المنشور

ورطة تركيا

   لم تدم فرحة جماعة الاخوان المسلمين الحاكمة في تركيا
بوصول فروعها في تونس ومصر وليبيا الى قمة السلطة فيها، طويلا. فسرعان ما غادروها
بنفس السرعة التي وصلوا اليها، ليتبخر الحلم الامبراطوري العثماني المتجدد الذي
أسكر حزب العدالة والتنمية وزعيمه رجب طيب أردوغان لحد التوهان في وهم استعادة
المجد العثماني التليد، وعماده الباب العالي في اسطنبول وولاته في الأمصار بحاكمية
المماليك الجدد أحزاب الاخوان المسلمين في هذه الأمصار، لاسيما ولاية مصر أكبر
تابعيات الدولة العثمانية في المشرق والمغرب العربيين.


     لا جدال في مكر ودهاء قيادات وزعماء جماعة الاخوان
المسلمين في العالم. فبفضل هذه الخصال التي استعاروها، على ما يبدو، من “طقوس”
وتقاليد عمل وتنظيم وإدارة المحافل الماسونية، في طريقة التغلغل وممارسة التأثير
والسيطرة والاستحواذ الهادىء والمتدرج غير اللافت للنظر أو غير المحسوس – بفضل هذه
المقاربة، استطاعت السيطرة  على قطاعات
واسعة من الجمهور، خصوصا جمهور الدهماء المعوز. وتراءى لها، وهي في ذروة نشوة
“انتصاراتها” الشرق أوسطية، أن تنظيمها العالمي، صار يقترب أكثر فأكثر
من بلوغ مراده الأممي بعد النجاح في غزو كبريات المدن الأوروبية والأمريكية مؤسسيا
وتنظيميا وماليا.


     ولكن كل شيء انهار في لمح البصر أمام أعين التنظيم
الأممي للإخوان وأمام فارس الأممية الإخوانية 
وحصانها الأسود رجب طيب أردوغان وحزبه الحاكم في تركيا. لقد تقمص الرئيس
التركي دور المقامر الجسور الواثق من قدرات وامكانيات بلاده في الكسب على مائدة
القمار الغاوية بجاذبية مغانمها. فكان أن راهن ومجموعته الحاكمة بالكثير من أجل
الفوز بكل شيء خيلت له نفسه الظفر به. فبادرا منذ البدء لفتح حدود بلادهما أمام
السوريين للفرار اليها كمناطق آمنة منذ اللحظة الأولى لإشعال فتيل الأزمة السورية.
وأتبعا هذه الخطة بأخرى أكثر جسارة، أو مقامرة إن شئتم، وذلك بتحويل تركيا الى
حصان طرواده للتمرد المسلح في سوريا. فقد كرت السبحة، إذ أخذت تركيا على عاتقها
تحويل مدنها الجنوبية الى جبهة خلفية وخطوط إمداد نشطة للجماعات السورية المسلحة لتمكينها
من اسقاط  النظام السوري.


     في الأثناء قامت تركيا، أو بالأحرى حزب العدالة والتنمية
الحاكم بعمل بهلواني، بأخذ انعطافة براغماتية باتجاه الأكراد هدفها المعلن التصالح
معهم وهدفها المضمر تحييدهم في العملية الكبرى (المقامرة) التي انخرط فيها. ولأن
“انعطافته الودية” المفاجئة هذه لم تكن مبدئية وإنما أملتها حسابات
سياسية وانتخابية..أيضا، ولأن نزعة الأكراد نحو الاستقلال هي اليوم في أوج
عنفوانها، ناهيك عن كون القضية الكردية، ورقة اقليمية ودولية، فكان لابد أن يُمنى
الثنائي أردوغان-أوغلو بالفشل في هذا التكتيك، حيث اشتعلت الحرب من جديد بزخم أكبر
بين الأكراد وقوات الجيش التركي.


     اليوم تجد تركيا نفسها في ورطة حقيقية. فهي من جهة تواجه
خطر تحول “مظلة” رعايتها للمجموعات المسلحة التي تضم خليطا من حملة
السلاح السوريين وغير السوريين ذوي الانتماءات “الجهادية” المختلفة، الى
حاضنة وقاعدة انطلاق لعمليات ارهابية موجهة بصورة مباشرة ضد الدولة التركية
ومصالحها ورعاياها، انتقاما منها لإدارة ظهرها لهم حين تضع اللعبة الدولية
والاقليمية “أوزارها”. ومن جهة ثانية، هي تواجه  سيل النازحين السوريين الى أراضيها الذين يقدر
عددهم بأكثر من مليوني نازح يتوزعون على الولايات التركية لاسيما الجنوبية منها،
فيما أكدت دراسة مشتركة أعدها اتحاد جمعيات أصحاب الأعمال (TİSK) التركي ومركز أبحاث
السياسات والهجرة في جامعة هاجيتيبه (HÜGO) في ديسمبر الماضي بأن عدد اللاجئين السوريين في
تركيا قد يتجاوز 3 ملايين لاجئ في المستقبل القريب، مردفةً بأن ” أكثر من 300
ألف عامل سوري يعملون دون تسجيل وبالتالي دون ضمان اجتماعي، وان تكلفة استضافة
اللاجئين على الحكومة التركية بلغت 7,6 مليار دولار، تحملت تركيا 95 بالمئة منها،
في وقت تحول فيه الرأي العام التركي نحو السلبية تجاه عمل اللاجئين السوريين في
بلادهم، مع وصول نسبة البطالة في تركيا إلى 10.1% بالمئة.


     وهي تواجه اليوم أيضا موجة نزوح جماعي لسكان المناطق
السورية المحاذية لحدودها، لاسيما حلب، على وقع تقدم القوات السورية النظامية
المدعومة بغطاء جوي روسي كثيف، فتحاول احتجازهم داخل الشريط الحدودي لبلادهم
ومنعهم من العبور الى داخل الأراضي التركية. فهي تبغي احتجازهم في بقعة ستعتبرها
المنطقة الآمنة التي طالما هددت وطالبت بإقامتها. ولكن ذلك أغضب أوروبا التي راحت
تضغط على الحكومة التركية عبر المناشدات العلنية والتقريع عبر قنوات الاتصال
الدبلوماسية على سلوكها هذا الذي اعتبرته أوروبا انتهاكا لاتفاقيات جنيف وميثاق
حقوق الانسان. وقد تفاقمت ورطة تركيا بعد اسقاطها لطائرة سوخوي 24 الروسية
الثلاثاء 24 نوفمبر الماضي، حيث قررت روسيا انهاء مخلب القط التركي الذي مثلته
مناطق الشمال السورية المحاذية للحدود التركية، لاسيما مدينتا حلب واللاذقية، مرة
والى الأبد

 في مقال سابق حمل عنوان “هل تقتفي تركيا أثر
باكستان”، ذكرنا أن تركيا تقامر بالضبط كما قامرت من قبلها باكستان حين وافق
جنرالها الراحل ضياء الحق على تخصيص أراضي في بلاده ومنها ما هو محاذٍ لأفغانستان
لإقامة معسكرات للجهاديين لمقاتلة واخراج القوات السوفييتية التي اجتاحت واحتلت
أفغانستان في عام 1979، مقابل تدفق “خيرات” المساعدات المالية والعينية
على بلاده وعلى اقتصادها الضعيف البنية. فكان أن انتهى الأمر على النحو الذي نعرفه
اليوم عن باكستان التي كانت تسمى يوما أرض الطهور فإذا هي اليوم غابة موحشة أهلها
وعمرانها مهددان بالقتل والدمار على مدار الساعة من قبل أولئك القوم الذين
استأمنتهم يوما مؤسسة الحكم الباكستانية الفاسدة وأفردت لهم مساحات ومكانة خاصة في
حياة البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي سياساتها الداخلية والخارجية،
إلى اللحظة التي انقلب فيها السحر على الساحر. تدور الدوائر وتقتفي تركيا أثر
باكستان. فمقابل العطايا التي عوّلت عليها تعويضا عن الخسائر الكبيرة التي تكبدها
اقتصاد بلاده جراء خسارته لأسواق ليبيا ومصر وسوريا – سمح اردوغان وحزبه الحاكم
للإئتلاف الدولي المصمم على اسقاط النظام في سوريا، بفتح الأراضي التركية، لاسيما
الحدودية مع سوريا، لإقامة مخيمات للاجئين ومعسكرات تدريب وتجهيز المقاتلين،
واستقبال وتسهيل مرور عشرات الآلاف منهم عبر أراضيها باتجاه الأراضي السورية
للمشاركة في الحرب ضد النظام. فكان أن تحولت مدن الجنوب التركي الى محطات ترانزيت،
على غرار بيشاور الباكستانية، لإيواء مقاتلين من مختلف الجنسيات وأغلبهم ينتمون
الى تنظيم القاعدة وتفريعاته الاقليمية. هذه هي الورطة الكبرى التي أوقعت تركيا
نفسها فيها. وهي أسست، بمقامرتها سالفة الذكر، لحاضنة ارهابية، على غرار ما فعلته
باكستان-ضياء الحق، لن تستطيع الفكاك من براثنها على مدى سنوات طويلة.
اقرأ المزيد

