المنشور

لن أقول شيئاً هذه المرة

سأتأمل كل هذا الدمار الذي أحدثته، حين أنظر خلفي، سأفزع وأفتح فمي عن آخره، لكني الآن خائف وحسب، وأركض نحو الأمام، الأمام الذي ليس لي سواه.
أصرخ في هذا السواد، في هذا البياض المتقطع، دون أن أفتح عيني في أعمدة الإنارة الكبيرة، ذات الذقون المحكوكة، في الأصفر المريض يفرغ أحشاءه على الشارع، في الزجاج الأملس، تطير عيناي كفراشتي ضوء تلتفتان إليّ، ترياني بلا عينين، رأساً مفرغة، أصرخُ فيّ، فيهما، في صوت الإطارات على الشارع.

في الورقة العالقة بعلكة على الإطار.
محدثة صوتاً متكرراً
ها أنت وحدك أيضاً، مع موسيقى تأتي من سماءٍ لا تراها، وحدك، ترقبُ بصمتٍ ذلك الصمت
منذ اليوم أنا سأكترث لكل شيء، للضروري الذي يعرج ممسكاً بحائط الشرعيّ، وأيضاً الهامشي الذي يحلّق في فضاء المنتهك، سأحاول أن أتعاطف معهم؛ أولئك الذين لم ألتفت إليهم سابقاً، أو الذين كنتُ أعتقدهم مريبين، سأنحني لألتقط الحصاة الصغيرة التي على شكل هرم، وأمسح عنها بعض الطين العالق عليها، سأذهب في مظاهرة سلمية ولن أنحشر بين الحشود، بل سأصرخُ بأعلى صوتي أمامَ الجدار المهدود.

كل شيء قابل لأن يتغير؛ حتى أنا، كل شيء قابل لأن يكونَ مختلفاً وغير مألوف، وما عليّ إلا إبداع وجهة نظرٍ أخرى، ملاحظة الظل بلونه الأبيض منحشراً بين قدمي كرسيٍّ رمادي، يفغرُ فمه مستنجداً ويسحبه الغرق نحو الشمس، أو ربما حلق شعر كلماتٍ ظلت «هيبية» لمدة طويلة، ورؤيتها باتت تثير الاشمئزاز، كل شيء قابل لأن يتغير. كل شيء قابل لأن يأخذ غير معناه، كل شيء قابل لأن يغير جلده. ومنذ اليوم سأرى العالم هكذا: حرباء كبيرة ولا غصن تحتها.
كل هذا الصمت ولن يحدث شيء:
أنفاس الأشياء تتسارع بشهوة، دوائر لا تنتهي تتحرك حولي ببطء آسر. ولا شيء يحدث، أنا في حوض كبير من الهواء، أختنق وحدي ولا يحدث شيء، أنهض عن سريري كمومياء، كأثر مجهول، أخدش نعومة الجمود بحركة لا إرادية، أحكّ شعري وأسمع صوت الاحتكاك المعدني، في المرآة لا أجد أحداً سواي.

كل من في الحلم غادروا، منهكين ويائسين، بلا أجنحة وبلا أجر، لا شيء يحدث. حتى عندما أغمض عيني.
أفرك جبهتي بكفي وأعاود الاستلقاء على السرير، أستدعي أحلاماً لا تصل، ذكرياتٍ ممحوة، الكتابُ على الطاولة يترك لي حرفين أو ثلاثة، كل هذا الصمت، كل هذا الذي لا يحدث.
لا أعني شيئاً بالمرة
ما الذي يمكن أن يعنيه شيء مثلي
غير اللاشيء!
أنا الشيء.. دون اكتراث لما هو.
بكل ما أملك من طاقة، وهي قليلة على أية حال، أقاومُ اليأس، أدفعه ببطء كمكعب نرد ثقيل، يسقط نحو الهاوية، الهاوية التي تتساوى فيها أرقامه.

