المنشور

تاريخ هجرة الوافدين إلى دول الخليج

نظام كفالة العامل الوافد نشأت أساساً في حقبة الإستعمار البريطاني في الخليج في الفترة التي سبقت عصر النفط، وذلك خصوصاً من أجل تنظيم صناعة الغوص، حيث كانت لبريطانيا السلطة القانونية على جميع الأجانب الساكنين في دول الخليج. وأخذ الانجليز ينظمون القوانين لأهداف أمنية واقتصادية في آن.. وبناء على هذه التوليفة التقت مصالح عدة أطراف وتشكلت حولها شبكات هجرة عمالية متشبعة.
وكانت هجرة الوافدين مدخلًا لبريطانيا للتدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج،. فيما كان اهتمامهم سابقاً مقتصراً على تنظيم العلاقات الخارجية لحكام الخليج، ومن أهداف بريطانيا لزيادة عدد رعاياها من الوافدين – ومن جنسيات معينة – في دول الخليج لخدمة أهدافها الإستعمارية، بحيث تتم خلخلة التركيبة السكانية إلى إثنيات وطوائف مختلفة، وزيادة نفوذهم في المنطقة.
ولم يكن مبدأ استخدام الكفالة أمراً جديداً للمسؤولين البريطانيين، إذ كانوا يمارسونه بانتظام في جميع أنحاء الإمبراطورية. وفي بداية عصر النفط في الخليج، برز التصنيف البيروقراطي للوافد .. حيث لجأت السلطات البريطانية إلى فتح الباب لتدفق العمالة الوافدة إلى الخليج من مناطق كانت تحت الإستعمار البريطاني . وفرضت على صاحب العمل /الكفيل، دفع مبالغ لاستخراج التأشيرات للوافدين.
مسقط كانت لها علاقة سكانية اكثر توطداً بالقارة الهندية، فلم يوجد فيها سوى نحو 500 من الرعايا الهنود تحت السيادة البريطانية حتى خمسينيات القرن الماضي، أغلبيتهم من التجار (رعايا بريطانيا) .
وارتفعت اعداد العمال المهاجرين الخاضعين للسيادة البريطانية على نحو مطرد مع بداية السبعينات من القرن الماضي، خصوصاً مع بروز القوى الوطنية التي تسببت بنشوب بعض الاضطرابات والمطالبات الوطنية.
وبعد رواج فكرة القومية العربية في تلك الفترة، تم تسييس إجراءات التوظيف وتصنيف العمال من قِبل بريطانيا لزيادة العمالة الوافدة غير العربية في دول الخليج، وتنامت لدى بريطانيا وحكومات دول الخليج الشكوك من الأفكار السياسية والثورية التي قد تأتي مع الوافدين العرب، وزعموا أن الوافدين العرب يشكلون خطراً أمنياً على نحوٍ متزايد.
وبناء على هذا، جرى السير على الخطى التي رسمها الإستعمار البريطاني سابقاً، وتبنى مبدأ جلب العمالة من عدة دول غير عربية متفرقة، بحيث أصبحت الجنسية والطبقة والحالة الاجتماعية للوافد جزءاً رئيسياً من وسائل الضبط المتبعة من جانب الدولة والكفيل معاً للتحكم في الوافدين.
وبلورت بريطانيا السمات الفريدة لنظام الكفالة في دول الخليج، التي لا تزال موجودة حتى اليوم: هجرة عمالية غير مقيدة، في مقابل حقوق الجنسية المقيدة، بحيث يتم التحكم في هذه الهجرة عبر نظام كفالة المواطنين للوافدين من العمال.
وبسبب غياب الوعي لدى شريحة من المنتفعين، تجذّر نظام الكفالة كجزء رئيسي من عملية تنظيم سوق العمل في الخليج منذ بدايات رسم شكله الحديث في فترة الحكم الإستعماري البريطاني.
ومع تضخم المزايا الاقتصادية والاجتماعية المتوفرة للمواطنين، في مقابل فتح سوق العمل عالمياً، أصبح استقطاب العامل الأجنبي أكثر جاذبية من ناحية التكلفة الاقتصادية والقيود القانونية مقارنة مع المواطن، لذلك توجه القطاع الخاص نحو توظيف الوافدين بشكل متزايد، حيث تركزت أغلبية العمال الوافدين فيه. أما المواطنين، فقد عزفوا عن القطاع الخاص نظراً لتدني الحقوق والرواتب في فترة من الفترات..
إضافة إلى ذلك، بدأ المواطنون انفسهم بالانتفاع بالمزايا التي توفرها عملية استقطاب العمال الوافدين، وانتشار التجارة المستترة، وهكذا سار المواطنون على الخطى التي رسمها المسؤولون، وبدأت اعداد العمالة الوافدة في الخليج تتزايد بشكل مطّرد.
وبعد فشل دول الخليج في تنويع مصادر الدخل، ظهرت مشاكل اقتصادية واجتماعية عديدة، على رأسها ارتفاع معدل نسب البطالة، التي من بين أسبابها توغل العمالة الوافدة في مفاصل الاقتصاد وتسيسه.
وبدأت حكومات المنطقة في التفكير مؤخراً في توطين الوظائف والإحلال في القطاعين العام والخاص،
وفي المقابل أخذت اللوبيات الراسمالية والشركات العائلية في المنطقة بمقاومة فكرة إحلال وتوطين موطني دول الخليج بحج مختلفة منها أن المواطن لا يملك الخبرة ولا المهارة.. الخ.

النتيجة..
إن كل الأطراف الفاعلة في الاقتصاد كان لها مصلحة شخصية وآنية من تواصل هذه العملية، بمن فيهم أصحاب القرار في السلطة، ومؤسسات الدولة، ورؤوس الأموال، والمواطنون، والوافدون، والدول التي يأتون منها، وتمكنوا جميعا من بسط مصالحهم الشخصية والآنية على مصلحة أبناء الوطن البسطاء، وبدأت منظمات العمل والاتفاقيات الدولية، تضغط على دول الخليج لإعطاء الوافدين حقوقاً سياسية واقتصادية واجتماعية، أسوة بالمواطنين، وأصبح المواطن البسيط غريباً في وطنه، وأصبحت هويته وهوية أبناءه على المحك، وتحول مواطنو الخليج إلى أقلية في بلدانهم.
ولا ننكر جهود العمالة الوافدة في بناء ونمو دول الخليج على كافة الأصعدة، وعلينا جميعا الوقوف إلى جانبهم في قضاياهم وحقوقهم الإنسانية والعمالية، ولكن في المقابل يجب على أصحاب القرار، أن تكون لديهم رؤية شاملة واضحة ، لتصحيح المسار على كافة الأصعدة لتحقيق المصلحة العليا للوطن وأبنائه، وهذه الرؤية لابد أن تأخذ في الاعتبار عامل المؤامة لإنصاف الجميع وفق القوانين والاعراف الدولية والإنسانية.
مصادر:
– الكفالة والتبعية في مجتمعات الخليج العربية – مجموعة من الباحثين.
– تصدير الثروة واغتراب الإنسان، تاريخ الخلل الإنتاجي في دول الخليج العربية – عمر هشام الشهابي.