الدور المفقود للسلطات المحلية

ذكرنا في
مقال الأسبوع الماضي «إحلال ثقافة المصالحة محل تقاليد الخصومة والثأر»، في
معرض مناقشتنا لمبادرة مساعد وزير الداخلية مدير الأمن بمحافظة سوهاج
المصرية اللواء أحمد أبوالفتوح، لعقد أول مؤتمر شعبي في مدينة طهطا بمحافظة
سوهاج في شهر يناير/كانون ثاني 2016 يهدف لإشاعة ثقافة المصالحات ونبذ
الخصومات وأعمال الثأر، وجعل محافظة سوهاج، وهي إحدى محافظات صعيد مصر
الجنوبي (أسيوط، قنا، سوهاج، الأقصر، أسوان، النوبة)، خالية من الثأر والدم
خلال عام 2016 ذكرنا أنه رغم أهمية تلك المبادرة، التي ربطنا شرط نجاحها
بوضع خطة عمل تنفيذية واجرائية، وإسناد تنفيذها الى فريق عمل متخصص، فإن
الأهم من كل ذلك والذي يجب أن يواكب العمل الإجرائي، هو القيام بعمل تربوي
يرد بقوة على تحدي ثقافة الثأر ويستثمر ويعيد بعث الجوانب المشرقة التي
أنتجتها محافظات الصعيد المصري، مثل المعلم البارز رفاعة رافع الطهطاوي
(1801 1873) أحد رواد عصر النهضة العلمية والتعليمية والثقافية والإعلامية
ومحو الأمية في مصر في عهد محمد علي باشا، ورجل الأعمال المعروف المهندس
نجيب أنسي ساويرس وغيرهما، على سبيل المثال لا الحصر، في حالة مدينة طهطا
التي اتُخذت نموذجاً لإطلاق المبادرة سالفة الذكر. 


لاشك أن إعادة الوعي
المسلوب من قبل الإيديولوجيات والعصبيات القروسطية، إلى قطاعات السكان في
الصعيد من خلال عمل تربوي واسع ومنظم ينطلق من المنازل وأماكن العبادة
والمدارس والجامعات، هي على قدر عال من الأهمية من أجل توفير شروط هزيمة
ثقافة الثأر المؤسسة على تلك العصبيات. ولكن هذا التنبه، المتأخر على أية
حال، لخطر تفاقم الانقسامات بين سكان مدن وبلدات وقرى محافظات الصعيد
المصري، يطرح العديد من الأسئلة حول بقاء هذا الواقع مستمراً دون أن تطاله
تحولات مؤسسات الدولة في عصريها الملكي والجمهوري. فكيف قُيِّض لثقافة تأبط
البندقية والذهاب لأعمال الثأر ما إن تنطلق شرارتها الأولى، التغلب على
ثقافة الدولة العصرية ومؤسساتها التنموية الحاكمة؟ 


الإجابة واضحة وضوح
الشمس لذوي الألباب، وهي لا تحتاج إلى كثير من الجهد العقلي لإجلائها
وفهمها. فإن الذي لاشك فيه أن رؤساء وأعضاء المجالس البلدية والمجالس
القروية ورؤساء وأعضاء مجالس المحافظات السابقين، لم يكونوا يقومون بعملهم
المنوط بهم بموجب مدونات التكليف ( Mandate) الخاصة بكل وظيفة سيادية من
هذه الوظائف التي تقلدوها، على أكمل وجه. فلقد كانت هذه المناطق الطرفية
بحاجة منذ عقود إلى البنى التحتية الأساسية ومن بعد إلى العمران والمرافق
الحديثة التي تقربها من المستويات الحضرية للبلدات والمدن، تحقيقاً لهدف
التمدين الريفي الذي يغل طمع أيدي الترييف من الامتداد للمدن لترييفها
عكسياً و«إيصال» العشوائيات لضواحي المدن وتهديد مراكزها الحضرية. وما حدث
في مدينة القصرين التونسية مؤخراً خير دليل على ما نزعم. فلقد أُهملت
تنموياً وتُرك شبابها بلا أعمال ولا آمال، ليصبحوا نهباً، أولا لانفجار
فقاعة السخط الطبيعي المحق والمفهوم والمعبر عنه بأشكال شتى، ولكل صاحب
أجندة خاصة، من الخلاص الفردي عبر الانتماء إلى عصابات الإجرام والمخدرات،
إلى التنظيمات الإرهابية. ولعل من المناسب ها هنا تذكُّر ما قام به الخديوي
إسماعيل (31 ديسمبر 1830 2 مارس 1895)، خامس حكام مصر من سلالة محمد علي
باشا الذي تولّى عرش مصر في 18 يناير 1863. فقد عمل في فترة حكمه على تطوير
مصر اقتصادياً وعمرانياً وإدارياً على نحو لافت ومبهر، حتى استحق لقب
المؤسس الثاني لمصر الحديثة بعد إنجازات جده محمد علي باشا الكبير. وتُنسب
له مبادرة إنشاء مجالس محلية منتخبة للمعاونة في إدارة الدولة أُعطيت حق
النظر في الدعاوي الجنائية والمدنية. كما عمل على زيادة مساحة الأراضي
الزراعية في المناطق الطرفية، بما شمل حفر ترعة الإبراهيمية في صعيد مصر،
وترعة الإسماعيلية في شرق الدلتا، وأطلق خدمة البرق والبريد وطور شبكة
السكك الحديدية لربط المراكز بالأطراف، كما تمت في عهده إضاءة الشوارع
ومُدت شبكة أنابيب المياه.


نتذكر تلك التحولات المؤثرة في البيئات
المحلية، ونضعها قبالة ما كان أورده تقرير المؤسسة الدولية للتنمية في
سبتمبر من عام 2008 بهذا الشأن، ومفاده، «أن محافظة سوهاج بصعيد مصر، وهي
إحدى أفقر مناطق البلاد، قدمت بعضاً من أسوأ مؤشرات التنمية البشرية في
مصر. فمنذ عقد، كان 77% من سكانها البالغ عددهم 3.2 مليون نسمة يعيشون في
مناطق ريفية، ومعدل نمو سكانها 2.8% على الرغم من ارتفاع مستويات الهجرة
إلى خارج المحافظة. وشهدت المحافظة واحداً من أعلى معدلات الكثافة السكانية
العالمية، إذ يبلغ نحو 1900 شخص لكل كيلو متر مربع واحد. وبلغت نسبة
الأمية في سوهاج نحو 70 في المئة من السكان البالغين، وحوالي 84% من
النساء، وافتقد 90%من القرى في المناطق الريفية إلى خدمات الصرف الصحي،
واتسم تقديم الخدمات والبنية التحتية في المناطق الريفية بقدر كبير من
المركزية في صنع القرار والإجراءات البيروقراطية المطوّلة». 


في محصلة
القول، إذا لم تتمكن السلطات المحلية من إحداث الفارق في مؤشرات نوعية
الحياة لسكان الأطراف، ومنهم سكان صعيد مصر وغيرهم من سكان المناطق الريفية
والصحراوية النائية مثل سيناء، فإن الحديث عن معالجة بعض أوجه تمظهرات
تخلفها وعزلتها الحضارية، من قبيل محاولة إنهاء ظاهرة الثأر والانتقام
الشائعة والراسخة في نمط حياة مجتمع الصعيد، يصبح ضرباً من الأمنيات التي
تهفو النفس للقبض عليها. 
اقرأ المزيد

انتخابات الرئاسة الأمريكية بلا كاريزمات

في
الولايات المتحدة انطلقت من ولاية آيوا الريفية الصغيرة ذات الثلاثة ملايين
نسمة الاثنين 1 فبراير/شباط 2016 الانتخابات التمهيدية لانتخاب الرئيس
الأمريكي الجديد في انتخابات الرئاسة الأمريكية المقرر إجراؤها يوم
الثلاثاء 8 نوفمبر 2016، حيث فاز في انتخابات الحزب الجمهوري تيد كروز
بنسبة 28% من أصوات ناخبي الحزب على منافسه رجل الأعمال المعروف دونالد
ترامب الذي حصل على 24%. فيما أظهرت نتائج انتخاب ممثل الحزب الديمقراطي
لانتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة فوز هيلاري كلينتون في انتخابات الحزب
بنفس هذه الولاية الصغيرة بفارق بسيط على منافسها الديمقراطي بيرني
ساندرز، الذي كان يمثل ولاية فيرمونت في مجلس النواب الأمريكي قبل أن ينتخب
لعضوية مجلس الشيوخ عام 2007، وذلك ضمن صفوف الحزب الديمقراطي.


وأكد
الحزب الديمقراطي في بيان أصدره في «آيوا» أن هيلاري حصلت على تأييد 699.57
مندوباً مقابل 695.49 مندوباً للسيناتور ساندرز، بنسبة 49.8 %، وبفارق 0.2
% على ساندرز.


وباستعراض قائمة المرشحين من الحزبين، وهي على النحو
التالي: قائمة الحزب الديمقراطي: هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية السابقة،
بيرني ساندرز عضو مجلس الشيوخ، مارتن أومالي حاكم ولاية ميريلاند السابق،
لينكولن دافنبورت شافي عضو مجلس الشيوخ السابق الذي كان جمهورياً حتى عام
2007 تحول إلى مستقل حتى عام 2013، ثم تحوّل رسمياً لعضوية الحزب
الديمقراطي، لكنه انسحب من سباق الترشح؛ جيم ويب السيناتور الديمقراطي
السابق، جوزيف بايدن نائب الرئيس الأمريكي.


