المنشور

إخراج الوطن من دائرة المراوحة في الأزمة



في هذا الظرف
الدقيق الذي يمر به وطننا، فان ثمة ثابتاً وحيداً في الأمر، هو انه لا طريق لذلك
إلآ الحل الذي يذهب مباشرة نحو جوهر المشكلة، للتوافق على تسويات بشأنها، وحين
تجري معالجة الجوهر، ستسهل إلى حدٍ بعيد، إمكانية معالجة مظاهر الأزمة وأعراضها،
الناجمة عن استمرارها. 


ولابد من أن يتأسس
ذلك على حقيقة أن  البحرين هي بيتنا
المشترك، أو سفينتنا التي تقلع وسط أنواء إقليمية معقدة، ومسؤوليتنا جميعاً
توجيهها الوجهة الصحيحة، لأنها إن غرقت فسنغرق جميعاً. وكل المخلصين لهذا الوطن،
وكل من قلوبهم عليه وعلى مستقبله لا يسرهم أن نندفع نحو الفزعات الطائفية هنا
وهناك، وإنما أن نتوجه بعقول وقلوب مفتوحة نحو التبصر المسؤول في أوضاعنا، برغبة
تجاوز الوضع المحتقن حالياً بأقل كلفة ممكنة، ومداواة الجروح الكثيرة الناجمة عن الأزمة،
برغبة التغلب على المعوقات، وتوسيع المشاركة السياسية، ومعالجة قضايا بناء الوطن،
وإزالة ما يعترض ذلك من ممارسات وتشريعات وفساد وأنماط تفكير. 


وأشد ما يقلق
الغيورين على الوطن هو آفة الطائفية التي استفحل انتشارها في جسم المجتمع، فصارت تنخر
منه الأوصال وتؤدي إلى تخثر الدماء فيه، وتجربة بلدان عربية عديدة، بينها بلدان
قريبة منا وتشبه بلدنا في بعض خصائص تكوينها، تشير إلى المآل المدمر إذا سارت
الأمور في اتجاه الشحن الطائفي والتعبئة المذهبية، وفي مثال العراق الشقيق عبرة
لمن أراد أن يعتبر، لأن ورقة الطائفية ورقة خطيرة، لن يكون بوسع أحد  الفكاك من آثارها المدمرة، بمن فيهم الذين
يلعبون بها. 


وليس التحذير من الآثار المدمرة للفرز
الطائفي للمجتمع وليد اليوم. لقد جرى حديث عن هذا في السنوات السابقة مراراً، وكان
المتحدثون عن ذلك ينطلقون من صحة تحليلهم بأن هناك قوى منتفعة من هذا الفرز، لأنه
يمنع تجمع الناس أو اتحادهم حول قضايا التغيير الديمقراطي والإصلاح السياسي. 


وقد أثبت
البحرينيون في مراحل فاصلة من تاريخهم أنهم أوعى من أن ينجرفوا نحو الفتن
الطائفية، واستطاع قادة الحركة الوطنية ومناضلوها على مدى عقود أن يعطوا البرهان  على إمكانية
توحيد الجهود في العمل من أجل القضايا المشتركة للشعب، التي تتمحور في جوهرها حول
مسألتين رئيستين، هما تأمين الحياة الحرة الكريمة للمواطن وضمان المشاركة السياسية
للشعب، وفي سبيل هذا النوع من العمل المسؤول فليتنافس المتنافسون. 


 ثمة مطالب مشروعة عمرها طويل، لم تنشأ اليوم،
ومن أجلها ضحى مناضلون سنة وشيعة، ولكنهم كانوا يطرحون هذه المطالب بصفتهم مواطنين
بحرينيين، لا بصفتهم ممثلين لطوائف، وهذا التراث بحاجة لإحياء من قبل القوى الوطنية
المطالبة
بتخطي البعد الطائفي
الذي يمكن أن
يسم
المعارضة،
من خلال إيجاد آليات تفاعل مع القوى الوطنية الناشطة بين
مختلف مكونات المجتمع البحريني،
من
تشكيلات سياسية ومجتمعية وأفراد ذوي
وزن،  بما
يسهم
في توسيع
قاعدة
القوى الداعية للإصلاح والساعية له،
وبما يكسب هذه  الدعوة الطابع الوطني
الشامل
كعامل لإخراج المجتمع من التخندق الفئوي الراهن. 


 إن أوجه الانقسام الناجمة عن الأزمة السياسية
التي تعيشها البلاد لا تعكس حقيقة الاستقطاب السياسي الموضوعي ولا المصالح الحقيقية
لأطراف العمل السياسي، وهو في تقديرنا انقسام طارئ، لا يمكن له أن يستمر إلى  ما لانهاية، فهو لا يخدم إلا مصالح قوى معينة،
بعضها طارئ، استثمرت وتستثمر الأزمة في أهداف أبعد ما تكون عن مصالح الوطن، تصر
علانية على أنها لا تريد أن تطوي الصفحة المؤلمة، وتعمل على أن يبقى الوضع متأججاً
لأن ذلك يدر عليها ذهباً، لذا تتمادى في ترسيخ آليات إعادة إنتاجه وبالتالي إستمراريته،
عبر إطالة أمد الأزمة وجراحاتها وتداعياتها السلبية الكثيرة على غير صعيد، بدلاً من
معالجة جذورها الجوهرية، بما ينهي محنة الوطن عبر طريق الإصلاح وتطويره، لا التراجع
عنه، وبعدم الانجرار إلى قولبة الموضوع في متقابلات شيعية- سنية لا تخدم إلا القوى التي لا تريد لهذا الوطن خيراً. 
  
  


 

  
 
اقرأ المزيد

ناظم حكمت وبابلو نيرودا.. قدر القلوب الكبيرة


قامتان عملاقتان في تراث الحركة الشعرية العالمية في القرن الماضي، وسيعيش شعرهما طويلاً في ذاكرة الإنسانية، التركي ناظم حكمت والتشيلي بابلو نيرودا، جمعت بينهما أشياء أخرى كثيرة غير الشعر: الانحياز لنضال شعبيهما وكل شعوب الأرض في سبيل العدالة والحرية، الأفق الإنساني التقدمي في الفكر والنظرة، معاناة السجن والنفي عن الوطن.

حين توفي ناظم حكمت في صقيع روسيا التي أقام فيها منفياً غريباً عن وطنه، رثاه نيرودا في قصيدة استهلها بالسؤال: «لماذا مت يا ناظم؟ وماذا سنفعل الآن وقد حـرمنا من أناشيدك؟ أين سنجد النبع الذي ننهل منه؟ ماذا سنفعل دون وجودك ودون حنانك الذي لا يلين؟»، وختمها بالقول: “شكرا لكل ما كنته يا ناظم/ وللنيران التي تركتها أغانيك/ متوهجة علي الدوام”.
 

حين وقف ناظم حكمت أمام المحكمة قال مدافعاً عن نفسه: «الدولة تخاف من الشعر». عبارة صحيحة في المعنيين المباشر والمجازي. الشاعر أراد القول: لست إلا شاعراً، فلمَ تحاكموني؟، لكن هذه العبارة ستؤسس لتوجيه تهمة إضافية له ب”تحقير الدولة”.

قبل سنوات قليلة فقط، خلا، لأول مرة،  قرار دوري تجدده المحاكم تلقائيا بمنع عدد من المنشورات وآلاف الكتب من التداول في تركيا من أشعار ناظم حكمت التي ظلت ممنوعة رغم تعاقب الحكومات، العسكرية منها والمدنية.

هذا يعيد إلى الأذهان أن ناظم حكمت الذي حين  يرد إسم ترد تركيا يرد اسمه، وإننا غالباً ما نسبق إسمه بالوصف التالي: الشاعر التركي، لم يصبح تركياً إلا قبل أمد وجيز،  فالشاعر الذي مات في صقيع المنفى بعد سبعة عشر عاماً قضاها في سجون تركيا لم يكن يحمل جنسية بلاده، حيث كانت السلطات قد أسقطتها عنه.

من يتجرأ على سجن الشاعر أو نفيه عن وطنه؟ ولكنهم يفعلون!.. في شغب الشاعر وجماله أمر مقلق، ورغم أن الشاعر يسكن عادة في المخيلة، لكن مخيلة الشاعر مقلقة لأنها تنشأ على ضفاف الحلم. والحلم، كما الشعر، ممنوع حين يعم الظلام.

في شهادة لزوجته، قالت إن ناظم كان يصحو كل صباح ليذهب راجلاً إلى مبنى البريد تسقطاً للرسائل الآتية من الوطن البعيد تحمل أخباره. وكانت تلك الأخبار زاداً وملهماً وباعثاً على الدفء في برد الروح الذي يجتاح المنفى. وفي صباح أحد أيام صيف عام 1963 خرج إلى مشواره اليومي نحو البريد، لكنه لم يعد. لقد سقط ميتاً في الشارع وهو في طريقه متلهفاً إلى رسائل الوطن.

بين الشعراء وصندوق البريد علاقة قدرية. ولأننا أيضاً بصدد الحديث عن رفيقه بابلو نيرودا، فاننا نتذكر المشهد المعبر في فيلم «ساعي البريد» الذي يروي جانباً من حياة نيرودا في المنفى بإيطاليا، فعندما أدرك ساعي البريد أن من يحمل إليه الرسائل يومياً هو شاعر كبير، قال له: «أحب فتاة جميلة، وأريد أن أكتب لها شعراً»، وكان رد نيرودا بسيطاً ومكثفاً:  الحب هو قصيدة شعر.