اقرأ المزيد

الحالة العربية: اصلاح سياسي أم ديني أم اقتصادي

على ضوء ما تمر به الأمة من تخلفٍ علمي ومعرفي وتكنولوجي واقتصادي، جعل الامة العربية تابعة للغرب في كل مجالات الحياة، معتمدة عليه في كل مستلزمات حياتها ووجودها، واستيراد كل ما تحتاجه مما يجعلها رهينة في يد مزوديها غير قادرة على الدفاع عن حقوق شعوبها وعن قضاياها المصيرية، برز في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تيار تنويري حاول الخروج من هذه الأزمة وانتكس في الخمسينات، وتستمر الازمة وتتعدد الرؤى حول الخروج منها.
هناك من يرى أن الاصلاح الاقتصادي هو المخرج، حيث أن ذلك سوف يخلق طبقة متوسطة فاعلة وقادرة على المطالبة بحقوقها واستقلالها وحريتها السياسية في تحديد دستورها ونظام حكمها، وقامت ثورات الربيع العربي وفق هذا المنظور ابتداء من تونس التي بها طبقة متوسطة كبيرة ومنظمات مجتمع مدني متطورة طالبت باصلاحات اقتصادية ومعيشية تطورت إلى مطالب سياسية، وتمكنت من تحقيق تطور نسبي في تقدمها السياسي. لكن هل هذا سوف يوصلها إلى التقدم في المجالات العلمية والتقنية والتحول نحو مجتمع المعرفة؟
وهناك من يرى أن الخروج من الأزمة يحتاج إلى اصلاح سياسي جذري تتحول بواسطة الدول العربية الى ديمقراطيات ليبرالية تقوم على مبدأ المواطنة والعدالة الاجتماعية. هذا التيار يحار في كيفية البدء في الاصلاح السياسي، هل يتم من قبل الحكومات نفسها بالتدرج، أو يتمّ من خلال تحركات شعبية تقدمية تفرض ارادتها سلميًا على الحكومات، كما هي المحاولة في لبنان مثلا وتجبر المؤسسة السياسية على اصلاحات جوهرية في نظام الحكم.
وهناك من يرى بأن هذا الاصلاح لن يتم ما لم يسبقه اصلاح فكري، ثقافي وديني يعيد الحرية للانسان في الاختلاف ويمنحه حق المساءلة وطرح البدائل عن القضايا الفقهية التقليدية التي حكمت الفكر والوعي العربي المسلم على مدى عشرة قرون، منذ البيان القادري الذي أسس لعقيدة السنة والجماعة ومعه التحولات في العقيدة الشيعية.
هذا التيار يرى الاصلاح في المطالبة بفتح باب الاجتهاد ورفض التراث التقليدي واستعادة الصدارة للقرآن في التشريع ورفض مبدأ القياس والإجماع الذي حوّل العقل العربي إلى عقل قياس عاجز عن الابتكار، ومنع الإنسان من حق التدبر، واحتكر التفسير والتاويل وفرض رؤية واحدة وضعها فقهاء وعلماء اجتهدوا لعصورهم ووفق ظروف حياتهم وعلاقاتهم السياسية والاجتماعية وسقفهم المعرفي في فترة من تاريخ الأمة لعبت الحروب الأهلية والنزاعات فعلها في تسيير الفكر والعقل وتوظيف الدين في السياسة. الآن أصبح من الضروري تجديد هذه الرؤية، لأنها تخنق العقل وتشلّ التفكير وترفض الابتكار والابداع وتشيع ثقافة الاستسلام والخنوع والقناعة الزائفة.
الظاهر أن هناك علاقة جدلية بين المحاورالثلاثة للاصلاح. فاأيها المفتاح في التطور؟ هذه المحاور الثلاثة تمثلها ثلاث قوى متحكمة في مصير الأمة. وهناك تحالف بين هذه القوى الثلاث في الوطن العربي. تحالف بين القوى السياسية والقوى الاقتصادية والقوى الدينية. تقول اليزابيث جاكوب في كتاب (After Piketty,p512) “بأن القوة السياسية تجلب القوة الاقتصادية والقوة الاقتصادية تعزز وتزيد من القوة السياسية، وهذه دائرة مغلقة تصاعدية في صالح تكريس السلطة السياسية وتركيز القوة الاقتصادية من الصعب كسرها”. وإذا ما اضيفت لها السلطة الدينية يصبح الخلاص من قبضتها مهمة عسيرة جدًا.
استفاد الغرب في نهضته من الصراع بين السلطة الدينية (الكنيسة) والملوك (السلطة السياسية) وبين الاقطاعيين (السلطة المالية) في العصور الوسطى وحتى بدايات عصر النهضة. هذا الصراع الثلاثي أضعف الاطراف المتصارعة، وتمكنت الطبقة المتوسطة بفضل الثورة العلمية والفكرية والدينية والصناعية ان تفرض ارادتها تدريجيا في بريطانيا وثوريا في فرنسا، في حين نجد أن التجربة الإسلامية سارت على عكس هذا المسار، فقد هيمنت السلطة السياسية على السلطة الدينية وجعلتها في خدمتها منذ البدايات، وتمكنت من السيطرة على المال لاخضاع المجتمع بالترغيب والترهيب. حدث ذلك في جميع مراحل الحكم مع القليل من الاستثناءات التي لم تؤثر على مسار التاريخ. في هذه الاحوال المعقدة كيف يمكن للوطن العربي أن يخرج من هذا المأزق الثلاثي وماهو المزيج والتراكم والتدرج المطلوب للتغلب على هذا التحالف؟
في تقرير الامم المتحدة حول المعرفة لعام 2003 يرى التقرير الذي شارك في وضعه مفكرون وكتاب عرب في أن الطريق وعر وشاق ويحتاج إلى مقاربة ثلاثية المحاور: الاصلاح الاقتصادي مرتبط بالقدرة على انتاج المعرفة وهذا يحتاج الى مجتمع قوي وتبلور ارادة سياسية تهيئ الارضية لمنظومة انتاج المعرفة بدءا ببناء رأس مال بشري وبناء مؤسسي، اي أن الاصلاح الاقتصادي مرتهن بقرار سياسي يضع الأسس البنيوية والأخلاقية والقيمية من حريات وانفتاح تسمح بالبحث العلمي الحر، ونشر نتائجه دون تعرضه لرقابة مؤسسية وذاتية. ويجد أن المشكلة تكمن في امكانية نشر نتائج الأبحاث في العلوم الإنسانية والاجتماعية والثقافية التي لا بد وأن تصطدم بالثقافة الدينية السائدة والمنظومة السياسية القائمة. فيقول بأن “المعرفة لا تنشأ في فراغ مجتمعي، ولكن في مجتمع له واقع وتاريخ وسياق اقليمي وعالمي، وهذا الأخير له أهمية كبيرة في حالة الوطن العربي”.
يتراوح السياق العام في الوطن العربي بين الاستبداد المطلق والاستبداد المقنن والديمقراطية الإجرائية النسبية. وهناك منطقة رمادية يسميها البعض التحول الديمقراطي. هذا النموذج يحتاج إلى سنوات، إن لم يكن اجيال لكي يؤسس ثقافة الديمقراطية مكان ثقافة الاستبداد. هذا إذا توافرت له منظومة تعليمية صالحة وإعلام منفتح وحرية فكرية ترتكز على تشريعات تحمي حرية الرأي والفكر والإبداع، وحرية الاعتقاد. يمكن لهذا التوجه أن ينشر ثقافة حقوق الإنسان والتعددية وقبول الآخر المختلف في الدين والمذهب والفكر. لكن هل ستسمح الأنظمة بتأصيل ثقافة الديمقراطية التي قد تقتلعها في المستقبل؟
هل التعويل على وعي الشعب ممكن وقائم؟ وكيف سيتأسس هذا الوعي في ظل إعلام مهيمن على الساحة الثقافية والفكرية والعقائدية ويغذي الشعب إما بالتطرف الديني القائم على الإرهاب والقتل وإما على الخنوع والطاعة العمياء، دون أن تكون هناك حلول وسط، وخصوصا في الدول الكبيرة المؤثرة في الوطن العربي التي تخضع لهذه الأنواع من الانظمة.
التيار الذي يقول بالاصلاح السياسي (في صيغته المحافظة المتدرجة) يعقد الأمل على الدول الملكية التي تستند إلى شرعية تاريخية قوية وإلى شعوب اكتسبت مستوى من التعليم، وطبقة وسطى حية في بعضها أن تقوم هذه الأنظمة باصلاحات اجرائية تفتح المجال أمام اصلاحات قيمية ودستورية تمنح حقوقاً سياسية أكثر مواءمة مع متطلبات النزاهة والشفافية وحرية الرأي والاختلاف والتعددية. العامل الآخر الذي قد يسرّع من هذه العملية بشكل متدرج هو التحول من الاقتصاد النفطي الريعي إلى اقتصاد انتاجي يفتح مجالًا للصناعة أن توسع من الطبقة الوسطى وتربط مصيرها بإعادة توزيع الثروة والاستثمار في المعرفة والإنتاج والإبتكار.
يدعم هذه التيار ما قاله المفكر فهمي هويدي من أن “الإصلاح الديني مهم ولا غنى عنه، ولكن الإصلاح السياسي أهم”، كون الأخير يخلق مناخات حرّة تنعش الحوار “ما يحرك ركود حركة الاجتهاد والتجديد”، لأن “الاستبداد بمختلف تجلياته كان أحد أهم المصادر التي فرضت العنف المستند إلى المرجعية الدينية. ذلك أن انسداد قنوات التعبير السلمي دفعت بعضًا من النشطاء المتحمسين إلى محاولة التغيير باستخدام العنف”. من جانبه، اعتبر الباحث السوري جاد الكريم الجباعي أن “العصبية هي كلمة السر في التحليل الاجتماعي التاريخي، لا الدين… لذلك نعتقد أن إصلاح السياسة يفضي إلى إصلاح ديني، لا العكس”.
غير أن هناك تيار قوي يقول بأن الاصلاح الديني هو الأهم والأساس الذي يحرر الشعوب من قبضة رجال الدين، مقتنعا بأن تحرير الفكر هو الأهم. هذا التيار يزداد قوة وجرأة في الطرح ويدعو إلى استعادة المركزية في الدين الإسلامي للقرآن الكريم معتمدين على أقوال الفقهاء الأوائل، الذين قبلوا الاختلاف والتعدد الفكري بالرغم من التأثير السياسي منذ بدايات العهد الراشدي. هذا الجدل كاد أن يحسم لصالح الاصلاح السياسي في الربيع العربي لولا تدخل المحور الثالث في التحالف وهو المحور المالي الذي أعاد المجتمعات العربية الى ما قبل المربع الأول ليبدأ من جديد يطرح السؤال أيهم أولًا؟ وهل هذا هو السؤال المناسب أم أن الأفضل كيف يكون التفاعل بين هذه العناصر الثلاثة لتحقيق نتيجة التقدم الذي تستحقه الأمة؟