قائمة الحزب الجمهوري:
دونالد ترامب، السيناتور الجمهوري تيد كروز، راند بول عضو مجلس الشيوخ
الأمريكي عن ولاية كنتاكي، السيناتور ماركو روبيو، بن كارسون جراح الأعصاب
العالمي الشهير، كارلي فيورينا كبيرة المديرين السابقين لشركة
هيوليت-باكارد، مايك هوكابي حاكم سابق لولاية أركنساس، جيب بوش حاكم ولاية
فلوريدا السابق – فإنها على كثرة أسمائها، تكاد تخلو من أسماء كاريزمية ذات
صيت، باستثناء دونالد ترامب الملياردير المعروف وبنجامين سولومون كارسون –
أو بن كارسون – جرَّاح الأعصاب المعروف في العالم الذي يُنسب إليه الفضل
في إتمام أول عملية جراحية لفصل توأمين متصلين عند الرأس، بنجاح، والذي
منحه الرئيس السابق جورج دبليو بوش الوسام الرئاسي للحرية في عام 2009، وهو
أعلى تكريم تمنحه الحكومة الأمريكية للمدنيين، ونائب الرئيس الأمريكي
الحالي جوزيف بايدن، ووزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون.


وحتى هؤلاء يبدون باهتين قياساً إلى الرؤساء الأمريكيين السابقين.


فرجل
الأعمال دونالد ترامب الذي بدا لوهلة أنه فارس السباق بين مرشحي الحزب
الجمهوري، إذا به يسقط في جولة التصفيات الأولى في ولاية آيوا، فضلاً عما
كشفته حملته الانتخابية عن ضحالة سياسية ونزعات شعبوية جعلت منه موضع سخرية
وازدراء داخل الولايات المتحدة وخارجها.
أما المرشح الآخر الذي عول
عليه الجمهوريون وهو جيب بوش، فقد ضاع بين زحمة المتنافسين وصخبهم وحل
سادسا في آيوا، ويمكن أن يخرج من السباق في حال كرر نفس الفشل في
نيوهامبشاير، وسجله يقتصر على شغله منصب حاكم ولاية فلوريدا خلال الفترة من
1999 إلى 2007، وهو سجل لا يتجاوز شهرته كأحد أفراد عائلة بوش الحاكمة
السابقة، إذ يحل ثانيا ضمن أبناء الرئيس الأسبق جورج بوش الأب والأخ الأصغر
للرئيس السابق جورج دبليو بوش.


وهناك نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن
الذي رافق الرئيس أوباما طوال ولايتيه الأولى والثانية اسمياً فقط، والذي
لم يكن أحد يشعر بوجوده لفترات تمتد لبضعة أشهر قبل أن يظهر إما في العراق
أو أوكرانيا بتكليف من الرئيس لمتابعة هذين الملفين المهمين في الأجندة
الأمريكية، على عكس سلفه الذي كان وجوده طاغياً طوال فترة ولايتي الرئيس
جورج دبليو بوش.


أما هيلاري كلينتون فإنها تحاول بأقصى ما يمكن استثمار
رصيد زوجها الرئيس الأسبق بيل كلينتون لبناء مجد شخصي بطموحات عريضة تتجاوز
ما حققته حتى الآن كعضو كونغرس عن ولاية نيويورك خلال الفترة من 2001 إلى
2009، ووزيرة خارجية من 2009 إلى 2013، ليطاول منصب سدة الرئاسة التي رشحت
نفسها له كمنافس للرئيس أوباما الذي عوضها بعد فوزه بمنصب وزير الخارجية.


حتى
برامجهم الانتخابية لا يوجد تمايز واضح بينها، بحيث تجعل الناخب يفاضل بين
هذا المرشح وذاك، باستثناء المرشح الديمقراطي بيرني ساندرز الذي كاد يطيح
هيلاري كلينتون في انتخابات ولاية آيوا.


فقد اختار هذا المرشح أن يركب
مغامرة أمريكية محفوفة بالعواقب حين قرر تقديم نفسه صراحةً للجمهور على أنه
ذو توجه اشتراكي ديمقراطي، في بلد كان الليبراليون فيه حتى وقت ليس ببعيد
يخشون من وصمهم بالشيوعية إن هم طاولتهم «عصا» المحافظين خصوصا إبان سطوتهم
المكارثية.


اليوم يتقدم بيرني ساندرز، خطوة أخرى للأمام، أكثر جرأة، من
سلفه الرئيس أوباما الذي نجح في «إغواء» الجمهور بشعار حملته الانتخابية
الرئاسية المحوري وهو «التغيير». لقد نجح ساندرز في إلحاق هزيمة ساحقة في
ولاية نيوهامبشير الصغيرة بمنافسته هيلاري كلينتون التي تضع رجلاً ونصف
يميناً ونصف رجل يساراً.


وقد تشكل شعارات حملته اليسارية المعتدلة نقطة
استقطاب مغناطيسية لقطاعات واسعة من الجمهور الشاب الناقم على الطبقة
السياسية العتيقة وعلى أداء المؤسسة الحاكمة المنحازة لنسبة ال 1% من
الأثرياء.


ولكن سيتعين عليه مجابهة آله إعلامية ضخمة متسلحة بأموال
انتخابية طائلة سوف لن تتوانى عن استخدام كل نفوذها وجبروتها للحيلولة دون
نجاح ساندرز في إحداث المفاجأة.


في عدد 12-13 ديسمبر الماضي، كتب بول
كروغمان الاقتصادي الأمريكي المعروف والمحاضر بمركز التخرج في جامعة مدينة
نيويورك، مقالاً في صحيفة «نيويورك تايمز» الدولية بعنوان «تمكين القبح»،
قال فيه «بأننا نعيش في زمن يحفل بالأخبار الصادمة ولكن غير المفاجئة»،
وذلك تعليقاً على الشعبية الطاغية التي يتمتع بها مرشح الحزب الجمهوري
لانتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة، دونالد ترامب.


محملاً الجمهوريين مسؤولية ذلك، من واقع استهتارهم بالعواقب مهما كانت قبالة طمعهم في زيادة حظوظهم الانتخابية.


ولو
دققنا في مغزى هذا الكلام، سنرى أن الجمهوريين يفتقدون إلى شخصية كاريزمية
تحظى بقبول شعبي، وهم لذلك اختاروا الاتكاء على شخصية دونالد ترامب
الشعبوية.
اقرأ المزيد

الأستاذ

محمد حسنين هيكل هو أكثر من يستحق أن نطلق عليه لقب الأستاذ. كان، بالحق، أستاذاً في الصحافة وفي السياسة وفي التاريخ، وستظل كتبه وأحاديثه شاهداً على حقبة زمنية حافلة، امتدت عقوداً وشهدت تقلبات عاصفة وحروباً وثورات وانقلابات وتغيرات في السياسة، يمنة ويسرة، لكن هيكل لم يضيع بوصلته في الرؤية والتحليل رغم كل ذلك، فظلَّ رجل موقف يذود عنه، محذراً من عواقب الأمور قبل أن تأتي هذه العواقب، بما له من بصيرة وخبرة اكتسبها من حياته المديدة ومن مثابرته في الوصول إلى المعلومة الصحيحة، ليبني عليها مواقفه، التي تكون بحكم ذلك أقرب إلى الموضوعية.


بدأ المشوار الصحفي والسياسي لمحمد حسنين هيكل منذ العهد الملكي، وغطى، صحفياً، حرب فلسطين الخاسرة عام 1948، التي أسست لواقع جديد في المنطقة، وكان قريباً من جمال عبدالناصر وموضع ثقته، وظلَّ هيكل وفياً للتجربة الناصرية رغم قصر عمرها بالرحيل المبكر لصاحبها، وما تلى ذلك من انقلاب على منطلقاتها، كان محل احتجاج منه، ما حمل أنور السادات على إيداعه السجن بعيد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد هو وطيف واسع من قادة الرأي العام في مصر ومن نخبها السياسة والثقافية.


عاصر هيكل عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، وأدرك ثورة 25 يناير 2011، وتفاعل مع أحداثها، وشهد صعود الإخوان المسلمين للسلطة وسقوطهم المدوي عنها، وتدل الأحاديث المتلفزة التي أجريت معه في تلك الفترة على إدراكه للمسار المضر بدور مصر وأمنها القومي لو استمروا في السلطة.


مؤيدو هيكل وآرائه كُثر داخل مصر وخارجها، وكُثرٌ كذلك هم المختلفون معه في الموقف والتحليل، لكن ليس بوسع أحد أن يتجاهل الأهمية الاستثنائية للرجل في تاريخ مصر الحديث، صحفياً وسياسياً، وقيمته كمؤرخ وثّق مراحل فاصلة من تاريخ مصر والمنطقة برمتها، معتمداً على الوثائق والمصادر الأصلية، مستفيداً في ذلك من شبكة العلاقات الواسعة التي تجمعه بزعماء وقادة سياسيين وصناع قرار في العالم العربي وفي العالم، ومما امتلكه من معطيات دقيقة فترة عمله مع جمال عبدالناصر، ما جعل منه شاهداً على واحدة من أخصب وأدق مراحل تاريخ مصر الحديث.