ونيرودا لم يمت في المنفى كناظم حكمت لقد عاد إلى وطنه وعاش ربيع الديمقراطية وخريفها أيضاً. ذات صباح أطبق العسكر على السلطة وقتلوا الرئيس المنتخب صديق الشاعر سلفادور الليندي. قدر القلوب الكبيرة أن يموت أصحابها كمداً في أوطانها أو في المنفى.  ليست السيرة الجليلة لكبار الشعراء العرب بمختلفة عن هذا السياق من المتنبي وأبي فراس الحمداني وصولاً إلى الجواهري الكبير.
 
أوطان عاقة، جاحدة، تتنكر لجميل وأعذب أبنائها، تقذف بهم في منافي الصقيع البعيدة هناك على آخر وأبعد الثرى يموتون ويدفنون. وتمر سنوات طوال، عقود متوالية حتى تتذكر هذه الأوطان إن فلذات من كبدها مدفونة في البعيد، وفيما تتنازع أمم وشعوب على أن تنسب هذا الشاعر أو ذاك إليها، كل أمة تقول إنه ابننا وشاعرنا، فإن الأوطان المبتلاة بالاستبداد تتفنن في إعلان البراءة من الشعر ومن الجمال، بأن تسقط حقوق المواطنة عن شعرائها ومثقفيها وتطوح بهم في المنافي.

في مذكراته كتب بابلو نيرودا عن كنز الكتب الذي راكمه طوال حياته. حين بلغ نيرودا الستين من عمره أدركه القلق على مصير هذا الكنز: ماذا سيحل به بعد أن يموت. واختار أن يفعل ما يفعله المبدعون الكبار عادة، فقرر إهداء كنز الكتب إلى المكتبة العامة في بلاده تشيلي. لكن المفاجأة كانت في الطريقة التي تعاطت بها السلطات مع خطوة الشاعر الكبير.

لقد روى هو بنفسه ذلك حين قال: «استغرقت ثلاثين سنة وأنا أجمع كتباً كثيرة. كانت رفوفي تحوي كتباً طبعت منذ زمن بعيد ومجلدات كانت تهزني لعظمتها في طبعاتها الأصلية لـ «رامبو»، «لوتريامون»، «سرفانتس»، كأنما صفحاتها ما زالت تحتفظ بلمس أولئك الشعراء العظام. لقد جبت العوالم كلها إلى درجة إن مكتبتي نمت بإفراط وجاوزت شروط المكتبة الخاصة. ذات يوم أهديت المجلدات التي بلغ عددها الخمسة آلاف، والتي اخترتها بحب وشغف من أنحاء العالم كله،إلى جامعة تشيلي، فاستقبل مدير الجامعة هذه الهبة بالجمل الطنانة والكلمات الجميلة.

أي إنسان ناضج وشفاف سيفكر في البهجة التي عمت تشيلي إثر هديتي هذه. لكن ثمة أناساً يسكنهم الكدر ويجافيهم الصفاء هاجوا وماجوا. كتب ناقد رسمي مقالات غاضبة، يحتج فيها بحدة على سلوكي. سيد آخر ألقى في البرلمان خطاباً ملتهباً ضد الجامعة لأنها قبلت هداياي، وهدد بقطع الإعانات التي تتلقاها الجامعة، فيما شن آخرون موجة من صقيع الشتائم، وكان مدير الجامعة يروح ويغدو عبر كواليس البرلمان شاحب الوجه مرتعداً، إلى أن فصل من عمله وعزل عن أي وظيفة”.

لم تكن تشيلي هي التي تنكرت لمكتبة شاعرها الأهم، وشاعر الإنسانية كلها، الذين هاجوا وماجوا غضباً لأن تلك الكتب النيرة التي ساهمت في تكوين عقل ووجدان نيرودا هم أفراد تلك الحلقة الصغيرة المتنفذة التي تخشى الكتب، وتخشى ما فيها من أفكار.

في إحدى قصائده، لعلها «إلى شعبي في يناير» يقول بابلو نيرودا: «كثيرون قد نسوا/ وكثيرون قد ماتوا/ وآخرون لم يكونوا قد ولدوا بعد/ أما انا فلم انس ولم أمت». النسيان الذي يعنيه الشاعر هنا نوع من آخر من النسيان، من النوع الفتاك حين يصبح المطلوب هو تغييب الذاكرة الجمعية للناس وعزلهم عن تاريخهم أو عزل هذا التاريخ عنهم.

ونيرودا الذي رحل عن الدنيا أوشك أن يحقق نبوءته الشعرية بأنه لم يمت. لأنه باق في ذاكرة ووجدان شعبه، الذي لم ينساه، ولم ينس الملابسات المريبة التي أحاطت بموته. كانت حراب فاشية بيونشيت تطوق تشيلي التي سالت الدماء في شوارعها وتحولت إلى سجن كبير دامٍ في صيف 1974حين رحل عن الدنيا شاعرها الأكبر، حامل نوبل للآداب والمناضل في صفوف الحركة الديمقراطية.

لم تكن قد مضت سوى أيام على الانقلاب الدموي الذي روع البلاد، بعد إطاحة الحكومة الشرعية المنتخبة من الشعب بقيادة سلفادور الليندي، الذي سقط شهيداً لحظة إجتياح العسكر للقصر الجمهوري بعدما وجه خطابه الشهير للشعب . حلقة صغيرة من أفراد عائلة نيرودا ورفاقه المقربين ساروا في جنازته الصغيرة يومها، لأن أغلبية من كانوا سيسيرون فيها قد قتلوا أو اعتقلوا أو اختفوا، لكن الجنازة، على ذلك، حملت رسالة احتجاج على الفاشية المطبقة على البلاد، ويومها ساورت الناس الشكوك في أن يكون موت نيرودا مدبراً من قبل هذه الفاشية ذاتها، انتقاماً منه ومن موقفه ومن شعره . الفاشية لا تطيق الشعر ولا الشعراء .
بعد أربعين عاماً على رحيله، أعيد رفع رفات الشاعر المدفون في حديقة منزله على شاطئ المحيط الهادئ إلى جانب زوجته ماتيلدا أوروتيا، بأمر من أحد قضاة التحقيق بفتح القبر وفحص الرفات من أجل إثبات ما يقوله أحد أقرب مساعدي الشاعر من أنه زرق بحقنة سامة في المستشفى ومات مسموماً، قبل أن تحرر السلطات شهادة وفاة تزعم فيها أنه مات جراء إصابته بسرطان البروستاتا، ولم يعثر على أثر لملفه الطبي بعد ذاك، ورغم الزمن الطويل الذي مر على وفاة الشاعر، ألا أن الأطباء يأملون في العثور على الأدلة الكافية . كان نيرودا يتأهب، يومها، للسفر للمكسيك، من أجل قيادة المعارضة الدولية للانقلابيين .

“لم يريدوا أن يغادر البلاد فقتلوه . لقد مات نيرودا مقتولاً”، هكذا يجزم مساعده المدعو «أرايا»، مضيفاً أنه لن يغير روايته حتى مماته، وحسب الرواية فإنه وزوجة الشاعر عادا إلى المنزل لجلب بعض من حاجياته، وهناك استلما مكالمة هاتفية من نيرودا قال فيها: «عودا إلى هنا بسرعة، فعندما كنت نائماً جاء طبيب وزرقني بحقنة في البطن»، وفي مساء ذلك اليوم مات الشاعر .

كم من الشعراء الشهداء، هنا وهناك، يتعين فحص رفاتهم لرؤية ما خلفه الجلادون من جراح على أجسادهم قبل أن يجهزوا على حياتهم غيلة. فاشية فرانكو في إسبانيا أخفت جثة الشاعر القتيل لوركا، وفاشية بيونشيت أخفت ملف نيرودا الطبي لمحو آثار الجريمة، لكن العار يلاحق القتلة حتى في مماتهم، أما الشهداء، خاصة إذا كانوا شعراء، فيعودون كالفكرة الفاتنة.
 
 
حرر في: 4 سبتمبر 2015

اقرأ المزيد

قمامة بيروت ليست قمة كرة الثلج!


حتى منتصف سبعينيات القرن العشرين الماضي، كان لبنان عنواناً للجمال والرقي الثقافي و”الهندام الحضري”. مياهه عذبة، فاكهته بنكهة عذوبة مائه وخصوبة أرضه، مسرحه الغنائي لوحة فنية مبعثها تلك الحالة البيئية االحيوية النادرة بأعلامها الشهيرة، الرحابنة وفيروز ونصري شمس الدين ووديع الصافي وغيرهم. وكانت مكتباته ومطبعاته معيناً متدفق لطالما نهل منه ملايين العرب من المحيط الى الخليج.  
 
في عام 1975 قرر اللبنانيون التماهي مع نضوج الظروف الموضوعية لانقسامهم السياسي (الطبقي في جوهره وإن التحقت الدهماء لدى الطرفين بامتداداتها المذهبية بعد أن وسمت وسائل الاعلام صراعهما بالصراع الاسلامي المسيحي)، حيث كان قسم من اللبنانيين منحازين لمعسكر العروبة والقومية، فيما انحاز قسم آخر لمعسكر أمريكا واسرائيل. فكان أن رفسوا تلك النعمة بأرجلهم وسمحوا لوحش الحرب الأهلية بإحراق كل ما هو جميل في بلدهم. ووصل تناحرهم ضد بعضهم البعض، والذي استمر لأكثر من 15 عاما و 7 أشهر (13 أبريل 1975- 13 أكتوبر 1990) وشارك فيه كل طوائف وإثنيات لبنان، بالإضافة إلى المخيمات ومناطق الوجود الفلسطيني في لبنان وكذلك القوات السورية وقوات العدو الإسرائيلي – الى القتل على الهوية، والى ارتكاب مجازر فضيعة والى جرائم الاختفاء القسري التي لازال ضحاياها الى اليوم مجهولي المصير.
 
