدر أحكامه الذاتية ويمررها لقارئه، وذلك نهجٌ يميز بتقديرنا غالب المقالات الصحافية التي يكتبها د. حسن مدن وبعض اصداراته أياً كانت القضية التي يتناولها.
يبدأ تطواف المؤلف بمعايشاته الذاتية البعيدة والقريبة، كملابسات خروجه للتقاعد وما يلمسه القارئ من وخزها المؤلم، وطقوس حياته اليومية البيتية، وتجربته في التخلص من المتراكم والفائض. كما يعود بذاكرته إلى بعض المعايشات التي حفرت أثرها مثيرة شجنه كذكريات تكليف والده له بكتابة الرسائل. ويتوقف عند تجربة تقنية الكتاب المسموع والأغاني العذبة التي تظل في وجدان الانسان رغم ما يمر عليها من زمن، وصولاً لتأملاته في سيرورة الزمن وفي السهد وقسوة مجافاة النوم للإنسان.
يحتفي الكاتب ببعض أشياء الزمن الماضي حتى تلك التي أفلت شمسها حين أزاحتها التقنيات الحديثة كدفاتر المفكرات الصغيرة والمذياع والهاتف النقال البسيط والسينما ويرى لكل منها مذاقه وفائدته، فالمذياع لا يبث سوى المادة القيمة الرصينة فيغذي الروح والفن الرفيع فيمد المستمع بالهدوء والسكينة. يهجو السيارة وهوس الكرة ويعرّج على العيد وأغانيه والورد وإهداءاته.
ينوّه الكاتب باللافت والمميز من وجوه عرفها محتفياً بصداقاته، وهو في ذلك لا ينتقي الشخصيات اللامعة أو الشهيرة بل تلك الوجوه المغمورة التي طحنتها نوائب الدهر ومحن الحياة، كفاطمة الخجولة الحنون التي لم تنل فرصة التعليم لكنها تقدم دوراً مميزاً في الحياة، وجمال الذي خطفه الموت سريعاً، وعائدة الصديقة التي انقطع الكاتب عن التواصل معها ليتفاجأ بفجيعة موتها، والشاعرة الفلسطينية التي سحقتها المشاق بحثاً عن حق إقامة على أرض ما. من هؤلاء إلى معاناة وآلام وجوه في لقاءات الدقائق المعدودات على حدود الكوريتين بين أفراد العائلة الواحدة ممن فرقتهم الحرب والسياسة ومعاناة الأمهات المنسيات البعيدات عن أبنائهن في يوم عيد الأم، إلى وجوه لافتة كالعامل الآسيوي عند الإشارة المرورية والصيني الذي يحب تونس وغيرهم.
يستحوذ ما يربو على ثلث الكتاب على أماكن حطّ الكاتب رحاله على أراضيها، تحدث عما يقارب الثلاثين مدينة من مختلف بقاع الأرض. تستهويه مقاهي المدن بأناسها وحركتها وصخبها، يعاين الجالسين حول الطاولات، ماذا يفعلون، فيم يفكرون وماذا ينوون فعله وفقاً لما يشي به مظهرهم. تشده مدن بعينها لارتباطها بأعلام من المبدعين الأثيرين كمدن الأندلس برضوى عاشور وبيروت بمحمود درويش وعمّان بعبدالرحمن منيف وبراغ بالجواهري وفورميا بغرامشي.
صال الكاتب وجال في عوالم المعرفة والعلوم على أنواعها وولج قضايا يطرحها العصر وتشكّل اهتمام الباحثين الاجتماعيين والناشطين كقضايا المرأة وحقوق الانسان والعلاقة المثلى مع الأبناء ومع العاملين بالمنازل، فوسن صديقة أبيها بموازاة كونها ابنته ومدبرة البيت فردٌ من العائلة لها مكانتها الإنسانية المحفوظة. وهي علاقة إنسانية رفيعة مع العاملين في البيوت تتجسد بشكل جلي في بيوت المثقفين التنويريين الخليجية والعربية أكثر من أي فئة أخرى.
ما كتبه د. حسن مدن ليس عصياً على التصنيف فإن رحنا لكلاسيكيات التصنيف الأدبي نجده يندرج في خانة الخواطر والتأملات والانطباعات وهو صنف أدبي كان ولم يزل موجوداً. وإن جئنا لمعطيات آخر صيحات التصنيف الأدبي فهذه الكتابات تنتمي بتقديرنا للنص السردي التأملي.
هذا النوع من الكتابة مزية يتمتع بها الصحافيون كتاب المقال اليومي ممن يلامسون قضايا شتى ويملكون قلماً رشيقاً ولغة بليغة عذبة في آن، فتجد طابع النص الأدبي يطغى على الكثير من المقالات التي تخوض غمار كافة أنواع المعرفة وقضايا الحياة. وليس أدل على ذلك من كتاب كبار كثيرين من القدامى والحاليين اشتغلوا بالصحافة وأصدروا أو ترأسوا تحرير صحف ومجلات وكتبوا المقال اليومي.
غزارة ما انطوى عليه كتاب د. حسن مدن من معلومات ومعارف، اضافة لتسجيل ذلك ببساطة أسلوب ولغة سلسة مطواعة بليغة، يوصل للقارئ أعمق الأفكار وأعقدها. وذلك لا يتأتى إلا لمن يتحلى بملكة الكتابة الأدبية ما جعل د. أحمد الخميسي يعجب كيف لا يكتب د. مدن أدباً.
هذا الكتاب يهمس لأرواحنا أن تلتفت لأشياء الحياة البسيطة فقد تكون أهمها وأجملها، يدعونا كي لا نتعجل دون أن نتأمل. الكاتب يحيل العالم في أعيننا إلى عالم أقل قبحاً، وفي ذلك فهو يحثنا كي لا تمر أيامنا باهتة ويحفزنا كي نرى الجوانب المشرقة من الحياة.