مركز الثقل في تحليلات وتحذيرات هيكل كان دائماً إدراك المصالح الوطنية والقومية لمصر، وعلى دورها العربي والإقليمي، والأثر الحاسم لذلك في منظومة الأمن العربي برمته، فمجمل الخبرة السياسة تؤكد أن حال العرب تصلح حين تصلح حال مصر، والعكس صحيح تماماً. 
اقرأ المزيد

حتى لا نكون أعداء انفسنا؛ لا يمكن أن نكون وطنيين وطائفيين في آنٍ واحد



   إبدأوا المعركة .. انطلقوا فى رحلة مواجهة، إنتزعوا
ما يؤكد  على وطنيتكم، اثبتوا أنكم قوى لا طائفية،  اثبتوا أنكم فى بلاد يتكاثر فيها اصحاب العقول التى
تؤمن ب” الحشمة الوطنية ” .. وبانه لا يمكن الجمع بين الطائفية والديمقراطية،
وان الطائفية إلغاء للديمقراطية، وأنه لا يمكن للمرء أن يكون ديمقراطياً وتقدمياً ووطنياً
ومستنيراً وغيوراً على وطنه وطائفياً فى آن واحد، برهنوا أنكم فى   بلاد لا تخضع لأصحاب الفذلكات الطائفية الذين يتعاملون
مع الطائفية  كغيرها من السلع السياسية قابلة
للاستثمار باسم الوطنية وحب الوطن، وهم  من
دون الطائفية والمذهبية والفئوية  وبث الأحقاد
وسوء الظن لا مصلحة ولا سطوة ولا نفوذ  ولا
مأوى ولا مكانة ولا “رزة ” ولا موقع ولا مكاسب ولا مناصب ولا أحجام ولا نكهة
ولا معنى لهم .. 


ليس هذا الكلام جديداً،
قلناه مراراً، ولكن التوظيف العبقري والجهنمي من جانب نفوس متعطشة بجشع لا يشبع الى
الغذاء الطائفي والذى بات يتعاظم  على وقع تطورات
ما يجري فى الإقليم، كأن هناك تعمداً وقصداً
لإستثمار ما يحدث
هناك لتحقيق المزيد من الرعاية الطائفية هنا، والبرهنة على جدارتها على النمو والتطور
والاتساع والشمول، والعمل على ان تكون أشد إثماً لا تنتج سوى حالة مستدامة من الاختناق
الطائفي، ومناخ متعسف لا يحقق الا مصلحة الطائفيين، ولا يبنى سوى مشروع المستقبل الميت،
مشروع ان نكون أعداء انفسنا. 


 وعلى هذا الأساس، ومن هذا  المنطلق لا بد أن تتعالى وتتوالى  ودون  كلل
الدعوات لمواجهة هذا الوضع، والتصدي  لخطاب
الكراهية والتمييز والطائفية، وهو خطاب من الخطأ الفادح غض الطرف عنه، أو التهوين من
شأنه، أو الاستخفاف بمخزونه، وسنكون سذجا إلى حدٍ لا يصدق إذا لم نتعامل مع هذا الخطاب
كواحد من أهم وأخطر التحديات التى تدفعنا الى تيه لا نعلم مداه، لا يواجه إلا  بجعجعة وتشدق بالكلام الفارغ الممتلئ هراء، المشحون
بالكثير  من ” القدح” و”الردح”
والذى وجدناه فى مواقع ومنابر شتى  باتت معروفة
بلا شبهة او التباس، مواقع جعلتنا نعيش اجواء ومناخات تحاصرنا،  لا تفرز سوى المزيد من المنشطات الطائفية وخطابات
الكراهية التى  تتدحرج صورها بكل وجوهها القبيحة  فى واقع 
بات فيه كثر مفتونون بالعزف على أوتار مثيرة للعصبيات والتطرف وسموم الكراهية
المنبعثة من قمامة الافكار المسمومة، وجعل هذه الافكار موقدة ومستعرة على الدوام، واقع
لم نعد نعرف فيه من يدين من ..؟!    


المعركة مع خطاب
الكراهية والتمييز والطائفية لا يمكن أن تتم 
بالكلام التنظيري او الهجائي او بالشعارات الكبيرة والصغيرة، ولا بعقد المؤتمرات
والندوات التى  تتطرق إلى  رذائل الطائفية ورفض التمييز والدعوة إلى تجديد
الخطاب الديني، وتطهير المنابر من الخلط بين الديني والسياسي، ولا بتأنيب أو نصح من
هم منخرطين فى  ممارسة هذا الخطاب بالصوت والصورة
والنص وبدون حساب، ويرضعون من هواجس وهوس التعصب، ولا كل ما ليس منه فائدة عملية على
أرض الواقع الملموس، هى معركة تتطلب اول ما تتطلب أن تكون هناك إرادة على خوض غمار
هذه المعركة ، فبدون هذه الإرادة  ستكون هناك
حيوية مذهلة وقدرة على التناسل باضطراد لكل أشكال خطابات الكراهية والفتن والنعرات
وإزدراء الأديان ورفض الآخر، وسيستمر الانتظام والتفنن  فى بثها حتى الثمالة معطوفة على نيران الإقليم المتأججة،
والتى أظهرت منظمات ومجموعات وأفراداً إتخذوا من خطاب الكراهية استراتيجية لإشاعة الفوضى
والقتل والدمار وصولاً لتدمير المجتمعات وتفكيكها، أليس هذا ما بتنا نراه ونسمعه ونتابعه
يومياً! 


الإرادة الفعلية
لمواجهة هذا الخطاب هى الأساس، وإذا كان المشهد قد اكتظ بمن يعيش ويتعايش ويعتاش على
هذا الحال، وينمي روح التطرف والتعصب والغلو والتكفير والتخوين والتمييز والكراهية،
من دون أن يصاحب ذلك  وللأسف فعل يوقف مد هذا
الخطاب ، وكأن ثمة تغاض متعمد، أو لنقل تساهل يتمرد عليه البعض، ويتمسك به البعض، ويفتح
له البعض آفاق تزيدنا غماً وحزناً وقلقاً وخيبة، فإن الضرورة ، وهى الضرورة التى لا
يراها الناس إلا فى الأزما ، تظل تفرض نفسها خاصة حين ندرك أن خطاب الكراهية يتفشى
ودائرة العنف تتوسع، فهناك من ينتج ويُعمق، ويُشجع ويُسَّوق ويروج كل ما يندرج تحت
مظلة هذا الخطاب، بالصوت والصورة والقلم. علينا أن نعترف بذلك، والإعتراف نحسب أنه
أحد الأمور المهمة والضرورية والمستعجلة التى تساند الجهد المطلوب للمواجهة . 


كم مرة ياترى  علينا أن نسمع او نقرأ عن مطالبات تدعو إلى  تشريع يكافح التمييز والكراهية والطائفية، أو منع
تسييس الخطاب الديني وإبعاد المنبر الديني عن الخطاب السياسي التحريضي، أو دعوة كل
الأطراف والقوى بصياغات مختلفة إلى إحتواء كل ما من شأنه بث الفرقة والكراهية بين أبناء
الوطن، وكم مرة علينا ان نسمع ونقرأ عن مواثيق شرف تبنتها عدة اطراف وجهات ظلت خارج
نطاق الفاعلية والتأثير، وكم علينا أن ننخرط او نتابع او نقرأ فى شأن بلورة جهد يدعوا
الى منهج وطني يعلى من الهوية الوطنية ويقوي الجبهة الداخلية ،  كل ذلك مطلوب 
بقدر ماهو مطلوب  سبب تفشى هذا الخطاب
فى مجتمعنا ومصادره ومنابعه ومن يقتاتون على تفتيت المجتمع ، وهذا يعنى متابعة واتخاذ
الاجراءات القانونية الرادعة حيال المحرضين على الكراهية وشق الصف الوطني فى دور العبادة،
والحيلولة دون جعل المساجد تحت امرة هؤلاء، فى مواقع التواصل الاجتماعي، فى الصحافة،
فى الأندية والجمعيات وفى المجالس وفى أي موقع كان، وعلينا أن نلتفت بكل جدية إلى وصول خطاب الكراهية الى الأجيال الصغيرة .. وهذا أمر يبعث على
الأسى والأسف والتحرك السريع الذى يستثمر كل الطاقات الوطنية المخلصة التى يقلقها ويفزعها
هذا الحال الشديد الوطأة، الثقيل الحمل   . 