اختار اللبنانيون الاحتراب فيما بينهم في 13 أبريل 1975 بعد محاولة اغتيال زعيم حزب الكتائب بيار الجميل التي قام بها مسلحون “مجهولون” والتي أدت الى مقتل مرافقه جوزيف أبو عاصي وثلاثة آخرين، فكان أن رد حزب الكتائب على محاولة الاغتيال بجريمة أفضع حين هاجم حافلة كانت تقل، كما أُشيع حينها أعضاء من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة و27 فلسطينيا ولبنانيا إلى مخيم تل الزعتر مرورا بمنطقة عين الرمانة،  واشتهرت بحادثة “عين الرمانة”، التي أطلقت شرارة الحرب وانتشارها كالنار في الهشيم في جميع مناطق البلاد. وقد أسفرت كارثة الحرب عن مقتل ما يزيد عن 150 ألف شخص وتشريد وتهجير 40 ألفا اضافة الى 17 ألف مفقود ومخفي قسراً.
 
هل تغير شيء بعد كل الذي جرى من قتل واستباحات ودمار وتهجير على مدار سنوات الحرب وما تلاها؟ …كلا لم يتغير شيء بالمطلق. فاليوم كما الأمس إن لم يكن أسوأ، وهو كذلك على أية حال. فاللبنانيون لم يتعضوا من دروس الحرب المريرة على ما هو شاهر للعيان. هم اليوم منقسمون كما الأمس، لكن ليس على أساس التصنيف السابق، مسلم مسيحي، وانما على أساس الفرز بين فريقي 8 آذار و 14 آذار للظفر بأكبر قدر ممكن من “منتجات ألبان بقرة الدولة اللبنانية الحلوب”.
وهو صراع لم ينهك الدولة ومؤسساتها فحسب، وإنما أحالها الى دولة فاشلة عاجزة منذ أكثر من عام عن الإتيان برئيس جمهورية، وعدم اكتمال نصاب برلمانها لأكثر من 26 جلسة بسبب تغيب غالبية أعضاء المجلس في إطار احتراب الفريقين، وعاجزة عن الإتيان برئيس حكومة معتمد وليس حكومة تسيير أعمال كما هو حال حكومة تمام سلام التي تعاني من شلل شبه تام منذ تولت السلطة العام الماضي.
 
واذا كان صاعق واحد تكفلت بتوفيره حادثة عين الرمانة، كان كافيا لاشعال فتيل الحرب الأهلية في 13 ابريل/نيسان 1975، فإن لبنان اليوم يختزن في جعبته عشرات الصواعق التي يمكن أن تشعل حريقا لا أول له ولا آخر، وستكون حرب الخمسة عشر عاما الماضية، مجرد نزهة أمام مصائبه.
 
واللبنانيون اليوم،  يحصدون على أية حال ما ألحقه ببلادهم، اصرارهم على التمسك “بوصفتهم السحرية” في الإدارة الكلية المجتمعية المتمثلة في الاقطاع السياسي وتفريعته التوريث الحزبي الطائفي. يستوي في ذلك، ونعني تحمل وزر مسؤولية طفح الكيل الذي لم تكن أكوام القمامة سوى أحد تجسيداته، الطبقة السياسية الاقطاعية وكذلك تعاضدياتها العصبية الشعبية في المدن والأرياف والنواحي والحواري. فمن دون هذه التعاضديات المشدودة طائفيا الى زعاماتها الطائفية والمذهبية، سوف ينهار أساس النظام الطائفي وتتفكك مؤسساته وتضمحل وجاهة ومكانة وحظوة زعاماته.
 
منظر أكوام القمامة في وسط العاصمة اللبنانية بيروت، بحد ذاته، يؤشر الى شكل من أشكال الانحطاط السياسي والإداري الكلي والثقافي والاجتماعي الذي تردت اليه الأوضاع في لبنان. هو منظر يعيد الى الأذهان أكوام القمامة التي تكدست لسنوات في مدن ونواحي وأحياء بلدان الاتحاد السوفييتي السابق بعد انهياره في نهاية عام 1990، والتي استمرت، كظاهرة ملازمة لانهيار النظام ومؤسساته الادارية والخدمية، لأكثر من ثلاث سنوات.
 
في مدينة ألماتي العاصمة السابقة لكازاخستان، كانت أكوام القمامة في عام 1993، مظهر واحد فقط من مظاهر الانحطاط الذي تردت اليه الحالة العامة للبلاد بعد أن وجدت نفسها فجأة وحدة إدارية مستقلة عن اتحاد الجمهوريات السوفييتية. ولكن تلك شعوب تداركت بسرعة فائقة مُصابها، لم تستسلم لقدره، وإنما عملت بجد واجتهاد للنهوض ثانيةً. وكان لها ما أرادت!
 
أيضا، فإن قمة فشل المؤسسة والطبقة الحاكمة في لبنان التي تمظهرت رمزيته بصورة صارخة وفاضحة في أكوام القمامة المتكدسة في العاصمة التي كانت يوما مدينة الأنوار والاشعاع الفكري والحضاري في الشرق العربي، إنما تكثف وتبلور وتعكس أحد أبرز عناوين المرحلة، متمثلا في التراجع المريع الذي منيت به المدينة العربية و”النجاح” البائن الذي أصابه الريف العربي بتمكنه من غزو المدينة والزحف عليها بجسارة وفظاظة وغلظة والشروع في عملية ترييفها بكل قيمه وثقافاته المتأخرة عن ثقافة المدينة.
 
بهذا المعنى فإن أكوام قمامة بيروت ومدن وبلدات جبل لبنان المتكدسة أمام نزل قاطنيها، وهي من المناطق السكنية الأكثر كثافة سكانيا (للتذكير فقط بأنه في عام 2011 كانت قرى مدينة صيدا الساحلية الجنوبية على موعد مع أزمة النفايات والقمامة)، ليست سوى مظهر واحد من مظاهر صديد الجسد اللبناني العليل، والتي نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ،أزمة الانقطاع الدائم للتيار الكهربائي وأزمة المرتبات، وهي كما تلاحظون تتصل بأساسيات الحياة اليومية للناس. وزير السياحة السابق فادي عبود علَّق على أزمة النفايات الحالية في مقال وزعه على وسائل الاعلام بالقول “إن انعدام الحلول لمشكلة النفايات في لبنان مرتبط ارتباطا مباشرا بلعبة المصالح”. أي بكلمات أخرى بتهتك النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. والمضحك المبكي أن يتقاذف فريقي الاحتراب مسؤولية ما آلت اليه الأوضاع في البلاد وصولا الى القمامة!
 
حرر في: 11 سبتمبر 2015

اقرأ المزيد

يوسف عبدالله يتيم والنقد الأدبي مخابرات الجماعة!


في الشهر الماضي غيب الموت أحد مناضلي هذه الارض المحامي يوسف عبدالله يتيم، كان للفقيد نشاط واضح في الترجمة والنقد الادبي وتحديداً في ثمانينات القرن الماضي. كانت مساهماته تنبض بالجدية والعمق والالتزام بالثقافة المستنيرة، وكانت البحرين عشقه الكبير، كان مثقفاً مشدوداً نحو التحديث والمساواة امام القانون والتعدد والحريات والتقدم.

في هذه المساحة لا يمكننا أن ندخل في تفاصيل مساهماته النقدية للحركة الأدبية في البحرين التي اعتمد فيها أدوات المنهج العلمي وكذلك مساهماته في تحليل ونقد الاجتهادات النقدية المتباينة في تلك الفترة، ولكن من الضروري ان نسلط الضوء على بعض ما يراه يتيم من مشكلات النقد الأدبي في البحرين وهو ما حدا به الى طرح السؤال التالي: كيف السبيل الى تجاوز صمت النقد ومواكبة تطورات الحركة الادبية؟ (صفحة ثقافة وفن اخبار الخليج 1996).

واذا انتقلنا الى صلب الموضوع باشارات ودلالات عميقة لم تتجاوز الواقع نجد أن يتيم تمكن من تحديد المشكلة وتشخيصها وفق رؤية نقدية لكتابات نقدية حول الادب المحلي الجديد (في الشعر والقصة والرواية والمسرح) ومع ذلك يعتقد ان تلك الاجتهادات لم تتبلور او يتشكل فيها تيار نقدي ادبي واضح المعالم بالمعنى الدقيق للكلمة.. وبالتالي كان يقول ” من الطبيعي جداً والحال هذه ان ينتشر في الوسط الادبي (سواء في اوساط الادباء ام في وسط جمهور قراء الادب) ما يمكن أن نسميه بالنقد الانطباعي وهو النقد الذي ترك بصمات واضحة على النقد المدرسي الاكاديمي في مرحلة لاحقة “. 
من هذه المراجعة النقدية الأدبية يرى مع تطور الحركة الادبية البحرينية في السبعينات والثمانينات بعد تعدد وتنوع مصادر الثقافة الادبية واحتدام الصراع الفكري والايديولوجي بين تياري التحديث الأساسيين في حركتنا الأدبية (التيار الواقعي والتيار الشكلي) وبفعل تباين مصادر الثقافة، طفحت الى سطح حركتنا الأدبية ما يمكن ان نطلق عليه إرهاصات النقد الايديولوجي.

وفي تقديره لقد تزاوجت واختلطت كما تباينت وتصارعت الاجتهادات النقدية الثلاثة السالفة الذكر (النقد الانطباعي والنقد الأكاديمي والنقد الايديولوجي) بحيث غدا من المتعذر الفصل بينها او توحيدها بسبب تداخلها وتشابك رؤيتها من جهة وتباين وتعارض طروحتها الادبية والفكرية من جهة اخرى.

ومن هذا يصل الى تصور أن معظم الطروحات النقدية في حركتنا النقدية تأثرت الى حد ما بالمدارس النقدية العربية والعالمية سواء بطريقة القراءة الذاتية والتثقيف الذاتي أم بواسطة الدراسة الاكاديمية وغالباً ما تم توظيف تلك الطروحات بغية التأكد على صحة مفاهيم فكرية وايديولوجية معينة ونفي او استبعاد مفاهيم ومقولات فكرية اخرى تتعارض مع الاولى أو تتناقض معها.

