المنشور

محمود درويش وقصته مع “ريتا”

نظم الشاعر الوطني الفلسطيني الكبير الراحل محمود درويش قصيدته “ريتا والبندقية” عام 1967 إبان وجوده على أرض وطنه المحتلة ضمن “أراضي 48“ والتي غادرها مطلع السبعينيات إلى موسكو فالقاهرة حاطاً الرحال في بيروت، لكن القصيدة اكتسبت شهرة مدوية من لبنان إلى جميع أرجاء العالم العربي بعد أن غناها ولحنها الموسيقار اللبناني الوطني الكبير مارسيل خليفة ؛ حيث أضحت بعدئذ رائعة من روائع أغانيه يرددها ملايين العرب ويطلبون منه تأديتها في حفلاته الموسيقية أينما حل ضيفاً على أي بلد عربي.

بيد أن الاعتقاد ظل سائداً لدى الغالبية العظمى من محبي فن خليفة وقصائد درويش بأن “ريتا” هي رمز لوطنه السليب فلسطين في حين لم تكن ريتا سوى إسم مستعار لحبيبته اليهودية “تمار بن عامي” التي لها والدان ينتميان إلى بلدين اشتراكيين سابقين، فالأب بولندي والوالدة روسية، ولعلهما هاجرا إلى فلسطين قبل نكبتها في 1948، وقد عاش معها شاعرنا قصة حُب فعلية عاصفة لم تستمر أكثر من عامين لموقفها السلبي من العدوان الأسرائيلي على العرب 1967، على أن شاعرنا ظل أسيراً بمشاعره الجارفة لذكريات تلك القصة الغرامية الأليمة النهاية والعصية على نسيانه إياها طوال إقامته المديدة خارج وطنه في الشتات حتى وفاته الفاجعة عام 2008 في هيوستن بالولايات المتحدة إثر عملية جراحية في القلب عن عمر ناهز ال 67 عاماً.

ولم تكن القصيدة أصلاً بتلك الشهرة التي أضحت عليها قبل أن يغنيها الفنان مارسيل خليفة؛ لا بل لم تكن الأعمال الشعرية وسائر الأعمال الأدبية لأدباء عرب 48 معروفة أصلاً عند النخبة المثقفة وجمهرة المثقفين والقراء العرب إلا غداة نكسة 1967، إذ ظلت أعمالهم مجهولة لديهم ما يقرب من عشرين عاماً منذ نكبة 48 ؛ وذلك بفعل طوق العزلة المضروب عليهم من قِبل سلطات الاحتلال ، فضلاً عن المقاطعة الكلية الشاملة المتبادلة بين العرب وإسرائيل.

وبعد تسليط بعض وسائل الإعلام العربية عليها؛ انبهر المثقفون العرب انبهاراً شديداً بتلك الأعمال الأدبية لقوة تعبيرها عن قضية نضال الشعب الفلسطيني وعن نضالات جزء من هذا الشعب ظل متمسكاً بأرضه ولم يفلح عدوه في اقتلاعه من جذوره؛ لا تشريداً ولا قتلاً، فأضحوا شوكةً في حلق عدوهم إلى يومنا؛ وأخذوا يكيلون المديح والتقريظ فيها ، حتى تصدى لهم شاعرنا الخجول ببيانه الشهير “أنقذونا من هذا الحُب القاسي”.

وكان الشهيد الفلسطيني الروائي الراحل غسان كنفاني المقيم في بيروت هو من أول من عرفوا عالمنا العربي بأدباء المقاومة داخل “إسرائيل”. ورغم كل الاعتقادات التي ترسخت بأن “ريتا” في القصيدة هي فلسطين معشوقة الشاعر دون أن يخطر ببالهم ولو في الخيال بأنها حكاية حُب تجمع درويش مع معشوقته الفعلية اليهودية تمار/ “ريتا”، فإن الشاعر لم يكشف النقاب عنها إلا قبل بضع سنوات من رحيله تلميحاً وبصورة ملتبسة خجولة تقترب من الوضوح بما فيه الكفاية للإعلامي اللبناني اللبيب عباس بيضون وإعلامي فرنسي آخر.

بدأت القصة على طريقة كيمياء الحُب من أول نظرة التي تشد الرباط بين عاشقين من أول وهلة كما عبّر عنها أمير شعراء العرب أحمد شوقي خير تعبير في بيته الشهير: نظرة، فابتسامة، فسلام، فكلام، فموعد، فلقاء، وكان ذلك في مهرجان للشبيبة التابعة للحزب الشيوعي الأسرائيلي عام 1965؛ حيث انجذب شاعرنا إلى جمالها الأنثوي الفتّان وبرقصها الجميل في وصلة أو فقرة رقص شعبية، واستمرت العلاقة بينهما حتى عشية نكسة 1967 العربية فانقطع حبل الوصال بين العاشقين على إثر تجنيدها في جيش العدو الأسرائيلي استعداداً لعدوانه الإجرامي المشؤوم في ذلك العام على العرب، وكانت هذه العلاقة حتى وهو في وطنه المحتل غير معروفة إلا للمقربين من أهله وخاصته من رفاقه في الحزب.

وفي فيلمها الوثائقي الذي أخرجته قبل بضع سنوات المخرجة ابتسام مراعنة تسلط الضوء على أبرز خفايا تلك العلاقة، بما في ذلك رسائل الشاعر التي كتبها بلغة عبرية شاعرية رقيقة شفافة ، حيث كان شاعرنا يجيدها باتقان إلى جانب اللغتين اللغتين الإنجليزية والفرنسية ، وناجاها بعدئذ في عدة مجموعات شعرية عربية: “آخر الليل” 1967، “ريتا أحبيني” 1969 في مجموعة العصافير تموت في الجليل، “أعراس” 1977، شتاء ريتا” 1992، فيما كان أول ديوان صدر له بعنوان “عصافير بلا أجنحة” عام 1960 وكان عمره وقتذاك 19 عاماً .

وفي مجموعة “ريتا أحبيني” لا يصرح بمكان الحبيبة ولا بهويتها، حيث كان مراقباً من العدو؛ هو الخارج من آخر معتقل من اعتقالاته المتكررة قبل سنتين ؛ بل يتخذ من اليونان مكاناً رمزياً لقصته حيث يخاطبها: “نامي هنا البوليس منتشر” فكأنه بذلك يتمثل كلمات شاعر العامية المصرية الوطني الشهير أحمد فؤاد نجم في حبه لمصر زمن السادات إثر تكرر مرات اعتقاله: “ممنوع من السفر .. ممنوع من الغنا .. ممنوع من الكلام .. ممنوع من الاشتياق .. ممنوع من الأستياء .. ممنوع من الابتسام .. وكل يوم في حبك تزيد الممنوعات”.

والقصيدة تعكس مشاعر الشاعر الوطني الملتزم على المحك الصعب حينما يجد نفسه بين خيارين لا توفيق بينهما ولا ثالث لهما؛ فإما الحبيبة الوطن وإما الحبيبة المرأة ، فينحاز بلا تردد رغم مرارة الانحياز لصالح الحبيبة الأولى لا الثانية، ولعمري هذا ليُحسب موقف صمود نضالي لا يقل شجاعة وخطورةً عن صمود المناضلين في السجون أو تحت التعذيب، وذلك لما هو معروف عن سلاح المرأة الجبار بأنوثتها الطاغية لإصطياد المناضلين في شراك العدو؛ علماً بأن الشاعر – كما تردد – مرّ بتجربتين فاشلتين من الحُب فالزواج في المنفى؛ إحداهما مع السورية رنا قباني إبنة شقيق شاعر الغزل الشهير نزار قباني التي مما ورد في شهادة لها بعد مماته، حسب مجلة “سيدتي” الصادرة في 12 اغسطس 2015 ، إشادة ببعض مناقبه الإنسانية الثورية في الكرم والبساطة رغم فقره وزهده.

وكانت هذه الشهادة العلاقة – إن صحت كما رويت بتفاصيلها الدقيقة في أكثر من مصدر إعلامي- أشبه بشهادة الروائية السورية أيضاً غادة السمّان عن علاقتها بصديقه الروائي غسان كنفاني بعد رحيله إثر استشهاده الدموي الفاجع صيف 1972 والذي فتت العملية جسده متناثراً على سطوح بعض عمارات بيروت حال تشغيله محرك سيارته المفخخة على الأرض في واحدة من أبشع الجرائم الأسرائيلية، ولم تكن جريمته سوى أنه كان رئيس تحرير مجلة “الهدف” الناطقة بلسان الجبهة الشعبية التي تنشر بيانات عمليات الجبهة ضد جنود الاحتلال الاسرائيلي.

لكن في عشق محمود درويش الإنساني الذي لم يكن يرمي من نهايته سوى الوصول إلى قفص الزواج – وإن يكن ضمن قفص الاحتلال الأكبر – ظل مشدوداً حتى مماته إلى حُبه الأول مجسداً قول الشاعر أبي تمام: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحُب إلا للحبيب الأول.

اقرأ المزيد

زوّار الليل “ذكريات سجينة”

الصدى صرصر
في الباب الموارب
على ابواب صدري
ووجوه مكفهرة
تلعن اسمي
أترى من زحزح الفجر الوئيد
غير زوار
تقضّ الليل في جفني
تشقّ الليل في ظلي
فترديني سبية
جرجروني .. في كوة سوداء
فيها ألف عمر من سنيني
وبقايا آثار عتيقة
عافها قبلي مغنون الحقول
جحظت ايامهم رعبا
خلخلت أصواتهم (حمى انتظار)
بعثرت أشلائها خلف ابواب قيودي
جعلت تمتصني قيد الجدار
وتدّلت حزمة صفراء تغري
احكمت ابواب سجني
ورنين القيد دندن
خلخال ثقيل اوجع كاحلي
وخصري
ثم أشلائي وكلي
ويأكلني الغبار
كفي يا أذني طنين
كفي يا أذني طنين
وأصيخي لصغار الحي
في أهازيج الطريق
وخيوط الشمس ترعانا
تصلي
كل يوم
وتزاور … من غريق لغريق
بعد أن جفّت عظامي
جف صوتي
من سنين السجن
في ثوبي العتيق
قالوا: ماتت
قالوا: ماتت
قبل أن تلثم وجه الصبح
وتتشهى العود دنيا
قبل أن تذكر سمّار الربيع
ثم قالوا : هي نار وحريق
عبثاً تغتصب الغلة الخضراء
في عتمة
صحرائي، وحزني، وجليدي
يا إلهي، أنبتت نسلاً جديد
يتغذى من طباق الموت
في القبو العنيد
ويدوي
في عروق الأرض يسري
نبضاً في صمت صدري

اقرأ المزيد

مأزق الكاتب مع ال”سوشيال ميديا”