الموضوع بحاجة الى
جهد مجتمعي مشترك تقوم به كل قوى ومؤسسات المجتمع المدني الفاعلة، ولعلنا بحاجة إلى
تحالفات مدنية وشبكات شبابية تناهض خطاب الكراهية بكل أشكاله فى النفوس والمواقع والمنابر  وتتصدى لكل من يدفع بنا نحو منحدرات طائفية، فهيا
يا أصحاب العقول التى تؤمن ” بالحشمة الوطنية ” والموقنون بأنه لايمكن الجمع
بين أن نكون ديمقراطيين وطائفيين فى آن واحد، كلكم مدعون إلى إستنفار فكرى على الأقل،
أطروا قواكم ، قودوا  الوعي الرافض لإنتاج الغرائز
وايقاعات التجهيل الطائفية والمذهبية وكل أنواع الانشطار فى مجتمعنا إما برضانا او
عنوة ، ويحقق التصالح مع الذات والآخر
.  
اقرأ المزيد

ثقافة المصالحة بدلاً عن تقاليد الخصومة والثأر

بمبادرة من
مساعد وزير الداخلية مدير الأمن بمحافظة سوهاج المصرية اللواء أحمد
أبوالفتوح، نظمت جمعية المصالحات وفض النزاعات في شهر يناير/كانون الثاني
2016 أول مؤتمر شعبي يقام في مدينة طهطا بمحافظة سوهاج يهدف لإشاعة ثقافة
المصالحات ونبذ الخصومات وأعمال الثأر، وجعل محافظة سوهاج، وهي إحدى
محافظات صعيد مصر الجنوبي (أسيوط، قنا، سوهاج، الأقصر، أسوان)، خالية من
الثأر والدم طوال عام 2016، من خلال إنهاء الخصومات الثأرية التي مازالت
عالقة عبر تنفيذ الأحكام الصادرة بشأنها وسرعة القبض على المطلوبين، وفحص
الخصومة وتحديد وضعها القانوني والشرعي فيما إذا كانت تندرج ضمن القتل
الخطأ أو شبه الخطأ أو العمد، والدفع بالعُمَد والمشايخ وعلماء الدين
وأصحاب الرأي لإقناع الطرفين بقبول شرع الله الذي يبدأ بالعفو وينتهي بقبول
الدية.


هذه قضية فرعية من مئات القضايا المتفرعة عن الاختلالات
الأساسية، الجوهرية إن شئتم، التي تعتور هياكل المنظومة السياسية
والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسية الحاكمة في عالمنا العربي، أي
التي تحكم علاقاتنا الإنتاجية وعلاقاتنا المجتمعية، في اتصال ذلك خصوصاً
بعلاقات الملكية والتموضعات الفئوية الاجتماعية، التاريخية والحداثية
الجارية، بالنسبة للحيازات (الأصول الرأسمالية الثابتة والمتغيرة)، ولعملية
التراكم الرأسمالي ومصادره. 
من الواضح أن الذي دفع القوى الأمنية في
إحدى أصعب مناطق الأطراف في مصر، وهي هنا مدينة طهطا الواقعة على الضفة
الغربية لنهر النيل التي تعتبر من أكبر مدن محافظة سوهاج من حيث عدد السكان
(يقارب المليون نسمة)، والتي تحل ثانيةً بعد دمياط في تصنيع الأثاث
المنزلي – للقيام بهذه المبادرة «السلمية»، هو استشعارها لخطر داهم وحال
متمثلة في تضخم فقاعة الشواهد الدالة على ارتفاع فرص تحول منسوب القضايا
الثأرية المتزايدة في الإقليم الى حرب عائلات وعشائر وقبائل تنذر بانهيار
المجتمع المحلي في المحافظة وفي محافظات الصعيد الأخرى المتصلة بوشائج
القربى والنسب مع بعضها بعضا، وتدهور أحوال الأجيال الشابة الجديدة وضياع
مستقبلها ومصيرها.
إنما الثأر، الشخصي والعائلي والعشائري والقبائلي، هو
مكون أصيل مغروس في أنساق القيم والتقاليد الموروثة منذ أمد بعيد، جذوره
غائرة ومترسخة في أعماق البنية الفيزيائية للوعي الفردي والوعي الجمعي
ومخيالهما، واللذين يؤمنهما خزين تشكيلة العصبيات التي مازالت عصية على
الذوبان في مجرى السياق العام للتطور الحضاري بالغ العِظَم للجنس البشري،
فغدا من عاداته القديمة «المتآلفة» مع هذا التطور. وقد شب الأقدمون على
قيام أولياء الدم «أقارب القتيل» بقتل القاتل نفسه أو قتل أحد أقاربه
انتقاماً لأنفسهم دونما انتظار لقيام الدولة، قديمها وحديثها، بدورها
الأمني والقضائي وأدواتها الزجرية. وقد يكون اليمن وصعيد مصر النموذجان
الأكثر بروزا وتمظهراً لبقايا تلك العصبيات النافرة في الشرق العنيد، حيث
مازال يُعمل ب«تقاليده ومدونات سلوكه» المتبعة. ولربما اكتسب صعيد مصر هذه
العادة من القبائل اليمنية المهاجرة إبان عصر الفتوحات الإسلامية الأولى.
ومن «تقاليده ومدونات سلوكه» تلك، السائدة حتى اليوم في صعيد مصر أن
المطالبة بالثأر لها ضوابط معروفة، فالأبناء هم الأحق بالقصاص لدم أبيهم،
يليهم الأخوة الأشقاء، فالأخوة غير الأشقاء. وإذا لم يكن للقتيل أبناء أو
إخوة، فحق المطالبة بالدم ينتقل إلى أبناء العم الأشقاء، ومنهم إلى أبناء
العمومة غير الأشقاء. والثأر في الصعيد لا يلزم سوى أقارب «الدم»، أي من
ناحية الأب، ولا علاقة لأقارب الأم بعملية الثأر، وإن كان الأمر لا يخلو من
الدعم والمساعدة. كما أن حق الثأر لا يسقط ب«التقادم»، حتى لو ظل القاتل
سنوات طويلة مختفياً أو خلف القضبان. فالسجن لا يعتبر هنا بديلاً للثأر،
فحق الدولة غير حق ذوي القتيل، والصعايدة كما اليمنيون لا يكادون يفارقون
أسلحتهم الشخصية إلا حين يخلدون للنوم، ولا يفرطون فيها حتى حين تضيق عليهم
سبل العيش، وهم يعلمون أبناءهم ما إن يبلغوا العاشرة كيفية استخدام
السلاح، لأن «العز في أفواه البنادق»، كما يقولون.
وعلى ذلك فإن من
الصعب القفز على معطيات هذا الواقع غير «الصديق» تماماً للثقافة الجديدة
التي أشادتها المجتمعات البشرية عبر قرون من الصراعات المريرة وأثمانها
الباهظة. فقضية بهذا الجذر العميق والتعقيد يصعب بالتأكيد معالجتها بمثل
هذا الارتجال الاحتفالي، مهما خلُصت النوايا ومهما أُغدق على هذا التوجه،
الحميد بالتأكيد، من فيض العواطف والحماس، الذي هو لحظي سرعان ما سيذروه
الانصراف للانشغالات التي تفرضها التقافزات العشوائية لسلم أولويات العمل
اليومي، ما لم يُرفد هذا العزم الظاهر بآلية تنفيذية ثابتة، جادة ومدروسة،
من أُولى سمات جديتها تخصيص الموارد المالية والبشرية المناسبة لها، ومسطرة
إجرائية لمتابعتها ومحاسبتها على حصاد أدائها الذي يجب أن يأخذ في الحسبان
الوقائع الظاهرة، وغير الظاهرة، لمعوقات إنجاز خطة فريق العمل المكلف
بإنفاذها، وفي مقدمها ضعف أداء جهاز القضاء فيما خص تحقيق الإنصاف
والعدالة، والفساد والرشوة والمحسوبية، وضعف تطبيق سلطة القانون على الجميع
دون أية استثناءات مهما كانت إلحاحات مراكز القوى التي تقف خلفها،
والتسييس والتوظيف والاستغلال السياسي والديني والاجتماعي للنفرات العصبية،
والإهمال التاريخي المتراكم لظاهرة حيازة وحمل السلاح.
ولكن وعلى أهمية
مفاعيل تلك الخطة الإجرائية المقترحة، فإن الأهم من كل ذلك والذي يجب أن
يواكب العمل الإجرائي، هو القيام بعمل تربوي يرد بقوة على تحدي ثقافة الثأر
ويستثمر ويعيد بعث الجوانب المشرقة التي أنتجتها محافظات الصعيد المصري،
مثل المعلم البارز رفاعة رافع الطهطاوي.
(1801-1873)، أحد رواد عصر
النهضة العلمية والتعليمية والثقافية والإعلامية ومحو الأمية في مصر في عهد
محمد علي باشا، ورجل الأعمال المعروف المهندس نجيب أنسي ساويرس (مواليد
1955) الذي تبرع بمبلغ 3 مليارات جنيه مصري لصالح «صندوق تحيا مصر»،
وغيرهما على سبيل المثال لا الحصر، في حالة مدينة طهطا التي نحن بصددها
كنموذج. 

اقرأ المزيد

النفط بعد الفحم



في
المقال السابق «الفحم أول ضحايا سياسات الكربون في الولايات المتحدة»، الذي
عرضنا فيه كيف اختير الفحم من قبل فريق إدارة الرئيس الأمريكي باراك
أوباما ووكالة البيئة الأمريكية (EPA)، ليقدم كأول أكباش الفداء للحملة
التي يقودها فريق حزب الرئيس أوباما الحاكم، الحزب الديمقراطي، ضد مصادر
الانبعاثات الرئيسية لغازات الاحتباس الحراري المسؤولة عن التغيرات
المناخية الحادة في الولايات المتحدة والعالم. وعرضنا للتشريعات التي سنها
الكونغرس للتقييد على استخراج وإنتاج واستهلاك الفحم، والتي ستؤدي إلى
تراجع حصته بين مصادر الطاقة المستخدمة في توليد الطاقة الكهربائية. 