اقرأ المزيد

“كورونا” يفاقم الصعوبات الاقتصادية في البحرين

منذ الأزمة الاقتصادية والمالية في أكتوبرمن 2008 لم يتعافَ الوضع الاقتصادى في العالم وإنْ نجت الرأسمالية في ذلك الوقت، عندما قدّمت الدول الرأسمالية مليارات الدولارات لإنقاد النظام الرأسمالي ومؤسساته من الانهيار والغرق في وحل الأزمة، ولكن تداعياتها لازالت مستمرة، وجاءت جائحة “كوفيد 19” لتكشف من جديد عن المخفي في النظام الرأسمالي وفشل نظامه الصحي وانهياره، في أكثر من دولة في دول المنظومة الرأسمالية، وفي البلدان ذات الاقتصاد الريعي، وإنْ اختلف الوضع فيها، تبقى الحال الاقتصاديه والمالية في وضعٍ لا تُحسد عليه.

سوف نتطرق هنا للوضع الاقتصادي والمالي والمعيشي بشكل عام في بلادنا مع التأكيد على أهمية الإجراءات والقرارات التي اتخِذت من قبل الدولة، يبقى الوضع مقلقاً في ظل حرب الأسعار بين الدول الكبرى المنتجة للنفط ( البترول ) وإنْ حاولت تقليل الإنتاج اليومي من البترول لتحافظ على سعر معين للبرميل ولكن التحديات الماثلة أمامها كبيرة فى ظل استمرار جائحة كورونا واستنزافها أموال طائلة ربما تفوق الميزانيات السنوية المقررة، مما يتطلب إعادة برمجتها وجدولتها وتقليل النفقات المالية، لن تعود معظم الدول الخليجية كما كانت عليه في السابق بسبب العجوزات الكبيرة، وبعضها استمر في أخذ قروض من المؤسسات المالية الدولية وأصبح محاصراً بشروط وإملاءات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والدين العام في ارتفاع مستمر في ظل هذا الوضع الاقتصادي والمالي المتأزم.

وينطبق هذا على بلادنا البحرين وهي تواجه جائحة كورونا، وأصبحت تلجأ إلى مسكنات تخفف من الألم ولا تعالج الموضوع وبالأخص أنها في حاجة ماسّة لسيولة نقدية لكي تنقذ الوضع الذي فيه، فعندما قررت دعم القطاع الخاص (رواتب الموظفين والعاملين البحرينيين) كان خيارها الذهاب إلى صندوق التأمين ضد التعطل لتأخذ منه ( 215) مليون دينار لتغطية عجزها المالي .

كما طُرح مشروع بقانون تمّت الموافقة عليه من قبل لجنة الخدمات في مجلس النواب، وصدر في مرسوم رقم ( 15) لسنة 2020، حيث جاء في المبادئ والأسس العامة التي يقوم عليها المشروع بقانون في رقم 3 منه التالي: (الإسهام في الاستقرار الاقتصادي بحيث تتم الاستفادة من فورات صندوق التأمين ضد التعطل بقيمة إجمالية تقدر ( 215) مليون دينار بحريني لحماية الموظفين البحرينيين العاملين في القطاع الخاص من خطر التعطل بسبب الأوضاع الاقتصادية الراهنة وهو الأمر الذي يأتي متسقاً مع الأهداف التي أنشئ من أجلها الصندوق).

في خطوة أولية لإنقاذ القطاع الخاص من الغرق في ظل استمرار جائحة كورونا والتي لا يُعرف متى تنتهي وتنقشع غمتها عن بلادنا وتعود الأمور لطبيعتها، تمّ دفع رواتب البحرينيين في القطاع الخاص لمدة ثلاثة أشهر، بدأت التحولات المالية للقطاع الخاص من 16 إبريل 2020 الماضي، لكنها في الحقيقة أموال الموظفين والعاملين البحرينيين تعود لهم من جديد، فمن المعروف بأنهم يدفعون 1% كاستقطاع شهري من رواتبهم منذ أربعة عشر عاماً، حيث صدرفي شهر نوفمبر من عام 2006 مرسوم بقانون رقم ( 78) لسنة 2006 بشأن التأمين ضد التعطل .
ولازال الاستقطاع مستمراً بالرغم من رفضه من أغلبية الموظفين والعاملين في القطاعين العام والخاص، لأنه لن يحل مشكلة العاطلين عن العمل الذين تأسس من أجلهم لحل مشكلة البطالة في صفوفهم ولكن أعداد العاطلين عن العمل من خريجي الجامعة والثانوية ما زالت بالآلاف، وهم في تزايد سنوياً، وبالرغم من وجود فائض كبير بلغ (800) مليون دينار في الصندوق، فإنه لم يحل أمرهم. وسبق أن أخذت الحكومة ملبغ 230 مليون دينار بحريني منه لتمويل برنامج التقاعد الاختياري، قيل أنه لمرة واحدة فقط، وكل هذا تطبيقٌ أمينٌ لنصائح صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتقليص العمالة المحلية في الدوائر والمؤسسات الحكومية وتخفيف مصاريف الدولة.

لا نعرف كم تبقّى من الأموال في هذا الصندوق، ولا نعرف إلى متى تستمر تلك النصائح الكارثية، فيما الدين العام في تزايد مستمر، حيث بلغ في شهر نوفمبر من عام 2019 12.045 مليار دينار، وفقاً للبيانات الصادرة عن مصرف البحرين المركزي، ولا توجد إحصائية رسمية كم وصل الدين العام حالياً، هذا غير الفوائد المستحقة الدفع مقابل التأخير في دفع القروض المالية المستحقة على الدولة من قبل الجهات والمؤسسات المالية، وبالرغم من الدعم المالي الخليجي البالغ عشرة مليارات دولار لمدة خمس سنوات من عام 2018 إلى 2023 ، بقي الوضع المالي والاقتصادي على ماهوعليه، ولم يحل أصل المشكلة بالرغم من فرض الضربية المالية 5% وحصول الدولة على مبلغٍ يُقدر بحوالي 483.500 مليون دينار خلال السنتين 2019/2020 وفقاً لوزارة المالية والاقتصاد الوطني.