● من كتاب (لن أقول شيئاً هذه المرة) الصادر أخيراً عن دار مرايا للنشر

اقرأ المزيد

الدولة، والثورة، والأزمة [مقتطفات] لوي آلتوسير

ترجمة وإعداد: هشام عقيل

[ هذا النص هو مقتطف من الحوار التلفزيوني الذي أجراه الصحفي والمحاضر ريناتو باراسكاندولو مع لوي آلتوسير في روما في أبريل 1980؛ أذيع هذا الحوار في التلفزيون الإذاعي الإيطالي في فقرة (الموسوعة الإعلامية للعلوم الفلسفية).]

* ما هي الظروف التاريخية المستلزمة لظهور عملية ثورية في الغرب اليوم؟

– إنها مسألة معقدة جداً وتتجاوز نطاق بحثنا؛ إنها معقدة جداً. على سبيل المثال، لنأخذ الوضع الإيطالي المسدود، كما هو الحال في فرنسا؛ رغم أنني أعتقد أنه مسدود في إيطاليا أكثر مما هو في فرنسا، لكن يبقى هذا مجرد رأي. وفرّ لينين الظروف العامة: حقيقة أن الذين يحكمون غير قادرين على الحكم هي صحيحة دائماً، وأن هؤلاء الذين في الأسفل لا يمكنهم الإستمرار في أن يبقوا محكومين هكذا؛ هذا هو ظرف واحد، لكنه لم يوجد بعد. صحيح أن الذين يحكمون غير قادرين على الحكم، لكن المحكومين – العمال، والفلاحين، والمثقفين، إلخ- لا يزالون قادرين على دعم وتأييد النظام القائم؛ أنهم لا يزالون يؤيدونه. يكفي أن نقول حين يرفض المحكومون نظام ما ستنشب الثورة.

*أنت تقول، إذن، إن الثورة الاشتراكية ستحدث فقط بفضل أزمات أنماط إعادة الإنتاج الرأسمالية؟

– أنماط إعادة الإنتاج الرأسمالية هي دائماً في أزمة؛ هذا هو تعريف ماركس للرأسمالية، أيّ الرأسمالية هي دائماً في أزمة، أو بكلمات أخرى: الأزمات هي أمر طبيعي بالنسبة للرأسمالية.

* أنت أيضاً قلت إن الأجهزة الأيديولوجية للدولة هي أبنية مهمة جداً لسيطرة طبقة معينة.

-نعم. لكنني أؤكد على “الدولة” وهذه هي المشكلة، لأن الكل أعتاد على أن يقول “الأجهزة الأيديولوجية“ وحسب. أنا لم أكن على علم بأن غرامشي إستخدم مصطلح “أجهزة الهيمنة”؛ لا يتغير أي شيء هنا، حيث تختفي فيه “الدولة” في كل الأحوال. أنا أصرّ على الإبقاء على “الدولة” لأنها أهم ما في المسألة: هذه الأجهزة الأيديولوجية هي عائدة للدولة. بلا شك، هذا الأمر أيضاً يعتمد على التعريف الذي تعطيه أنت للدولة؛ عليك أن تعطي تعريفاً آخر للدولة، فضلاً عن التعريف الكلاسيكي الذي قدّمه ماركس. نعم فهم ماركس بأن الدولة هي أداة للطبقة المسيطرة، وهذا أمر صحيح، لكنه لم يفهم أي شيء فيما يخص عمل الدولة، أو دعنا نقول فيما يخص مساحة الدولة.

*على سبيل المثال، تحدث غرامشي عن الصحف أيضاً؛ مؤكداً بأنه لا يهم كثيراً إذا كانت عامة أو خاصة. الصحف في كل الأحوال هي أجهزة هيمنة.

– نعم أتفق تماماً.