وبذلك وفي رأيه أصبح النقد الادبي غلافاً للصراع الفكري وقناعاً له وتم اقحام النتاج الادبي المحلي في حلبة الصراع الفكري.

ومع كل هذا يقول لقد أثمرت الافكار النقدية المتباينة في حركتنا الادبية في خلق مناخ ادبي عام قوامه التعددية الفكرية والادبية واقصاء التفكير الاحادي الجامد او على الاقل الحد من سطوته.

ويصل ايضاً الى ان احد الاسباب الجوهرية لعدم تبلور اتجاه نقدي محدد المعالم في حركتنا الأدبية الجديدة يكمن في انقطاع الكتاب النقاد عن الكتابة النقدية (سواء التنظيرية ام التطبيقية) لفترات زمنية طويلة، بحيث أصبح كم كبير من النتاج الابداعي المحلي دون متابعة نقدية جادة الا في احوال قليلة عندما يقوم بعض الكتاب بعملية المتابعة في الصفحات الثقافية وهي متابعات تقتضيها طبيعة العمل الصحفي ذاته. ومما يضاعف من أزمة غياب النقد الادبي المنهجي، ندرة الكتاب من النقاد الاكاديميين المختصين في حقل النقد الادبي، وكذلك قلة اعمال تعريب وترجمة الكتابات النقدية الأجنبية في منطقتنا قياساً بالاعمال المترجمة في المغرب العربي ومصر وسوريا ولبنان.

وبالتالي كان على قناعة راسخة بان الحركة الأدبية الجديدة في البحرين. وبعد ان قطعت شوطاً طويلاً في ممارسة فعل الابداع الادبي والفني (القصة والرواية والمسرح والفنون التشكيلة) أصبحت بحاجة اليوم الى التحريض على الإبداع النقدي الجديد، وان اول خطوة ينبغي ان نخطوها نحو البحث عن طرائق نقدية جديدة. وهي البدء بخلخلة منظومة الافكار النقدية السائدة بقراءة النتاج النقدي او الكتابات النقدية حول الأدب المحلي قراءة نقدية فاحصة بجانب مطالعة النتاج الابداعي موضوع النقد بقصد استكشاف واستنباط الاضاءات النقدية الايجابية وتجاوز مظاهرها السلبية ومواطن قصورها. ويضيف الى ذلك ان المعضلة الاساسية التي ستواجه النقد الجديد تتمثل في كيفية خلق ذهنية نقدية لدى قارئ الأدب او بمعنى آخر خلق القارئ ــ الناقد بدلاً من القارئ المتلقي السلبي!

وفي اطار الحركة النقدية الجديدة التي يدعو يتيم الى تشكيلها على اسس تنويرية تحديثية في الفكر والأدب والفن يحمل كاحد الاسباب المسؤولية مناهج مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا التي لاتزال تعتمد على الطرق والأساليب التقليدية الشائخة التي أغفلت تنمية ملكة النقد والتفكير الابداعي الحر واعتمدت أساليب الوعظ والارشاد والحفظ عن ظهر قلب، وبذلك تم تغيب حرية التفكير الخلاق ناهيك عن حرية الاكتشاف والابتكار والوعي النقدي الأمر الذي تمخض عنه جيل انطفأت فيه جذوة النقد والجدل!.
 
 صحيفة الأيام -  5 سبتمبر 2015

اقرأ المزيد

مرايا النفس .. مرايا الآخر


في الحياة مجموعة من المرايا، فأنت لا تكاد تنهض من سريرك صباحاً حتى تواجهك مرآة الحمام. صورتك في المرآة صورة لنومك البارحة. إن نمت سعيداً مرتاحاً فستجد ملامح النضارة والتورد على وجهك، وإن نمت تعيساً مرهقاً ستطالعك الظلال السوداء تحت جفني العينين وشحوب الوجه وسوء المزاج.

قبل أن تخرج من بيتك ستلقي نظرةً أخيرةً على هندامك في مرآة أخرى بجوار الباب، قبل أن تجد نفسك أمام مقود سيارتك محاصراً بسلسلة من المرايا، واحدة أمام عينيك مباشرة وثانية على يمينك وثالثة على يسارك، كأنها تريد تذكيرك بأن مساحة أو دائرة رؤيتك محدودة، وأنه لا سبيل لك للذهاب بدونها.

وأذكر أني قرأت تحقيقاً صحفياً منذ سنوات في إحدى المجلات عما تحتويه الحقيبة اليدوية للمرأة، وأن النساء اللواتي شملهن التحقيق كشفن عن تفاصيل لا تخلو من الاختلاف في محتويات حقيبة كل منهن، لكن الجميع أجمعن على وجود مرآة صغيرة، لأن المرأة تريد التيقن بين فترة وأخرى من أناقتها.

هذه نماذج من المرايا في معناها المباشر. هناك مرايا أخرى مجازية إن جاز القول. فنحن مثلاً نسمع أو نقرأ أن الأدب أو الفن مرآة الواقع، أو أن المسرح مرآة الإنسان. حتى التلفزيون هو مرآة أخرى نرى فيها أشياء من حياتنا ومن سلوكنا. وفي الفكر والسياسة هناك مرايا، البعض يجد في الماضي المجيد مرآته، والبعض الآخر يجد الغرب مرآة له.

وقد يحدث أن تجد مرآتك في شخص آخر قريب إليك وعزيز على قلبك. بعض الآراء تقول أن القلوب تتآلف إذا كان أصحابها متنافرين في الطباع، لا أظن أن ذلك صحيح، فما يشدك إلى من تُحب هو القربى الروحية والعاطفية والوجدانية التي تكاد توحدك فيه كأنكما روحان في جسد واحد.

يقال أن الإنسان اهتدى للمرآة أول مرة حين أبصر وجهه على سطح ماء شفاف. وتتحدث الأسطورة القديمة عن الفتى الجميل: نرجس المهووس بجمال صورته حيث كان يستهويه التحديق ساعات طويلة في صورته المعكوسة على سطح الماء. أمثال نرجس هذا كثيرون للأسف الشديد في الحياة، ممن يظنون أنفسهم قرناء الكمال والصواب والجمال، لذا تتفشى أشكال الزيف والمظاهر الخادعة الكذابة.

لكن للكاتب المغربي الراحل محمد شكري نظرة أخرى، فهو يرى أن «من اخترع المرآة ليس ضروريا أن يكون نرجسياً، ربما اخترعها ليتشفى من الذين يتهربون من رؤية وجوههم فيها. إذا كانت المرايا تُسوركم، فأين ستولون وجوهكم، هذا إذا لم تكن المرآة قد اخترعت نفسها لنفسها».

ويحضرني نص بليغ للشاعر مريد البرغوثي عن والٍ حذرته عرافة شيطانية من الموت إن هو لم يستشر الرعية في أمور الولاية. خوفاً من الموت دعا الوالي وجهاء وأعيان القوم للمشورة، انتظر الرجال بفارغ الصبر دخول الوالي عليهم حيث اجتمعوا، ولما وصل أخرج مرآة من جيبه، وحدق بإعجاب في صورته ثم سأل الصورة المشورة، ولما أجابت شكرها، وكسرها “مخافة أن يعودها على حق الكلام”!

في الحياة ثمة نماذج كثيرة من هذا المعدن الذين يحيطون أنفسهم بمرايا متقابلة لا تعكس سوى صورهم، أينما ولّوا شطرهم لا يبصرون سوى ذواتهم منعكسة في تلك المرايا، فيختزلون العالم في نسخ متكررة من صورهم، يظنونها هي العالم ذاته، أو على الأقل هي المحيط، والنتيجة البائسة لمثل هذا الوهم أنه لا يمكنهم أن يسمعوا رأياً مغايراً، ولا فكرة نقيضة، فيحصرون أنفسهم في دائرة ضيقة لا تتسع لأكثر من أحجام أجسامهم وحدهم.

وبالقطع، فإنه كلما ازدادت مسؤولية ومهام الواحد من هؤلاء، ازدادت خطورة هذا النوع من التمترس حول الذات، لأن على عاتقه يقع اتخاذ قرارات لا تهمه وحده، وإنما تهم طائفة تضيق أو تتسع من الناس، لتشكل في بعض الحالات شعباً بكامله، والراهن العربي حافل بهذا النوع من النماذج التي قد تتخذ في لحظات قرارات مصيرية كشن حرب مثلاً أو الدخول في مغامرات غير محسوبة، من دون أن يكون باستطاعة أحد أن يقول لهم رأياً مخالفاً، ليس لأن ذلك ممنوع فحسب، وإنما عالي الضريبة.

مأساة المرايا المتقابلة أيضاً تبرز في نوع من النرجسية العالية لدى نمط من البشر، خاصة أولئك من ذوي العلاقة بالثقافة والأدب والنقد، حيث تصل درجة الانبهار بالنفس حالة مرضية من التضخم تجعل الواحد منهم لا يرى سوى صورته، وقد يبلغ به الأمر ذلك المدى الذي وصل إليه نرجس في الأسطورة الذي كان يمضي الأوقات وهو يتأمل صورته، غير قادر على رؤية ما في العالم من مصادر فتنة وجمال وتنوع خارج صورته التي بدت له جميلة وهي منعكسة على صفحة الماء.

يكفي المرء أن يحدق في مرآة واحدة إذا كان ذلك ضرورياً له، فهذه المرآة ستكون مثبتة بالضرورة أمام عينيه، فما أن يحرك بصره عنها حتى يرى مشاهد أخرى غير صورته، أما أن يحيط نفسه بالمرايا من جميع الجهات، فإنه قد يندفع نحو الجنون، ولكن ليس ذلك الجنون الذي كانت أمهاتنا يحذرننا منه، إنما هو الجنون الذي يقود إلى الخراب، وفي أحسن الحالات إلى العاهات البشرية التي تعيش بيننا.