جاءت جائحة كورونا لتعمق الأزمة المالية والاقتصادية لتطال مناحي الحياة في البلاد وتعطل عمليات الإنتاج والعمل والتعليم والتجارة وغيرها مما يترتب عليها خسائر مالية تُضاف إلى الوضع المالي والاقتصادي المأزوم في البلاد ودفع الدولة عن المواطنين فواتير الكهرباء والماء لمدة ثلاثة أشهر (إبريل /مايو/ يونيو) ووقف الإيجارات من قبل بنك الإسكان لمدة ستة أشهر، وتقديم مساعدات مالية للمؤسسات والشركات الصغيرة من قبل” تمكين” وغيرها من الإجراءات والقرارات التي اتّخذتها الحكومة لتخفيف بعض الأعباء المالية عن المواطنين جراء الخسائر الكبيرة التي تكبدوها بعد توقف العمل أو العمل الجزئي، ما يجعل الحكومة في وضع مالي صعب.

بدلاً من أن يركز فريق البحرين الوطني على التصدي لجائحة كورونا، برزت إشكالية كبيرة وخطيرة قِباله وهي تزايد الإصابات في أوساط العمالة الوافدة وإنْ تعددت أسبابها، لتضيف أعباءً ماليةً أخرى على الدولة في ظل ظروفها المالية والاقتصادية الشحيحة، برزت أصوات في المجتمع يشمّ منها رائحة العنصرية والكراهية للعمالة الوافدة في البلاد، ونقصد بها العمالة الفقيرة والكادحة التي تعيش في أوضاع صعبة: سكنٌ مكتظ بعشرات الأفراد وبعضه متهالك وآيل للسقوط، لا تتوفر فيه شروط السلامة والصحة ولا يليق بأن يسكن فيه إنسان ونحن نعيش القرن الواحد والعشرين، ويحصلون على رواتب جداً متدنية لا تغطي احتياجاتهم من سكن ومأكل وتطبيب، وتتراكم على بعضهم ديون مالية لايستطيعوا تسديدها، فيلجؤون إلى الانتحار، ومنهم من يعمل ساعات إضافية.

المسؤول عن هذه الأوضاع هي السياسات الحكومية، لأنها سمحت للسماسرة وتجار التأشيرات بالتجارة بالعمال الأجانب الذين يقبضون الأموال منهم أو من وكلائهم في البحرين في نوع من الإتجار بالبشر، بدون وازع ديني وأخلاقي إنساني، فهؤلاء العمال دخلوا البلاد بشكل قانوني بتأشيرات رخص عمل صادرة عن الجهات الرسمية المعنية، ما يقتضي أن يحل هذا الملف بشكل قانوني وإنساني، والابتعاد عن الحلول الترقعية، عبر تغليظ العقوبات على تجار البشر ومساءلتهم ليكونوا عبرة للآخرين، وهذا يوجب على مجلس النواب فتح هذا الملف الخطير ومحاسبة المسؤولين عنه انتصاراً للعدالة الإنسانية، كما على الاتحادات والنقابات العمالية ألا تتوارى عن الأنظار وهي تقرأ وتسمع الهجمات العنصرية التي تُشنُّ على العمالة الوافدة الفقيرة ضحية المتاجرين بها من قبل أناس لا ضمائر لهم غير الدينار، فهذا من صلب واجبات الحركة النقابية.

اقرأ المزيد

دعوة لأن يشمل ما تمّ الفصل فيه من دعاوى قانون العدالة الإصلاحية خطوة تشريعية للأمام

أقرّ مجلس النواب في جلسته رقم 29 من الدورالانعقاد الثاني من الفصل التشريعي الخامس المنعقدة في يوم الثلاثاء 28 أبريل 2020 مشروع قانون العدالة الإصلاحية للأطفال وحمايتهم من سوء المعاملة المقدم من الحكومة، وبدون الدخول في تفاصيل مواد القانون ورغم ملاحظاتي على بعض المواد، وخاصة المادة الثانية من مواد الإصدار، إلا أن جوهر هذا القانون يُمثل تطوراً نوعياً لمنظومتنا التشريعية في هذا المجال، حيث يستند في مبادئه على تحقيق مفهوم العدالـة الإصلاحية للاطفال، وهو من التشريعات التي ما فتأت المعاهدات والتشريعات الدولية تحث على الأخذ بها، مما يساهم في تحقيق العدالة بمفهومها الشامل “القضائي والاجتماعي والاقتصادي”، وفي سبيل تحقيق مصلحة الطفل الفضلى التي نصّ عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المادة (10 ) الفقرة 3 والتي تنص على “وجوب اتخاذ تدابير حماية ومساعدة خاصة لصالح جميع الأطفال والمراهقين”.
وفي هذا الاتجاه لا يختلف اثنان على حاجة الأطفال في تحقيق العدالة في أي مجتمع، وينبع ذلك من كونهم يمثلون رجالات مستقبل أي مجتمع بهم يضمن تقدّمه وضمان استقراره، وتمتد مسؤولية حماية هذه الفئة ليس فقط على الأسرة والمؤسسات الحكومية، بل إلى مؤسسات المجتمع كافةً، وتقتضي إيجاد آليات ناجعة وتشريعات متطورة للحفاظ على كرامة هذه الشريحة من المجتمع.
وحسنٌ ما نصّ عليه هذا المشروع وآلية إصداره مستقلاً وبمواصفات تحقق مصلحة الطفل. بحيث يحقق الغاية المشار إليها و يخرج الطفل من إطار القانون العقابي وإجراءاته الجنائية إلى مفاهيم قوامها الوقاية والحماية والإصلاح، ويفسح المجال أمامه للعودة إلى الحياة الطبيعية في المجتمع، وتأمين الظروف التي تساعده على التكيف مع متطلباتها، بما يتضمن من تدابير تهدف إلى حماية هذا الطفل وإصلاحه وتأديبه.
وبذلك كان لنا مداخلة في المادة الثانية من مواد الإصدار حول مضمونها التي تنص على أن يقتصر سريان أحكام هذا القانون “على ما لم يكن قد فصل فيه من الدعاوي وما لم يكن قد تمّ من الإجراءات قبل تاريخ العمل به”. ومع تقديرنا واحترامنا لما أبداه وزير العدل من مبادئ يجب احترامها بخصوص ما استقرت عليه الأحكام السابقة، وكذلك ما تمّ معالجته في هذا الشأن من خلال المادة (87) في هذا القانون، والتي تنص على “تشكيل لجنة قضائية من رئيس محكمة العدالة الإصلاحية الكبرى للطفل، ورئيس محكمة العدالة الإصلاحية الصغرى للطفل، وقاضي تنفيذ العقاب، وعضو من النيابة العامة تختص بتلقي طلبات استبدال العقوبات المقضي بها قبل نفاذ هذا القانون” .. إلا أنني أرى أنه لا ضير في أن يشمل هذا القانون وتسري أحكامه على ما قد تمّ الفصل فيه من الدعاوى، وما قد تمّ من الإجراءات قبل تاريخ العمل به، حيث إننا نجد الآن أن هناك الكثير من القُصَّر الذين صنفهم هذا القانون من فئة الاطفال والذين ينفذون عقوبة بموجب المرسوم الملغي بالمادة الثانية من قانون العدالة الإصلاحية، ونقصد المرسوم رقم 17 لسنة 76 وتحديداً الباب السابع الصادر بالقانون رقم 37 لسنة 2012 والمعني بشأن الطفل، في الوقت ذاته سوف تصدر أحكام بموجب قانون العدالة الأصلاحية للأطفال الذي تمّ إقراره بجلسة 28 أبريل بمجلس النواب. ولاشك أن هذا التباين في تقرير العقوبة يخلق تشويشاً وإرباكاً في الحفاظ على الغاية التي نطمح جميعنا إلى تحقيقها، ألا وهي تحقيق القدر الأكبر من العدالة الاجتماعية.
فالمشرع حين يقرر مواد العقوبة في القانون، يفردها بكافة العناصر الشخصية، ويحتاط لكل العوامل الموضوعية ضمانًا لتناسب العقوبة مع قدر الجرم المنسوب للمتهم، فإذا كان هذا المتهم قاصراً أضاف هذا عبئاً إضافياً، يجعل من المشرع أن يحتاط في تقريره للعقوبة بدل المرة مئات المرات، ولتقريب الفكرة أكثر فإننا نخشى أن يقضي قاصرون عقوبة مختلفة عن ذات الفعل المجرم الأولى أشد قساوة من الثانية؛ لأن القضاء قرر فيها بموجب القانون الملغى، بينما الثانية تمت في ظل قانون العدالة الأصلاحية المستجد، ونال فيها القاصرالمتهم كافة الضمانات والإجراءات المقررة في قانون العدالة، على خلاف الأول، مما سيوحي ذلك بوجود قصورٍ في العدالة وتطبيق القانون، وتصبح بموجبها العقوبة كاشفة عن قسوتها، وتؤدي غرض متناقضاً للغاية المرجوة من تشريعها، وبهذا تنفصل جنائيا عن مقوماتها والغرض النهائي من تقريرها.
وتسليمًا بالفقه القانوني الذي يرى أن العدالة توزيعية من خلال التشريع وتقويمية ترتد من خلال الحلول القضائية، فإن للمشرع أن يجانب الخلل الذي قد يطال المحكومين بموجب القانون السابق بأن يشمل في المادة الثانية من قانون العدالة الإصلاحية مجال تطبيق القانون بفصيح القول أولئك القُصَّر الذين صدرت عليهم أحكام، ولم ينفذو العقوبة أو من لازالو قيد تنفيذ العقوبة ليعاد النظر في الأحكام التي سبق وأن صدرت لتتوائم مع العقوبة بموجب القانون الجديد.
خاصة أن الطفل الذي ينحرف أو يُجرّم في السنوات الأولى من عمره غالباً ما يكون ضحية لظروف اجتماعية غير ملائمة تحيط به هي التي دفعته إلى طريق الإجرام أو الانحراف، فالإنسان لا يولد مجرماً، ويجب أن نتعامل معه وفق رؤية أخرى، وكما يقول القاضي الأمريكي جوليان ماك (الطفل الذي ينتهك القانون، ينبغي أن يعامل معاملة الأب الحكيم لابنه العاق).