اقرأ المزيد

“كورونا” والعنف الأسري

يُعدّ العنف الأسري واحداً من أكبر انتهاكات حقوق الإنسان حول العالم، قبل تفشّي فيروس كورونا الجديد، حيث أن ثلث النساء حول العالم تعرضن لعنف جسدي أو جنسي من قبل الشريك أو أحد أفراد العائلة، والقليل منهن طلبن المساعدة أو تقدّمن ببلاغ لدى الشرطة ضد المعتدي عليهن، لذا لا توجد إحصائيات دقيقة حول أعداد المعنفات في الكثير من الدول.

بعد الإغلاق والحجر المنزلي والتي فرضته الحكومات كجزء من من التدابير والمخططات لاحتواء ومكافحة تفشي فيروس كورونا، فإن العنف الأسري والعنف الموجه ضد المرأة وصل إلى مرحلة كبيرة من التصعيد، وأصبح الإبلاغ والحصول على المساعدة أكثر تعقيداً، حيث يصعب على مزودي الخدمات الطبية والقانونية والنفسية الوصول إلى النساء المعنفات وتقديم المساعدة اللازمة لهن، كما أن المحاكم والتي يمكن عبرها تحريك دعوى قضائية ضد المعنفين والمعتدين معطلة، إضافة إلى إغلاق وتعطيل بعض مراكز الإيواء لمنع انتشار الوباء بين النزيلات أو امتلائها، الأمر الذي دعا الأمم المتحدة إلى تحرك عاجل لمكافحته.

في وقت سابق من شهر أبريل الماضي، دعا الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى اتخاذ تدابير لمعالجة “الطفرة العالمية المروعة في العنف المنزلي” ضد النساء والفتيات، المرتبطة بحالات الإغلاق التي تفرضها الحكومات كنتيجة لجهود الاستجابة لجائحة كوفيد-19، ويشير تقرير الأمم المتحدة إلى تسجيل زيادة كبيرة في الشكاوى من العنف الأسري وطلب الحماية، خلال فترة الإغلاق. ففي فرنسا بلغت نسبة الزيادة في العنف الأسرى منذ بدء إجراءات الإغلاق في 17 مارس، 30 في المئة. أما في الأرجنتين، فقد بلغت الزيادة في شكاوى العنف المنزلي منذ بدء إجراءات الإغلاق في 20 مارس حوالي 25 في المئة. وفي قبرص وسنغافورة ارتفعت شكاوى العنف الأسري بنسبة 30 و33 في المئة على التوالي.

أما في العالم العربي، يتوقّع تقرير صادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) أن المرأة تتحمّل الوزر الأكبر لما تولّده الجائحة من مخاطر صحية وعنف في العالم العربي. ومن لبنان جاءت أولى التصريحات الرسمية التي تعكس حجم مشكلة العنف المنزلي على ضوء تفشي فيروس كورونا. فقد صرحت قوى الأمن الداخلي أن الخط الساخن المخصص لتلقي شكاوى العنف الأسري شهد ارتفاعاً في عدد الاتصالات التي وصلت نسبته مئة في المئة في شهر مارس من العام الحالي، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

كما لفتت الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية في حملتها التي أُطلقتها بالتعاون مع المُديرية العامة لقوى الأمن الداخلي إلى أنه “في ظل الحجر الصحي المنزلي الذي فرضته الحكومة اللبنانية للحد من انتشار فيروس كورونا يعود موضوع العنف ضد النساء والفتيات إلى الواجهة، إذ أن الوجود الدائم للنساء المعنفات في المنازل مع أفراد الأسرة، يعرضهن أكثر لخطر العنف الأسري”. وقد أعلن مؤخراً عن مقتل طفلة سورية في طرابلس لا يتجاوز عمرها خمس سنوات بعد تعرضها للضرب المبرح على يد والدها.

الأمم المتّحدة تدعو لمكافحة العنف المنزلي

في هذا السياق حذّرت مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالعنف ضد المرأة دوبرافكا سيمونوفيتش، من ارتفاع معدلات العنف المنزلي المتفشي بحسب ما أشارت إليه التقارير الأولية للشرطة والخط الساخن، مشيرة إلى أنه “بالنسبة إلى العديد من النساء والأطفال، قد يشكّل المنزل مصدر خوف وسوء معاملة. ويزداد هذا الوضع سوءًا إلى حد كبير في حالات العزل على غرار الحجر التي يفرضه وباء فيروس كورونا المستجدّ. وعلى جميع الدول أن تبذل جهودًا جبّارة للتصدي لخطر الفيروس، ولكن يجب أن تشمل هذه الجهود أيضًا النساء والأطفال ضحايا العنف المنزلي، لأن إهمالهم قد يؤدي إلى زيادة العنف المنزلي، بما في ذلك قتل النساء على يد الشريك الحميم، ويتفاقم الخطر عندما لا يتوفر ما يكفي من الملاجئ ومن خدمات المساعدة للضحايا، وعندما يصعب الوصول إلى الملاجئ والخدمات التي لا تزال متاحة، وعندما يتلاشى الدعم المجتمعي، وتتراجع تدخلات الشرطة وتنخفض القدرة على الوصول إلى العدالة في ظلّ إقفال العديد من المحاكم”.