* الآن أجهزة إعادة الإنتاج هي ليست محصورة بوسائل الإتصال الجماهيري، مثل الأحزاب، والنقابات، والعائلة. فعلى سبيل المثال، المصانع أيضاً تولد أجهزة معينة لإعادة الإنتاج (على سبيل المثال: الهرمية، والمهنية، إلخ).

– صحيح بلا شك؛ أنا لم أتحدث عن هذا الأمر لكنه صحيح.

* أنت معروف، فوق كل شيء آخر، بإبتكار مفهوم جديد: “التحديد المضاعف”. أيمكنك تفسير هذا المفهوم؟

– لقد طورتُ هذا المفهوم عبر فرويد، وإستخدمته في الحقل النظري الذي ليس له أية علاقة بفرويد. في الوقت الحاضر، لا يمكنك أن تؤسس أية علاقة ما بين فكر ماركس وفرويد، بإستثناء علاقة تتعلق بالفلسفة، أيّ التجانس الفلسفي- المادية إلخ. إستخدمتُ هذا المفهوم لأتحدث عن أشياء متعددة في واقع المجتمع والأحداث التاريخية. هذا المفهوم لا يفهم دائماً كـ “تحديد”، بل أيضاً كـ “تحديد مضاعف” أو “تحديد ناقص”. هذا التحديد ليس بسيطاً، بل يجب أن يفهم بشروط التعدد؛ في هذا المتعدد، هناك تعدد أكثر أو أقل من “التحديد” الذي تفكره، أو الذي تعتقد أنك تفكره، أو الذي تعتقد أنك توصلت إليه عبر بحثك.

*أيمكنك أن تمدّنا بمثال ما؟

– قضية ستالين على سبيل المثال؛ إنها قضية “مضاعفة في تحديدها”. التفسير الذي قدّمه خروتشوف هو أن ستالين كان ببساطة مجنوناً، أنه مجرد أصبح مجنوناً؛ هذا هو تفسير “تحديدي”. لكن هذا التفسير ليس كافياً؛ ليس كافياً لفهم شخصية وعالم ستالين، ولفهم هذا الأمر يستلزم وجود “تحديدات” أخرى – “تحديد مضاعف” و”تحديد ناقص” – لأنك حين تؤمن بأنك قد فهمت أركان “التحديد”، فأنت لا تعرف أين أنت في هذا الواقع، أيّ أمام هذا الواقع؛ فإنك قد تكون متجاوزاً للواقع أو تحته؛ عليك أن تصعد إلى الأعلى أو إلى الأسفل.

* أيعني “فوق-الواقع” أنك متقدماً بالنسبة إلى الواقع؟

– إنه يعني أنك، بشكل عام، متأخراً في هذا الواقع؛ من الممكن أن يحصل في حالات معينة بأن يكون، على سبيل المثال، الشعراء، والموسيقون، والفلاسفة الطوباويون متقدمين على الواقع. في هذه اللحظة بالتحديد، على هذا السطح، نحن متأخرون أمام هذا الواقع؛ بلا شك، لأننا لا ندرك الواقع، نحن مجرد نحاول إدراكه.

* أنحن متحددون بشكل ناقص إذن؟

– نعم.

* قال إرنست بلوخ بإن قدر الإنسان هو أن يكون دائماً خارج الزمن؛ أن يعيش دائماً قبل تاريخه أو يعيش تاريخه عبر التفكير كما كان يفكر قبل عشرين سنة، أو قبل قرن.

– هذا صحيح؛ الإنسان هو دائماً متأخر. هذا صحيح لكن بلوخ لم يساعد على أي شيء، إنه كان يتحدث عن الآخرين لا عن نفسه.

اقرأ المزيد

قصيدة قاسية

أريد أن أحبّك بخفة
يَمسك حنيني بأصابع من ريح..
لا أريد أن أتنفسك بعمق
ولا أن أبكيك بغزارة..
فمذ وقعت في هوة الحب
ابتلعتني قصيدة قاسية
كلما رجوتها أن أطفو إلى السطح
دثرتني في قبو شعورها
أرهقت سمعي بأصوات المُعذبين
تجلدهم بسياط خيبتهم
وهم يتحسرون على نبضهم
ويرسمون الإحساس بدمهم
موسيقى صامتة للأنين..