اقرأ المزيد

“الفيزا” المرنة.. والقرار الشجاع

ربما سمحت لنا جائحة كورونا التي نعيش تداعياتها مع بقية دول العالم بالتركيز أكثر على بعض القضايا المسكوت عنها، او بالأحرى التي لازالت قائمة دون حل. ولعلّ من بين تلك القضايا التي شغلت الرأي العام في البحرين خلال شهر رمضان المبارك، ولازالت، قضية العمالة غير النظامية وما صاحبها من مظاهر مقلقة لنا جميعا.
فالمتابع للشأن العام يرى بوضوح تضخّم حجم كرة الثلج تلك والتي لازلنا ننتظر لها حلولًا عاجلة، وباتت تلزمنا جميعا بالوقوف عند مسؤولياتنا في هذه المرحلة المفصلية، التي من المفترض أن نستعد لسيناريوهاتها المنتظرة. أمور كثيرة باتت بالفعل تقلق الشارع البحريني من تداعيات ظاهرة العمالة غير النظامية والتي زادها سوءً معالجات الجهات الرسمية الخاطئة لها طيلة السنوات الماضية.
ليس دفاعًا عن مجلس النواب، لكنها الحقيقة، فقد بادر المجلس في الدور التشريعي الأول وفتح أولى المناقشات العامة حول هذه الظاهرة، وكان الحوار بين السلطتين اقرب للمساءلة العلنية، واستتبعها بطرح العديد من الأسئلة للحكومة والتي لازالت تتوالى حتى هذه اللحظة، فما يحصل تجاه هذه المسألة في الواقع والممارسة هو شرعنة غير مقبولة لتجاوزات تستلزم أشد العقوبات، باعتبار ذلك اعتداء على مقدرات وامكانيات ومستقبل وثقافة وحاضر ومستقبل بلد بأكمله باستقدام عشرات الآلاف من العمالة الوافدة ومن يقف وراءهم، والذين سمحت له بعض القوانين والقرارات غير المدروسة، إرضاءً لرغبات حفنة من كبار التجار والمتنفذين، علاوة على صغار التجار الذين ركبوا الموجة طمعًا في المزيد من المكاسب الأنانية الضيقة على حساب الوطن ومستقبله، وعلى حساب عمالة وافدة فقيرة، جاءت تبحث عن فرصتها في حياة كريمة، لتتلقفها نوازع وجشع من لا يتورعون عن المتاجرة بالبشر والأوطان دون واعز من ضمير.
ومع بروز جائحة كورونا وما حملته من تداعيات اجتماعية ومعيشية وصحية،ها هي “قنبلة” الفيزا المرنة تنفجر بقوة في وجوهنا كما كان متوقعًا، فالناس أضحت ممتعظة من آلآف الوافدين المصطفين يوميا في الشوارع وأمام دور العبادة ووسط أحياء غالبية المدن والقرى بحثًا عن المعونات الغذائية، والعاجزين أصلًا عن فهم ما يداهمنا من مخاطر حقيقية جراء هذه الجائحة، حتى يبدون غير مكترثين بكل ما يخرج من الجهات الرسمية من تعليمات وتحذيرات يومية، اضطرت معها الدولة لمخاطبة سفراء دولهم سعيا منها لبث جرعات من الوعي في أوساطهم، للتخفيف من حجم الضحايا قدر الإمكان.
ولا يزال الأمر يزداد سوءً، فهؤلاء الفقراء المعدمون المتكدسون بالعشرات في علب السردين المسماة مساكن عمالية، لا توفر الحد الأدنى من الحياة البسيطة لهم، والذين يتضور المئات منهم جوعًا وفقرًا وحرمانًا جراء انعدام فرص الرزق لهم، وإن توافرت تلك الفرص فإنهم يحرمون من أجورهم ليتركون لوحدهم يصارعون مرارة العيش الممزوج بالغربة والحرمان والإذلال انتظارًا للمجهول، فيما نبقى نحن أبناء هذا البلد الباحثون عن حلٍ ينهي معاناة تلك الفئات الفقيرة ومعاناتنا أيضًا، في حيرة وخوف على مستقبل وأمن واستقرار بلادنا التي تستنزف كل يوم جراء ما يحيط بنا من فوضى عارمة جعلت من نسبة الأجانب في بلادنا تفوق 800 ألفًا، لتحيلنا لأقلية تجهل مصيرها بعد سنوات معدودة، في وقتٍ يُفاخر فيه رسميا أننا بتطبيق نظام الفيزا المرنة هذا، فقد نجحنا في إحالة اكثر من 21 ألفًا منهم لأصحاب أعمال.. فكفاكم تخبطًا واستهتارا بنا وبهؤلاء البشر أيها السادة!
وعليه فإن المسألة بالنسبة لنا ليست تحاملًا أو تمييزًا من وجود تلك العمالة الوافدة، فنحن نعرف أن تشوهات سوق العمل والنهج الاقتصادي المتبع وعدم وضوح السياسات وغياب الإستراتيجيات الواضحة، قد خلقت أسواقا موازية وبؤر بؤس وفقر وجريمة، لا تليق بطبيعة بلادنا وشعبها، وخلقت أوضاعا تدعي أنها تحفز على المنافسة في السوق، لكنها في الواقع تسعى لتدميرما تبقى من ملامح واعدة في أسواقنا، وتضيق فرص العيش على شبابنا، وتحوّل المليارات التي نحن في أمس الحاجة لها نحو الخارج، وتتلاشى ملامح من ثقافتنا وتاريخ مدننا وأحياءنا الشعبية، وتتغيير للأبد ملامح اقتصادنا الوطني بفعل الحضور الطاغي لتلك العمالة الرخيصة المستلبة الحقوق.
وأخيرًا وليس آخرًا، ها نحن شهود على مكابدة بلدنا وشعبنا جراء تفشي الأمراض والأوبئة في أوساط تلك العمالة الفقيرة المتكدسة، وها هي بلدنا وطواقمنا الطبية تعمل على مدار الساعة لعلاج ومتابعة الآف المرضى والضحايا من تلك العمالة غير النظامية جراء وباء كورونا، والذي نخشى أن نفقد السيطرة عليه ونحن في انتظار إرادة عليا وقرار شجاع ينهي تلك المعاناة المرهقة والقاتلة سريعاً.