وأشارت خبيرة الأمم المتحدة إلى أن إجراءات الطوارئ اللازمة لمكافحة فيروس كورونا المستجدّ زادت من أعباء العديد من النساء على مستوى العمل المنزلي ورعاية الأطفال والأقارب المسنين وأفراد الأسرة المرضى، وما يزيد الأمر سوءًا هو أن القيود على الحركة والقيود المالية والغموض العام يشجع الجناة ويزودهم بمزيد من السلطة والسيطرة.

ودعت الحكومات إلى عدم تأجيل حماية الضحايا وحثتهم على مواصلة مكافحة العنف المنزلي في زمن كوفيد-19. فتدابير حماية الضحايا يجب أن تبقى متوفّرة أو أن يتم اعتمادها خلال الأزمة، ومنها ضمان الوصول إلى الحماية عن طريق إصدار الأوامر بعدم التعرّض للضحايا والحفاظ على ملاجئ آمنة وخطوط ساخنة للمساعدة. وعلى الشرطة أن تبذل المزيد من الجهود على مستوى التدخل السريع. وعلى الدول أيضًا أن تتوصّل إلى حلول جديدة ومبتكرة لدعم النساء، ولا تسمح للظروف الاستثنائية والتدابير التقييدية المفروضة للتصدي لفيروس كورونا المستجدّ أن تؤدي إلى انتهاك حق المرأة في العيش بمنأى عن العنف.

إجراءات لتحسين وضع المرأة:

حثت الأمم المتحدة جميع الحكومات على منع العنف ضد المرأة، وأن تجعل من جبر الضرر الواقع عليها من جراء هذا العنف جزءً رئيسياً من خطط الاستجابة الوطنية الخاصة بكوفيد-19، وحددت العديد من الإجراءات التي يمكن اتخاذها لتحسين الوضع، بما فيها:
• زيادة الاستثمار في الخدمات الإلكترونية ومنظمات المجتمع المدني.
• التأكد من استمرار الأنظمة القضائية في مقاضاة المعتدين.
• إنشاء أنظمة الإنذار طارئة في الصيدليات والمتاجر.
• إعلان ادراج الملاجئ في فئة مرافق الخدمات أساسية.
• إيجاد طرق آمنة للنساء لالتماس الدعم، دون تنبيه المعتدين عليهن.
• تجنب إطلاق سراح السجناء المدانين بالعنف ضد المرأة، بأي شكل من الأشكال.
• تكثيف حملات التوعية العامة، وخاصة تلك التي تستهدف الرجال والفتيان.

اقرأ المزيد

قراءة في كتاب (خارج الطائفة)

تعدّ المشكلة الطائفية خلال العقود الأربعة الماضية، أحد أكثر المشكلات تفجرًا في المشرق العربي. بل إن تفجرها قد جاء مع تمدد الحركات السلفية المتشددة واشتداد عود حركة الأخوان إبان حقبة أنور السادات ومع انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية والعمل على تصدير ثورتها في الأقاليم العربية المجاورة. وقد ازدادت حدة المشكلة الطائفية مع سقوط نظام البعث في العراق وصعود الأحزاب الإسلامية الشيعية وسيطرتها على مقاليد السلطة في العراق.

من هنا تأتي دراسة الكاتب والناقد البحريني علي الديري كقراءة مميزة وهامة في مناقشة المرتكزات التي تقوم عليها النزعات العصبوية. يقدم الكتاب عبر تجربة المؤلف مع ثنائية الخارج والداخل، أن الوجود خارج الطائفة يجعلك تلقائيا داخل فضاء المدينة وداخل فعلها الحر. فكل خروج هو دخول آخر. أنت تخرج من حيز، أفقه ضيق لتدخل أفقا أكثر رحابة وأكثر اتساعا. فمن خارج الطائفة (الفصل الأول)، إلى داخل المدينة (الفصل الثاني)، ومنها إلى داخل آخر وأكثر تشعبا، الدولة (الفصل الثالث)، ثم داخل إنسان هذا المكان الذي يشكل المجتمع (الفصل الرابع).

في الفصل الأول (خارج الطائفة) يشير الديري إلى أن المثقف لا يمكن أن يكون مثقفًا حقيقيًا وهو داخل الطائفة، ولا يمكن المراهنة على مثقف وهو داخل طائفته. لأن “وظيفة المثقف أن يوسع إطار الجماعات، ليكون بمقياس الوطن لا بمقياس الطوائف.”1 والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما معنى أن أكون خارج طائفتي؟ “يعني أن تكون طائفتي موضوعا أشتغل عليه، لا إطارا أستند عليه.”2

قد يتبادر إلى ذهن القارئ أن الديري يقصد بصيغة “أنا خارج الطائفة” إعلان براءة أو حرب، غير أن المسألة في عمقها إشكالية معرفية، ووجودية، واجتماعية، وسياسية، بمعنى آخر “أحاول أن أفهم من خلال هذه الإشكالية (أنا خارج الطائفة) أناي ومجتمعي ودولتي، وجماعتي التي أعيش فيها.”3 أن أكون خارج طائفتي بهذا المعنى، أجعل الدولة خارج الطوائف.

يذكر الديري أنه بعد زيارة المفكر محمد أركون للبحرين في 2001 كانت التهمة الأكثر حضورا في الحراك الثقافي العام هي (أنت خرجت من تقليد رجل الدين ووقعت في تقليد أركون). يقلب الديري التهمة إلى سؤال: ما الفرق بين علاقتك برجل الدين وعلاقتك بأركون؟ أو ما الفرق بين تقليد رجل الدين وصداقة المفكر؟ هل يمكن أن يكون رجل الدين صديقا؟ يجيب الديري ” أن العلاقة مع رجل الدين محكومة بقانون الماهية، والعلاقة مع المفكر محكومة بقانون التصيير. قانون الماهية يفرض عليك أن تكون هو (…) قانون التصيير يطلب منك أن تكون أنت وما تفعله.”4 نحن مع رجال الدين نتماهى، ومع المفكرين نتصاير .