أعتقد أن الحرية التي كان ينعم بها الكاتب قبل وقوعه في شباك ال”سوشيال ميديا” ذهبت إلى الأبد ولن تعود، اليوم أضيفت إلى القضبان التي تسيجه مع قوائم الممنوعات التي تفرض عليه في بعض المنابر التي يطلُّ من خلالها على قرّائه.
وقبل أن يجد الكاتب نفسه رهينة متابعيه، نتذكّر أنه دخل مواقع التواصل الإجتماعي لغرض التواصل الراقي مع قرائه والترويج لمؤلفاته، ونتاجه الفكري. وهذا نوع من خلق هوية رقمية تُجارِي التطور الذي حدث في عالمنا، وتساعد على التسويق الذاتي للكاتب نفسه.
وفعلاً نجح نوع من الكتّاب والمؤلفين على المنصات الرقمية، وفشل آخرون خاصة ذوي المادة الدسمة فكريا والتي لا تتقبلها الجماهير المشغولة بالصورة الجميلة والخبر الشخصي والأهواء التي تفرضها أخبار الساعة.
ولقد أظهرت الأبحاث في علم الإجتماع الرقمي أن استخدامات “الويب الإجتماعي” يضع الكتاب في مواجهة أنواع من المتفاعلين، بهدف إبراز أدبهم، لكن الذي يحدث أنهم يفقدون وهجهم الأدبي بمجرّد الدخول في متاهة عرض الشّخصِي. حتى أن بعض الكتاب زادت سمعتهم السيئة، وارتفع منسوب الكراهية ضدهم.
تحليل عالم الشبكات الإجتماعية، وقياس الشهرة حسب عدد متابعي الحساب، وعدد الإعجابات، والردود والتغريدات، أدى إلى “رقمنة” الكُتّاب، وزُجّ بهم دفعة واحدة في فضاء مفتوح ومنهك للفكر والأعصاب. لا أدري كيف أسمي هذه المرحلة، هل هي مرحلة ما بعد قتل المؤلّف؟ أم مرحلة التنكيل بجثته؟ فقد تسارعت الأحداث لتوصلنا اليوم إلى حرب جديدة يحارب فيها الكاتب ليبقى على قيد الحياة أمام ماكنة رقمنته وسلخه من إنسانيته.
قبل أسابيع قليلة فقط، كان لي مقال عن بيروت تحدثت فيه عّما تمثله لي فيروز كقامة فنية عملاقة، وبداية عشقي لصوتها، وتأثري بفنها الذي هو في الحقيقة مزيج من صوتها وموسيقى الرحابنة، كان التفاعل مع المقال مختلفا تماما عن منشور آخر لي عن تكريمها من طرف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأعلى وسام فرنسي بعد زيارة خاصة لها في بيتها. حضر التّنَمُّر الإلكتروني المرعب الذي من النادر أن يقتحم صفحتي، وتألمت فعلا لبعض التعليقات، مشفقة على أصحابها. كما انهالت عليّ العتابات من كل لون ومن كل صوب من عالمنا العربي الفسيح. وفي لحظة ما شعرت بما يشبه الشلل، أمام ترسانة الهجوم تلك…
ماذا يريد الجمهور العربي تحديدا؟
هل يريدون “فيروز” أخرى غير التي أنعم بها الله علينا؟ أم يريدون أن ترفض زيارة ماكرون؟ لأنه يمثل في “المخيال” العربي صورة الفرنسي المحتل؟
ألا يمكن رؤية إيمانويل ماكرون كشخص عادي لديه هواياته الخاصّة، وميولاته الثقافية؟ ثم ألا يمكن رؤية الدور العظيم الذي لعبته باريس في احتضان الثقافة العربية، ومنح مكانة محترمة لمثقفين عربَ لم تتوفر لهم حتى في بلدانهم. لماذا ننظر دوما للنصف الفارغ من الكأس؟
ألسنا من اخترع مقولة “لكل مقام مقال” ؟ ها نحن أمام المعطى الثقافي الذي تجاوز السياسي وتخطّى الأحقاد التي حُفِرَت على وجه التاريخ المظلم للأمم، فما نحن فاعلون؟
رسالة ماكرون كانت واضحة، وهو يتوّج الدور الثقافي للبنان، ونحن كمثقفين لا يجب أن ننخدع بالخطابات السياسية التي لوّثت فكر الشعوب العربية حتى أصبحت عدوة نفسها.
في باريس سنة 1987 تم تدشين المعهد العربي بتمويل من عدة دول عربية، للتعريف بالثقافة العربية في أبهى حللها. ومنذ تلك الأيام استقطب هذا المعهد في أماسيه الجميلة، ومكتبته، وبرامج محاضراته ومناقشاتها، مئات الأسماء المبدعة في كل مجالات الثقافة، ولم نسمع يوما أن هذا المعلم الثقافي روّج للفن الهابط الذي تعج به مسارح عربية يعرفها القاصي والداني، بل إن المعهد حافظ على رقيّه، وبنى تقاليد جميلة لا تزال مستمرة منذ فتحه للجمهور.
لفت انتباهي إشارة مدير المعهد إلى أن مبادرة الرئيس ماكرون تجاه لبنان: “ليست متعلقة بإقامة محمية فرنسية جديدة، بل على العكس من ذلك، وجب تسهيل ظهور لبنان حر، صاحب سيادة، سيد نفسه، ويجب معرفة أن في لبنان اليوم عدد لا يحصى من صانعي الأفلام، والكُتَّاب والمفكرين والرّسّامين الذين يطلبون شيئا واحدا فقط: العيش، والعيش بحرية، وبكرامة..”
كما تأثرت بمبادرة المعهد التي أطلقت لدعم العاصمة بيروت، ولا أدري كم من مبادرة مماثلة أطلقت في من عواصم عربية من طرف المثقفين والكتاب لدعم المنكوبين ليس فقط في بيروت بل في بلدان أخرى مثل العراق وسوريا، والسودان مؤخرا ؟
سريعا انحرف خطاب التضامن مع بيروت، وأخذ مسارا آخر، وهو نفسه المسار الذي نتوه فيه دائما فنخوّن بعضنا بعضا، ونتحوّل لأعداء.
هذا هو عصب لعبة السوشيال ميديا عربيا للأسف، وهذا ما يجعل الكاتب اليوم يعيش مأزقا لا مثيل له، وهو يواجه جيوشا تحاول ردعه، وترويضه، والسيطرة عليه.
إن الأمور أحيانا تفلت من يد الكاتب، حين ينزلق في فخاخ متابعيه السلبيين، مع أن شبكات التواصل الإجتماعي يجب أن تكون واجهة استثمار للترويج لنتاجه، وفضاء لبناء علاقات إيجابية مع المتفاعلين معه، وتجريب أشكال جديدة من الكتابة.
لكن عن أية أشكال نتحدّث؟
يصف بعض الكتاب هذه المواقع بأنها قاتلة لأنها تكشف أسوأ ما فيهم، فيما يراها آخرون إهدارا حقيقيا للوقت، ورغم ادراكهم لذلك، فإنهم يزدادون إقبالا عليها، ويرجع عالم الإجتماع فينسنت كوفمان السبب إلى ” الشعور بضعف سلطتهم في المجال العام” فالرقمية تغرق الكاتب في محيط من المجهرية، قبل أن تفكّكه، وتبعثره، حتى يصعب عليه جمع نفسه في صورة واحدة مكتملة، فجأة يكتشف وجهه الجديد من خلال أعين الآخرين، وكأنّه كائن مشوّه، رُكبت له أعضاء وملامح مستعارة من أشخاص آخرين …
كابوس حقيقي هذا العالم الرقمي، ولعل أكبر ساخط على شبكات التواصل الإجتماعي الكاتب أومبيرتو إيكو (توفي سنة 2016) حين قال: “إن أدوات مثل تويتر وفايسبوك منحت حق الكلام لفيالق من الحمقى ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط بعد كأس من النبيذ دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع، وكان يتم اسكاتهم فورا، أمّا الآن فلهم الحق بالكلام، مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل ، إنّه غزو البلهاء”.
عكسه تماما، يسجل الكاتب باولو كويلو حضورا رقميا مبالغا فيه، زارعا لمتابعيه حقولا شاسعة من عبارات الحب والسلام الداخلي والإيمان، ومعاني الحياة، ومؤخرا أصبح يجد أبطالا لرواياته عن طريق فايسبوك. شيء شبيه بحضور الكاتبة الأمريكية جويس كارول أوتس، التي تصدر كل سنة كتابا، ولا يبدو أنها تستطيع أن تعيش بدون تويتر رغم أنها في الثانية والثمانين من عمرها.
في كل الحالات تأثير هذه المنصات على الكُتّاب شبيه بالخوف من الموت، فهي تجعلهم يقيسون “حجم وجودهم” من خلالها، ويطمئنون على مدى تأثيرهم على متابعيهم بالتطلع الدائم للأرقام. فيما أيُّ طغيان لأحدهم من خلال تعليق ما يشكِّل تهديدا حقيقيا لهم بالموت، يحرّض أغلبهم للدخول في حروب لا أول لها ولا آخر، بعضهم ينتهي به الأمر بإغلاق كل حساباته على مواقع التواصل، طلبا لهدنة مؤقتة أو طويلة، حدث أن أغلق ستيفن كينغ مثلا حسابه فايسبوك لأنه تعب من نوعية متابعيه، ونوعية الأخبار المغشوشة التي يروج لها، غير قصته الشهيرة مع تغريدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب…
والخلاصة، ما يريده الكاتب من هذه المواقع لا يناسبه تماما، فهي لعبة حظ، قد يدخلها بأدوات بسيطة وينجح من خلالها، وقد يدخلها بكل أسلحته الثقيلة ويخرج منها خاسرا، لكن يبدو لي أنها مهما كافأته فلن تقدم له الهدوء الذي يلزمه للكتابة، هدوء مكتبه المغلق الذي لا يسمع فيه سوى صوته الداخلي المنبعث من رأسه.

اقرأ المزيد

كيف عَلّمَ جيفارا كوبا مواجهة فايروس كورونا (1 – 2)

بقلم: Don Fitz*
ترجمة: غريب عوض

بداية في كانون الأول/ديسمبر 1951، أخذ أرنستو “تشي” جيفارا إجازة من كُلية الطب لمدة تسع شهور ليُسافر بدراجتهِ النارية عبر الأرجنتين، وتشيلي، والبيرو، وكولومبيا، وفينزويلا. وأحد أهدافهِ كان اكتساب الخبرة والتجربة العملية عن داء الجُذام (البرص). وفي ليلة ميلادهِ الرابع والعشرين، كان جيفارا في قرية de San Pablo في البيرو يسبح في النهر مع المُصابين بداء الجُذام. وسار بين ستمائة مُصاب بالجُذام في أكواخ الغابة يعتنون بأنفًسِهم بطريقتهم الخاصة.
لم يكن جيفارا ليكتفي لمجرد دراسة حالتهم والتعاطف معهم – أراد أن يكون معهم، يتعايش معهم ويفهم وجودهم. ترك إتصال جيفارا بالناس الفقراء والجياع أثناء مرضهم أثراً بالغاً عنده. فتصوّر دواءً جديداً، مع الأطباء الذين سيُعالجون أكبر عدد من الناس بالرعاية الوقائية والوعي العام بالنظافة. وبعد بضع سنوات، التحق جيفارا بحركة السادس والعشرين من تموز/يوليو لفيديل كاسترو كطبيب وكان من بين واحدٌ وثمانين رجُلاً على ظهر القارب غرانما Granma وهو يرسي على شواطئ كوبا في الثاني من شهر كانون الأول/ديسمبر عام 1956.