يمكن أن نوسع نطاق النقاش قليلاً، لنلاحظ، على سبيل المثال، كثرة الندوات والمؤتمرات التي يجلس فيها العرب ليناقشوا العرب، أو المسلمون ليناقشوا المسلمين عن علاقتهم بالغرب، والعكس صحيح أيضاً، فما أكثر ما يجلس الساسة والأكاديميون الغربيون لمناقشة علاقتهم بالعالمين العربي والإسلامي، ومن النادر أن يجتمع ممثلو الفريقين ليرى كل منهم نفسه في مرآة الآخر. ونادرة هي المرات التي كُسر فيها هذا التقليد، بينها ندوة نظمتها منذ سنوات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة لمناقشة العلاقة الملتبسة بين الغرب والعالم الإسلامي، حيث جلس على الطاولة نفسها مثقفون عرب ومثقفون غربيون ليبحثوا هذا السؤال الشائك: لماذا يكره المسلمون الغرب ولماذا يكره الغرب العالم الإسلامي، خاصة أن الطرفين، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ ايلول اكتشفا حجم الكراهية التي يحملها الآخر له، وبات السؤال المطروح على هذا الطرف أو ذاك: لماذا يكرهني إلى هذا الحد؟

وإذا كان الجميع يتفق على وجود صورة مشوهة للإسلام في الإعلام الغربي ولدى الرأي العام هناك، إلا أن التباينات تظهر عند تشخيص أسباب هذا التشويه، فرئيس تحرير خدمة «لوس انجلوس تايمز» يتوقف أمام ما يدعوه تعددية الإسلام في مقابل تعددية الغرب، أي أن للإسلام في الغرب أكثر من صورة، مثلما للغرب صور متعددة في مرايا الشرق، وانه نفسه كصحافي وثيق الصلة بالأحداث الدولية لا يملك معلومات عن الإسلام إلا ما ينقله الصحفيون والساسة المسلمون أنفسهم، لذا فإنه يدعو المسلمين إلى أن يشرحوا ماهية الإسلام: “على المسلمين، والكلام له، أن يتوصلوا إلى حل لإشكاليات كثيرة داخلية، قبل أن يطالبونا بصورة أكثر توازنا». ويلفت الرجل النظر إلى نقطة جوهرية شديدة الأهمية حين يدعو إلى فهم آلية الإعلام الأمريكي، حيث تهيمن الصورة في مجتمع يعيش عصر ما بعد الكتابة، أصبحت فيه هذه الصورة عماد الرسالة الإعلامية.

يمكن تبين بعض الفروقات بين الآراء الواردة من أوروبا وتلك الآتية من الولايات المتحدة. أحد الإعلاميين الإسبان تساءل مرة: كيف يمكن للصحفي الأجنبي أن يغطي أحداث العالمين الإسلامي والعربي، وهي مجتمعات شبه مغلقة أمامه؟ ملاحظا أن الإشارة إلى الآخر بصفته عدوا تؤدي إلى تكريس هذه الفكرة وغرس عداء حقيقيا.

وما دام الأمر يتصل بصحافي من اسبانيا، فإنه تجدر الإشارة إلى الشهادة التي قدمها محمد المساري، وزير الإعلام المغربي السابق عن صورة الإسلام في الصحافة الاسبانية، ملاحظا وجود ثنائية واضحة في هذه الصورة، لكن الأصوات المعتدلة المتعاطفة مع العالم الإسلامي تختفي عندما يتصل الأمر بالقضايا الساخنة أو الحاسمة. ولكن يبقى أن الكثير من المراقبين يلاحظون، عند المقارنة بين الإعلام الأمريكي ونظيره الأوروبي، أن هذا الأخير يضم أصواتا أكثر موضوعية بالقياس إلى الأول الذي يتسم بالتحيز الواضح ضد العالمين الإسلامي والأوروبي، على حد سواء.

ولن يكون كافيا الاستمرار في إلقاء اللوم على وسائل الإعلام الغربية، فنحن أيضا مطالبون برؤية نقدية لأداء الإعلام العربي، وإلى ضرورة الاعتراف بقصور خطابنا الإعلامي، وأهمية صناعة صورة بديلة جديدة، خاصة مع الإقبال الكبير في الغرب على الكتابات التي تتحدث عن الإسلام في المرحلة الراهنة. بل إن بعض المفكرين يدعون اليوم إلى ما يسمونه “الاستغراب” كمقابل مفهومي ومعرفي للاستشراق، من أجل معرفة الآخر الغربي، وهو “استغراب” يجب أن يكون منفتحا على حقائق العصر، دون أن يعني ذلك، في حال من الأحوال، نفي قصور الاستشراق، هو الآخر، عن تجاوز صورته النمطية عن هذا الشرق، وبخاصة في جزئه العربي  الإسلامي.
 
 
حرر في: 8 سبتمبر 2015

اقرأ المزيد

قصة قلوب ” مليانة “..!!


 
“طلعت ريحتكم”.. «بدنا نحاسب».. «بدنا نعيش» .. «بدنا حقوقنا».. شعارات تبناها مواطنون كثر، وقطاعات عريضة من قوى المجتمع المدني في لبنان، في تحرك شعبي غير مسبوق، وفي مشهد توحد فيه الجميع وتحت العلم اللبناني، لم تعد قضيتهم محصورة في ملف النفايات، او مطلب من مطالب الحياة المعيشية، بل باتت القضية ضد واقع ينخره الفساد، وضد الفقر، والحرمان، وضد طبقة من السياسيين اصبح عبؤها على الناس ثقيلاً، طبقة «عشعشت» في مواقعها، ومنابرها، تتلون في الشكل والمضمون برايات الاحزاب والزعامات والمصالح والحركات السياسية والطائفية، لم تفهم التغيير، بل وقفت ضده، اختلقت أزمات تلو أزمات، جعلتها أزمات مفتوحة يمدد لها حتى إشعار آخر، والحسابات والألاعيب والمحصلات والإملاءات طائفية ومذهبية ومصلحية بالمقام الاول تفرض من الداخل او الخارج، وكأن ثمة من يدفع الى الإغراق في الفساد، والصراعات الداخلية والمناوشات الطائفية والمذهبية، وبوجه عام الى وضع لا يطاق..!! 

الحملات التي نظمت، والشعارات التي رفعت، والكاريكاتورات التى رسمت، والتعليقات في وسائل التواصل الاجتماعي في الصحافة الورقية والإلكترونية، في التعليقات الساخرة، في أحاديث الناس، كلها استخدمت كلمة «النفايات» و«الزبالة» كمدخل لما يعتلج لدى أناس أرادوا ان يعيشوا، يعيشوا بكرامة، قلوبهم «مليانة» من قهر وفقر وبطالة واوجاع، واستياء وغضب لواقع مأزوم، ولحياة سياسية مكبلة بشكل فاقع، ولأزمات مستفحلة دون علاج، ولتطلعات وأحلام طمرتها أطنان من الانقسامات والمنازلات والتوازنات والاجندات والمساكنات القسرية، والمواقف المتخابثة، والمواربات، وشرك الشروط والشروط المضادة، وشارع مطيف سياسياً او مسيس طائفياً، كل ذلك عطل شؤون الدولة، وصرف النظر عن هموم الناس وما اكثرها، وحول كل شأن وطني الى شأن طائفي، والسبب تجار السياسة ومدعي الوطنية وأرباب الفساد وحماة الفاسدين.. هؤلاء الذين بات كل همهم ان يكون الناس محكومين بنظام طائفي مؤبد، يؤبد معه الفساد، ولذلك ليس غريباً ان يندفع هؤلاء بتلقائية، لم تحركهم جهة او سفارة او حزب او غريزة طائفية، لذلك أرعبوا واربكوا الطبقة السياسية وزعماء الطوائف، ولم يكن غريباً او مفاجئاً ان نشهد من ظهر لنا في صورة الداعين الى علاج الطائفية، ولكننا نكتشف بانها دعوة تحمل في ثناياها المزيد من الطائفية ! 

ما يحدث فى لبنان، وجدناه يحدث فى العراق، وربما فى بلدان عربية اخرى، في الأولى على خلفية روائح النفايات، وفي الثانية على خلفية انقطاع الكهرباء، والدوافع والمطالب والشعارات ذاتها تقريباً، والمحور هو الفساد الذي غمر بحنانه وعطفه وبطرق واساليب متقاربة ومتشابهة قطاعا واسعا من السياسيين الفاسدين والمتعطشين الى المناصب والمكاسب والساعين الى المزيد منها، وزارعي الفتن المنتشرين في كل الربوع، والذين ظهر منهم هنا وهناك من بات لا هم له الا ان يغرس شوكة في خاصرة التحرك الشعبي العفوي وتشويه صورته، هؤلاء فضائحهم لم تعد محصورة في الكواليس، باتوا يرتكبونها بكل جسارة وشجاعة، لا يهمهم برلمان يفترض انه يراقب ويسائل لأنه جزء من منظومة تلك التركيبة المهترئة، او أحزاب يعول عليها لأنها أحزاب طائفية، بل مذهبية، عاجزة ان تتحول الى أحزاب وطنية، ولا تعنيهم أجهزة رقابية لأنهم جعلوا وجودها كعدمه، ولا مؤسسات مجتمع مدني لانهم كبلوها وقيدوها وجعلوها او جعلوا معظمها على الأقل منخرطة فى منزلقات التفتت، او كيانات تمثل طوائف حتى وان بدت محاولة «لملمة» حصاد ما، فانه بالنهاية حصاد يرجعها الى بيت الطاعة عن سابق تصور وتصميم..!!، ولكن يبقى الجانب المثير للدهشة هنا وهناك، هو مشهد الحشود التي تجمع كل تلاوين المجتمع، والمناطق، والفئات، والأطياف، والطبقات، ذابت فجأة كل انقساماتها الطائفية الحادة، سقطت تحت وطأة المعاناة، والانتهاك المزمن لحقوق الانسان، والعدالة الاجتماعية، وقصور طبقات سياسية مترهلة وفاسدة، انه حدث ليس عابراً، او عادياً خاصة وسط ظروف المنطقة الراهنة.