في الفصل الثاني (المدينة والفعل الحر) يؤكد الديري على أهمية مقاومة الطائفية، ولكي ننجح في ذلك علينا أن ننشئ مدينة، لأن المدينة تقوم على الفعل الحر، وحرية الفعل تحتاج حماية. “كي تكون مدينتنا وطنا للفعل الحر، فإننا نحتاج إلى أن نجعلها بثلاثة ألوان لون للتشريع ولون للتنفيذ ولون للقضاء. أن تكون المدينة بثلاثة ألوان فهذا يحميها من لون الفرد الواحد وإرادته، ومصلحته ورؤيته (…) حين يبهت أحد الألوان الثلاثة أو حين يمحي لون أحدها لا تعود المدينة مكانا آمنا للوطن.”5

كذلك في هذا الفصل يؤكد الديري على أهمية تحرير المثقف من السياسي. لأن السياسي ينسجم مع السائد والأكثرية والنافع واليومي والمستقر، إنه ينسجم مع ما يمكنه من أن يعزز من حكم سلطته. يقابل أحادية السياسي المتمثله في دفاعه عن الواحد، وانحيازه لجماعته، تعددية المثقف المتمثله في دفاعه عن التعدد، وانحيازه للشخص وتكثيره للمعنى، وانفتاحه على كل الجهات. وفي جانب آخر يشدد الديري على أهمية تحرير المثقف من رجل الدين. لأن المثقف أو المستنير لا يتصف بالتقيّد أو بالتوقف، وهو ما يجعل منه متمايزا عن رجل الدين، في علاقتهما بالفعل الحر وصناعة المدينة. “المدينة صنيعة المثقف لا رجل الدين، رجل الدين لا يصنع مدينة ، المدينة يصنعها الفعل الحر، لا النص المقيد. النص يصنع جماعات والفعل الحر يصنع أفرادا، النص يسبق الإنسان والفعل يلحق الإنسان.”6

لكن ما هو الفعل الحر؟ الفعل الحر هو “ما ينجزه الإنسان بتصرفه في العالم، من نصوص وخطابات ورسومات وأشكال إدارة وحكم وعلاقات وصور وألوان وأنظمة وقوانين، الفعل الحر هو تصرف الإنسان في وجوده من دون الخضوع إلى سابق (…) الفعل الحر أن نصنع حقائق كثيرة للوجود.”7 ولا يسعنا في هذه المقالة تسليط الضوء عن “تحرير الاختلاف” و “تحرير خرائط المدينة” و “تحرير الخيال” و “تحريرالحقيقة” و”تحرير الرابطة المدنية” التي أسهب الديري في طرحها وشرحها في الفصل الثاني من كتابه آنف الذكر.

في الفصل الثالث (داخل الدولة) يغوص بنا الديري في أعماق بحر الدولة الواسع وأمواجه العاتية ليفك طلاسم التناقضات والصراعات داخل الدولة الواحدة. اعتاد العرب في تاريخهم الحديث والمعاصر على جعل السلطة هي الدولة، والدولة هي السلطة. لذلك نرى الحاكم أو العائلة أو القبيلة أو الحزب هي السلطة والدولة في ذات الوقت. “هناك فرق بين منطق الدولة ومنطق السلطة. بل قد يتعارض منطق السلطة ومنطق الدولة، فالسلطة تبقى في النهاية مجسدة في أشخاص أو عوائل أو عصبيات أو أحزاب أو جماعات. وهذه التجسيدات لها منطق مصلحة خاص بها، وكثيرا ما يتعارض مع فكرة الدولة، أو منطق مصلحتها.”8

يفرق الديري بين “طاعة العامة” وبين “الطاعة العامة”. في “الطاعة العامة” الجميع نبلاء، وبقدر ما يطيعون تكون الدولة، والناس لا يطيعون الناس، بل يطيعون ما يتوافق ويتعاقد عليه الناس. إنهم يحترمون هذا العقد العام. وفي “طاعة العامة” يحكم شخص أو عائلة وينظر إلى الجميع على أنهم رعاع وعامة وبسطاء وسواد أعظم. في “طاعة العامة” لا يوجد ميدان اجتماعي أو سياسي عام، بل هناك ميدان للطاعة تتنافس فيه الجماعات لإظهار شعائر الولاء لشخص غير عام. وفي “الطاعة العامة” هناك ميدان اجتماعي وسياسي عام، يتحاور الناس فيه ويختلفون ويتعددون ويتباينون، ويحتكمون في كل ذلك إلى مؤسسات عامهم، من دون أن يلجأوا إلى شخص مفترض الطاعة. في “الطاعة العامة” مجال حركة الناس هو الشارع العام، أما في “طاعة العامة” فمجال حركة الناس هو في الشارع الخاص حيث الطائفة والعائلة والقبيلة.