الدواء الثوري
وبعد إنتصار الأول من كانون الثاني/ينايرعام 1959 الذي إطاح بحكم باتيستا Fulgencio Batista، تضمّن الدستور الكوبي حُلم جيفار بالرِعاية الطبية المجانية للجميع كحق من حقوق الإنسان. أدى فهم إخفاقات الأنظِمة الإجتماعية المُنفصِلة إلى قيام الحكومة الثورية بِبناء المُستشفيات والعيادات في المناطق المحرومة من الجزيرة في نفس الوقت الذي بدأت فيهِ مُعالجة أزمات محو الأُمية والعُنصرية والفقر والإسكان. أصلحت كوبا عياداتها في عام 1964 ومرة أُخرى في عام 1974 لربط المجتمعات والمرضى بشكل أفضل. وبحلول عام 1984، كانت كوبا قد أدخلت فُرُق المُمرِضات والأطِباء الذين يعيشون في الأحياء حيثُ كان لديهم مكاتب (إستشارية).
أصبحت الولايات المتحدة أكثر عدوانية من أي زمنٍ مضى، لذلك في عام 1960 نظّم الكوبيون لِجاناً للدِفاع عن الثورة، للدفاع عن البلاد. استعدت اللجان لنقل المُسنين والمُعوقين والمرضى والمرضى العقليين إلى أعلى مُستوى إذا اقترب الإعصار، وبالتالي ربط الرعاية الصحية المحلية والشؤون الخارجية، وهي عِلاقة استمرت طوال تاريخ كوبا.
وبما أن ثورة كوبا الطبية تأسست على التوسع في الرعاية الطبية إلى ما وراء المُدن الرئيسية وإلى المجتمعات الريفية التي كانت في أمس الحاجة إليها، كانت خطوة قصيرة لمدّ تلك المُساعدة إلى دول أُخرى. بعثت حكومة الثورة بأطباء إلى تشيلي على أثر زلزال عام 1960، وفريقاً طبياً إلى الجزائر في عام 1963، التي كانت تناضل لنيل استقلالها من فرنسا. هذهِ الإجراءات مهدت الطريق للمُساعدة الطبية الكوبية الدولية، التي نمت خلال عقود والتي تشمل الآن المُساعدة في علاج جائحة كورونا COVID-19.
في أواخر ثمانينيات وبداية تسعنيات القرن الماضي، هددت كارثتان وجود البلد في حد ذاتهِ. توفي أول ضحية لمرض الإيدز في عام 1986. وفي كانون الأول/ديسمبر عام 1991، إنهار الإتحاد السوفيتي، مُنهياً دعمهُ السنوي لكوبا البالغ 5 مليارات دولار، مُعطِلاً التجارة الدولية، ودفع الإقتصاد الكوبي إلى السقوط إلى الهاوية الذي أدى إلى تفاقم وباء الإيدز. ظهرت عاصِفة مِثالية لعدوى مرض الإيدز في الأفق. وجاء مُعدّل الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية في منطقة البحر الكاريبي في المرتبة الثانية بعد الجنوب الإفريقي، حيثُ أُصيب ثلث مليون كوبي في الآونه الأخيرة خلال الحروب الأنغولية.
أدى الحظر المفروض على الجزيرة إلى الحدّ من توفير الأدوية (بما في ذلك الأدوية الخاصة بفيروس نقص المناعة البشرية، والإيدز)، وجعل الأدوية الحالية باهِظة الثمن، وعطلّ الهياكل الأساسية المالية المُستخدمة لشراء الأدوية. وفي حاجة ماسة إلى الأموال، فتحت كوبا بوابة السياحة، مما أدى إلى زيادة الجنس مُقابل المال.
لقد خفضت الحكومة الخدمات بشكل حاد في جميع المناحي ما عدا إثنين: التعليم والرعاية الصحية. طوّرت معاهد الأبحاث لديها اختبار التشخيص الخاص بفيروس نقص المناعة البشرية في كوبا بحلول عام 1987. وتمّ الإنتهاء من أكثر من إثني عشر مليون اختبار بحلول عام 1993. وبحلول عام 1990، عندما جاء المثليون إلى ضحايا فيروس نقص المناعة البشرية الأساسيين في الجزيرة، تمّ تحدي رِهاب المثلية رسمياً في المدارس. وتم توفير الواقي الذكري مجاناً في مكاتب الأطباء، وعلى الرغم من التكلُفة، فقد تم توفير الأدوية المُضادة للفيروسات القهقرية.
أثمرت جهود كوبا الموحدة والمُخطط لها بشكل جيد للتغلب على فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز. في أوائل تسعينيات القرن الماضي، في نفس الوقت الذي كانت فيهِ كوبا لديها مائتان حالة إصابة بالإيدز، كان في مدينة نيويورك (نفس عدد سكان كوبا) ثلاثة وأربعون ألف حالة. على الرغم من إمتلاكها لجزء صغير فقط من ثروة وموارد الولايات المتحدة، فقد تغلبت كوبا على الآثار المُدمِرة للحِصار الأمريكي ونفذت برنامجاً للإيدز مُتفوقاً على برنامج الدولة الساعية إلى تدميرها. وخلال هذهِ الفترة الخاصة، تمتع الكوبيون بعمر أطول وانخفاض معدل الوفيات بين الأطفال الرُضع مُقارنة بالولايات المتحدة. لقد ألهمت كوبا المُعالِجين في جميع أنحاء العالم للإعتقاد بأن دولة ذات رِعاية ونظام طبي مُتماسك يمكنها أن تزدهر، حتى في ظِل الصعوبات الهائلة.

جائحة كورونا COVID-19 تضربُ كوبا
التغلُب على نقص المناعة البشرية/الإيدز وأزمات الفترة الخاصة أعدّت كوبا لجائحة الكورونا COVID-19. ونظراً لإدراك كوبا بشدة الجائحة، عرفت أن لديها مسؤوليتين إثنتين لا تنفصلان: أن تعتني بنفسها ببرنامج شامل وأن تُشارك بِقُدُراتها على مُستوى العالم.
وقامت الحكومة على الفور بمُهِمة أثبتت أنها صعبة للغاية في إقتصاد يُحرِكُهُ السوق، بتغيير مُعدات المصانع المُؤممة (تقوم عادة بتصنيع الزي المدرسي) لصناعة الأقنعة (الكمامات). وقد وفرت هذهِ إمدادات كثيرة لكوبا بحلول منتصف شهر نيسان/أبريل 2020، في حين أن الولايات المتحدة، بقدراتها الإنتاجية الهائلة، لا تزال تُعاني من نقص.
المُناقشات على أعلى المستويات في وزارة الصحة العامة الكوبية رسمت السياسة الوطنية. ستكون هناك حاجة إلى اختبار واسع لتحديد المُصابين. وسيتم حجر الأشخاص المُصابين بضمان حصولهم على الغذاء والمستلزمات الحياتية الضرورية الأُخرى. يمكن استخدام تتبع جهات الإتصال لتحديد الأشخاص الآخرين الذي قد يتعرضون للإصابة. سيحتاج الطاقم الطبي إلى الإنتقال من باب إلى آخر للتحقق من صحة كل مواطن. سيُعطى المستشارون إهتماماً خاصاً لجميع الأشخاص في الحي الذين قد يكونون عُرضة لمخاطر شديدة.
بحلول الثاني من آذار/مارس، كانت كوبا قد وضعت خطة قصة فيروس الكورونا للوقاية والسيطرة. وفي غضون أربعة أيام، تم توسة الخطة لتشمل قياس درجة الحرارة وربما عزل المُسافرين القادمين المُصابين. وقد حدثت هذهِ قبل أول تشخيص لحالة إصابة بالكورونا COVID-19 في كوبا في 11 مارس. كان لدى كوبا أول حالة وفاة مؤكدة لـ COVID-19 بحلول 22 مارس، عندما كانت هناك خمسٌ وثلاثون حالة مؤكدة، تمّ رصد ما يُقارب من ألف مريض في المستشفيات، وأكثر من ثلاثين ألف شخص تحت المُراقبة في البيت. وفي اليوم التالي تمّ منع دخول الأجانب غير المقيمين البلاد، والذي قضم قضمة عميقة في عائدات السياحة في البلاد.
كان ذلك هو اليوم الذي أصبح فيه الدفاع المدني الكوبي في حالة تأهُب بإستجابة سريعة لفيروس كورونا COVID-19 وقررمجلس الدفاع في هافانا العاصمة بأن هُناك مشكلة خطيرة في ضاحية فيدادو Vedado في هافانا، المعروفة بأنها اكبر موطن للزوار الأجانب من غير السياح الذي هم أكثر عِرضة لفيروس كورونا. وبحلول الثالث من نيسان/أبريل، تم إغلاق الضاحية. وكما شهِدت مريم أنصارا Marriam Ansara، “أي فرد في حاجة إلى الدخول أو مغادرة الضاحية يجب أن يُثبت أنهُ تمّ فحصهُ وهو خالي من الإصابة بالفيروس.” وقد تأكد الدفاع المدني بأن المخازن والصيدليات مُزودة بالمعدات اللازمة لمكافحة هذهِ الجائحة وأن جميع الناس قد تلقوا الفحوصات الطبية اللازمة.
كان لدى ضاحية Vedado ثمان حالات مؤكدة، وهذا كثير في منطقة صغيرة كهذهِ. وأراد مسؤولو الصحة الكوبيون أن يبقى الفيروس في مرحلة “الانتشار المحلي”، حيثُ يمكن تتبعهُ أثناء انتقالهِ من شخص إلى آخر. لقد سعوا لمنعهِ من الدخول إلى مرحلة “الانتشار المجتمعي”، حينما يكون التتبع غير مُمكن لأنهُ يخرج عن نطاق السيطرة. وبينما كان المتخصصون الصحيون في الولايات المتحدة يتوسلون للحصول على مُعدات الحماية الشخصية (PPE) وكان الفحص في الولايات المتحدة نادراً جداً لدرجة أن الناس كان عليهم طلب إجراء الفحص لهم (بدلاً من فحص العاملين الصحيين للمرضى المُصابين)، في حين كان لدى كوبا أدوات فحص فورية كافية لتتبع المُخالطين من الأشخاص الذين أصيبوا بالفيروس.
وخلال أواخر شهر آذار/مارس وأوائل شهر نيسان/أبريل، عملت المستشفيات الكوبية أيضاً على تغيير أنماط عملها للحد من انتشار العدوى. وذهب أطباء هافانا إلى مُستشفى سلفادور الليندي لمدة خمسة عشر يوماً، وأقاموا طوال الليل في منطقة مُخصصة للطاقم الطبي. ثم انتقلوا إلى منطقة مُنفصِلة عن المرضى حيثُ عاشوا خمسة عشرة يوماً أُخرى وتمّ فحصهم قبل أن يعودوا إلى منازلهم. وظلوا في منازلهم لمدة خمسة عشر يوماً أُخرى، وتمّ فحصهم قبل أن يستأنفوا عملهم. فترة الخمس والأربعين يوماً هذهِ من العزل منعت أفراد الطاقم الطبي من جلب المرض إلى المجتمع من خلال رحلاتهم الطبية اليومية إلى العمل والعودة من العمل.
يمتد نظام الاستشارة الطبي إلى كل أُسرة في كوبا. وقد كلف الأطباء الإستشاريون طلاب السنوات الثالثة والرابعة والخامسة في كُليات الطب بالقيام بزيارة منازل مُحددة كل يوم. وكانت مهامهم تشمل الحصول على بيانات المسح من السُكان أو القيام بزيارات إضافية لِكبار السن والأطفال الرُضع وأولئك الذين يعانون من مشاكل في الجهاز التنفُسي. وتقوم هذهِ الزيارت بجمع معلومات الوقاية الطبية والتي يتم أخذها بعين الاعتبار بعد ذلك من قِبل من هم في أعلى مناصب صنع القرار في البلاد.
وعندما يأتي الطلاب ببياناتهم، يستخدم الأطباء قلماً أحمر لتحديد النقاط الساخنة التي تتطلب رِعاية إضافية. يجتمع أطباء الحي بشكل مُنتظم في العيادات للتحاور حول عمل كل واحد منهم، وما الذي اكتشفه، وما هي الإجراءات الجديدة التي تتبناها وزارة الصحة الكوبية، وما هو تأثير العمل المُكثف على الطاقم الطبي.
وبهذهِ الطريقة، يلعب كلُ مواطن كوبي وكُلُ عامل في مجال الرعاية الصحية، من العاملين في مكاتب أطباء الحي إلى أُولئك الموجودين في أكثر معاهد الأبحاث شُهرةً، دوراً في تحديد السياسة الصحية. وفي الوقت الراهن لدى كوبا تسعةٌ وثمانون ألف طبيب، وأربعٌ وثمانون ألف مُمرضة، وتسعة آلاف طالب طب مُتوقع تخرجهم في كليات الطب في عام 2020. لن يتسامح الشعب الكوبي مع رئيس الدولة في تجاهل النصائح الطبية، وإطلاق الهراء، وتحديد السياسة على أساس ما سيكون أكثر ربحية للشركات.
وافقت الحكومة الكوبية على التوزيع المجاني لدواء المُعالجة المُتجانِسة لسكان هافانا ومُقاطعة بينار ديل ريو Pinar del Rio. وكانت الصحفية الكندية Susana Hurlich من بين الكثيرين الذين حصلوا على ذلك الدواء PrevengHo-Vir. وفي 8 نيسان/أبريل، جاءت الدكتورة ياسين، وهي واحدة من ثلاث أطباء في العيادة على بُعد مبنيين من منزلها، إلى الباب ومعها زُجاجة صغيرة من دواء PrevengHo-Vir وشرحت كيفية استخدامه. وتُحذر التعليمات من أنهُ يقوي جهاز المناعة ولكنهُ ليس بديلاً عن Interferon Alpha 2B، كما أنهُ ليس لِقاحاً. تعتقد الصحفية سوزانا هورليك Susana Hurlich أن هناك شيئاً مهماً يتعلق بنظام كوبا الصحي وهو بدلاً من أن يكون مُستويين، كما هو الحال في كثير من الأحيان في البُلدان الأُخرى، مع “الطب الكلاسيكي” من ناحية و “الطب البديل” من ناحية أُخرى؛ لدى كوبا نظام صحي واحد يتضمن كل شيء. عندما تدرس لتصبح طبيباً، تتعرف أيضاً على المُعالجة المُتجانسة بجميع أشكالها.”