الكلام والحديث والتحليل يؤدي ضمن ما يؤدي الى خلاصة جوهرية لا يمكن ان تخفى على ذوي الفطنة والبصيرة، وهي ان الطائفية فساد، فساد له مبرراته عند الطائفيين وأربابهم، هؤلاء هم الذين جعلوا كل أمر وشأن ومصلحة متماشية مع قيم الطوائفيات المستأذبة، وهي القيم التى تجعل الديمقراطية لا قيمة لها، او في احسن الاحوال تحول الديمقراطية أداة لادارة الفساد او التفرج عليه او البحث عنه، او تتحدث عن فساد ولكن من دون فاسدين، ولذا لا يمكن للطائفي ان يكون ديمقراطياً، هو يمارس نوعاً من انواع العنصرية التى لا تحترم إنسانية الانسان، تربط كل شيء بانتماء الانسان الديني والطائفي والمذهبي، واصله وفصله وحسبه ونسبه، كما ان هذه القيم هي التي تحشد الرأي العام الطائفي لحماية فاسدين والدفاع عنهم، او تجعل الطائفية نتاج منافع ومصالح ومكاسب لفاسدين يدافعون عنها، ويجعلونها مأوى او عرشاً، بقدر ما تجعل رجال دين وأصحاب منابر يحصرون مطالبهم بتأمين حصتهم الطائفية من مراكز ومواقع ومكاسب، تبرم الصفقات المشبوهة، او على الأقل تصمت عن ارتكابات حاشيتها والمحسوبين عليها والمنتمين الى ملتها، المحاصصات الطائفية كمثال ليس الا، تجعل كل فاسد يأخذ حصته من حصيلة الفساد ويتصرف بها، الطائفة تحمى مفسديها، والمنتفعين منها.. انهم يجعلون الفساد تبيضاً للطائفية، تماماً كما يفعل غاسلوا الاموال، كلاهما الفساد والطائفية، مطية للآخر، يكملان بعضهما البعض، في الفكر والتطبيق، في السياسة والمنطق، في اساس البناء، فى المقاول والمقاول من الباطن والمتعهد، فى كل شيء، الأخلاق في قفص اتهام ومرجعية الثواب والعقاب وشعارات النزاهة وما الى ذلك لا تخرج عن كونها مجرد كلام مراوغ متكرر يحتاج الى قدر كبير من المصداقية لا يضمن وجودها، كلام يعجز عن الاضطلاع بمهمة النهوض بالواقع.

نحتاج في بلداننا العربية، الى ثورة ضد هذا الخزان والمخزون السخي من الفساد، وحرب على الطائفية السياسية والدينية، ومواجهة خطاب الكراهية، بالتوازي مع الحرب على الإرهاب، حتى ننجح فى دحره، وهذه هى معركتنا الكبرى حتى آخر الضمير..!
 



حرر في: 8 سبتمبر 2015

اقرأ المزيد

المنفى الداخلي


بالكاد كان فرانز فانون في السابعة والعشرين من عمره حين وضع كتابه المهم والمُلهم: «بشرة سوداء وأقنعة بيضاء»، فالشاب الآتي من مورتينيك سيكتشف بشرته السمراء في فرنسا التي ولّدت لديه شعوراً بالغربة في مجتمع أبيض.
 
سيتعزز هذا الشعور لديه فيما بعد أثناء عمله في الجزائر مديراً لمستشفى الأمراض العقلية مدة نضال حركة التحرر الوطني الجزائرية من أجل الاستقلال ، ما حمله على الاستقالة من منصبه، حين شعر بأن المعاملة المختلفة له كونه آتياً من الكاريبي نموذج لمعاملة ذوي البشرة السمراء مثله، فاستنتج أن الأمراض النفسية التي يعانيها مرضاه الجزائريون آتية من معاملة المستعمر لهم.

كان المستعمرون يتصرفون على أنهم حاملو هوية أرقى من هوية أبناء الشعب الذي يستعمرونه. ساعتها وجد فانون أن موقعه الطبيعي هو مع المناضلين الجزائريين لا مع المستعمرين الفرنسيين، حيث وضع كتابه المهم الآخر: «المعذبون في الأرض».

سيغدو «بشرة سوداء وأقنعة بيضاء» مرجعاً تتجدد الحاجة إليه عبر الزمن، حيث عاد مجدداً إلى الصدارة بفعل تنامي الاهتمام بدراسات ما بعد الكولونيالية. وسيكون لافتاً أن مفكراً آخر آتياً من العالم النامي هو إدوارد سعيد هو من أبرز من أعادوا لفت الأنظار إلى دراسات فرانز فانون.

وجد إدوارد سعيد أمراً مشابهاً لسيرته في سيرة فانون، فهو الآخر آت من بيئة شرقية ليعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، ويدرك المعاناة الناجمة عن وقوف المرء على تخوم أكثر من هوية، ما ينجم عنه نتائج متضادة، فمن جهة يكون هذا الموقع مصدر ثراء للشخصية، لتعدد المصادر الثقافية واللغوية التي لا تتوفر لمن يولدون بهوية واحدة، ومن جهة أخرى يمكن لذلك أن يكون مصدر شعور بالمنفى الداخلي، حين يشعر متعددو أو ثنائيو الهوية بالغربة إزاء بيئة المجتمعات الآتين منها، كونهم انفصلوا، فيزيائياً، عنها، وبيئة المجتمعات الآتين إليها كونهم يحملون بشرة أو ملامح مختلفة، أو تكويناً ثقافياً مغايراً.

وللسبب نفسه، ليس غريباً اهتمام إدوارد سعيد بحياة عالم النفس الشهير فرويد، حيث كان يلقي كل سنة كلمة في المتحف الذي يحمل اسمه في فيينا وعنه كتب كتابه المهم «فرويد وغير الأوروبيين»، فهو هاجر إلى بريطانيا بعد استيلاء النازية على موطنه النمسا ما جعله يجرب فكرة المنفى في معناها المباشر، ليضاف إلى شعوره، قبل ذلك، بالمنفى الداخلي وهو في النمسا كونه يتحدر من أقلية.
 
حرر في: 10/09/2015

اقرأ المزيد

موهبة الوضوح


في أوائل الستينات من القرن الماضي تلقى الدكتور فؤاد زكريا رسالةً من صاحب مجلة «الآداب» الدكتور سهيل إدريس يطلب منه كتابة مقال تقييمي لمواد العدد السابق من المجلة، وهو تقليد حميد دأبت عليه الدوريات الثقافية والأدبية الرصينة في ذلك الزمن المضيء، يوم كانت الساحة الثقافية تضج بالسجالات الثرية والخلاقة.
 
كان من بين ما استوقف فؤاد زكريا مقال للكاتب مطاع صفدي رأى فيه نموذجاً صارخاً لما يصفه زكريا بالكتابة المعقدة، وأصبح السؤال الذي يشغله بعد قراءة ذاك المقال: هل هذا التعقيد متعمد أم هو أمر تفرضه طبيعة الموضوع الذي يعالجه؟ ولكي يقدم لنفسه إجابة مقنعة عن هذا السؤال قرر أن «يكسر دماغه» كما قال كي يفهم ولو جزءاً من المقال.

وبالفعل أجهد فؤاد زكريا ذهنه إجهاداً شديداً من أجل فهم ما يريد الكاتب قوله في الصفحة الأولى للمقال، ولكي يقتنع بأن الغموض فيه متعمد قام ب «ترجمة» ما فهمه من هذه الصفحة إلى اللغة الواضحة، أي أعاد كتابته بالكلمات التي يكتب بها ويتكلمها عباد الله المساكين.

لم يكتف فؤاد زكريا يومها بهذه الرسالة، وإنما أرسل عن طريق المجلة رسالة إلى مطاع صفدي أرفقها ب«ترجمته» للصفحة الأولى إلى اللغة الواضحة التي اعتقد أنها كافية لتوصيل كل ما كان يعنيه إلى القارئ بطريقة أقل غموضاً. وسأله في الرسالة: «ألم يكن من الممكن أن تكتب هذه الصفحة بالطريقة الواضحة التي كتبتها بها؟ وهل نقص في صياغتي لها شيء مما كنت تريد التعبير عنه؟».

لم يغضب صفدي من رسالة فؤاد زكريا، بل إنه ردَّ عليه رداً مُهذباً قال فيه إنه يقدر وجهة نظره ويستوعبها جيداً، ولكن زكريا ذكر بعد مرور نحو أربعين سنة على هذه الواقعة أن مطاع صفدي لم يستوعب وجهة نظره بالقدر الكافي ولم يستخلص منها العبرة، لأنه ظلَّ من النوع الذي يتعمد الغموض ويتخذ منه ساتراً يحجب عنه انتقادات القراء أو يوهمهم بأن هناك شيئاً شديد العمق من وراء هذه التركيبات المعقدة والعبارات والألفاظ الثقيلة.

ما قاله فؤاد زكريا صحيح، وينطبق على كثيرين غير الكاتب الذي ضرب به المثل، وبوسعي الإضافة هنا أن وضوح الكتابة هو موهبة لا تتوفر للكثيرين، وهي ليست نقيض العمق وليست قرينة التبسيط والضحالة، ومن هنا تحدثت العرب عن السهل الممتنع.
 