الآن لو أزلنا الفحم من الصورة ووضعنا
مكانه النفط، هل نتوقع أن يحل بالنفط ما هو حاصل حتى الآن مع الفحم؟ سؤال
كبير من المؤكد أن صناعة النفط في العالم وشركاتها العاملة في مختلف
مجالاتها، لا يرغبون في طرحه والتداول بشأنه. ولكنه سؤال ينطوي على فرضية
لم تعد بعيدة التحقق، خصوصا بعد اتفاق باريس لتغير المناخ (Paris Agreement
on Climate Change). الاتفاق بحد ذاته لا يحمل أية إشارة في مواده وفي
القرارات الملحقة به، تنطوي على استهداف مباشر للنفط (أو الوقود الأحفوري
الذي يشمل النفط والفحم والغاز). ولكن التمعن في دراسة مواد الاتفاق
والقرارات الملحقة به، يفيد بأن كل ما هو مطلوب من كافة الدول الأعضاء
الأطراف في الاتفاق، دول متقدمة ودول نامية على السواء، خصوصاً في مجال
التخفيف (Mintigation)، يقود إلى اتخاذ إجراءات تتصل بالصناعة النفطية
وتستهدف خفض انبعاثاتها. فالاتفاق الجديد، على خلاف بروتوكول كيوتو الذي
حصر الإلزام بخفض الانبعاثات في 37 دولة متقدمة، ملزم قانونياً
(Legally-binding) لكافة الدول الأعضاء بموافاة سكرتارية اتفاقية الأمم
المتحدة الإطارية لتغير المناخ كل 5 سنوات بما أنجزته كمياً ونوعياً في
مجال التخفيف (خفض الانبعاثات) والتكيف (Adaptation) والتي ستحيلها إلى
لجنة خبراء نصت على إنشائها المادة (15) في الاتفاق، ستقوم بفحص وتدقيق
مصداقية وشفافية المعلومات الواردة في البلاغات الوطنية الدورية لكل دولة.  


في شهر سبتمبر/‏أيلول الماضي، نشرت منظمة «مشروع الإفصاح عن الكربون (
Carbon Disclosure Project)، وهي منظمة مقرها بريطانيا تقوم بمهمة جمع
المعلومات من حَمَلَة الأسهم والشركات حول غازات الاحتباس الحراري في
العالم، نشرت قائمة بأسماء الشركات العالمية التي أجابت عن السؤال الذي
وجهته لها ومفاده: هل يؤيد مجلس إدارتكم اتفاقاً دولياً حول تغير المناخ
يهدف إلى ألا يزيد ارتفاع درجة الحرارة عن أقل من درجتين مئويتين عن مستوى
ما قبل الصناعة (1850). المنظمة تلقت ردوداً من أكثر من 2000 شركة عالمية
مدرجة في البورصات العالمية، من بينها 28 من كبريات شركات الطاقة في العالم
(استنادا إلى رسملتها السوقية)، التي تضطلع بنسبة 26% من إجمالي انبعاثات
غازات الاحتباس الحراري في العالم. ومن بين الشركات التي أجابت بالإيجاب،
أي بموافقتها على المشاركة الإيجابية في الجهد العالمي لجعل ارتفاع درجة
الحرارة أقل من درجتين بنهاية القرن، شركة غاز بروم الروسية وشركة بريتش
غاز البريطانية وشركة كونوكو فيليبس الأمريكية وشركة إيني الإيطالية وشركة
ريبسول الإسبانية وشركة رويال داتش شل الهولندية البريطانية (تتخذ من
هولندا مقراً لها) وشركة ستات أويل النرويجية وشركة توتال الفرنسية. بيد أن
شركات نفط كبرى رئيسية رفضت إعطاء إجابة عن السؤال، من بينها شركة اكسون
موبيل الأمريكية وشركة أباتشي كوربوريشن الأمريكية وبريتش بتروليوم
البريطانية وشركة شيفرون الأمريكية وشركة النفط والبتروكيماويات الصينية
وشركة هس الأمريكية وشركة لوك أويل الروسية وشركة أوكسيدنتال الأمريكية
وشركة بتروتشاينا الصينية وشركة بتروبراس البرازيلية.


يضاف إلى ذلك،
تزايد الضغط الواقع على الوقود الأحفوري بوجه عام ومن ضمنه النفط بهدف
تجريده من «الرعاية» التي يحظى بها والمتمثلة في الدعم (Subsidies) الذي
يقدم له والمقدر بحوالي 600 مليار دولار سنويا، بدعوى مساهمة قطاع الطاقة
بنسبة 62% من إجمالي غازات الاحتباس الحراري في العالم، والوقود الأحفوري
يضطلع بحصة 81% من مزيج الطاقة العالمي (Energy Mix). وهناك مطالبات بوضع
ضرائب على الفحم باعتباره مصدر الانبعاثات الرئيسي، وأن السياسات التي
عُوّل عليها في الحد من انبعاثاته، قد فشلت، ذلك أن 85% من الفحم المستخدم
في التصنيع والتدفئة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) وبلدان
الاقتصادات الناشئة، غير خاضعة للضريبة، وأن متوسط الضريبة المفروض على
الفحم هو أقل من 2 يورو للطن . 


ومن الفحم إلى النفط، فهناك ضغط مركز
على قطاع النقل والمواصلات، باعتباره مسؤولاً عن نحو 23% من انبعاثات ثاني
أكسيد الكربون، وحوالي 14% من إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
ويتوقع بموجب وتيرة الاستهلاك الحالية، أن تبلغ مساهمته في انبعاثات ثاني
أكسيد الكربون نحو 40% بحلول عام 2035. وهناك دعوات صادرة من عدة جهات
تطالب بالتخلص من 90% من السيارات من المدن في المستقبل، واستبدالها بوسائل
مواصلات عامة وبخدمات النقل المشترك. ويمكن القول بأن مؤتمر باريس للمناخ
قد قرع جرس الإنذار للوقود الأحفوري، للفحم منه على وجه الخصوص يتلوه النفط
من حيث الاستهداف في قادم الأيام بإجراءات سوف يجري اتخاذها تباعاً بصورة
متدرجة وهادئة .هذا ما نخشاه من التوجهات والسياسات، الأوروبية خصوصاً،
والأمريكية جزئياً، والعالمية بوجه عام، الآخذة في التجاسر على النفط،
والعاملة -ليس فقط الاكتفاء بالمطالبة – على سرعة إحلال مصادر الطاقات
المتجددة محل مصادر الطاقات الأحفورية ومنها النفط، من خلال وضع أهداف كمية
(Quantitative targets) ومتابعة عملية الوفاء بها. الحديث لا يتعلق بأثر
ومفاعيل هذه السياسات والتوجهات في المدى القصير أو المتوسط. لن تستطيع هذه
السياسات والتوجهات استبعاد النفط من معادلة الطاقة العالمية، على الأقل
حتى عام 2030، وهي السنة التي حددها معظم الدول للوفاء بالتزاماتها
المتعلقة بخفض انبعاثاتها من غازات الاحتباس الحراري. هذا طبعاً كابوس يؤرق
منتجي ومصدري النفط في العالم قاطبة. ما الذي يتعين عليهم فعله؟ ليس في
وسعهم سوى مجاراة السياسات التي تستهدف النفط من خلال إخراجه التدريجي من
ميزان الطاقة، بسياسات موازية وفورية. 
اقرأ المزيد

صندوق النقد: عجز ميزانيات دول الخليج سيتجاوز تريليون دولار خلال 5 سنوات بسبب انخفاض أسعار النفط

من المتوقع أن تخسر
دول الخليج العربية تريليون دولار خلال السنوات الخمس المقبلة بسبب انخفاض أسعار النفط،
الأمر الذي يفرض عليها اتخاذ إجراءات للتكيف مع الواقع الجديد، حسب تحذير صادر عن صندوق
النقد الدولي









.











وخلال
عام 2015 وحده، خسرت بلدان الشرق الأوسط المصدرة للنفط 360 مليار دولار بسبب انخفاض
أسعار البترول، حسب تقديرات الصندوق

.
وينصح
الصندوق دول الخليج العربية بأنها تحتاج “بشكل عاجل للغاية” إلى إصلاحات
للتكيف مع استمرار هذا الانخفاض لسنوات قادمة









.




ويشير أحدث تقرير
بتوقعات الصندوق المستقبلية بشأن منطقة الشرق الأوسط إلى أن انخفاض أسعار النفط والاضطرابات
المتزايدة في بعض دول المنطقة سوف يؤدي إلى وقف النمو عند 2.5 في المئة









.




وفيما يتعلق بالعجز
في الميزانيات، فإنه سوف يبلغ 13 في المئة من أجمالي الناتج المحلي هذا العام في دول
مجلس التعاون لدول الخليج، حسبما نقلت وكالة فرانس برس عن مسعود أحمد مدير منطقة الشرق
الأوسط ووسط آسيا في صندوق النقد الدولي









.




ويتوقع أن يتجاوز
إجمالي العجز في ميزانيات هذه الدول خلال السنوات الخمس المقبلة تريليون دولار مع هبوط
سعر برميل النفط من 114 دولارا في شهر يونيو/حزيران الماضي إلى أقل من 30 دولار

،
وساهمت
زيادة المعروض من النفط وضعف الطلب عليه بشكل كبير في إنخفاض الأسعار









.