تضامن دولي في فترة فيروس كورونا COVID-19
نموذج قوي: ربما كان العُنصر الأكثر أهمية في النزعة الدولية الطبية في كوبا خلال أزمة فيروس الكورونا COVID-19 هو استخدام عقود من الخبرة لخلق مثال على كيفية مواجهة بلد للفيروس بخطة رحيمة وكفؤة. استلهم مسؤولو الصحة العامة في جميع أنحاء العالم من الإجراءات الكوبية.
نقل المعرِفة: حينما ازدادت بشكل كبير الفيروسات المُسبِبة لِمرض الإبولا Ebola، الذي وجدَ بشكل أساسي في إفريقيا جنوب الصحراء الكُبرى، في خريف عام 2014، أصيب الناس في الكثير من دول العالم بالذُعر. وسُرعان ما أصيب أكثرُ من عشرين ألف شخص بالمرض، وتوفي أكثر من ثمانية آلاف شخص، وتزايدت المخاوف من أن يصل عدد الوفيات إلى مئات الآلاف. وقدّمت الولايات المتحدة دعماً عسكرياً؛ ودول أُخرى وعدت بمساعدات مالية. وكانت كوبا أول دولة تستجيب بأكثر ما تشتد الحاجة إليه: فقد أرسلت 103 ممرضة و62 طبيباً مُتطوعاً إلى سيراليون. وبما أن الكثير من الدول لا تعرف الاستجابة للمرض، قامت كوبا بتدريب المتطوعين من دول أُخرى في معهد Pedro KourÍ of Tropical Medicine في هافانا. في المجموع، قامت كوبا بتعليم 13,000 فرداً أفريقي، و66,000 فرداً من أمريكا اللاتينية، و620 فرداً من منطقة الكاريبي كيفية علاج مرض الإيبولا دون أن يُصابوا بالعدوى. إن تبادل الفهم حول كيفية تنظيم النظام الصحي هو أعلى مستويات نقل المعرِفة.
لقد حاولت فنزويلا تكرار الجوانب الأساسية للنموذج الصحي الكوبي على المستوى الوطني، الأمر الذي خدم فنزويلا جيداً في مكافحة مرض الكورونا COVID-19. وفي عام 2018، نظم سُكان إقليم Altos de Lidice سبعة مجالس محلية، بما في ذلك مجلس للصحة المجتمعية. قام أحد المواطنين بتوفير مساحة في منزله لمبادرة نظام الرعاية الصحية المجتمعية حتى يتمكن الدكتور Gutierrez من استخدامها كمكتب مؤقت له. يقوم بتنسيق عمليات جمع البيانات لتحديد السكان المُعرضين للخطر ويقوم بزيارة جميع المُقيمين في منازلهم لشرح كيفية تجنب الإصابة بفيروس كورونا COVID-19. المُمرضة del Valle Marquez وهي من انصار الرئيس هوغو تشافيز ساعدت في تنفيذ مهمة برنامج Barrio Adentro للرفاهية الاجتماعية في فنزويلا حينما وصل أول الأطباء الكوبيين. وهي تتذكر أن المواطنين لم يسبق أن شاهدوا طبيباً في مجتمعهم، ولكن عندما وصل الكوبيون “فتحنا أبوابُنا للأطباء، عاشوا معنا، وتناولوا الطعام معنا، وعملوا بيننا.”
قِصص مثل هذهِ تتخلل فنزويلا. ونتيجة لبناء نظام من النوع الكوبي، أفادت قناة teleSUR التلفزيونية أنهُ بحلول الحادي عشر من نيسان/أبريل 2020، أجرت الحكومة الفنزويلية 181,335 اختباراً مُبكراً لتفاعل سلسلة polymerase في الوقت المناسب للحصول على أدنى مُعدل إصابة في أمريكا اللاتينية. كان لدى فنزويلا 6 إصابات فقط لكل مليون مواطن بينما كان لدى البرازيل المُجاورة 104 إصابة لكل مليون.

Don Fitz* هو من ضمن أعضاء هيئة تحرير مجلة Green Social Thought وكان مُرشح حزب الخُضر لحكم ولاية ميزوري لعام 2016. وكِتابهِ “الرعاية الصحية الكوبية: الثورة المُستمرة” قادمٌ من مجلة Monthly Review.

اقرأ المزيد

في فكرة التقدم

مثلما أتت فكرةُ التّقدُّم تمثّل منطلقاً لسيرورةٍ متّصلةِ الحلقات من وقائع التحوُّل، في العالم، شمِلت ميادينَ الفكر والسياسة والاقتصاد والاجتماع، بدءاً من القرن التّاسع عشر في أوروبا؛ أتت ثمرةً تكثِّف تحوّلات سابقة؛ أفضت إليها كفكرةٍ عليا وناظمة كانت أوروبا نفسُها مسرحاً لها. ويمكن، من باب التّمثيل فقط، الإشارة السريعة إلى أظْهر تلك التحولات، في القرنين السّابع عشر والثّامن عشر، من تلك التي أنجبت معتَقد التّقدّم في الوعي الإنسانيّ: الثّورة العلميّة، التي شهدت عليها ميادين الفلك والميكانيكا والهندسة والفيزياء، كانت أوّل تلك التحوُّلات؛ من حيث كشفت عن الإمكانات المذهلة التي يتيحُها تطبيق نتائج العلم ونظريّاته في الاقتصاد والاجتماع والحياة العامّة، والتي تَعِد بتحقيق تقدُّمٍ نوعيّ في الحياة الإنسانيّة، وتمكين البشريّة من تسخير أفضل للطّبيعة ومواردها.
وقد أتتِ الثّورةُ الصّناعيّة، في الأعقاب، تُشكّل مصداقاً للحقيقة الأولى بمقدار ما كانت فتوحاتُها ترجمةً ماديّةً لنتائج العلوم في حقل الإنتاج، في الوقت عينِه الذي حملَتْ مكتسباتُها وعوداً بتطوير شروط الحياة، وتغطية الحاجات الإنسانيّة، وتذليل ما كان صعباً وأَمْكَنَةِ ما كان في حكم المستحيل.
ولقد اقترنتِ الثّورتان معاً بثورةٍ رديفة، شهِد عليها مجال العلاقة بين السّياسة والدّين، وتجلّت في ما عُرِف باسم الدَّنْيوة (العَلْمَنة أو الّلأْكَيَة)؛ أي المُمَايَزَة بين المجال السّياسيّ والمجال الدّينيّ. وإذا كانت هذه «الدّنيوة» قد أعادت الكنيسة إلى ميدانها الرّوحي، وأخرجت السياسة من حيّز أملاكها، فهي حرّرت الدّولة والسّياسة من أيّ قيدٍ سوى الذي تتوافقُ الجماعةُ السّياسيّة على وضعه عقداً ناظماً لها و، بالتّالي، سمحت بتقدّم المجال السّياسيّ.
جَرَت الثّوراتُ الثّلاث تلك في حضن الدّولة الوطنيّة بمقدار ما أطلقت نتائجَها في كيّان الدّولة تلك: مزيداً من البَنْيَنَة والعَقْلَنَة والمَأسَسَة، ومزيداً من تمكينها من الموارد الماديّة، ومن عناصر القوّة القابلة للتّسخير في التّنميّة وتحقيق التّقدّم.
لم يكنِ القرن التّاسع عشر قد هَلّ حتّى كانت فكرةُ التّقدّم قد صارت معتقَداً جمعيّاً، تقاسَمَتْه تيّارات أيديولوجيّة وفكريّة مختلفة، خاصّةً: التياران الرّئيسان (اللّيبراليّ والاشتراكيّ). وجد الأوّل في الرّأسماليّة صهوته التي امتطاها في مشروعه الكونيّ؛ لغزو الطبيعة ثمّ لغزو العالم؛ ووجد الثاني في طبقة البروليتاريا – التي أنجبتها الصّناعة – قوّةً اجتماعيّة، عوّل عليها؛ لإعادة بناء عالمٍ من التّقدّم جديدٍ وخالٍ من الاستغلال. والتّياران وإن اختلفا أيديولوجيّاً وتصارعا طويلاً، فقد نهلا من نفس النَّبع المعرفيّ الذي تولّدت منه فكرةُ التّقدّم: من النّزعة التّطوُّرانيّة ذات الجذور الداروينيّة.
تاريخ القرنين الماضيّين وهذين العقدين من القرن الحالي هو، بالتّعريف، تاريخ التّقدُّم بما هو مشروع متحقق في ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية والتِقانيّة، وتتمتع بثمراته المجتمعات الإنسانية في نواحي الأرض كافة. غير أن فرص الاستفادة من مكتسبات التقدم تتفاوت، في العالم، بتفاوت الدرة على اكتساب أدوات إنتاجه. والقدرة هذه غير متاحة للأمم والدول جميعها وإن كان الجامع بينها الاشتراك في حيازة منتوجاته. وبيان ذلك أن الفارق كبير بين من ينتج التقدم ومن يكتفي منه بمجرد استهلاكه. إنه الفارق بين البلدان المنتجة للعلم والتقانة والصناعة؛ وهي -عموماً – بلدان الغرب والشرق الآسيوي (الصناعي)، وبلدان الجنوب التي ما تزال كثرتها الكاثرة أسواقاً لاستقبال منتوجات التقدم الواردة من المصدر. ولا نعني بهذه المنتوجات الصناعية والتكنولوجية فحسب؛ بل الأفكار والمؤسسات والنظم السياسية والإدارية والنظريات العلمية والرؤى والبرامج، أي كل ما يدخل ضمن عُدّة مشروع التقدم، وما كان له الأثر الكبير في نقله من حيز الفكرة النظرية إلى رحاب الواقع المادي.
وما كانت فكرةُ التقدم بعيدة عن وعي النخب العربية، الفكرية والسياسية؛ بل هي تبلورت منذ وقتٍ مبكرٍ من القرن التاسع عشر. هي من وجه، مثلت إشكالية رئيسة في التفكير، وتمخض من التفكير فيها تراث نهضوي وأنواري عربي كبير، لم تنقطع حلقاته التّراكميّة منذ ذلك العهد؛ وهي، من جهة ثانية، الفكرة التي خِيض في تحقيقها المادي منذ المشروع التأسيسي لمحمد علي باشا في مصر، وما يزال يخاض فيها – بصور مختلفة – وإن أصاب تحقيقها كَبْوٌ وتكرار إخفاقات. ومع ذلك، لا مندوحة عن القول إنها وحدها السبيل إلى التاريخية؛ إلى الخروج من حقبة التأخر والتبعية وعقلية الريع والاستهلاك إلى ثقافة الإنتاج والبناء والتنمية. وعلى ذلك، ما من بدٍّ من العودة، باستمرار، إلى أساسيات التقدم.