 
حرر في: 09/09/2015

اقرأ المزيد

البرجوازية الراسمالية ليس لها اصدقاء في صفوف الطبقة العاملة


من خلال تزويد انفسنا بثقافة المعرفة الخلاقة من نبع الفكر الماركسي اللينيني على مدار عقود من الزمن وتجربتنا الحزبية و الوطنية, واصول الحركة العمالية و النقابية و الشيوعية,  قد استقينا من الفهم الكثير وعرفنا كيف  حاربت البرجوازية الراسمالية الافكار الماركسية مع بداية ظهورها في اوروبا على يد العظماء المؤسسين لها ماركس, و انجلز, وقد اعتبرت البرجوازية الراسمالية ان الافكار الماركسية و الشيوعية مصدر الخطر الحقيقي على المصالح للطبقة الراسمالية في العالم, ذلك بعد ان تبين لهم جليا ان هناك الطبقة العاملة المناهضة لسياساتهم والتي قد تكونت من رحم المصانع التي يمتلكونها, وان هذه الطبقة حسب التعاليم الماركسية هي القادرة على مقارعة الطبقة الراسمالية في ظل ديمومة الصراع الطبقي.
 
اما ما قد حصلت عليه الطبقة العاملة من حقوق معيشية و نقابية و اجتماعية, فهي  قد انتزعت بقوة النضال المستمر للطبقة العاملة وحلفائها من الكادحين, ذلك عبر عقود من النضال قد استبسل فيها عناصر من الكوادر العمالية و النقابية معظمها في صفوف الاحزاب الشيوعية و المنظمات الماركسية, ثم قد استبسلت هذه الكوادر نتيجة حتمية لوعيها الطبقي وتغلغلها في صفوف الحركة العمالية, و النقابية, وقد قدمت هذه الكوادر جل التضحيات الجسام في كل القارات وعلى مراحل مختلفه تحت شعار “يا عمال العالم ويا ايتها الشعوب المضطهدة اتحدوا ولن تخسروا الا القيود”.
 
 لقد احدثت النظرية الماركسية التي اسس لها ماركس وانجلز انفجار رهيب هائل في مسالة المفاهيم و الاسس للعلوم السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية, وقد اصبحت الماركسية النقيض لما يطرح من قبل منظروا البرجوازية في مسالة تفسير الحياة ومقومات الحياة, خصوصا في مسالة الافكار عندما حصل النقيض المؤكد بين النظرية العلمية في تفسير الكون و الحياة, وبين النظرية الميتفازيقية ذات الاوجه الخيالية.
 
والاهم هو انه قد طور العالمان الكبيران ماركس وانجلز اسس المفهوم للنضال الطبقي من خلال النظرية الماركسية التي طورت في القوانين  و المعرفة الانسانية وكشفت الحقائق وعرت المفاهيم الرجعية و طرق الاستغلال لجذور النظام الراسمالي العالمي,  كل ذلك من خلال اكتشاف القوانين لتطور المجتمعات البشرية مع تحديد اسلوب الانتاج لكل تشكيله ومن هي القوى المنتجة في صلب التشكيلات الاجتماعية.
 
لقد وصف الفيلسوف و الملهم لثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى في روسيا عام 1917 فلاديمير  لينين وهو المطور للفكر الماركسي, قال ان التشكيلات الاجتماعية و الاقتصادية يشكلان تكوين اجتماعي خاص وذو قوانين خاصة متعلقة بالبشرية, وهي التي تصون الانتقال المستمر من تشكيلة الى اخرى وتعتبر كل تشكيلة جديدة هي الاعلى للمجتمعات البشرية, الا ان التشكيلات القديمة لا يمكن ان تستسلم بسهولة لطوفان التغيير لان فيه تقام ازاحة طبقة سياسية واقتصادية واحلال محلها طبقة اخرى جديدة تماماُ.
 
وهنا و منذ ان حدد الفكر الماركسي اسس التغيير من الراسمالية الى الاشتراكية, ثم قد اوعز فيها  المهام من اجل التغيير الى الطبقة العاملة وقد حصر ذلك في مفهوم الصراع الطبقي بين المستغلين و المستغلون.
 
وقد اصبح منذ تلك الفترة التاريخية من نشر فكرة الصراع الطبقي انه ليس هناك للبرجوازية الراسمالية اصدقاء في صفوف الطبقة العاملة وسائر الشغيلة مادامت الراسمالية تعتمد في كسب الارباح الخيالية علي المنهج الاقتصادي المعتمد على استغلال قوة العمل في الايطار الواسع لاستغلال الانسان لاخيه الانسان.
 
“بعض الانتهازيين في صفوف العمال يحاولون التقليل من حدت  الصراع الطبقي”
لقد ابتلت الطبقة العاملة عبر مراحل نضالها  بصنوف عديدة من الانتهازيين سواء ان كانوا في صفوف الحركة العمالية او النقابية, او ذات التوجه السياسي, والذين ارتبطت مصالحهم و ارتبط مصيرهم ببقاء النظام الراسمالي و ارباب العمل, و اصحاب القرار السياسي, الا ان اهم ما في الامر هو الاستمرار لنضال الطبقة العاملة وسائر الشغيلة ضد الجشع الراسمالي, بحيث من المعروف ان البرجوازية الراسمالية تتحالف مع كل القوى التي تخدم مصالحها بجميع افكارها المذهبية و القومية و الطبقية و الاجتماعية, مادام هذه القوى تتفق في مابينها على استمرارية الاستغلال وبطرق مختلفة, و يتمثل ذلك فى التلاعب بثروات  الشعوب ونهب المال العام في ظل انظمة غارقة في الفساد المالي, ومن ثم حماية مصالحهم بقوانين تكبل الحريات و تغلظ طرق الاضطهاد و التنكيل بقوى المعارضة او الاحتجاجات و الاضرابات العمالية و الجماهيرية,  و من ثم  العمل على محاربة القوى المدنية و السياسية و الحقوقية و النقابية و العمالية التي تتحرك وتناضل من اجل فك شفرات الهيمنة للطبقة البرجوازية الحاكمة, و المهيمنة على القرار الاقتصادي و السياسي و الاجتماعي.
 
وهنا ان التناقضات المستمرة الداخلة في كيان النظام الراسمالي العالمي والذي دوما يتعرض فيها  لموجات الركود الاقتصادي او الانهيار المالي و المصرفي, ان في ظل هذه الازمات الاقتصادية تحاول الراسمالية ان تحرك الاقتصاد عن طريق خلق الازمات السياسية في العالم حتى ان تخلق لها اعداء وهميين  للحصول على المزيد من التنازلات من قبل الانظمة المختلفة  التي تسير في فلك النظام الامبريالي الذي تحركه الصهيونية العالمية.
 
الا ان مثل هذه السياسات اصبحت مكشوفة للشعوب المناضلة في العالم ضد الهيمنة للامبريالية العالمية  بالمزيد من النضال من قبل الجماهير المتضررة من سياسات الجشع للبرجوازية الراسمالية علي مستوى العالم في ظل الانحلال الاخلاقي للبرجوازية التي كانت تنادى بالحرية و المساواة منذ عهد الثورة الفرنسية وهي الان تهتم بالكلاب والقطط والخيول التي يمتلكها البرجوازي وتتوفر لها الاماكن المريحة و الاكل الطيب و العناية البيطرية’ بما ان الانسان تهتك كرامته وتسلب حقوقه ويعذب ويضطهد ويهجر من موطنه جراء حروب لصالح الراسمالية’  كل هذه حزمة من الحوافز لتطوير سبل النضال في صفوف الكادحين عن طريق المزيد من الوعي الاجتماعي والسياسي و الطبقي و الحقوقي و النقابي.
 
وقد حدد ماركس المهام لنضال الطبقة العاملة وسائر الشغيلة مؤكد ان الانتصارات التي تحققها هذه القوى لا تاتي من فراغ من تلقاء نفسها ولا تاتي هبه من خلال التضرع بل ان سقوط الانظمة الراسمالية وحلفائها قد يستغرق وقتا طويلا ويحدث الانتصار عبر النضال الثوري للقوى البشرية المحركة و الفاعلة وهذا هو دور الاحزاب والقوى اليسارية في العالم.  
 
هذا يحدث في ظل تفاقم الصراع على مستوى العالم بين الامبريالية و الشعوب المضطهدة و في المقدمة جماهير العمال و الفلاحين وسائر الشغيلة الفكرية و اليدوية, مع تلاشى دور الحياة المستقرة للطبقة الوسطى والزيادة في حجم الفقر و البطالة والهجرة والتشرد و العيش الصعب جراء غلاء المعيشة هذه نتيجة حتمية لجشع البرجوازية الراسمالية ومن يحميها من انظمة وقوى مجتمعية غارقة في الفساد, ومايحدث من تحركات شعبية في الوطن العربي ضد سياسة الانظمة الفاسدة و الدكتاتورية و الطائفية الاتباشير ونتيجة حتمية ان صبر الجماهير قد نفذ وان الكذب و الخداع و التضليل بكل الوانه بات لايجدي نفعا ان الجماهير لها الحق في الدفاع عن مصالحها و في المقدمة جماهير الطبقة العاملة وسائر الشعوب المضطهدة.
 


جواد المرخي
المنبر التقدمي
 

اقرأ المزيد

الاقتصادات الخليجية .. الى ترشيد الأداء


على مدار أربعة أعوام ونصف العام، تمتعت اقتصادات دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية  بوضع انفاقي (من خلال الموازنات العامة) مريح للغاية، كفله سعر برميل النفط الذي حلق فوق حاجز المائة دولار وسطيا، ووفر إيرادات نفطية سمحت لوزارات المالية بتصميم موازناتها على أساس إيرادات نفطية مقومة بسعر عال للبرميل لرفع سقوف مخصصات الانفاق الاستثماري والانفاق الجاري.
 