اقرأ المزيد

قراءة في واقع الحركة النقابية البحرينية – 1

نود تناول واقع الحركة النقابية في البحرين بصفتنا نشطاء في هذا المجال، ولنا فيه خبرة ومعرفة، وعليه بالإمكان أن نتطرق بحيادية وبنقد بنّاء لأداء هذه الحركة، ولما يجري في العمق النقابي من تدهور وتفكك، على ضوء المستجدات الأخيرة، وبروز نقابات عمالية رافضة للإنجرار والانصياع لأوامر الإتحادين القائمين، وتوجيهها لهما انتقادات فحواها أنهما غير فاعلين وتشوبهما البيرقراطية والشللية والنعرات الطائفية.
إن تذمر بعض القيادات في النقابات لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة للإستياء المتراكم لظاهرة الانشقاق في صفوف الإتحادين النقابيين، الاتحاد العام والاتحاد الحر، بواعز الاحتراب بين الفرقاء حول من يهيمن على المناصب القيادية فيهما، وهناك أسباب أخرى للانشقاقات التي حصلت في الاتحادين، بينها سياسة الهيمنة والتسلط لقوى نافذة فيهما، بعضها له نفس طائفي أثرّ سلبا على مواقف الاتحادين في مسألة الحيادية والإستقلالية للإتحادات، والابتعاد عن الأساليب الديمقراطية لحل الخلافات.
تعتبر النقابات البيت المحصن الذي يتواجد فيه العمال، والذي من خلاله يدافعون عن مصالحهم وحقوقهم ومستقبلهم، والوقوف بقوة ضد مستغليهم ومضطهديهم في كل مكان وزمان. وعليه بات من الضروري تطوير التشريعات والقوانين النقابية التي يجب أن تتصل بمصالح العمال وسائر الشغيلة، من خلال بروز قيادات وكوادر نقابية مخلصة لمصالح العمال.
التطورات الأخيرة في الحركة النقابية في البحرين، خصوصًا بعد المؤتمر الأخير للإتحادين، العام والحر، أظهرت أنهما يعانيان من عدم الاستقلالية والابتعاد عن روح العمل الجماعي الديمقراطي، وعدم إتباع الحوار وسيلة لمعالجة الخلافات، بما يخدم مصلحة الحركة النقابية في البحرين.
إن الحركة العمالية والنقابية اليوم بحاجة ماسة لكوادر نقابية تمتلك الثقة والقدرة على مواصلة النضال في سبيل التجديد والتغيير والإستقلالية بالرغم من صنوف التهميش والاقصاء. نحن نفضل طرق الحوار للتقليل من الاحتراب والنزاعات التي اوصلت الحركة النقابية في البحرين إلى أدنى أداء، ولابد من الاعتراف بتعددية الآراء والأفكار لدى النقابيين، ما يفرض الاتبعاد عن عقلية الاقصاء إذا أردنا فعلا بناء اتحادات ونقابات عمالية قوية ذات صلة بمصالح العمال.
وهذه مهمة القيادات النقابية الفاعلة والمخلصة لتأخذ دورها في الدفاع عن مصالح النقابات ومصير الطبقة العاملة في البحرين، الذي هو مهمش منذ فترة طويلة لأسباب مختلفة خصوصا في مسألة إغراق البحرين بالعمالة الوافدة، وهذا يقتضي الإبتعاد تماما عن آفات النعرات البيروقراطية والمحسوبية والطائفية التي تعاني منها النقابات في البحرين.

اقرأ المزيد

الاستثمار الأنجع

لفتني تعليق أحدهم على التصريح الرسمي حول أوجه صرف مبالغ التبرعات والمساهمات والتي جمعتها حملة “فينا خير” التي انطلقت من أجل تأكيد التضامن الشعبي والمؤسسي أهلياً كان أو عاماً في مواجهة جائحة كورنا التي استشرت وجعلتنا مقيدين نواجه أمواج المجهول المتلاطمة.
يشير التصريح إلى أن أوجه صرف المبالغ المحصلة من حملة التبرعات والبالغ حجمها 100 مليون دولار، ستذهب إلى مبادرات إفطار المحتاجين من صيام شهر رمضان، ودعم الأسر المنتجة المتعففة في هذه الفترة عبر مساعدتهم لتصنيع الكمامات وطبخ الوجبات للمحتاجين والفئة الثالثة التي ستحصل على الدعم هم أصحاب المهن غير المسجلين في ضمن مظلة التأمينات الاجتماعية. ردّ ذلك الشاب الذي لفت انتباهي قال بما معناه (المبلغ الذي جمع من حملة التبرعات يكفي لبناء مستشفى على شاكلة مجمع السلمانية الطبي).
وزيرة الصحة قالت في وقت سابق بأن بناء وتجهيز مستشفى على شاكلة مجمع السلمانية الطبي يحتاج إلى مبلغ لا يقل عن 100 مليون دينار بحريني، وهو ما تحتاجه الوزارة لتلبية بناء مستشفى عام في المحافظة الجنوبية والمحافظة الشمالية، كون هاتين المحافظتين ليس بهما مستشفى عام ويعانون من كثافة سكانية كبيرة وصعوبة نسبية في الوصول إلى مستشفى عام كالسلمانية إن كان محتاج العلاج من قاطني قرى الجنوبية البعيدة.
في المقابل شهد شهر ديسمبر الماضي توقيع اتفافية بين وزارتي الصحة والاشغال وشركة مقالات لإنشاء مركز صحي في مدينة خليفة جنوبي البحرين بتكلفة قلت عن 6 ملايين دينار بقليل، ووعدت حينها الوزيرة بأن هذه الميزانية تكفي لبناء “مركز نموذجي مجهز بأحدث المستلزمات الطبية وفقا لأعلى المعايير والاشتراطات، حيث سيشتمل على قسم الاستقبال والسجلات الصحية، قسم الاستشارات والخدمات الطبية ويضم 12 عيادة للأطباء، قسم الصيدلية، قسم الأشعة، قسم المختبر، قسم الطوارئ، قسم صحة الفم والأسنان ويضم 6 عيادات، قسم العلاج الطبيعي، وقسم رعاية الطفولة والأمومة”.
بحسبة رياضية بسيطة جداً، فإن مبالغ التبرعات التي جمعها الحملة قرابة 37 مليون دينار بحريني تكفي لبناء وتجهيز مالا يقل عن 5 مراكز صحية نموذجية مجهزة تجهيزاً طبياً على أعلى المعايير الاشتراطات، حسب تصريح الوزيرة السابق، ويتم توزيع هذه المراكز الصحية المتطورة على كافة مناطق البلد، بالتأكيد بأنها ستكون زيادة محمودة وداعمة للمنظومة الصحية وستخفف بلاشك الضغوط المتزايدة على المراكز الصحية والمستشفيات العامة.
أحد أهم الدروس التي لقنتنا إياها هذه جائحة كورنا القاسية هي أهمية دعم المنظومة الصحية العامة، وحتى نحسن تدبير المبالغ التي جمعتها حملة التبرعات لمواجهة هذا الوباء، يحب علينا أن نفكر ملياً فيما ستذهب إليه ومن أجله، ويا حبذا لو استمثرت هذه المبالغ الاستثمار الأمثل والأنجع في حلول دائمة ومستقبلية.