اقرأ المزيد

الفلسفة وفن بساطة الحياة

الصورة النمطية للفلسفة أنها صعبة ومعقدة. أو أنها أفكار مجردة عقيمة لا تنفعُ كثيراً في الحياة. فما علاقة البساطة بالفلسفة في الحياة ؟ وما هي الحياة البسيطة؟ وهل بإمكان الفلسفة أن تُساهم في علاج مشكلاتنا النفسية والحياتية المختلفة؟

يعتقد البعض أن من أيسر الأمور أن تعيش حياة بسيطة! هذا اعتقاد خاطئ. لأن تحقيق ذلك يحتاج إلى جهد مُضني في مواجهة النفس، وفي الترفع عن الكثير من الملذات والشهوات، وفي مقاومة الرغبات الغير أساسية في الحياة.

وبالعودة إلى الأسئلة الثلاثة التي طرحناها، إذا ما بحثنا في تاريخ الفلسفة الطويل، نجد فلسفات ساهمت في تعقيد حياة الناس نظرياً وعملياً، وفلسفات أخرى تميزت باليسر والمرونة في مواجهة المشكلات والتغلب عليها.

ما الحياة البسيطة؟ يقول نيتشه “إن نمط الحياة البسيطة هدف بعيد للغاية بالنسبة لي، وسأنتظر حتى يأتي أُناس أكثر حكمة مني ليعثروا لنا عليه”. بينما يلخص باحث الفلسفة المغربي سعيد ناشيد، مواصفات الحياة البسيطة على خمسة مقومات، استناداً إلى ما قاله فلاسفة فن العيش من أمثال: أفلاطون، أبيقور، جلال الدين الرومي، شوبنهاور، نيتشه… وهي كالتالي:

– حياة أعيشها بأقل ما يمكن من الشقاء والألم والأوهام، وبما يعنيه ذلك من مراعاة لكل ما يتعلق بأنظمة الحياة اليومية، بدءًا من النظام العذائي والصحي، وانتهاء بالنظام المعرفي والتواصلي والأخلاقي.
– حياة أتصالح فيها مع قدري الخاص.
– حياة أكون فيها كما أنا لا كما يريدني الآخرون أن أكون.
– حياة أبسط فيها سلطاني على نفسي، بحيث تكون انفعالاتي ومشاعري صادقة في التعبير عن القيم التي أعبر عنها وأدعو إليها.
– حياة أصنع فيها المتعة بأقل الأشياء، وأبدع السعادة والفرح بأبسط السبل.

ليست البساطة في الحياة أن نلبس ما هو زهيد الثمن ونأكل القليل من الطعام وحسب، بل وننظر للحياة بإيجابية وننفتح على مختلف الثقافات، وأن تغمرنا المحبة والسلام الداخليين اتجاه أنفسنا واتجاه البشر جميعاً. وأرفع أنواع البساطة عندما نملك القوة في المال أو المنصب أو المكانة الاجتماعية ونعيش باعتدال، لكن هذا النوع هو الأصعب، لأنه يحتاج إلى التخلي عن الطمع في تحصيل الأشياء غير الضرورية للعيش. ويحتاج إلى قيم رفيعة تجاه الطبيعة والبشر، وتجاه النفس.

في كتابهِ “التداوي بالفلسفة”، يطرح سعيد ناشيد السؤال التالي: هل تساعدنا الفلسفة على مواجهة صعوبات الحياة اليومية؟ الجواب هو نعم. لأن الفلسفة تساعدنا على إعادة التفكير في نمط تفكيرنا. وبالتالي تساعدنا على تحسين قدرتنا على العيش. فعندما يقوم التفكير النقدي بنزع السحر عن الأشياء فإنه يحمينا من خيبة الأمل، سواء تعلق الأمر بالتاريخ أو الحب أو الثورة أو السعادة أو الألم أو الموت، وبالتالي نكتسب القدرة على العيش بأقل ما يمكن من الآمال والأوهام.

لابد من الإشارة إلى أن دراسة الفلسفة حديثاً لم تعد توفر لدارسيها ذات القيم الأساسية المتمثلة في الحكمة والتأمل والتفلسف، وذلك يعود إلى الطابع التقني والنظري لتدريس الفلسفة. فالكثير من خريجي الفلسفة لا يمتلكون أكثر من التباهي بمعرفة الفلاسفة ونظرياتهم.

علينا أن نؤمن بأن الفلسفة مرشدنا إلى إعمال الفكر وإلى الفهم العميق للنفس الإنسانية، ومن خلالها نستطيع تنمية القدرة على التفكير، لا سيما التفكير النقدي. فليس دور الفلسفة أن تمنحنا القدرة على قراءة النصوص وحسب، بل دورها بالأساس أن تجعلنا قادرين على الحياة بصورة أرفع وأفضل.

اقرأ المزيد

الموت وما بعد يحاصران العالم الفلسفة مشروع لا يمكن أن يكتمل (1)

الفلسفة الكبيرة لاتموت، والفيلسوف الكبير لا يموت، فهناك شيء يبقى خالداً في كل فلسفة كبيرة، لأن الفلسفة ليست علماً، بل طريقة معينة لطرح المشكلات وللتفكير، والفيلسوف لا يكون فيلسوفاً إذا لم تجد في قوله قولاً تتوجه به إلى البشرية جمعاء، إلى كل إنسان بما هو إنسان. ومن العبث أن نجعل للفيلسوف انتماءً ضيقاً، فشرف الفلسفة يأبى أن نزجّها في الطرق الضيقة – الفلسفة ليست خبريات ما تلبث أن تفقد أهميتها بعد حين، هي طريقة معينة في تناول المشكلات التي يطرحها العقل البشري وفي إعادة طرحها، إنها طريقة مختلفة في التفكير، وعندما تتغير طريقتنا في التفكير يتغير معها كل شيء، إذ لا نعود نرى الأشياء كما كنا نراها من قبل، الفيلسوف ليس علامة، بل مبتكر طريقة جديدة، ولكل فيلسوف طريقة في التفكير.
في كتاب (الفرق والتكرار) يقول دولوز: “إن تاريخ الفلسفة هو إعادة انتاج للفلسفة ذاتها”، وفي كتاب (جيل دولوز وتجديد الفلسفة) نقرأ مايلي: “تتضمن كل قراءة للفلاسفة قدراً كبيراً من الخيانة. وهي تتم من خلال وجهة نظر معينة، ويسعى دولوز من وراء هذه القراءة إلى توليد مولود جديد من ظهر الفيلسوف يشبهه لكن يختلف عنه. إنه أقرب إلى المسخ منه إلى مولود طبيعي وهذا ضروري لنتمكن من إدماج أفاهيمه في القول الفلسفي المعاصر.”
فالفلسفة في صيرورة دائمة “لا يؤمن دولوز بهويات ثابتة للأشياء ولا للفلاسفة. ولا يعتقد ان هم البحث عن الحقيقة هو ما يميز الفلسفة، لأن الفلسفة لا تعني بالصواب والخطأ، بل بالافت والبارز والهام من هنا عمد إلى البحث عما هو لافت وبارز وهام”.
يقول: “ينبغي أن لا نبحث عمّا إذا كانت فكرةً ما صائبة أم خاطئة بل ينبغي أن نبحث عن فكرة أخرى مغايرة لمكان أخر، في مجال أخر، بحيث أن شيئاً ما يمر بين الاثنين، لا يكون في الأولى ولا في الأخرى”.
فمفاهيم دولوز تتكرر في غالبيتها من كتاب لأخر، لكنها بصورة مختلفة في كل مرة، تبعاً للمسائل التي تعالجها، وتبعاً للأفق المتحرك الذي تنشأ فيه: “أصنع أفاهيمي وأعيد صنعها، وأمكنها انطلاقاً من أفق المتحرك، من مركز منزاح دائماً، من محيط متنقل دائماً، يكررها ويفرقها”.