     ولكن فجأة وعلى حين غرة، دوهمت بلدان مجلس التعاون بتدهور سعر برميل النفط  وانخفاضه انخفاضا حادا ومتواتر لم يكن في حسبانها وهي التي كانت موازناتها العامة وموازنات شركات قطاعاتها البترولية على وشك إنهاء سنتها المالية وفقاً للحسابات والتقديرات الموضوعة قبل بداية العام الماضي اعتبارا بمواصلة سوق البترول الدولية استقرارها على أساس متوسط سعر برميل النفط الذي راوح حول مائة دولار. ولم يكن يدر بخلدها أنها ستفقد بضربة واحدة حوالي 50% من ايراداتها النفطية المفترضة نتيجة لهذا المستجِد السيء.
 
     وبالتأكيد سوف تتفاوت تأثيرات هذا الانهيار للأسعار على الماليات العامة للدول الخليجية وعلى أفق نموها الاقتصادي خلال العام الفائت والعام الجاري. ولعل هذا التفاوت في تقدير تأثيرات انهيار الأسعار، ناجم عن تفاوت تقديرات إيرادات الموازنات الخليجية لعام 2014 المحتسبة على أرقام متفاوتة لسعر برميل النفط. حيث قدرت دولة الكويت إيراداتها على أساس 75 دولاراً للبرميل، وقطر 65 دولاراً للبرميل، والسعودية 88 دولاراً، والبحرين 90 دولاراً، والإمارات 70 دولاراً، وسلطنة عمان 85 دولاراً.
 
     في ضوء ذلك فإن من الطبيعي أن يتم أخذ هذا المستجد الكبير في الحسبان عند تصميم الموازنات الخليجية العامة للعام الجاري 2015، وأن تكون تقديرات الايرادات التي يأتي حوالي 80% منها في المتوسط من مبيعات النفط، متحفظة بعض الشيء قياسا للأعوام الأربعة السابقة. فلقد أقر مجلس الوزراء السعودي في جلسة استثنائية، موازنة عام 2015، تضمنت إنفاق 860 مليار ريال، مقابل ايرادات متوقعة قدرها 715 مليار ريال، بانخفاض 135 مليارًا مقارنة بتوقعات موازنة عام 2014 البالغة 855 مليارًا. وتتضمن موازنة 2015 عجزًا تقديريًا مقداره 145 مليارًا، سيجري تمويله من فائض احتياطيات الموازنات السابقة أو عبر الاقتراض. وقد تم احتساب هذه الموازنة على سعر نفط للبرميل قوامه 75 دولاراً، وهو سعر أعلى من السعر الذي يتداول عنده النفط حاليًا والمقدر بنحو 60 دولاراً.
 
     في سلطنة عمان أصدر السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان في الحادي من يناير الماضي مرسوما سلطانيا ساميا رقم (1 /2015) بالتصديق على الميزانية العامة للدولة للسنة المالية 2015، تضمنت عجزا قدره 2.5 مليار ريال عماني، إذ بلغ حجم الانفاق فيها 14.1 مليار ريال في حين قدر حجم إيراداتها بـ 11.6 مليار ريال. مع ملاحظة أن السلطنة اختارت الرد على انحدار أسعار النفط بسياسة مالية توسعية أكثر منها تقشفية، وذلك باستهدافها نموا نسبته 5%، تعويلا على تعظيم جهودها في تنشيط قطاع السياحة واطلاق مشاريع بنية تحتية رئيسية مثل مرحلة صحارـالبريمي من مشروع سكة الحديد ، والمرحلة الأولى والثانية من طريق أدم ـ ثمريت المزدوج، ومجمع الصناعات السمكية في الدقم، ومشروع خط أنابيب المنتجات النفطية (مسقط ـ صحار)، ومشروع تطوير البنية الأساسية لرفع إنتاج الاستزراع السمكي،  وإنشاء عدد (3) فنادق (5) نجوم و(4) نجوم في محافظة مسقط، واستكمال تنفيذ مشروع مركز عُمان للمعارض والمؤتمرات، ومشاريع صناعية وسياحية وخدمية أخرى. وقد تم احتساب سعر برميل النفط في الموازنة على أساس 85 دولار ومعدل انتاج يومي للنفط قدره 990 ألف برميل.
 
     دولة الامارات العربية المتحدة اعتمدت موازنتها العامة الاتحادية لعام 2015 بإجمالي نفقات بلغ 49.1 مليار درهم (13.4 مليار دولار)، بزيادة 3 مليارات درهم عن موازنة عام 2014، سيخصص نصفها للمشروعات الانتاجية والتنمية الاجتماعية. وفي التقديرات فإن الموازنة يمكن أن تسجل فائضاً قدره 7% من الناتج المحلي الإجمالي للعام الحالي، سيتقلص طفيفا إلى 5.8% في العام المقبل، نتيجة هبوط أسعار النفط، مع العلم أن سعر التعادل اللازم لتحقيق التوازن في الموازنة هو 70 دولار للبرميل.

وستوظف استثمارات ضخمة في قطاعي النفط والغاز لزيادة انتاجها النفطي إلى 3.5 مليون برميل يومياً بحلول عام 2017. كما خصصت 25 مليار دولار لتطوير مشاريع الغاز وإنشاء شبكة على المستوى الوطني، وستنجز أبو ظبي بنهاية العام الحالي مشروع تطوير “شاه” للغاز الحمضي الذي تديره شركة الحصن للغاز بتكلفة 10 مليارات دولار، بطاقته انتاجية اوّلية تبلغ مليار قدم مكعب يومياً. ويصل اجمالي أصول الصندوق السيادي لدولة الامارات الى حوالي تريليون دولار، أو ما يعادل نحو 16 في المئة من الثروة السيادية العالمية.
 
     أما دولة الكويت فقد توقع وكيل وزارتها المالية خليفة حمادة ان يتراوح السعر الذي يتم بناءً عليه تقدير الايرادات النفطية ضمن مشروع الميزانية للسنة المالية المقبلة 2015-2016 بين 55 و 60 دولارا امريكيا للبرميل انخفاضا من سعر 75 دولارا للبرميل في ميزانية 2014-2015. وأما دولة قطرفإن موازنتها للسنة المالية الممتدة من 1 أبريل/نيسان 2014 إلى 31 مارس/آذار 2015، قد وضعت على أساس سعر برميل للنفط قدره 65 دولارا، وقد تم تمديد العمل بها حتى نهاية العام الجاري. وهو ما يعني عدم خفض النفقات تأثرا بانخفاض أسعار النفط بقصد استمرار الحكومة في تنفيذ المشاريع الرئيسية في البنية التحتية والنقل، خاصة مشاريع السكة الحديد والمشاريع الأخرى المرتبطة باستضافة كأس العالم لكرة القدم 2022. وزارة المالية بمملكة البحرين أعلنت على لسان وزير ماليتها الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة في جلسة مجلس النواب المنعقدة في 10 مارس 2015 أنها ماضية في الاقتراض لسد العجز المتوقع في الموازنة العامة المقبلة للدولة لعامي 2015-2016، مشيرة إلى أن اللجوء للاقتراض خطوة حتمية وضرورية لتلبية متطلبات الموازنة العامة.
وان رفع سقف الاقتراض من 5 مليارات دينار إلى 7 مليارات دينار أصبح، كما تقول “من المتطلبات الأساسية لتوفير مساحة كافية للحكومة لتغطية الزيادة في عجز الموازنة ومواجهة أية احتياجات تمويلية ضرورية أو طارئة للموازنة العامة للدولة عن طريق أذونات الخزانة وسندات التنمية وأدوات التمويل الإسلامية”. محذرة من أن “الإنفاق على أساس 60 دولاراً لسعر بيع برميل النفط يعني أن كثيراً من المشاريع سيتوقف. وقدرت الوزارة بأن سعر بيع النفط المطلوب لتحقيق التوازن في الموازنة سيكون عند سعر يتجاوز 140 دولاراً أميركياً في السنة المالية 2015، وذلك في حال بقاء تقديرات مصروفات الموازنة عند نفس مستوياتها في السنة المالية السابقة. وهذا يوضح الصعوبات البالغة التي سببها انهيار أسعار النفط للمالية العامة للبحرين.
 
     ويدلنا هذا الاستعراض لتوجهات السياسة المالية لدول التعاون للسنة المالية الجارية، بأن غالبيتها، بما فيها مملكة البحرين، اختارت الرد على انهيار أسعار النفط وخسارة حوالي 50% من ايرادات موازناتها العامة، بسياسة مالية توسعية وليس بسياسة تقشفية كما توقع بعض المرافبين. وهذا جيد خصوصا بالنسبة للدول التي تمتلك احتياطيات نقدية وفيرة تستطيع بها تغطية “الفاقد” في موازناتها جراء خسائر انهيار أسعار النفط. وأما الدول التي تعاني من انكشاف وضعها المالي نتيجة لمراكمة نسبة الدين العام الى اجمالي الناتج، وعدم تمكنها من السداد الجزئي لهذا الدين من فوائض الموازنة المتحققة في سنوات اليسر المالي، فإنه سيتعين عليها أن تكون أكثر حذرا في إدارة سياستها المالية التوسعية في هذا الظرف، بتثقيل جرعات ترشيد الأداء وكفاءة توظيف مخصصات الانفاق بشقيه الجاري والاستثماري، كي تتمكن من العودة سريعا لموازنة الانفاق مع استحقاقات سداد الدين العام. وترشيد الأداء وكفاءة استخدام وتوظيف مخصصات الانفاق الجاري والاستثماري ينطبق أيضا، وإن بدرجة أقل، على الدول التي تتمتع بموقف مالي مريح توفره لها احتياطياتها النقدية.

اقرأ المزيد