في الفصل الرابع والأخير (داخل المجتمع) يبرز علي الديري التباين الواسع بين (روحانية المخطط الكبير) وبين (المخطط الصغير للملة أو الجماعة). في الأولى تكون روحانية الإنسان عابرة للزمان والمكان، متقبلة للمختلف ومتسامحة مع الآخر. أما عن روحانية المخطط الصغير فهي منغلقة على نفسها ورافضة للمختلف ومتعصبة مع الآخر. “الحديث عن الروح من غير روحانية تماما كالحديث عن الإنسان من غير إنسانية. تتحقق روحانية الروح بوصلها بالآخرين، بتناغمها وسلامها مع الأرض. بهمسها الباطني بالمحبة، بترطيب علاقتها بالمختلف معها عقائديا وحضاريا، بتوافقها مع المخطط الكبير للكون، لا المخطط الصغير للملة أو النحلة، بالارتباط بالله الواحد في السماء والمتعدد في الأرض والخلق.”9

سيفتحك خارج الطائفة إذا، على الخيال والعقل والدين والعلم والسياسة والعالم والإنسان والتراث والآخر. سيجعلك مهيئا لدخول العالم.

الهوامش:
1- علي الديري، خارج الطائفة ص29الطبعة الأولى 2011 دار مدارك
2-المصدر السابق ص29
3-المصدر السابق ص32
4-المصدر السابق ص53
5-المصدر السابق ص137
6-المصدر السابق ص152
7-المصدر السابق ص154
8-المصدر السابق ص214
9- المصدر السابق ص328