الفلسفة مشروع لا يمكن أن يكتمل أبداً.
يقول دولوز: في كتاب “منطق المعنى”: “أحاول أن أقول كيف ينتظم الفكر وفقاً لمحاور واتجاهات متشابهة: مثالاً الأفلاطونية والارتفاع اللذان سيوجهان الصورة التقليدية للفلسفة، فلاسفة ماقبل سقراط والعمق… الرواقيون ومنهم الجديد للسّطوح… بحسب الاتجاهات، لا نتكلم بالطريقة ذاتها، ولا نلقي المواد ذاتها: في الواقع، هذا ايضاً قضية لغة وأسلوب”.
“المطلوب اذاً مسح الأرض بدلاً من النزول إلى أعماقها أو الصعود إلى السماء، فالأعمق هو الجلد، فالأعمق هو السطح وليس العمق. الحقيقة ليست في الأعماق ولا في السماء. انها على الأرض وتحديداً على سطحها”.
وهذا مايجده دولوز عند رواقيين، إذ يقول: “إنه الاكتشاف الرواقي العظيم الموجه ضد فلاسفة ماقبل سقراط وضد افلاطون في نفس الوقت: واستقلال السطح، بشكل مستقل عن الارتفاع والعمق، ضد الارتفاع والعمق، اكتشاف الاحداث اللاجسمانية، المعنى أو الآثار، التي لا تختزل إلى الاجسام العميقة كما إلى الأماثيل العالية، كل ما يحصل، وكل ما يقال، يحصل ويقال على السطح”.
كل أنواع الأفاهيم الفلسفية والشخصيات الأفهومية، فالأفاهيم الفلسفية هي أولاً موقعة وتبقى كذلك، جوهر ارسطو، كوجيتو ديكارت، منادة لايبنتس، شرط كانط، قوة شيلنغ، ديمومة برغسون. كل ابداع فريد، والأفهوم بوصفه ابداعاً فلسفياً خاصاً هو فرادة دائماً.
فالمبدأ الأول للفلسفة هو أن الكليات لا تشرح شيئاً، وعليها نفسها أن تشرح.
الفيلسوف يهتم بالمسألة الفلسفية أكثر مما يهتم بالإجابة عن الأسئلة، يهتم بالطريقة أكثر مما يهتم بالنتيجة، يهتم بالمنهج أكثر مما يهتم بما يؤدي إلى المنهج، الفلسفة لا تزودنا بقناعات جديدة، بل تسألنا عن الطريقة التي بها كوّنا قناعاتنا، انها طريقة معينة في التفكير حيث يعمد الفيلسوف إلى إعادة تقطيع الأشياء بطريقة مختلفة، غير مألوفة مما يؤدي إلى تغيير نظرتنا إلى الأمور.
فديكارت اكتشف حقل الذاتية في الفلسفة وكانط اكتشف حقلاً جديداً في الفلسفة هو حقل شروط الإمكان. ابتداع مشكلة جديدة في الفلسفة: تخلق فضاءً فكرياً جديداً وتسمح بإمكان القول وتجدده، ديكارت طرح المشكلة التالية: كيف يمكن لما هو ذاتي أن يقوّم ما هو موضوعي؟، أي كيف لي أن أصل إلى اليقين انطلاقاً مما أجده في داخلي من نور طبيعي؟
وهذه المشكلة الفلسفية الجديدة خلقت مناخاً فكرياً وفضاءً فلسفياً جديداً، يختلف عن ما كان موجوداً في القرون الوسطى حيث كانت تسود مشكلة العلاقة ين العقل والنقل، فالكوجيتو الديكارتي أو (الأنا افكر) الأفهوم الرئيسي في فلسفة ديكارت.
والشخصية الأفهومية هي الشخصية الحقيقية في الفلسفة، شخصية الأبله في فلسفة ديكارت وشخصية سقراط في فلسفة أفلاطون وشخصية زرادشت في فلسفة نيتشه. فكل فلسفة تجيب بطريقتها الخاصة والمختلفة عن السؤال التالي: ما معنى أن نفكر اليوم؟
ما التفكير؟ وهذا السؤال له علاقة بالصورة التي يقدّمها عن نفسه أي صورة الفكر؟ وهناك مرتبة أخيرة يسميها دولوز (الذوق الفلسفي) ومهمتها التوفيق بين مختلف المراتب والعناصرالأخرى.
فالفلسفة هي أن نفكر بطريقة مختلفة، أي أن نطرح طريقة مختلفة وجديدة في التفكير.
وفي رأي الكثيرين أن الفلسفة ختمت مع هيغل، خاتم الفلاسفة. والفلاسفة من بعده لن يكونوا إلا بمثابة رسل، لا جديد لديهم سوى اضاءة أو شرح بعض الجوانب الغامضة في فلسفة هيغل، لكن مع البقاء ضمن العباءة أو المظلّة الهيغلية.
مؤدى المذهب الهيغلي هو أن الكون كله، بجميع من فيه وما فيه، ما هو إلا تعبير عن “روح” مطلق لا تحده حدوده، ولا تقيده قيود، مظاهر العالم التي ندركها بحواسنا، فلئن كان العالم المحسوس متطوراً في مراحل أدى إلى مراحل أعلى، فما ذلك إلا تطور في كشف “الروح المطلق” عن نفسه كشفاً متدرجاً، كأنما هو الشريط المنطوي يبسط نفسه بسطاً ليبدو منه ما قد كان مخفياً، وليس الكون على هذا المذهب بمختلف عن الكائن العضوي ذي رغبات وأهداف. ومعنى ذلك بعبارة واضحة هو أن هذه الأفراد والمفردات التي تصادفها من حولك لا تزيد على وسائل تختم الكل في تحقيقه لأغراضه.
فإذا جعل (عمانوئيل كانط) العالم شطرين، أحدهما حقيقي خارجي، لا نعرفه لأنه لا ينساق في أجهزتنا العقلية والآخر ظاهري، أي أنه الظواهر التي تلتقطها حواسنا بحكم استعداداتها الإدراكية، ثم تحيلها إلى مقولات العقل ينسجها مفهومات وقضايا، فإذا كان العالم الطبيعي الذي هو مجال الفكر العملي خلقناه لأنفسنا بعقولنا، أو بناه وصممه العقل الإنساني، فإن هذا العالم الطبيعي الذي اسلس للعقل قياده، ليس هو الحق، بل بقي من حقيقته جانب فوق متناول الانسان إذا اقتصر الانسان على عقله النظري.
جاء (هيغل) ليتمم هذه العملية – عملية تعقيل الطبيعة إلى الشوط الأخير، فإن مهمة الفلسفة هي أن تجعل العالم معقولاً بمعنى أنها تجري مجرى القوانين العقلية، لأن العالم والذات العاقلة التي تدركه حقيقة واحدة متناغمة ولكنه يختلف عن مقولة عمانوئيل كانط في رفضه أن يفرق بين الحقيقي والظاهري، بأن يقول كما قال كانط إن الأشياء في ذواتها ممتنعة عن ادراكنا، وإننا لا ندرك بالحواس والعقل إلا ظواهرها، يرفض هيغل هذه التثنية التي تجعل المعرفة العقلية مقتصرة على وجه من الكون دون وجه، قائلاً:
إن الكون كله معقول، لا فرق فيه بين باطن وظاهر، بل أن العالم الواقعي والفكر العقلي المنطقي اسمان على مدلولٍ واحد، فالواقعية هي فكرتها، والفكرة هي واقعها، كل ما هنالك من فرق هو ان الجانب الواقعي بمثابة التعبير الذي يفصح عن فكرته العقلية.
يقول كانط: “نحن نملك إذاً ثلاث مفاهيم بوسعنا وفقها أن نعتبر شؤون البشر، لنا النوع البشري وتقدّمه، ولنا الانسان بوصفه كائناً أخلاقياً… ولنا البشر في صيغة الجمع… هذا التمييز بين هذه المفاهيم الثلاث هو شرط أولي وضروري لفهم فلسفة كانط أن النوع البشري أو الانساني هو موضوع القسم الثاني من نقد ملكة الحكم… أما الإنسان فهو موضوع نقد العقل المحض ونقد العقل العملي.. أما البشر في صيغة الجمع وهو اكتشاف خاص بملكة الحكم الاستطيقي”.
إذاً هناك أهمية لدائرة الاستطيقا بوصفها ميداناً خاصاً في جميع البشر في تعددهم واختلاف انظمة تدبير الذائقة الجمالية بميزان معاً الجميل بما هو حقل شرعي يختص جميع البشر. والجميل خاص بالبشر باعتبارهم جمعاً، اما ميدان الجميل هو الميدان الوحيد لولادة الحرية، بوصفها تنبثق مباشرة من ما يسميه كانط اللذة بلا منفعة)
هذه العبارة سببت الاستياء والغضب لدى فلاسفة ومفكرين أمثال نيتشه وهيدغر وادورنو ودريدا. ولا يكون بوسعنا اذاً أن نشترك في الإنسانية المأمولة إلا متى صرنا أحراراً، أي مستقلين عن أشكال الوصايا التي تعاني منها شعوب العالم.
الجميل الكانطي كفيل بالوعد بمشترك الحرية ضد رعاية القصور الناتج عن الجبن والهواء والهوية والهاوية في كل أشكالها. وحكم التفكر منذ الفقرة الأولى لكتاب نقد ملكة الحكم تتعرف على قرار كانط الحاسم والذي يتعلق بضرورة الخروج من [أنا أعرف إلى أنا أتفكر] أي من الحقيقة إلى الذوق ومن العقل الخالص إلى الشعور.
يقول كانط: (اننا من أجل أن نميز الشيء ان كان جميلاً أو غير جميل فإننا لا نعيد تمثل الشيء إلى الذهن من أجل المعرفة، بل اننا نعيده بالمخيلة إلى الذات وإلى الشعور باللذة أو الألم الخاصين بها. ليس حكم الذوق إذاً حكم معرفة أي هو حكم منطقي انما هو استطيقي، أي هو حكم ليس بوسع مبدأه المعين ان يكون شيئاً سوى مبدأ ذاتي)
وهنا يذهب كانط نحو ميدان استطيقيا الذوق بوصفها تقوم على نوع خاص من الأحكام لا ينتجها العقل النظري بل تنتجها المخيلة. والتفكر هي ملكة تأمل حر، لانفعي ولا مفهومي ولا غائي، ولا هو نظري ولا هو بالعملي، إنما ضرب من اليوطوبيا التي تسمح للشعور بأن يتدفق على نحو حيوي طليق تحت راية مايسميه كانط (شعوراً حيوياً) ولذلك فإن كتاب نقد ملكة الحكم يخلوا تماماً من استخدام الحقيقة كما ترى (حنة ارندت).
يقول كانط: في نقد ملكة الحكم (إن حكم الذوق لا يمكنه أن يكون أنانياً، لكن ينبغي أن يكون ضرورة ذا قيمة تعددية)، وفي آخر كتبه (الأنثروبولوجيا) الصادر في 1798 اعتبرالتعددية المبدأ الأساسي للإلتقاء من الأشكال الثلاثة للأنانية، أي الأنانية المنطقية والأخلاقية والأستطيقية، من أجل ادراك مقام المواطنة في العالم.
يقول كانط: (ليس بوسعنا أن نواجه الأنانية إلا بالتعددية، أي بطريقة التفكير التي نسلك وفقها لا بوصفنا أوصياء على العالم برمته في أنفسنا، وإنما بوصفنا مجرد مواطنين في العالم) وهذا يجعل كانط يغير من أسماء الإنسان داخل (نقد ملكة الحكم الاستطيقي) مرات عديدة من الإنسان والأنا والذات إلى (نحن) و(كل امرئ) و(أيٍ كان) أو (الآخر) و(الغير) و (كل أخر) و (الآخرين) و(الجميع)
كيف يمكن توفر الجميل على امكانيات الشعور بلذة كونية بالامفهوم وبلاموضوع في شعور شخصي محض!
لقد حاول فلاسفة كثر الخروج من السستام الهيغلي من أمثال (فويرباخ) الذي كان معاصراً لهيغل ومن جملة الوسطاء بين هيغل وماركس، وقد ألفّ كتاباً مهماً جداً تحت عنوان (جوهر المسيحية) كان له تأثير بالغ على المفكرين في ذلك الوقت.
وقد ذكر ماركس وإنجلز: (إننا كنا جميعاً من أتباع فويرباخ لمدة من الزمان، وطبعاً فإن ماركس بعد ذلك تجاوز مدرسة فويرباخ ولم يقبل بتحليله عن الدين المسيحي، وذهب إلى أن تحليل فويرباخ للمسيحية هو تحليل مفهومي وعلم نفسي، في حين أننا نحتاج إلى تحليل اقتصادي واجتماعي، فلا يكفي أن نظهر المسيحية بأنها وهمية أو خرافية، بل يجب البحث عن السبب في هذه الخرافة ولماذا توغلت إلى أذهان الناس وامتدت إلى وعيه، ولماذا نرى كل هؤلاء الأتباع المؤمنين والمتعصبين لهذه العقائد الخرافية، ومن هنا فإن ماركس في مقام نقد أفكار فويرباخ طرح احدى عشرة مقولة عرفت فيما بعد بمقولات فويرباخ، وتبين جوهر الأفكار التي طرحها ماركس حول الدين، والمجتمع ومعيشة الإنسان وبعض هذه المقولات تتحدث عن الفوارق بين العالم القديم والحديث.
يتحدث ماركس في الموضوع عن أن الفلاسفة قاموا حتى الآن بتفسير العالم، ولكنهم لم يتحدثوا عن تغييره. وهكذا يميز ماركس بين مقولتين: مقولة التفسير ومقولة التغيير، وقال: إن المفكرين القدماء وعلى الخصوص هيغل الذي وسع من الفلسفة الميتافيزيقية بشكل كبير، كانوا يهتمون بتفسير نظام العالم، فكانوا يريدون إزاحة الستار عن ضرورات الأمور، ويكشفون عن البنى التحتية والمواد الأولية التي بنى منها العالم والإنسان والتاريخ، فكانوا يؤكدون العناصر الضرورية في العالم والتاريخ، أو العناصر الثابتة وغير المتغيرة، لأنه لا يمكن تفسير نظام العالم بالعناصر الأمكان والعرضية، ويقول ماركس: إن منهج هؤلاء الفلاسفة والمفكرين في العالم القديم وإلى الآن كان بهذه الصورة، أي تفسير العالم، لكن المهم هو الحديث عن تغيير العالم، بمعنى أن الانسان منذ هذا الوقت فصاعداً بدأ يفكر بنمطٍ جديد وإرادة جديدة ناظراً إلى التغيير، فالإنسان من الآن فصاعداً يريد تغيير العالم بيده.
إن المفكرين والفلاسفة في الماضي كانوا متفرجين على نظام العالم والتاريخ، ولكننا نريد مفكرين ينزلون إلى ساحة الملعب ويشاركون في اللعبة، فنحن كما ردد ماركس: (لم نأت لنتفرج على مسرحية الوجود، بل جئنا لنشارك في هذه المسرحية ونلعب دوراً فيها، ولذلك فإن عصر التفسير قد ولى وجاء عصر التغيير، فالانسان الحديث غير قنوع) بل يقول: (مَن قال إن هذا العالم هو أفضل مايكون وأن نظامه هو أفضل نظام؟ فلعل هناك نظاماً أفضل من هذا النظام وعلينا السعي لتحقيقه على أرض الواقع.)
إذاً الفلسفة الماركسية هي فلسفة التغيير وليست التفسير والتحليل.
رأى ماركس أن المجتمعات كلها ماعدا الشيوعية تمرّ بصراع طبقي. إن التملك الخاص هو ديدن هذه المجتمعات، وبالتالي حاول المُلاك وأصحاب العمل ان يسيطروا على المجتمع وأن يرفدوا بأفكار وهمية تبريرية غايتهم منها أن تبقيهم في مكانتهم، فنشأت الأيديولوجيات كمبرر لهم، وأدى ذلك إلى أن يكون هناك اغتراب في المجتمع، وليس على الصعيد الاقتصادي فحسب بل على الصعيد السياسي والفكري، لاسيما الديني الذي أعطى قدسية كبيرة للمجتمع فضلاً عن أنه كان المموّل الرئيسي للطبقات المسيطرة.
وفي افتتاحية البيان الشيوعي يقول ماركس: (إن تاريخ المجتمعات كلها حتى يومنا هذا لهو تاريخ الصراع الطبقي، ذلك أن الحر والعبد، النبيل والعامي، السيد والخادم، المعلم والصانع، فإن المستغلين والمستغلين كانوا دائماً في مواجهة محتدمة تنتظم بصراع غير منقطع). وتاريخ المجتمع يتطور ويتحول من مرحلة إلى أخرى ويحكمها الصراع بين مالك الإنتاج، القوة المسيطرة، وبين العمال أو العبيد غير المسيطرين على الإنتاج، إذ يرى أن المجتمع مايحويه من نظم ومؤسسات لايمكن فهمه فهماً حقيقياً دون دراسة مادية تاريخية.
والأفكار الرئيسية لتطور المجتمع هي:
1- العامل المحدد للتطور التاريخي
2- العلاقة الجدلية بين قوة الانتاج وعلاقات الانتاج
3- نظرية القاعدة والهرم
4- نظرية (التركيبات الاجتماعية الاقتصادية الخمسة)
والحياة هي التي تحدد الوعي، وليس الوعي هو الذي يحدد الحياة.
والأهم في عمل ماركس ليس أنه وضع مخططاً عاماً عن المجتمع، إنما لكونه درس مجتمعاً مشخصاً محدداً بالزمان والمكان، المجتمع البرجوازي الرأسمالي محللاً تناقضاته الواقعية متابعاً تشوءه وازدهاره كاشفاً إليه سيره وعوامل سقوطه، وهذا المجتمع الذي ولد بعد المجتمع الزراعي لم ينهِ الفوارق الطبقية، بل زادت وكثرت مع ازدياد المصالح والمصانع والسوق التي توزع بها البضائع، وهذا الحال قد أدى إلى شرخ أكبر في المجتمع، فكبرت الفجوة بين المجتمع وازدادت الطبقية التي حافظت على وجودها الدولة وأصحاب رؤوس الأموال.
وكل المجتمعات تمر بصراع طبقي ماعدا الشيوعية التي لايكون فيها اغتصاب لعمل أو احتكار، بل على ماذا يكون الاحتكار إذا كان الانتاج بيد المجتمع كله.
يقول ماركس في مقدمة الأيدولوجية الألمانية”: (اصطنع البشر باستمرار حتى الوقت الحاضر تصورات خاطئة عن انفسهم وعن ماهيتهم وعن ما يجب ان يكونوه، ولقد نظموا علاقاتهم وفقاً لأفكارهم عن الله، والانسان العادي ولقد كبرت منتجات عقولهم هذه حتى هيمنت عليهم، فإذا هم الخالقون ينحنون أمام مخلوقاتهم، ألا فلنحررهم إذاً من الأوهام والأفكار والعقائد والكائنات الخيالية التي يرزحون تحت نيرها، ألا فلنتمرد على حكم هذه الأفكار).
لقد جاءت الثورة الروسية، في أكثر البلدان الرأسمالية تأخراً، أي لبلد لا يصلح للتطور مابعد الرأسمالي، بالمعنى الماركسي للكلمة، التي شهدت لتوها نمو أولي لنبتات الرأسمالية الصناعية الحديثة، على شكل جزر في المدن الكبرى الرئيسية كموسكو وسانت بطرسبرغ، ومدراء المصانع يستوردون من انجلترا، ويعملون في ظروف لم يتبلور فيها بعد حتى انضباط العمل المصنعي المعروف، ولم تمدّ الرأسمالية فيها بعد تأثيرها التنظيمي، الانتاج لأجل السوق، عقلنة الانتاج، الحساب الاقتصادي، انضباط العمل، إعادة الانتاج الموسع أو تأثيرها المؤسساتي، اتحادات الصناعيين، نقابات العمال المؤسسات القانونية لحماية الملكية الخاصة المستقلة من الدولة أو تأثيرها الثقافي، فكرة الفرد المستقل، التعاقد الحر، حرية السوق. (يتبع).