****

الذين ربتوا على كتفي بعد خلعها
وسرحوا شعري منكساً بفقري..
الذين قدموا لي دموعي كأساً ببرودِ
مغمساً بزهرة عمري
ووعودي
وزرعوا في صدري
أشواك شهيق
الذين بجلوا أحزاني بتعظيم سلام
ومرَّ على سمعهم تضرع قلبي
مرور الكرام

لماذا يقفون على أبواب الذاكرة؟

****

وبعد حروب طاحنة
أدرك بهوادة أنني…
لست فساتيني المطوية بعناية في دولاب العمر
لست شعري المنسدل بملل على كتف الانتظار
لست استدارات جسمي
ولا حروف اسمي

أنا العبارة المقروءة بريبة في رواية حزينة
أنا الكلمة المتحشرجة الغارقة بين صمتي وترددي
الابتسامة الخجلى من لثغة تهجيها للفرح
الأغنية التي أدندن بها عارية في الحمام بلا سبب
أنا كرسي المقهى الذي يشهد ترقبي للصدف
صورة ثلاثية الأبعاد
لم تلتقطها اللحظة الفارقة
ولم يؤطرها برواز خشبي

****

لا تقلقْ.. أنا أعتني بقلبي جيداً
أغسله بماءٍ بارد قبل النوم
لا يغفو على دفءِ الحبّ
بوهمِ المعرفة..