بي بي سي:  21 أكتوبر 2015






اقرأ المزيد

61 عاماً من النضال من جبهة التحرير إلى الوطن

تمرُ في الخامس عشر من فبراير/ شباط الجاري الذكرى الحادية والستون لتأسيس جبهة
التحرير الوطني البحرانية، أول تنظيم طليعي للعمال والكادحين في البحرين، مسلح بالفكر
الاشتراكي العلمي، ومُفعم بحب الوطن والإخلاص لشعبه

، والتفاني في النضال في سبيل قضاياه العادلة
وتطلعاته في الحرية والإستقلال الوطني والعدالة الإجتماعية والتحول نحو
الديمقراطية.




وقد تربت، على مدار أكثر من ستة عقود أجيال من المناضلين في صفوف جبهة التحرير
الوطني، واليوم في وريثها الفكري والسياسي والتنظيمي، المنبر التقدمي، على المبادئ
التقدمية والديمقراطية والدفاع عن حقوق الشعب والنضال في سبيل تحقيق تطلعاته في الديمقراطية
والتقدم الإجتماعي والحياة الحرة الكريمة، وضمان الإستقلال الوطني للبلاد، ورفض أشكال
الوصاية الخارجية والوجود العسكري الأجنبي، ومن أجل حقوق المرأة وإشاعة ثقافة التسامح
والتنوير والحداثة في المجتمع، ونبذ التخلف والجهل والتعصب









.

وأرست جبهة التحرير تقاليد راسخة في العمل السياسي في البحرين، وأسست تياراً
سياسياً وفكرياً وإجتماعياً فاعلاً يُنظر إليه والى دوره بتقدير واحترام واسعين في
المجتمع، وقدم هذا التيار العديد من الرموز والشخصيات الوطنية ذات المكانة البارزة
في المجتمع، كما تنتسب إليه الكثير من الكفاءات في المجالات المهنية والأكاديمية وفي
الحياة الثقافية والاجتماعية في البحرين، فضلاً عن دور الجبهة في التأهيل الأكاديمي
للمئات من أبناء وبنات البحرين في جامعات الاتحاد السوفيتي والبلدان الاشتراكية سابقاً،
حيث يتبوأ الكثير من هؤلاء مواقع مرموقة في حياة البحرين









.

كما أن التيار الذي أسسته جبهة التحرير أدى ويؤدي دورا كبيراً في التعريف بالبحرين
وقضاياها الوطنية والديمقراطية في صفوف قوى حركة التحرر الوطني العربية وفي الحركة
الديمقراطية واليسارية في العالم









.

وقدمت جبهة التحرير في ظروف النضال السري الصعبة الكثير من التضحيات الغالية
حيث أفنى المئات من مناضليها، ومن أجيال مختلفة، زهرات شبابهم في السجون والمعتقلات
والمنافي. ومن أجل قضية الوطن استشهد حسن نظام وسعيد العويناتي والدكتور هاشم العلوي،
كما رحل في صقيع المنفى بعيدا عن الوطن كل من القائدين العماليين علي مدان وعزيز ماشالله









.

إن التيار الذي أسسته جبهة التحرير وُجد ليبقى، وهو سيستمر حاضراً في مستقبل
البحرين وأجيالها القادمة، كما كان حاضراً في الماضي وفي الحاضر

، مناضلاً في سبيل حقوق الجماهير، ومنارة
للتقدم والحرية.

اقرأ المزيد

الثورات العربية بين مطرقة الاستبداد وسندان الإرهاب


قبل البدء في
الحديث عن الثورات والحال الذي انتهت إليه، وأسباب تعثرها والنتائج التي خلفتها…دعونا
نحاول ايجاد وصف حقيقي للمرحلة التي تجتازها المنطقة العربية بعد مرور خمس سنوات
على بداية شرارة الربيع العربي التي انطلقت من تونس وعمت بقية الأقطار العربية؟؟


في هذا الإطار
يمكن القول دون الوقوع في خطأ المبالغة أو التهويل .. بأن هذه المرحلة هي مرحلة
التغيرات والتحولات الكبرى  .. ومرحلة
الصراعات والحروب الطائفية، هي مرحلة مروعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى فقد شارفت
معظم الدول العربية الكبرى على الدخول، إن لم تكن دخلت فعلا دائرة خطر التفكك والانقسام
والانهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وقد قاد الوضع المضطرب إلى انهيار التوازن
الجيوسياسي في المنطقة، لصالح اطراف وقوى اقليمية ودولية لها مشاريعها واهدافها
التي تتناقض كلياً مع المصالح العربية ومن بينها محاولة فرض معادلات سياسية وإقامة
نظام إقليمي جديد متسقاً مع نظرية الشرق الأوسط في المنطقة.


أذن من الضروري
والمهم معرفة مسار الأقطار العربية وإلى أين ستقودها الأحداث الملتهية فيها؟؟


هذه المقدمة
ضرورية، لأن الأوضاع التي وصفناها بالمروعة قد جاءت أو حصلت في أعقاب ثورات
وانتفاضات شعبية عمت بعض الأقطار العربية حين خرجت الشعوب مطالبة بتغير واقعها
السياسي والاجتماعي، ومواجهة الاستبداد والفساد، والتطلع لبناء أنظمة سياسية جديدة
قوامها الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية وتحقيق المواطنة المتساوية
التي لا تميز بين المواطنين لدوافع سياسية أو دينية أو طائفية.


وبالرغم من
مشروعية هذه المطالب التي نادت بها الشعوب الثائرة إلا أن هذه الثورات قد أخفقت في
تحقيقها، وانتهى بها الحال إلى حالة من الفوضى والصراعات الطائفية والحروب الأهلية
، وهوما أثار أنقساماً حاداً في الآراء والمواقف من هذه الثورات وحول أسبابها
والنتائج التي انتهت ليها؟؟؟


في هذا السياق
تطرح عدة تساؤلات تفرض نفسها الأول لماذا فشلت الثورات في انجاز عملية التحول
السياسي وبناء انظمة ديمقراطية ؟وهل هذا الفشل يعود إلى طبيعة وخصوصية المنطقة
العربية أم يعود إلى طبيعة او مقومات الدولة العربية نفسها؟ الرافضة أو المخاصمة
للقيم الديمقراطية ولماذا هناك من يصر على تحميل هذه الثورات كل الأوزار والخطايا
والتداعيات السلبية التي رافقتها؟؟


طبعاً هذا البعض
يتحدث عن مقاييس الفشل والنجاح وهو يستدعي المقارنة بين فشلنا ونجاح دول مثل
أوروبا الشرقية في تسعينيات القرن الماضي. وامريكا اللاتينية في ثمانيانيته؟؟


هنا ينبغي أن ندرك
جيداً أن الانقسام الحاصل في المواقف من الثورات يعود بالأساس إلى تضارب المصالح
وتعارض الأدوار لكل الأطراف والقوى المؤثرة أو المتأثرة وكذلك الدول الداعمة أو
المناهضة لهذه الثورات.


سوف لن نتوقف
طويلاً عند أسباب دعم ومساندة هذه الثورات لان لذلك قصة ترتبط بالقييم الإنسانية
وجذورها الممددة في التاريخ حول المظالم وانتهاكات حقوق الأنسان.. أنما ما يعنينا
هنا موقف الأطراف والقوى المناوئة والرافضة لهذه الثورات التي لا ترى فيها سوى
العيوب والمثالث.. دون التوقف بشكل موضوعي ومنصف عند الأسباب الحقيقية لكل
التداعيات السلبية التي رافقت هذه الثورات ؟؟


وسوف نشير هنا إلى
مجموعه من الأسباب على سبيل المثال لا الحصر منها :



1)   




سياسات الأنظمة التي ثارت عليها الجماهير حيث
تعاملت بقسوة ووحشية لا مثيل لها مع هذه الثورات عبر تغليبها الخيار الأمني
والعسكري؟؟ وهو ما يعني ن هذه التحركات الشعبية قد أصطدمت بهياكل مستبدة غير قابلة
أو راغبة في التغير  وفي التحول
الديمقراطي.. وقد قامت هذه الهياكل بدور عائق وتدميري ليس في مناهضة التغير وافشال
الثورات فقط بل قامت بخلق قوى وتنظيمات وجيوش من الانتهازيين والنفعيين الذين
أججوا المشاعر والغرائز الطائفية لتشويه وضرب هذه الثورات، وقد قامت بخلق هذه
القوى من العدم والنفخ في روحها من اجل الوقوف في وجه التحول السلمي وهذا هو في
الحقيقة من ادخل هذه البلدان في الفوضى السياسية والأمنية وهيئ الأرضية للنزاعات
الأهلية الطائفية وتمزيق البنى الاجتماعية الضعيفة أصلاً.