اقرأ المزيد

منهجية هادي العلوي

استفدت من منهجية هادي العلوي في دراساته الإسلامية، فأصبحت المصفاة التي استخدَمها في إرجاع النص لسياقه التاريخي مفرقا بين مراده في زمن النبي وما طرأ عليه من تفسير وتأويل أهل الفِرق والمذاهب وأهوائهم بعدها عالقة في ذهني، فكانت مصفاته مثل حائط صدّ أمام ما يرد علي من نصوص دينية تتخطى سياقها التاريخي والزماني، وأصبحتُ أشك في كل ما يرد علي من تأويل أهل المذاهب، أو التفاصيل الدقيقة التي ترويها الشخصيات التاريخية عما سيحدث بعد موتها.
يفكك هادي العلوي هذه النصوص فتجد أنها توضع بعد حدوث الحدث. فالنص لا يتخطى تاريخه إلا من خلال تأويل الجماعة التي يعيش النص معها، فتمطُّهُ إلى حقبتها التاريخيه وتأوله وفق سياقاتها لا سياقاته. وتقوم الجماعات بتأليف نصوص أخرى على لسان الموتى.
ففي كتابه “في السياسة الإسلامية” يقول في سبب نزول الآية ٥٩ من سورة النساء “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول…” أن النبي بعث خالد بن الوليد في سرّية إلى حي من أحياء العرب وكان معه عمار بن ياسر، فسار خالد حتى إذا دنا إلى القوم سار ليلاً لكي يداهمهم عند الصباح، فأتاهم النذير فهربوا عن رجل كان قد أسلم. وانطلق الرجل حتى أتى عسكر خالد ودخل على عمار فقال: يا أبا اليقظان إني منكم أفنافعي أنت أو أهرب؟! فقال: أقِم. وأصبح خالد فأغار على القوم فلم يجد غير ذلك الرجل فأخذه وأخذ ماله، فأتاه عمار فقال: خل سبيل الرجل فإنه مسلم وقد أعطيته الأمان وأمرته بالمقام.
فقال خالد: أنت تجير علي وأنا الأمير؟ فقال نعم أنا أجير عليك وأنت الأمير. فكان بينهما كلام في ذلك فانصرفوا إلى النبي فأخبروه خبر الرجل فأجاز النبي أمان عمار ونهاه أن يجير بعد ذلك على أمير بغير إذنه. وقد جاءت الآية لحسم النزاع ولتأكيد وجوب طاعة قائد السرية المكلف بقيادة جيش المسلمين في زمن النبي وهو المقصود بعبارة (أولي الأمر).
لكن بنظرة سريعة ومع تطور تاريخ الإسلام السياسي ونشوء الفرق والمدارس ثم المذاهب والطوائف تم تحوير المعنى المراد من “أولي الأمر” فهو الخليفة المسلم ومن بعده الحاكم المسلم فيما يخص علماء السنة، إنه واجب الطاعة وإن زنا وإن سرق حسب قول المرجئة. أما تفسير الشيعة فنجد اتفاق على كون أولي الأمر تدّل على الأئمة من بني هاشم، وأصبحت اليوم تطلق على من ينوب عنهم من المراجع المتفقهين في الدين.

وحدثنا في كتابه “من قاموس التراث” عن حديث الفرقة الناجية: ستفترق أمتي اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. وباختلاف تخريجاته. إلا أن النبي في عهده لم توجد هذه الفرق ولم يخبر عن فرقة ناجية. وكان هدف الإسلام كما جاء به النبي توحيد القبائل حول فكرة هي أوسع مما تتصارع عليه داخل دياناتها الوثنية: “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا”. فالنجاة بالوحدة لا الفرقة.
تكمن أهمية مشروع هادي العلوي في قراءة التراث أنه يمنح القارئ إستقلالية في التعامل مع التراث من خلال منهجيته التحليلية ونزاهته التي تبتعد عن تقديس الشخوص. وأفرد فصلا بعنوان الحسين في كربلا في كتابه “شخصيات غير قلقة في الإسلام” وهي ترجمة لثورة الحسين ومقتله وتاريخ نشأة المآتم ورثاء أهل البيت بعد ان قام بإزالة عوالق اللغط الديني عن الشخصية، بالإضافة إلى سعة المصادر والتوجهات التي ينفتح عليها القارئ في أعماله الخاصة بالدراسات الإسلامية وتاريخ السياسة في الإسلام.