اقرأ المزيد

سلمان زيمان عنوان زمن جميل

ما الذي فعلته بنا يا (ابوالفعايل) عندما غادرتنا إلى غير رجعة، وتركتنا أرواحاً مجروحة ممزقة ترثيك حتى اللحظة.
الخميس 23 يوليو. ربما كان الوقت ضحى حين هاتفتني اختي قائلة: سلمان زيمان توفى! ماذا تقولين؟! أسقط في يدي.
ما كنت أعلم انني سأرثيه يوماً، أو أكتب شيئاً يختص بوفاته. نعم لم يخطر ببالي هذا الأمر إطلاقاً. اما ردة فعلي الأولى وبشكل عفوي، وبالرغم من الحزن العميق الذي اجتاحني لحظتها هي أني وجدتني اردد أغنياته واحدة تلو الأخرى، واستمرّ معي هذا الأمر لعدة أيام.
(ولي في ربوع الشمال غرام)، (أصبتني الذكر الأوائل)، (أنت مرادي يا فاتني) (يا بو الفعايل ياولد)، (نار النشامى)، (أقبل العيد) وغيرها مما اتذكره لحظتها، طوال يوم فقدك كنت اردد الأغنيات التي تردني تباعا عفو الخاطر. تلك الأغنيات التي لم ازل احفظها عن ظهر قلب منذ أربعة عقود. كأنما شيئا ما اقتطع منك. شيئاً ماكنت تدرك أنه بهذا العمق.
ثمة زمن جميل ولى بكل ذكرياته الجميلة، ولى بكل طقوسه، بكل القيم والمبادئ النبيلة. وأنت تعيش اليوم في زمن مختلف، فكأنك تعيش الماضي والحاضر والمستقبل معاً. لا. لم تمت تلك القيم بل حفرت فينا كالدم. ليس الأغنية، ليس الصوت، إنها الحقبة بأكملها. تلك التي كنت تحسب أنها غابت وانمحت واندثرت. ثم بهذا الغياب الصارخ تكتشف أنها باقية متجددة حية. لا لم تمت.
حقبة السبعينيات والثمانيات والتسعينات من القرن الماضي التي كانت مفعمة بالقيم والمبادئ السامية، حيث الحلم والأمل والتوق للوطن الأجمل. رحت اتصفح مجموعات التواصل الاجتماعي لأجد خبر رحيلك يملأ كل الفضاء الافتراضي. المكان والزمان كل الأصدقاء بل البحرين قاطبة رثتك ونعتك.
الكثير من الأصدقاء والمعارف عبروا عن ألمهم وحزنهم، إما بالكلمات وإما بإعادة نشر أغنياتك عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وحينها عرفت مدى حجم الحب الذي سكن قلوب الناس تجاه سلمان الانسان والفنان. ووجدت الحزن والأسى الذي عبرّ عنه كل محبيك ومعارفك. مازلت حتى اللحظة غير مستوعبة نبأ رحيلك، وكأن عزائي الوحيد هو أن أردد أغنياتك واحدة تلو الأخرى، وامتد الأمر معي لعدة أيام ومازال كلما لاح لي ذكرك.
هل التغني بتلك الأغنيات الجميلة وإعادة سماعها يعوضنا عن فقدك؟. ما يزيد الطين بلة هو أننا في ظل جائحة كرونا لا نستطيع ان نعزي بعضنا بعضاً وجها لوجه، أو بالشكل الطبيعي المتعارف عليه، ولا نستطيع أن نكون مع أهله لنعزيهم عن قرب.
(أقبل العيد حبيبي)، بعد رحيلك بأسبوع، أقبل العيد لكنك لم تقبل يا أبا سلام. غبت وغيبّك الموت. “ولي في ربوع الشمال غرام”، “كل أمر سهل من دون الوداع كيف أنا بودعك”، وها نحن نودعك وهو ليس بالأمر السهل علينا. “أصبتني الذكر الأوائل”، “يا بو الفعايل يا ولد/ سوي الذي ما يستوي/ راوني العجب/ راوني العجب”.
اخذتني الذاكرة بعيداً أول ما استمعت لأغنيات سلمان ذات اللون اليمني، في بداية حياته الفنية: “أنت مرادي”، “أقبل العيد حبيبي”، “الزمن غدار”، “بعدما قد شاع لك حبي وذاع/ والحشا مستودعك”. بعدما شاع حب الناس لك وألفوا محبتك غادرتهم. لمست فيضا من الألم عبرّ عنه الأصدقاء بصدق وهم يرثوك جميعاً بحزن كبير.
لم يطلب أحد من الناس أن يعبروا عن حبهم لك، لكنهم عبروا عنه بشكل عفوي وصادق وجميل. كل هذا الحب، كل تلك المشاعر تليق بسلمان الإنسان والفنان .
“أصبتني الذكر الأوائل/ لهواك يا أم الجدائل”. يندر أن تجد إنساناً يمتلك كل هذه المحبة في قلوب الناس.
عرفت سلمان من خلال معرفتي بأخواته اللواتي كن زميلات لي خلال الدراسة الجامعية، ومن ثم امتدت معرفتي به إلى العائلة بأكملها، من خلال حضوري للحفلات التي أحيتها فرقة “أجراس”، أو الحفلات الخاصة بسلمان زيمان. عرفت سلمان الإنسان البشوش الخلوق، الذي لا تراه إلا وهو باسم. آخر مرة سمعت فيها صوته حين هاتفته لأعزيه في وفاة والده، فكان، كعادته، بشوشاً لطيفاً.
أن تغيب، أن يرتحل صوتك بعيداً، يعني أنك حاضر وباق في كل القلوب التي أحبتك. لروحك السلام والرحمة أبا سلام.

اقرأ المزيد

عندما أحبّت جان

كُثر هم الكتاب الذين يدينون بنجاحهم لزوجاتهم، ولكن قلة من النساء قد تتحمل متاعب كاتب لم يكن يقرأ له إلا قلة القلة و لم يكن يجني غير الكرامة شيئاً. تلك هي قصة الكاتب الفرنسي ليون بلوا وزوجته جان اللذين التقيا في منزل الشاعر المتواضع فرانسوا كوبيه ووقعا في شباك الغرام، فتزوجا في نفس السنة. كانت هي قد بلغت الثلاثين من عمرها و كان هو قد دخل نضج الأربعين.