اقرأ المزيد

الخروج لشراء جريدة

كان الجو محقونًا ومتوترأً في البيت، فاقترحت الأم على ابنها الأرمل أن يخرج لشراء جريدة.في قرارة نفسه كان الأمر سخيفا، إذ لم يكن من أولئك الأشخاص المدمنين على قراءة الجرائد، لكنّها لمّحت إلى أن والده يفعل ذلك. فخرج قاصدا المكتبة القريبة دون أدنى رغبة لشراء الجريدة، لكنّه فعل ذلك لإرضاء والدته .
في المكتبة سيلتقي سيدة تبحث عن كتاب، فيعرض مساعدته، ويقترح عليها عدة كتب، ثم حين تكتشف أنه ليس موظفا في المكتبة، “لخبطة” ثم اعتذار، ثم دعوة لشرب قهوة، كثير من الضحك في خلال جلسة قصيرة، يبدأ مطر خفيف بالهطول، تذهب السيدة، ويعود هو إلى البيت متوترا نوعا ما، أسرع مما يجب، يلحقه شرطي المرور ويسجل عليه ضبطا، وهكذا تنتهي رحلته الصباحية لشراء جريدة، يدخل مبللا قليلا، مرتبكا، وسعيداً.
كل هذه الأمور حدثت حين خرج لشراء جريدة..وفي الحقيقة كانت تحدث لنا على أيام الجرائد أمور مختلفة يوميا ونحن متوجهون لشرائها، قبل أن يقرر أصحابها اختراع الإشتراكات التي جعلتنا ندفع مسبقا ثمنها لتصلنا يوميا إلى بيوتنا. وقد يحدث أن نفتح الباب لإحضارها فنصادف الجار لنلقي عليه التحية، ونتبادل بعض الأخبار الشخصية، وقد تكون الجريدة سببا لدعوته على فنجان قهوة صباحي، تزيده حكاياتنا تميزا.
تطورت الأمور حين انتكس عالم الورق، وأصبحت الجرائد الإلكترونية فارضة سلطتها علينا، فتم الإستغناء عن فتح الباب صباحا، و دعوة الجار لاحتساء قهوة الصباح..
وجدت مواقع التواصل الإجتماعي نقاط ضعفنا بسهولة، فهي بشكل ما تروي الجانب الفضولي فينا، وتلبي رغبتنا لممارسة النميمة بكل أشكالها، فلم يعد لدينا الكثير من الوقت لدخول مواقع الجرائد، أصبح لدينا أشخاص نتبعهم، وآخرون يتبعوننا، ومؤثرون وثرثارون ومحبو الظهور وغيرهم.
يكفي الإستيقاظ والبقاء في دفء الفراش وفتح شاشات هواتفنا، للتجول بين صفحات أولئك القوم السالف ذكرهم، وقد نصاب بالنعاس مجددا من شدة التجوال والتركيز على الشاشة الساحرة التي لا تكف عن إبهارنا بقصص غريبة وأخرى عجيبة عن عالم مجنون كنا نجهله تماما على أيام الجرائد. تصاب أعيننا بالزغللة أحيانا من كثرة التركيز على سيل الحكايات الذي يغمرنا دون توقف، ننام ونستيقظ وجوعنا لما تحمله هذه المواقع بين ما هو صحيح وما هو خاطئ يتحوّل إلى إدمان. يفتي هؤلاء القوم في كل شيء، في السياسة والطب وعلوم الفقه، وفنون الطبخ والخياطة والبصل والبطاطا ومواد التنظيف، والأعشاب التي تشفي من السيدا والكورونا والسكري والسرطان ..
عالم بأكمله من الشعوذات تحمله هواتفنا، وقد نجحت في إعاقة حركتنا، قبل أن يحل فيروس كورونا ويحوّل يومياتنا إلى يوميات شبيهة بيوميات السجناء، ما نفع حياتنا كلها ونحن نراقبها عن بعد من خلال نوافذ صغيرة مكبلون في بيوتنا المغلقة؟
الآن فقط، وفي لحظة فارقة جدا، ستبدو الحياة كما كانت قبل عشر سنوات أجمل بكثير، وكلما عدنا بالذاكرة إلى الوراء ستبدو أكثر جمالا أضعاف المرات. قبل أكثر من ثلاثة عقود كانت الجرائد لا تزال تشجع مسابقات حقيقية في شهر رمضان، تعتمد على الذكاء والثقافة العامة، وكانت الجوائز المحفزّة لخوضها والمشاركة فيها، تكافئ المجتهدين، علينا أن ننتبه إلى جوائز اليوم التي تشبه لعبة “الروليت” مجرد رهان على الحظ، بعد إرسال رسالة هاتفية على أرقام معينة.
في زمن الكورونا استعاد الورق عافيته، أو هذا ما أراه على الأقل، حدث شيء جعل القراء يبحثون عن الكتاب الورقي، زاد الإقبال تحديدا على الرواية، وهذا من الأخبار السارة التي حملتها لنا الكورونا في طياتها، ولا أنكر أن ملمس الكتب الورقية هو الذي أيقظ في داخلي حنينا جارفا للجرائد الورقية، حتى أني اندهشت من أن نسبة تفوق التسعين بالمئة من السويسريين لا يزالون أوفياء لجرائدهم الورقية، ولا تزال جرائدهم مستمرة بالصدور بسبب وفائهم الخارق لها، حتى في هذا الوقت العصيب، تسابقت الدراسات لمعرفة مدى إمكانية نقلها للفيروس فثبت علميا “أن الفيروس يتحلل بسرعة على الأسطح الخاملة، وأكثر من ذلك على الأسطح المسامية، مثل الورق المقوى والورق العادي الرفيع” . هل هذه خدعة تجارية؟
بالتأكيد ليست كذلك، فقد نشرت دراسة مؤخرا في مجلة “نيو إنجلند أوف ميدسن” حملت الكثير من النتائج المفرحة، منها أن الفيروس التاجي يعيش مدة أطول على المساحات الملساء غير المسامية، كما يفقد قوته ويصاب بالضعف كل 66 دقيقة، خاصة في الهواء الطلق، وبعد أربع وعشرين ساعة يقضيها على ورق الكارتون يفقد قوته تماما، وكذلك على ورق الجرائد التي من الصعب أن تحمل الفيروس بما أن طباعتها لا تتم يدويا أبدا. ومع هذا هناك جرائد كثيرة على مستوى العالم توقفت عن طباعة جرائدها ورقيا. يا للمحنة!
ما الذي فاتنا حين توقفنا عن الخروج لاقتناء جريدة؟
فاتنا بالتأكيد ملامسة شمس الصبيحة ونسائمها، المشي في الشارع، لقاء أشخاص جدد، وأقدار مختلفة، كان بالإمكان أن تغيّر حياتنا، وإيقاعها الميت الذي نعيشه اليوم. كل حياة حركة، وكل موت ثبات، ونحن اليوم نزداد ثباتا وخوفي أن يطال الثبات أعيننا فنصاب بعمى جماعي بعد عقد أو عقدين من الزمن فنعيش بالضبط ما وصفه ساراماغو في روايته.
فمن كان يتوقع أن نبلغ في ظرف عشر سنوات كل هذه التغيرات المخيفة؟ فقد طال الخوف أعمق نقطة في أعماقنا حين جعلنا نخاف من وعلى أحبتنا، وأصبح من الممكن أن نستغني عن حاسة من أهم حواسنا وهي اللمس لنحافظ على بقائنا. لكن من يعرف سحر ملمس الورق ورائحته؟
أفهم جيدا هذه الحملات المنظمة من طرف عشاق جرائدهم الورقية للتشجيع خلال فترة الحجر على الإشتراك في جرائد معينة، اشتهرت بمستواها الثقافي الجيد، وأقلامها الراقية.
لا تزال الجرائد أرخص ما يمكن أن يشتريه الشخص، وأكثر حرصا على أذواقنا، دون اللجوء لإعلانات مفاجئة، في الغالب تزعجنا كقراء للنسخ الإلكترونية، وتشوش تركيزنا، وتخدش في الغالب متعة استمتاعنا بالقراءة.
هل يمكن لزمن الجرائد أن يعود؟ كثيرا ما طرح السؤال وأجاب عنه مثقفون وكتاب ومختصون، لكن من يستطيع التنبؤ بما هو قادم؟ ففي النهاية نحن نجهل تماما أي الأحلام ستنتابنا بعد انتهاء الجائحة، وأيها سنجتهد في تحقيقها، ولا نعرف حتما، هل هذا الفضاء الإلكتروني الذي نعيش في كنفه سيبقى صالحا وآمنا في المستقبل؟
كل الأسئلة التي تخطر على البال، تبقى بعض أجوبتها عالقة، ذلك أننا لا نعرف طريقة تفكير الأجيال القادمة، ولا توجهاتهم في الحياة، ألم تتربع الممثلة جودي دينيش على غلاف مجلة فوغ الورقية مؤخرا وهي في الخامسة والثمانين؟ أليس هذا مخالفا لقواعد جذب القارئ بصور الصبايا الحسان رشيقات القوام؟ إذن كل شيء وارد. أليس التوجه اليوم في اختيارات الأجيال الشابة مغايرا تماما لأجيال سبقته؟ ألا يهتم بما يأكل وما يشرب، وبممارسة الرياضة، واختيار النهج الصحي في الحياة؟ عكس شبان الماضي وخوضهم تجارب ومغامرات مجنونة تبدأ بالتدخين وتنتهي بأمور لا تُحمَد عقباها يضيق المقام لذكرها؟
لن نستبعد أبدا خوض مغامرة نشر جديدة لجرائد أو نشرات ورقية تهتم بالثقافة والفنون والآداب، وتملأ بعض تجويفات الحنين للأشياء الجميلة التي نفتقدها اليوم، ومن بينها الخروج صباحا لاقتناء جريدة، فأغلب أقدارنا الجميلة ككتاب وشعراء صنعتها الجرائد الورقية ذات يوم، وكلما كان مكان اقتنائها بعيداً، كانت أحلامنا الصباحية تأخذ، حجماً أكبر.