اقرأ المزيد

صناعة المعلّم … رؤية إنسانية وثقافة تكنولوجية

عندما يخطىء سائق السيارة قد ينتج عنه حادث مروري، وعندما يخطىء المهندس فلربما يؤدي إلى انهيار المبنى، وعندما يخطأ الطبيب قد ينجم عنه موت المريض، وعندما يخطىء المصرفي قد يتسبب في كارثة مالية، وهكذا عندما يخطىء السياسي قد تحدث ثورة عارمة في البلد، وعندما يخطىء حارس المرمى قد يؤدي إلى خسارة الفريق … إلخ، ولكن دعونا نتخيل معًا كيف تبدو الصورة حينما يخطىء المعلم؟
الجواب: فساد أمة!
دعونا ننطلق من هذه المقدمة لنؤكد على حاجتنا الملحة لمشروع تنويري يحمل عنوان “صناعة المعلم” للقرن الحادي والعشرين. فيا ترى أيّ معلم نحتاجه؟ هل هو ذاك المزوّد بالثقافة التكنولوجية فقط؟! أم ذاك الذي انفتح على الثقافة التكنولوجية وتمكّن من توظيفها بذكاء في تدريب الطلبة على اكتساب المهارات والاتجاهات السليمة والقيم العليا في الحياة؟
سأسلط الضوء على بعض المفاهيم لتتضح الصورة أكثر عند الحديث عن صناعة المعلم للقرن الحادي والعشرين.
أولًا ـ التعليم والانتقال من ثقافة الإيداع إلى ثقافة الإبداع:
ثمة موضوع لطالما كان ولا يزال يؤرقني كثيرًا، سواءً عندما كنتُ معلمًا أو الآن بصفتي ولي أمر أتابع الشؤون الدراسية لأبنائي. ولا أخفي عليكم بأنني أتخيل واقع التعليم عند زيارتي لأي مصرف أو بنك، وهو ما عبر عنه المفكر التربوي البرازيلي باولو فريري بـ “التعليم المصرفي أو البنكي”، وأتساءل في نفسي: إلى متى ونحن مستغرقون في وحل التعليم المصرفي أو البنكي “ثقافة الإيداع”؟ أما آن الأوان للولوج إلى التعليم الإبداعي “ثقافة الإبداع”؟
للأسف الشديد، أنظمتنا التعليمية في الوطن العربي أشبه ما تكون بمصنع لإنتاج «العقول المعلَّبة». ربما الحالة هنا أشبه ما تكون بالسلع والمواد الغذائية الفاسدة التي تنتهي فترة صلاحيتها في غضون عام أو عامين مثلًا. إلا أن الخطورة تتمثل في جعل عقول الطلبة معلبة ومجمَّدة ومنتهية الصلاحية مدة اثني عشر عامًا (أي مدة المراحل التعليمية لكل طالب وطالبة).
ثانيًا ـ التعليم بين غبار الشهادات وحتمية المهارات:
ثمة موضوعٌ فرض نفسه مؤخرًا على المشهد التربوي والتعليمي، وهو “مهارات المعلم للقرن الحادي والعشرين”؛ بوصفه مرتكزًا أساسًا لتطوير التعليم وتحسين مخرجاته لتتلاءم مع متطلبات سوق العمل، وهو ما دفع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في شهر يونيو الماضي بالتوقيع على أمرٍ تنفيذي بتوجيه التعليمات لفروع الحكومة الفدرالية، بالتركيز على المهارات بدل الشهادات الجامعية في اختيار الموظفين الفدراليين.
ومع تنامي وتيرة التغيرات المستمرة والدراماتيكية التي يشهدها العالم، خصوصًا بعد جائحة كورونا (كوفيد ـ19)، فقد أصبح دور المعلم مهمًا جدًا لتيسير وتوجيه وتمكين الطلبة لاكتساب المهارات المطلوبة، بُغية الوصول إلى فردٍ قادرٍ على التعامل مع متطلبات المراحل اللاحقة لتخرجه من المدرسة؛ سواءً كانت متعلقة بمتابعة تعليمه العالي أم الانخراط في سوق العمل.
تم تحديد مهارات التعليم للقرن الحادي والعشرين والتي يتمحور حولها إطار مراجعة أداء المدارس الحكومية والخاصة بمملكة البحرين الصادر عن هيئة جودة التعليم والتدريب في مملكة البحرين على النحو الآتي: 1ـ مهارة التفكير الناقد 2ـ مهارة التواصل والعمل الجماعي 3ـ مهارة الإبداع وحلّ المشكلات 4ـ مهارة القيادة وصنع القرار 5ـ مهارة الريادة والمبادرة 6ـ مهارة التمكن اللغوي 7ـ مهارة لمواطنة المحلية والعالمية 8ـ مهارة الثقافة التكنولوجية.
ولعل المهارتين الأخيرتين (مهارة المواطنة المحلية والعالمية ومهارة الثقافة التكنولوجية) أكثر ارتباطًا بموضوع المقال.
فمهارة المواطنة المحلية والعالمية تعني: قدرة الطلبة على توجيه معارفهم وسلوكهم وقيمهم بمسئولية، وبما يعزز التقارب الفكري بين مكونات المجتمع المختلفة، ويرفع وعيهم بالتحديات العالمية، ويزيد من إسهاماتهم في بناء وتطوير وطنهم بشكل أساس، وتأصيل ممارسات الاستدامة البيئية، والعدالة الاجتماعية، والمساهمة في تكوين توجهات إيجابية نحو المشكلات العالمية، وتقبل الآخر بما يزيد من التقارب الثقافي العالمي.
وأما الثقافة التكنولوجية فتعني: قدرة الطلبة على استخدام التكنولوجيا وأدواتها بفاعلية؛ لصناعة المعلومات أو الوصول إليها، وإدارتها، وتفنيدها ونقدها، ونشرها، مع الدراية التامة بأثر المحتويات التكنولوجية على الفرد والمجتمع.
مثالٌ على ذلك: عندما يوظف الطلبةُ وسائل التواصل الاجتماعي في العملية التربوية والتعليمية.
بطبيعة الحال، ليس الهدف من استخدام التكنولوجيا في التعليم زيادة تحصيل الطلبة للمعلومات، وإنما زيادة قدرتهم وتمكنهم من استخدام المعلومات بأقل جهد وفي أقل وقت وأكثر متعة، فمسألة رقمنة التعليم في المدارس والجامعات تتطلب حتمية تمكين المعلم والمتعلم في بيئة تعلم ذكية.
مع بداية جائحة كورونا (كوفيد ـ19)، أصبحت الثقافة التكنولوجية ضرورة حتمية لا يمكن تجاهلها بالنسبة للمعلمين والمتعلمين وأولياء الأمور على حد سواء، كما أصبح التعلم عن بُعد هو الخيار الأسلم والأمثل نتيجة الظروف الصحية الراهنة، فلا توجد صفوف دراسية وإنما وسائل وتطبيقات التواصل الاجتماعي، كما حلّ البيت مكان المدرسة، وأصبح أولياء الأمور بشكل أو بآخر شركاء إلى حد كبير مع المعلمين في العملية التعليمية التعلمية، مع تحفظنا على (بعض) الممارسات التي جعلت منهم متعلمين ويحلون الواجبات والتطبيقات بدلًا من أبنائهم، مما يستدعي التدخل بوضع أنظمة تقييم وتقويم صارمة تقيس بدقة أداء الطالب نفسه وليس ولي أمره أو أي شخص آخر ينتحل شخصية المتعلم.
(البعض) تطرف وذهب بعيدًا في مطالبته بإلغاء التعليم الحضوري إلى المدرسة حتى في مرحلة ما بعد كورونا، بحجة أن التعلم عن بُعد يفي بالغرض، ولكننا في الوقت الذي نميل إلى تبني الوسائل التقنية، إلا أننا نؤكد على أهمية التعليم المدرسي الانتظامي، خصوصًا لطلبة التعليم الأساسي (المرحلة الابتدائية)؛ لأن مهمة التعليم ليست فقط إدخال الطلبة في عالم المعلومات والمعرفة وتدريبهم على بعض المهارات المطلوبة في سوق العمل ـ كما يقول المفكر د.علي فخرو ـ وإنما المطلوب أكثر من ذلك بكثير، فالمدرسة يجب أن تكون أداة تغيير وتجديد ثقافي وشحذ وبناء التزامات وطنية وقومية وإنسانية. وهذا لا يمكن أن يتم إلا من خلال عمليتي تفاعل إبداعي بين الطالب وزملائه، وبين الطالب ومعلمه، فالمعلم لا يستطيع أن يقوم بتلك المهمات من خلال التواصل الإلكتروني، وإنما في الأساس من خلال التفاعل الخلاق في الصف مع تلاميذه.
ثالثًا ـ التعليم حق أصيل من حقوق الإنسان:
التعليم حق أصيل من حقوق الإنسان، وهنا يأتي دور المعلم الإنسان في ترسيخ مبادئ حقوق الإنسان في الفضاء المدرسي، من خلال توظيف المبادئ وما يطلق عليها بالقيم المدرسية عبر التطبيقات والممارسات المدرسية اليومية من خلال الأنشطة الصفية واللاصفية. ويتلخص دور معلّم القرن الحادي والعشرين في الارتقاء بمنظومة التعليم وإيجاد واقع تعليمي عصري ومتطور وبرؤية إنسانية كونية، ليس فقط من خلال تزويد المتعلمين بمجموعة من المعارف والمعلومات، وإنما بتدريبهم على اكتساب المهارات والقيم الكونية.
زبدة القول، لا بد أن يقود مشروع صناعة المعلم للقرن الحادي والعشرين، المجتمع إلى التعلّم الحقيقي الذي هو حق أصيل من حقوق الإنسان، وذلك لن يتحقق من غير العدالة والمساواة وإتاحة فرص التعلّم الذكي للجميع بلا استثناء، ذلك أن التعليم التقليدي القائم على الحفظ والتكرار وحشو المعلومات هو الوجه الآخر لتعليم فاسد وثقافة الشهادات الورقية بلا مهارات؛ لأن بناء العقلية الناقدة للمتعلم هو أساس أي تغيير في التعليم، فالمشكلة ليست في محاولة تطوير التعليم، وإنما في قدرتنا على تفكيك منظومة التعليم الموروثة، وأهم تحديات تطوير التعليم هو استبدال ثقافة التمدرس النمطي بثقافة التعلم الحقيقي الذي يشبع فضول الطفل ويسهم في تنمية الشك الإيجابي لديه عبر توظيف التقنيات ووسائل التعليم المشوقة والحديثة.

اقرأ المزيد

أكد بأن إنشاء جهة مستقلة بالتعليم العالي خطوة فى الاتجاه المطلوب ” التقدمي”: نقف قلباً وقالباً مع قوى المجتمع المدني الرافضة للتطبيع

أكد المنبر التقدمي عبر مكتبه السياسي ثقته بموقف قوى المجتمع البحريني الرافضة للتطبيع، وقال أنه يقف قلباً وقالباً مع هذه القوى ويرفض أي محاولات تستهدف تشويه هذا الموقف وكل المواقف المدوية فى نصرة الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، كما أكد التقدمي على الصعيد المحلي بأن إنشاء جهة مستقلة تعنى بالتعليم العالي خطوة فى الاتجاه المطلوب آملاً أن يتخلص مسار هذا التعليم من الثغرات التى ترافقت مع هذا المسار.

ومن جهة أخرى أعرب التقدمي حرصه على تعزيز العمل المشترك مع الجمعيات السياسية المنضوية تحت مظلة اللجنة التنسيقية، وكذلك مع بقية مؤسسات المجتمع المدني بما يخدم المصلحة الوطنية .

جاء ذلك خلال اجتماع المكتب السياسي للمنبر التقدمى الذي عقد مساء يوم السبت الموافق 3 اكتوبر 2020 برئاسة الأمين العام، وقد استهل الاجتماع ببحث آخر التطورات على الساحة المحلية والإقليمية والعالمية، وقيْم جهود العمل المشترك فى إطار اللجنة التنسيقية للجمعيات السياسية فى الفترة الماضية، وأكد حرصه على تعزيز هذا العمل فى الفترة المقبلة فى الملفات والقضايا ذات الاهتمام المشترك.

كما تناول المكتب السياسي المرسوم بقانون رقم 13 لسنة 2020 بتعديل بعض أحكام القانون الخاص بالتعليم العالي، والذي تم بموجبه تشكيل مجلس أمناء ذو صفة اعتبارية مستقلة عن وزارة التربية والتعليم ، واعتبر هذه الخطوة فى الاتجاه الصحيح، منوها بالجهد المضني والدؤوب من قبل عدد من النواب وفى طليعتهم أعضاء كتلة تقدم من أجل تشكيل هذه الهيئة ، آملاً أن يكون ذلك ملبياً للمطلب الشعبي بتخليص مسار التعليم العالي من الثغرات والشوائب التي اعترته، وآمل المكتب السياسي أن يتعزز دور الدولة في تحمل كامل مسؤولياتها الإدارية والتنظيمية، وتوسيع قاعدة الدعم المادي للطلبة المتفوقين، مع وضع الضوابط والضمانات التي تحقق هذا الهدف وعدالة توزيع المنح والبعثات، والسياسات المتوافقة مع ربط مخرجات التعليم بسوق العمل.

وجدد المكتب السياسي رفضه للتطبيع، ولمحاولات الإساءة للرافضين لهذا التطبيع، وللقضية الفلسطينية التي كانت ولازالت وستبقى قضية العرب الأولى لحين قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وأكد بأنه يقف قلباً وقالباً مع كل قوى المجتمع المدني في البحرين الرافضة للتطبيع، وللدعوات المشبوهة ومن يقف أمامها وخلفها التي أرادت تشويه هذه المواقف، ومنها ما تجلى مؤخراً بالمس بكيان له مواقفه الواضحة والمشرفة ضد التطبيع، وهى جمعية مقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني، وأكد المنبر التقدمي بأن ما هو ثابت ومؤكد بأن العدو الصهيوني سيظل العدو الحقيقي والدائم للعرب .

المكتب السياسي للمنبر التقدمي – البحرين
5 أكتوبر 2020

اقرأ المزيد