 



2)   




السبب الثاني: هو اللجوء إلى العنف والتطرف
والأرهاب كوسيلة لمكافحة الاستبداد وبهذه السلوكيات والممارسات تم تقديم خدمة
جليلة للأنظمة للبطش بهذه التحركات الشعبية. كما أن هذه التطرف وفر الظروف
المناسبة لتنامي دور العامل الخارجي حيث أتاح المجال لتدخلات قوى اقليمية ودولية وتأثيرها
في الأحداث ،، ومحاولة توجيه مسارها بما يخدم أهدافها وأجنداتها؟؟






صحيح هناك مستويات متفاوتة في استخدام العنف واشكاله
واحجامه بين دولة وأخرى، الأ ان العنف مهما كان هو في نهاية المطاف يمثل خروجا عن
الخط السلمي ويقدم المبرر الذي يسعف الأنظمة في البطش بهذه الثورات، أما فيما
يتعلق بالقوى الإرهابية تحديداً فهي بدون أدني شك قد استغلت حالة الفوضى والفراغ
الساسي والأمني في بعض الدول العربية لتدفع بقواها الشريرة وباستراتيجيتها الإجرامية
في نشر الرعب والموت في كل مكان وهي شريك مع الأنظمة في دفع الدول إلى نفق
الصراعات والحروب الأهلية الطائفية الدموية التي لا زالت تستنزف هذه الدول وتعمق
جراحاتها وتمزق وحدتها الوطنية.






وهو ما يؤكد حقيقة التحالف غير المعلن بين القوى
الإرهابية والأنظمة الاستبدادية في مواجهة وافشال الحراك الشعبي، بعد أن تمكنت تلك
القوى من سرقة الثورات وافسادها وتشويه اهدافها والانحدار بها إلى بؤر الصراعات
والحروب.     


 



3)   




ثالث هذه الأسباب:





غياب أو ضعف القوى والأحزاب الوطنية ذات التوجه الوطني
والمدني وفشلها في قيادة هذه الثورات، لأنها بالأساس لم تكن حاضره أو مبادرة في
اشعالها.. أنما حاولت اللحاق بها ومساندتها في مرحلة متأخرة وهو من أفسح المجال
لقوى الشباب الذين يفتقرون إلى النضج الكافي وإلى الخبرة السياسية وغياب القدرة
على قراءة المتغيرات والتوازنات الإقليمية والدولية بالرغم من تشبعهم بالحماس
والحس الوطنيين؟؟؟


وهنا قد يثار جدل حول مسالة عفوية هذه الثورات أم
التخطيط المسبق لها وهذه قضية أخري لا يتحمل الوقت الخوض فيها.


 



4)   




السبب الرابع:





بروز قوى التيارات الإسلامية على مختلف عناوينها
وتلاوينها في مواجهة وقيادة هذه الثورات والسعي إلى جنى ثمارها وفق أجندتها.


ومعروف أن هذه القوى رغم مقارعة بعضها للأنظمة الحاكمة
إلا انها لا تملك مشروعاً أو رؤية واضحة للحكم البديل ولا لشكل الدولة التي يمكن
أن تقام بعد التحول السياسي الجديد.


كما أن هذه القوى
تفتقر الى القيادات ذات المستوى العالي من الخبرة والحنكة السياسية وكذالك ضيق أفق
إستراتيجيتها في عالم شديد التعقيد ، إضافة الى النزعة الإقصائية التي تمييز علاقة
هذه التيارات بالقوى السياسية الأخرى المختلفة معها في الرؤية السياسية والفكرية .


5) السبب الخامس :


الاستعجال في جني
ثمار الثورات والانتفاضات ، ورفع سقوف المطالب دون أي حساب للتوازنات المحلية ،
ودون تبصر للعواقب التي يمكن أن تنعكس سلبا على المجتمع وعلى الحراك الجماهيري
نفسه ، خاصة عندما ينقسم المجتمع على نفسه وتطفو كل الخلافات الكامنة على السطح
وتنفجر على شكل خلافات طائفية أو عرقية وهو ما يسمح لقوى الثورة المضادة باختراق
هذه الثورات … بينما المطلوب قدر أكبر من الوعي السياسي والوطني ، والتمسك بمبدأ
الشراكة والتوافق الوطني للعبور بالثورة والحراك الى بر الأمان .


ولعل هذا الأمر
يمثل أحد أهم دروس هذه الثورات الذي يجب تعلمه وهو عدم أمكانية نجاح اي ثورة أو
حراك في ظل انقسام اي مجتمع ، والذي يشكل أحد رهانات الأنظمة الحاكمة في قمع
الثورات .


هذا إضافة الى
ضرورة وجود حد أدنى من الاتفاق بين كافة القوى السياسية والمكونات المجتمعية على
المبادئ العامة الحاكمة لهذه الثورة أو الحراك ، وكذلك حول النتائج التي يمكن أن تتمخض
عنه ومن هذه المبادئ الاتفاق على شكل وصيغة النظام السياسي وسقف الإصلاحات
السياسية وإدراك خطورة تدويل القضايا الوطنية وكذالك مبدأ رفض العنف والتطرف ،
وحرمة دماء المواطنين كافة والامتناع عن كل أشكال التحريض السياسي والطائفي ، واحترام
حق الاختلاف ، وأخيرا رفض تسييس كل ما هو غير قابل للتسييس مثل الدين والمذهب
والقضاء والأعلام .


6) السبب السادس :


التعويل على دعم
ومساندة القوى الدولية مثل الولايات المتحدة الأمريكية أو دول الاتحاد الأوربي أو
غيرها من القوى الخارجية والثقة المطلقة فيها وربما ذالك يعود الى سوء أو خطأ
قراءة القوى السياسية والشبابية لمواقف هذه الدول التي تحتكم الى المصالح ولا
تحكمها ثوابت أو معايير أخلاقية وهذا يمثل جهل بالوجه الأخر للسياسة وتحالفاتها الانتهازية
عند هذه الدول وقد يعود ذالك الى تلقي بعض القوى السياسية أشارات أو وعود بدعم التغيير
والتحول السياسي في هذا البلد أو ذاك ، في الوقت الذي بات واضحاً أن للقوى الدولية
إستراتيجيتها الخاصة في تعاملها مع التحركات الجماهيرية وبما يخدم أهدافها في
إعادة رسم المنطقة وتغيير خرائطها القديمة ، وإقامة دول وكيانات وفق المحاصة
الطائفية أو العرقية ، كما هو حال العراق النموذج الذي قدمته هذه الدول
للديمقراطية المزعومة .


ما نريد أن نصل
إليه في ختام هذه الورقة هو أنه رغم هذه العوامل التي سقناها حول تعثر أو إخفاق
الثورات ، إلا أنه من المبكر إصدار أحكام نهائية على هذه الثورات ، خاصة وإن
ساحاتها لازالت مشتعلة ، وتفاعلاتها تتصاعد حيث من الصعب التكهن بشكل نهاياتها
ونتائجها وربما سوف يستغرق الأمر سنوات عديدة حتى نستطيع تقييم إخفاقاتها أو
نجاحها بصورة عادلة ومنصفة .


الثورات لم تنجح
صحيح .. ولكنها لم تفشل بالمطلق أيضاً سوى في بعض الآمال والتوقعات المرتفعة وغير
الواقعية وعلينا عدم لوم الشعوب التي ثارت ، وعدم الكفر بقدرتها على إحداث التغيير
في يوما ما فهذه الشعوب قد قامت بدورها الطبيعي في مواجهة الظلم والاستبداد والسعي
نحو الحرية والعدالة والمساواة … وإن هذه الشعوب قد قامت بتحدي قواعد اللعبة
القديمة التي رسمتها الأنظمة وحدها وتحكمت في مخرجاتها لعقود طويلة ، وكسرت بذلك
حواجز الترهيب والحقوق .


أن هذه الثورات والانتفاضات
الشعبية رغم ما خلفته  من نتائج قد نختلف
أو نتفق في تقييمها ، فإنها بدون شك قد فتحت الأبواب مشرعة أمام الدول العربية
لطرق أبواب الديمقراطية لدخول مستقبل أفضل خالً من الاستبداد ومن التخلف ، ومن
مخاطر شرور الطائفية بعد أن كشفت هذه الثورات هشاشة البنى السياسية وضعف التماسك الاجتماعي
الوطني وهو ما يؤكد أنه ليس هناك ثورة أو حراكا وطنيا ما لم تكن أهدافه ومشاريعه
وطنية ديمقراطية جامعة وموحدة ، بهذه الرافعة وحدها يمكن أن ينهض أي وطن وأي مجتمع
وبها يمكن سد كل الفراغات التي يتسرب التطرف والإرهاب وكل التدخلات الخارجية
ومشاريعها المدمرة.


وعلى كل الدول
والمجتمعات الغارقة اليوم في وحل الطائفية أن تصحو من هذه الكوابيس، وتدرك أن كل
المشاريع والصيغ الطائفية لا مكان لها على خارطة المستقبل ، وإن المستقبل فقط مع
وحدة مكونات هذه الدول وحصول كل واحدة منها على حقوقها كاملة دون نقصان … وأي
فهم أو سلوك قاصر في هذا الاتجاه يفرض علينا إعادة صياغة العلاقة بين هذه المكونات
والاعتراف بأنها جميعها أجزاء أساسية في كيان الوطن الواحد . ولعل ذلك يمثل أبلغ
دروس الثورات العربية.








*عضو الأمانة العامة للتجمع القومي الديمقراطي، والورقة قدمت في ندوة
بمقر التجمع مساء 18 يناير/ كانون أول 2016 





اقرأ المزيد