اقرأ المزيد

رأس المال في زمن كورونا

ما كان مستغرباً أن تكون أقدام رأس المال قد وطئت كل ميدان لاحت فيه منفعة وتسهلت سبل المغنم
يستكمل النظام الرأسمالي، في زمن «كورونا» الجاري، إطباقته على نفسه، وعلى الدنيا من حوله، بعد ما يزيد على أربعمئة عام على فتوحاته، وسلطانه. وتعطلت حركته عن الامتداد والزحف، فتوهنت قوته؛ وضاقت عليه سبل الربح، وانسدت عليه آفاقه، فلم يعد من ملاذ له غير الانكفاء إلى بنوك يرقد في حساباتها. ولم يحصل أن تعرض كيانه للصدع حتى في أشد نوبات أزماته، كما في أزمتي عام 1929 وعام 2008، ولا وجد نفسه – يوماً – أمام حال من الفراغ كالتي هو فيها الآن، وقد يقضي زمناً طويلاً قبل أن يتعافى من الفيروس الذي دبّ في جسمه. وحتى حينما تصير حاله إلى التعافي، لن يسعه أن يستمر على ما كان فيه من جنون أكل الأخضر واليابس في الأرض؛ إذ لا بد له من تصحيح ما اعوج في كونه، ومساره، حتى يتصالح مع المحيط الإنساني الذي آذاه كثيراً، وتأذى هو مما لحق الإنسان من أذى كان (هو) من أسبابه.
مبنى هذا النظام على الربح؛ هو عقيدته التي بها يدين، وما همّه أي نوع من الربح يكونه ذلك الربح: أهو سليم أو مشبوه؛ نظيف أو وسخ، يرفع من كرامة الإنسان أو يزري بها؛ يحترم الحق في الحياة أو يوفر أسباب انتهاكه؛ يخدم المصلحة العامة للبشرية أو يعود بأجزل الفوائد على مصالح خاصة وفئوية؛ يطابق منظومة القيم السائدة أو يجافيها،..إلخ؟
ما كان مستغرباً أن تكون أقدام رأس المال قد وطئت كل ميدان لاحت فيه منفعة وتسهلت سبل المغنم. وأكثر ميادينه الموطوءة ما تعلق باقتصاد الاستهلاك، فكان أن أفرغ الوُسْع لإجابة «حاجات» المستهلكين؛ وهم بعدد خلق الله جميعاً إلا من منعه مانع الفاقة. والحق أنه ما أجاب تلك «الحاجات» بقدر ما خلقها، وأخرجها، من عدم، ثم توسع في تنويعها حتى بدت للناس كأنها من الحاجات والضروريات. وهو في إشباعه الطلب على الاستهلاك، حوّل الطبيعي إلى صناعي، وأدخل فيه ما ليس منه كي يمدد من «صلاحيته»، فكانت خصائص الطبيعة في المنتوج تتناقص بمفعول الكيميائي الذي يتخللها لتتناقص معها، فوائده.
أما ما كان من منتوج غيرِ طبيعي فأخرجه إلى الناس بالسعر الذي يُشبع نهم الربح، غير آبه بما يلحق الناس من ضرر، مطْمئناً إلى إِقدامهم عليه لإشباع نهم الاستهلاك في ميدان الاستثمار في القوت، والمتاع، والمسكن، والملبس، والمقتنى، من وسائل التأنق والتجمل، وسرقة أموال الناس نظير سرقة فائض القيمة المستخرج من قوة العمل. المشكلة في أنه لا يتحرج – في سبيل تعظيم الأرباح – في أن يطأ ميادين لا يكون من ناتج الاستثمار فيها سوى هلاك الأرواح، والتعجيل بالفناء. ومن ذلك ما يضخّه في مجال التصنيع العسكري، وما يتولد منه من إنتاج وسائل الفتك بالحياة، ودمار العمران البشري، بل والتفنن في تصنيع أفْعل فتكاً كأسلحة الذرّة والأسلحة الكيماوية والبيولوجية، حتى أن الحروب أصبحت مطلباً عزيزاً لديه، ووقوداً لاستغلال آلة إنتاجه. والمُسْتشنع في سيرته أكثر استرخاص الأعراض، والحط من قدر كرامة الإنسان، ويدخل في ذلك عمله المحموم في ميدان إشاعة ثقافة غرائزية باتت الصناعة السينمائية، اليوم، واحدة من أجزل موارد استثماره فيها. ولك أن تقيس أمثلة لاشتغال رأس المال خارج أي منظومة قيمية سوى تلك التي يسوغها النهم إلى الرِبح، وتعظيم المصالح الخاصة.
ضُرِب رأس المال هذا في مقتل، اليوم، أرْكَعته عاصفة كورونا الهوجاء، وفرضت عليه الحجر المالي بعدما انْحَدَّ جموحه إلى الربح. سيكون على رأس المال هذا، الذي استثمر في كل شيء إلا في الحياة والصحة، أن يسائل نفسه عما فعل؛ عن مسؤوليته في البحث عن الربح السريع وتَبعات ذلك الباهظة؛ عن مسؤوليته في تدمير البيئة واستصعاب الحياة على ظهر هذا الكوكب؛ عن ذهوله عن الاشتغال في الميادين التي تعود بعظيم الفوائد على الأبدان والنفوس؛ عن استغلاله الوحشي للإنسان وموارد الطبيعة؛ عن عجزه عن أن يوفر للبشرية نظام أمان وحماية من الأوبئة..إلخ. حتى الآن، لا يبدو أن رأس المال كائن عاقل يتعظ من التجربة؛ ما زالت ألسنته، وألسنة لوبياته تسبّح بحمد الربح وفرصه التي «قد» تلوح من خلف هذه الجائحة.
– See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/8d77e628-6727-4b03-a314-4ebe1ff1139a#sthash.lAVuztKz.dpuf