عندما التقى ليون بلوا بجان، لم يكن يملك الكثير، وكان الكتاب الفرنسيون يدعونه بالكاتب المتعجرف بسبب صراحته العنيفة في الكتابة. لم تترجم بعد كتاباته إلى العربية إلا أنني أكاد أقسم بشبه في أسلوب السخرية بينه و بين محمد الماغوط، خصوصا عندما يتناول الاثنان خبث صهاينة اسرائيل رغم أنها لم تكن دولة حينها.

تنبأ بلوا بتأسيس “كارثة يعتلي أهلها سلم القوة لدهس الانسانية أجمع”. كان ليون بلوا مسيحياً متشدداً ويستلهم كتاباته من شعوره الديني، حتى أنه لم يتوقف يوما عن ترديد كلمات القديس بولس “نرى كل شيء من خلال مرآة”، في إشارة إلى وظيفة الكاتب التي تكمن في مساءلة المرآة، تلك التي نظن أنها واضحة، رغم أنها مليئة بالألغاز. روح بلوا كانت بمثابة الروح المصنوعة من النار عند الكتابة، روح مؤلفة من إيمان وحماس شديدين، يشعلها الحب ويحركها التعصب من أجل إعلاء صوت الحق.

فلنعد الى جان، لأن كل ذلك لم يكن ليحدث من دونها. تلك المرأة تركت دراسة الفلسفة ووطنها الأم، الدنمارك، حتى تكون مصدر إلهام لزوجها ومرافقته في عوالمه الكتابية. قد يجد بعض مناصري المرأة في ذلك سذاجة عمياء، الا أن جان كانت قوية جداً وفي كامل قواها العقلية عندما أقبلت على الزواج من ليون بالرغم من سوء أحواله ومهاجمة الطبقة البرجوازية له.

كانت جان أو التي لقبت لاحقاً بلقب “المرأة والزوجة الرائعة” تبحث عن الهدوء والتأمل في كل ما تفعل. لم يكن ذلك مدهشاً بحكم أن أباها الشاعر الدنماركي الشهير كريستيان مولبك. كان بحث جان أعمق من أشعار والدها بكثير. عن ماذا كانت تبحث؟ عن الحب في كنف رجل مثل باقي الفتيات؟ لا. كانت تبحث عن الله، و”الذي يبحث عنه ويجده مرة، يعود ويجده في كل مكان” . هكذا كانت جان، التي حين تعرفت على ليون بلوا، وجدت الله في عينيه، و كان بالنسبة لها الزواج الوحيد الذي قد يمنحها الحياة الروحانية التي كانت تحلم بها، فيكون ليون مرشدها وملهمها. المضحك في الأمر أن العكس هو الذي حدث لاحقاً.

في ذات الأمسية التي جمعتهما لدى فرانسوا كوبيه، كانت جان تتحرى لقاء بلوا التي كانت قد قرأت كتابه “المراسلات”، ووضعت خطين تحت عبارة “أنا في بحث مستمر عن توأم الروح الذي يفهمني”، وأحسب أنها قالت في نفسها: لماذا لا أكون تلك المرأة بالنسبة للكاتب الذي أقرأ والذي أحب؟!

التفت الشاعر فرانسوا كوبيه الى الاثنين وعرّف بلوا على جان تحت مسمى “الكاتب المتسول”، بسبب فقره المدقع. تزوجته بالرغم من كل العوائق واختلطت حياتها بحياة ليون بلوا الكاتب. ثلاثة كتب كتبهم بلوا و كان الفضل يعود إلى جان التي لم تبخل بأفكارها يوماً على زوجها؛ ألا وهي “المرأة الفقيرة”، “البائس”، “المذكرة”.