اقرأ المزيد

خططنا بعد الجائحة

لن يكون مقبولًا أن تديرالدولة بنفس الطريقة الحالية، الكثير من الأمور في الفترة اللاحقة لما نواجهه الآن من جائحة طالت آثارها الكثير من أوجه حياتنا، شأننا في ذلك شأن بقية دول العالم، وعليها ترتبت وستترتب عواقب كثيرة وكبيرة الحجم، وتحتاج إلى رؤية مختلفة لإدارة المرحلة المقبلة، وفي هذا تبرز ثوابت لا يصحّ أن تتخلى الدولة عن مسؤولياتها تجاهها، فلها ستظل الألوية وربما تزداد، وفي مقدمتها الحفاظ على المكتسبات الاجتماعية والمعيشية للمواطنين، في مختلف المجالات الحيوية.
فلن يكون مقبولًا ان يجري تحميل الفئات الشعبية الواسعة تبعات ما نحن مقبلون عليه من صعوبات اقتصادية، ومن نقص في العائدات، لأن آثار ذلك، إن حدث، ستكون مكلفة اجتماعياً، في وقت نحن في أمسّ الحاجة فيه إلى الحفاظ على الاستقرار المجتمعي، الذي لن يتأمن إلا بالحرص على توفر الحياة الكريمة للمواطنين، والتي في جوهر شروطها تدخل مهمة صون هذه الضمانات.
إن المطلوب هو الحد، وحتى وقف، الكثير من أوجه الانفاق غير الضرورية، والتي لا تعود بالنفع المرتجى على الاقتصاد الوطني، وسيكون الاستمرار فيها استنزافاً للمال العام في أوجهٍ ليس لها أية أولوية، فيما الدولة والمجتمع معاً سيكونا في أمس الحاجة للإنفاق في المجالات الحيوية التي تتصل بالتنمية في معناها الحقيقي، وبتأمين مستلزمات الحياة الكريمة لأبناء هذا الوطن.
وطالما نحن في أتون أزمة ذات طابع صحي، علينا ملاحظة ما أظهرته من الطابع الاجتماعي للخدمات الطبية التي تتطلب إعطائها أولوية قصوى، عبر زيادة الانفاق على الصحة، وتمسك الدولة بمسؤوليتها في إدارة وتقديم الخدمات الصحية، والاستمرار في تأهيل الكوادر الطبية، أطباء وممرضين وفنيين وسواهم، واستيعاب الأعداد الكبيرة من العاطلين منهم، وإنهاء كافة وجوه التمييز المسؤولة عن معاناتهم.
وعلينا أن نستفيد من التوجهات التي أعلنت عنها دول خليجية شقيقة، منطلقة من حقيقة أن العالم بعد كوفيد 19 ليس كالعالم قبله، فأعلنت عن مراجعة هيكل الحكومة وحجمها، فقد يتم دمج وزارات أو تغيير هيئات، في إطار إعداد استراتيجية ما بعد كوفيد 19، تتطلب حكومة أكثر رشاقة ومرونة وسرعة لتواكب أولويات وطنية جديدة ومختلفة.
وبالتأكيد فإن الخطط اللازمة للمرحلة المقبلة يجب أن تستوفي ما تطالب به القوى السياسية المختلفة، وقوى المجتمع المدني والسلطة التشريعية من محاربة للفساد ومن تمكين للحوكمة والشفافية، وإحلال الكفاءات الوطنية في الوظائف وإحتواء البطالة بدلاً من نكران وجودها.

اقرأ المزيد

بمناسبة اليوم العالمي للبيئة “حان وقت الطبيعة” التقدمي: مواجهة التحديات البيئية يتطلب ترسيخ الشراكة المجتمعية الفاعلة

يصادف الخامس من يونيو مناسبة اليوم العالمي للبيئة وقد تم هذا العام اختيار التنوع البيولوجي عنواناً تحت شعار “حان وقت الطبيعة” لتعزيز الوعي العالمي بالتحديات البيئية فى هذا المجال، والمنبر التقدمي عبر لجنة البيئة إذ يذّكر بهذه المناسبة التي تأتي هذا العام فى ظل ظرف استثنائي يمر به العالم حيث جائحة كورونا كوفيد 19 وتداعياتها الشديدة الوطأة على مختلف دول وشعوب العالم، فإنه يؤكد بأن هذه المناسبة فرصة لتسليط الضوء على التحديات البيئية الراهنة وخاصة تلك التي أفرزتها داعيات كورونا.

وإذ نجدد فى هذه المناسبة على الأهمية البالغة لوضع المشكلات والتحديات البيئية فى مملكة البحرين فى صدارة اهتمامات الدولة، وتسريع الخطى لوضع منظومة كاملة ومتكاملة من التشريعات والنظم والقرارات التي تصب فى خدمة هذا الهدف وتدعم الجهود التي يبذلها فى هذا الصدد المجلس الأعلى للبيئة، ومنها الملفات التى بحثها مجلس الوزراء يوم الاثنين الماضي بدءاً بالوضع البيئي بمنطقة المعامير والتحقق من مستويات جودة الهواء فيها والمناطق المجاورة، مع وضع اشتراطات للحد من تلوث المصانع والمنشآت الصناعية، مشددين على أن تحقيق هدف توفير بيئة آمنة ومستدامة يتطلب ترسيخ الشراكة المجتمعية الفاعلة بين الجهات الرسمية المعنية ومؤسسات المجتمع المدني.

إن مما يسترعي الاهتمام أنه بالرغم من انتشار جائحة كورونا على مستوى العالم فإن العديد من الأطراف المعنية بالبيئة خلصوا إلى تحسن الوضع البيئي بشكل ملحوظ وذلك بانخفاض انبعاثات الكربون لأقل مستوى منذ 30 عاماً، بسبب توقف بعض المصانع ووقف قطاع النقل وحركة الطيران، وانعزال أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية فى منازلهم، مما كان له أكبر الأثر فى تحسن الوضع البيئي، ورغم إدراكنا أنه يصعب بلوغ التعافي الكامل للبيئة من كل أشكال التلوث الذى تفاقم على مر السنوات الماضية، إلا أنه باتخاذ خطوات لتعزيز الانسجام بين الطبيعة والأرض من شأنه أن يحقق التوازن العادل بين المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للأجيال الحالية والمستقبلية، ولهذا علينا أن نتذكر ونحن نحتفي بمناسبة اليوم أن الأرض بكل نظمها الأيدولوجية هي التي تمدنا بالحياة وأدوات البقاء.

إن التحسن البيئي الذى حدث بالرغم من جائحة كورونا يفرض التأكيد على أهمية المسؤولية المضاعفة للمؤسسات والشركات والمنشآت الصناعية فى المحافظة على البيئة النظيفة المستدامة، دون التقليل من مسؤولية كل قوى المجتمع البحريني واعتبار هذه مسؤولية يلتزم بها الجميع من مواطنين ومقيمين من أجل استمرار التحسن البيئي وتقليل التلوث بأنواعه.

إننا نؤمن بأنه لإعادة البناء السليم بشكل أفضل لصالح الأرض وسكانها يستوجب ضمن أولوياته
نظام اقتصادي عادل يكون ضمن أولويات أهدافه حماية الطبقات الفقيرة وإيقاف الهدر المستمر للموارد البيئية والعبث المفجع بالبيئة جراء الحروب وإثارة الاضطرابات بين الشعوب والأمم من أجل مصالح لا تخلف إلا البؤس والفقر لشعوب هذه البلدان وتخلف تلوثاً ودماراً للبيئة بما يمس واقع الجيل الحالي ومستقبل الأجيال القادمة.