اقرأ المزيد

استثمار كورونا

كنا على موعد مع ازمة اقتصادية كبيرة في 2020 بدأت تباشيرها قبل عدة أعوام، لكننا استيقظنا على كورونا. أتساءل: لو اختبرنا الأزمة الاقتصادية وحدها دون الوباء هل كنا سنقبع في بيوتنا أم سنخرج الى الشوارع مطالبين بالإصلاحات والعدالة والإنصاف ومحاسبة الفاسدين؟

الأعمال عن بعد والمعتمدة على التطبيقات التكنولوجية الجديدة تحتاج طاقمًا اداريًا جديدًا في القطاعين العام والخاص. حان الوقت لرؤية شبانًا صغارالسن متمكنين علميًا وإداريًا وتقنيًا يقودون الاقتصاد والتعليم والصحة والتجارة، إدارة ما قبل كوفيد19 لا تصلح لما بعده .

كل يوم يخرج علينا سفير ليفاجئنا بتعداد جاليته، هل كان ثمة اتفاق ضمني في الماضي على إبقاء هذه الأرقام سرية ؟

بين الفتح والإغلاق، والفتح والإغلاق عاش الناس حياة صبر طويلة ….ومؤجلة.

كوفيد 19يدخل إلى سيرتنا الذاتية ويصير جزءً من تكويننا: مصاب بكوفيد، متعافي من كوفيد، متسبب في عدوى كوفيد، مستهتر باحترازات بكوفيد، ثمة خشية من أن تكون هذه الصفة المرضية ملازمة للإنسان، وسببا للتمييز بينه وبين الاخرين مستقبلًا.

تقول أغنية صربية قديمة: “لا أحب السبت ولا أحب الاحد، لا الاثنين يعنيني ولا الثلاثاء، الأربعاء قد يكون يومًا مهمًا بالنسبة لغيري/ أما السبت، آه السبت فيشبه الخميس الماضي”. عاش الناس دومًا أشكالًا عديدة من الحجر والعزل النفسي والوحدة قبل كوفيد وسيعيشون مثلها بعده.

الناس ليسوا في حالة تحدٍ مع الحكومات وإجراءاتها، إنما في حالة صراع مع عقولهم ووعيهم، فثمة رسائل عديدة مضادة يتلقونها يوميًا حول كذبة الوباء ومؤامرة الوباء والمختبرات التي خلقت الوباء، اليقين الكامل في منظومة الإعلام العالمي لم يعد سهلًا في زمن ديموقراطية الإنترنت.

العالم الإستهلاكي أكبر المتضرريين من كورونا. مصانع الساعات السويسرية المقفلة حاليًا تبحث في ابداعات إعلانية غير مسبوقة لتسويق منتجاتها مستقبلًا. السؤال هو: كيف ؟

أنشطة اقتصادية تضاءلت ثم تبخرت بعد أن فقدت مسوغ وجودها، ولم يشعر الناس بغيابها، كانت فقط وبالًا على البيئة ووسيلة للتربح والإثراء غير المستحق.

إذا طال أمد كورونا سيخرج الناس في تظاهرات احتجاجية تحت يافطة “الحق في المخالطة”.

موطنون عاديون وبسطاء ولا شأن لهم بالاخرين، عاشوا حياتهم في العتمة بعيدًا عن الأضواء عافين وكافين، فجأة اصبحوا مشاهير وأرقامًا مهمة على نشرات الأخبار ومؤشر كوفيد 19 بعد إصابتهم أوتعافيهم أو موتهم.

قال مازحًا للممرضة التي أجرت عليه الفحص: لقد سعلت وعطست عدة مرات، أكان ذلك بحثًا عن الفيروس ام حقنًا به ؟ اجابت الممرضة بل هو مجرد حالة نفسية عارضة.

أما صحفنا الورقية الأربع ذات الرأي الواحد فجدير بها أن تتعاطى مع كورونا كشأن بعض البنوك والشركات والوزرات بأن تدمج نفسها في مبنى واحد ومطبعة واحدة،لا خوف عليها من تبدد هويتها وشخصيتها واستقلاليتها المفقودة منذ زمن طويل.

الرعب والهستيريا من الوباء جدير بالمكافحة أيضًا، كي نعود للحياة الطيبة التي كنا نألفها قبلا.

المسافة تباعدت في الشوارع والأماكن العامة واقتربت جدًا في البيوت، نذير شؤم على العلاقات العائلية والعاطفية. نحتاج المسافة كي نشتاق ونحب ونعشق.

اخلق وظيفتك، ذلك هو الشعار الذي جاء مبكرًا مع وباء كورونا. الحكومات لن تكون مسؤولة بعد اليوم عن عطالتك وجوعك وموت أبناءك. الخرق الأمني هو ما يعنيها فقط ، واذا سأل سائل عن حقوقه تجاه الدولة فسوف يقال له: انها الكورونا .

نظر إلى وجهه في المرآة فهاله حجم التغيير والتقدّم في العمر الذي طرأ عليه خلال أشهر العزل البسيطة، ودّ لو يتراجع عن هذا المشوار التافه، بيد أنه كان يبحث عن متنفس وسبب للخروج غير الضروري، أحكم اغلاق القناع على وجهه وسحبه ومدده كي يغطي أكبر مساحة من وجهه، أرخى غترته على جبينه، ردّد في نفسه: لا فرق، وحيدًا في الداخل ووحيدًا في الخارج.

اقرأ المزيد