عندما كان يلتقي ليون بلوا بأصحابه لا ينسى ذكر جان. “هي المرأة الوحيدة التي تفهمني، و تعرف بأنني لا أكتب لأحد غير ربي الأعلى”. و لذلك عرفت جان كيف تمده بأفكار رواياته، إن لم تكن جميع الكتابات التي تلت زواجهما.

توفي ليون بلوا عن عمر يناهز الواحد والسبعين عاماً، و لتعويض فقده، أقبلت جان على كتابة القصص القصيرة والمسرحيات، خصوصاً بعد تأثرها بمحاضرات نيقولا برديائيف و اصدارات دستويفسكي.

جديرة بالاهتمام المراسلات التي كانت تدور بين جان و ليون بلوا قبل الزواج وخلاله. فيما نتواصل اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي، كان الزوجان يكتبان لبعضهما بعضاً بشكل شبه يومي على الرغم من أنهما لم يفترقا. يذكر بأن جان كتبت لليون مرة: ” لم أقابل أبداً أي شخص يتطابق عقله مع ما أحتاجه سواك”، فردّ عليها: “الكلمات التي تسطرينها لي والتي قد يضحك عليها العالم هي بالضبط ذات الأحاديث التي كنت سأكتبها لك بنفسي …”.

اقرأ المزيد

“الورد لا يعيد الموتى”

في غرفتي يحدث كل شىء
أرى بوضوح تام
الظل يتعرى
والورد لا يعيد الموتى
لست سوى حلم
يطاردني كظلي
وتبقى الأشياء صامتة جدًا في حضور ثرثرتي
السرير يعانق نفسه وينام
كي لا تتسرب أحلامك إليه
أحلامك الغريبة
عن الحرية
عن الحب
وعن مكتبة السجن
تبتسم صباحا للحياة
وتتباهى أمام أقرانك بأنك مازلت على قيدها
ألم تخبرني بأن هذا مايفعله المسنون
ماذا لو عرفوا بأنك على قيد الحياة والحب
هو قيد على كل حال
لست سوى حلم
لذا لا تطارد العصافير
لا تطرق باب مخيلتي وتعبث بأفكاري
من يفسر حلمي
الأفكار تتساقط مني
وقصيدتي ثائرة
للذاكرة فوضتها
ولي أن أرتب أحلامك
أنت تشبه نفسك
وأنا أشبه الجنون
ونحن نرفع قبعاتنا ونحيي الجمهور
ننحني
نغادر على صوت التصفيق
نخلع الأقنعة
ونستعد للمسرحية القادمة