المنبر التقدمي – البحرين
5 يونيو 2020

اقرأ المزيد

رفض استغلال “كورونا” لاستهداف العمالة الوطنية التقدمي يدعوا إلى موقف وطني وإلى مراجعات جريئة تفرض الاعتبار المستحق للبحرنة

إن المنبر التقدمي فى الوقت الذى يجدد فيه تضامنه ودعمه لإنجاح جهود حصر جائحة كورونا
كوفيد 19 والحد من انتشاره والسيطرة عليه، إلا أنه يجدد أيضاً رفضه القاطع اتخاذ أزمة كورونا شماعة لاستهداف العمالة الوطنية بالفصل والتسريح أو الانتقاص من حقوقها بأي شكل كان.

إننا فى الوقت الذى نلفت الانتباه بكل تقدير واعتزاز إلى الجهود الاستثنائية التى يبذلها العاملون، وفى مقدمتهم الأطباء والهيئات التمريضية والفنيون، والموظفون والعمال فى مختلف مواقع العمل والانتاج الذين يقومون بدور بطولي مميز فى ظل الظروف الراهنة، فإننا فى الوقت ذاته نحذر من توجه أصحاب أعمال وشركات كبيرة ومتوسطة للتخلص من أعداد كبيرة من العمالة الوطنية، أو الانتقاص من حقوقها، مبدين كامل القلق مما جرى تداوله فى الصحف المحلية والعديد من مواقع التواصل الاجتماعي فى الأيام الماضية من توجه بعض الشركات للتخلص من عمالتها الوطنية بنسبة تتجاوز 25%، إلى جانب تلقي الكثير من العمال البحرينيين إخطارات من إدارات شركاتهم بالاستغناء عن خدماتهم بنهاية شهر يونيو الحالى بعد انتهاء فترة الدعم الحكومى للأجور بذرائع إعادة الهيكلة، أو تقليص الأعمال، فى الوقت الذى سارعت شركات أخرى إلى فرض إجازات إجبارية دون أجر ودون مهلة محددة تمهيداً للفصل التعسفي.

إن التطورات المتلاحقة لجائحة كورونا والتى ألقت بظلالها على الوضع الاقتصادي فى مملكة البحرين
مسّت الفقراء والكادحين وبالدرجة الأولى العمالة الوطنية، حيث تعرض الكثير من العاملين فى القطاع الخاص إلى الفصل من العمل وتقليص الرواتب وعدم صرف العلاوات، كما بات عمال بحرينيين آخرين عرضة للفصل من أعمالهم، وعدم تجديد عقود عمل آخرين فى القطاعين العام والخاص، الأمر الذى يجعل الآلاف من العمال البحرينيين وأسرهم فى وضع لا يبعث إلا على الأسى والقلق، مما يتطلب سرعة التحرك النوعي المدروس من الجهات المعنية ومعها التشكيلات والكيانات العمالية كونها المختصة وناطقة بالشأن العمالى وناطقة باسم الطبقة العمالية ومدافعة عن حقوقها ومصالحها.

إن حق العمل ليس ترفاً ولا منحة من أحد، بل هو حق وثيق الصلة بالحق فى الحياة وشرف تكفله الدولة مكتسب بقوة القانون ومشار إليه فى نص المادة 13 من دستور مملكة البحرين، وهذا يعني أن أي انتهاك يمس أو ينتقص من هذا الحق هو خرق فاضح للدستور، وعليه فإن التقدمي يقف بكل طاقته ضد تسريح العمالة الوطنية، ويرى أن الوقوف العاجز عن ردع الشركات والمؤسسات أياً كان جنسيتها والتي تستهدف العمالة الوطنية بأي شكل من الأشكال، هو أمر ستكون له تبعات غير محمودة العواقب، ومنها ما أبرزته جائحة كورونا من مآسي هى نتيجة سياسات تشغيل فاشلة ويتوجب مراجعتها وإعادة النظر فيها وتصويبها.

إن المادة 13 من الدستور التى تنص على: (1- العمل واجب على كل مواطن، تقتضيه الكرامة ويستوجبه الخير العام، ولكل مواطن الحق فى العمل، 2- تكفل الدولة توفير فرص العمل للمواطنين وعدالة شروطه، 3- ينظم القانون، على أسس اقتصادية مع مراعاة قواعد العدالة الاجتماعية، العلاقة بين العمال وأصحاب العمل)، وبالرغم من ذلك، وهو أمر بالغ الأسى والأسف نجد أن المواطن المعني فى هذه المادة هو أول ضحايا الأزمات الاقتصادية، وهذا واقع ملموس تجلى فى تسريح العشرات من المواطنين من أعمالهم، وعدم تجديد عقود مئات آخرين، وانتقاص من استحقاقات غيرهم، بل واستيلاء بعض أصحاب الأعمال على المعونة التي وفرتها الدولة للقطاع الخاص لسداد الرواتب، فى الوقت الذى تعج فيه المملكة بالآلاف من العمال الوافدين الذين لا تشكل حاجتهم ضرورة ملحة والذين هم ضحايا من تاجروا بهم من تجار تأشيرات وغيرهم، ويأتي ملف هؤلاء، والوضع الاقتصادي الراهن ليشكلا تحدياَ يستوجب معالجة حاسمة وسريعة تأخذ بعين الاعتبار عدم التضحية بالعمالة الوطنية إنطلاقاً من أن ذلك مساساَ بالأمن والضمان المجتمعي، وتجاهلاً لما نص عليه الدستور.

إن منظومة سوق العمل الحالية، والتعديلات التى أجريت على قانون العمل والتي في جوهرها العام تخلت عن النص الصريح فى إعطاء البحريني الأولوية فى العمل، جعلت العامل البحريني الطرف الأضعف في العلاقة العقدية بين العامل وصاحب العمل، وتغييب دور الدولة كضامن لاستمرار هذه العلاقة مما أدى إلى إظهار أن فرص العمل هى منْة أو تفضلاً أو منحة يتكرم بها صاحب العمل ويمكنه فى أي وقت شاء حرمان العامل منها.

إن التقدمى يشدد على أنه فى الوقت الذى يدافع دون هوادة عن العمالة الوطنية، ويدعوا إلى فرض الاعتبار المستحق واللازم للبحرنة فى سوق العمل، ويرفض استغلال تداعيات جائحة كورونا للتفريط أو الاستهانة بالعمالة الوطنية، فإنه فى الوقت نفسه يرفض رفضاً جازماً التلاعب بحقوق ومصالح العمالة المهاجرة، وما نشاهده اليوم من سوء أوضاع هذه العمالة بدءاً من أوضاع سكنية متردية، وغياب لمعايير الصحة والسلامة، وتأخير فى دفع رواتبهم، واستهانة بحقوقهم، وغير ذلك من استغلال خاصة فى ظل ظروف كورونا، لهو أمر مرفوض إنسانياً وحقوقياً وعمالياً، وهذا وضع أفرزته سياسات تشغيل خاطئة، ومصالح من تاجروا فى عرق وجهد هؤلاء العمال، وقد سلطت الجائحة على أوضاع وسياسات آن أن تكون موضع مراجعة جادة وجريئة من كل الأطراف المعنية وفى المقدمة مجلس النواب.

إن التقدمى وهو يدعوا إلى ذلك، يرفع اليوم صوته عالياً ضد قرارات الفصل والتسريح من العمل، والتي طالت قطاع واسع من العمالة الوطنية، ويناشد كل قوى المجتمع البحريني العمل معاً من أجل بلورة موقف وطني موحد يحافظ على أرزاق الفقراء والطبقات المسحوقة، ويوفر الضمانات التي تحفظ كرامة واستقرار العمالة الوطنية، وتقضي على كل أوجه الخلل والاستغلال والتشوهات فى سوق العمل وجعل المواطن البحريني ضحية “إصلاحات” معوجة بذريعة الحرية الاقتصادية.

المنبر التقدمي – البحرين
4 يونيو 2020

اقرأ المزيد