اقرأ المزيد

بين هوس القراءة والإكتفاء بإقتناء الكتب

منذ سنوات زاد هوسي باقتناء الكتب، أمام زيادة في ضيق الوقت لقراءتها، إلى أن حلّ علينا هذا الوباء في بداية انتشاره، فجلست إلى مكتبتي، لتنظيفها وترتيبها، وهنا صدمت بالعدد الكبير من الكتب التي اشتريتها وتنتظر دورها لأقرأها.
والحقيقة أن ما يحدث لي حين أدخل المكتبات والمعارض هو ضعفي الكبير أمام إغراءات الكتب. إذ تغريني أغلفتها، عناوينها، فهارسها، بعض أسماء كتابها، وموضوعاتها وغيرها من الأسباب التي تجعلني أقع مراراً وتكراراً ضحية لها، لكن هل هذا سبب منطقي لملء مكتبتي وجوانب أخرى من البيت بكل هذا الكم الهائل من الكتب؟
الأغرب أني في بعض المرات اقتنيت الكتاب نفسه مرتين، وحتى لا أشعر بالأسى على نفسي وعلى ضعف ذاكرتي، سارعت لإهداء النسخ الثانية لبعض الصديقات.
إن كان هذا مرض يفرزه نهم القراءة، فأنا مصابة به والحمد لله، وإن كان غير ذلك، فقد أردت فهمه للسيطرة عليه.
في زمن مضى كنت لا أشتري كتاباً، حتى أنهي قراءة الكتاب الذي بين يدي، ثم مع تزايد انشغالاتي بدأ هذا هذا النوع من الإدمان يتسلل إلي، وأسميه إدمانا لأنه مصحوب بشعور لا يمكن وصفه من اللذة، ويحضرني ما قاله الكاتب والناشر الأمريكي ألفرد إدوارد نيوتن بهذا الشأن، وهو أشهر جامع للكتب في فلاديفيا في زمانه: “حتى عندما تكون القراءة غير ممكنة، فإنّ مجرّد وجود الكتب في حوزتنا، ينتج تلك النشوة التي تجعل من شراء كتب أكثر مما يمكن قراءته روحاً تصلنا باللانهاية، نحن نحب الكتب غير المقروءة، كون وجودها يجلب لنا الشعور بالراحة، والأمن للوصول الفوري إليها”.
يذكر أن أ. إدوارد نيوتن هو ما يوصف في الثقافة اليابانية بكلمة “تسوندوكو” التي تعني الأشخاص الذين يجمعون الكتب لمجرد جمعها دون قراءتها. يكتفي التسوندوكو بصف الكتب في مكتبته، بحيث تستهويه العناوين الجديدة والقديمة في موضوعات متنوعة، فيسعى دوما لإثراء رفوفها دون إيجاد وقت فعلي لقراءتها.
نيوتن نفسه استفاد من هوايته هذه، وأطلق مسابقة للقراءة كانت الأولى والأشهر على الإطلاق في ثلاثينات القرن الماضي، بحيث أسست لقواعد القراءة في العالم لبرامج مماثلة اهتمت بالترويج للقراءة والعمل على تسويق الكتاب، كما أدخلت المكافأة النقدية للفائزين في سباق القراءة. ما رفع الكتاب من مرتبة “الكماليات الثانوية” إلى مرتبة الاستثمار الثقافي المربح.
مع انتشار نوادي القراءة اليوم في أغلب مدن العالم، نجد المدمنين على القراءة، أولئك الذين نحسدهم بشدة لأنهم يلتهمون كتاباً كل ليلة أو ليلتين، فيما نشعر نحن بالحاجة لحياة ثانية لنقرأ ما لدينا.
هناك كتب ترمقنا منذ سنوات من على رفوف مكتباتنا لنقرأها، ومع هذا لا فائدة، فهي تشبه أولئك الأشخاص الذين يستحيل أن يصبحوا أصدقاء لنا مهما حاولوا التقرب منا.
للكتب حظ، هذا ما أصبحت أؤمن به، وأنا أنقل الكتاب معي من غرفة النوم إلى الصالون إلى المكتب إلى المطبخ، إلى المطارات والفنادق، إلى قاعات الإنتظار، في محاولات فاشلة لقراءته. بعض الكتب هكذا عصية جدا على القراءة لكن ليس كنص، لأنها لا تنال شرف فتحها أو المضي في قراءتها حتى الآخر. لسبب أجهله كلما جلست إليها جاء حائل ليمنعني من اتمام القراءة، فأعيدها إلى الرف، وأنساها، عسى أن أعود إليها في مرة قادمة.
مضت سنوات على بعض الكتب وهي نائمة في الرفوف العلوية لمكتبتي، مع أني أذكر حماسي لحظة اقتنائها، ثم انطفاء ذلك الحماس بمجرّد قراءتي لبعض الصفحات مها. تبقى تلك الكتب شاهدة على فوز غيرها بالقراءة والتمحيص والمناقشة، لكن من على هامشها المنسي، تماماً مثل الناس التي لا حظّ لها، وهذا يشعرني بالحزن عليها، فلطالما وصفت بعض الكتب ب”المنحوسة” من باب لغتنا اليومية الساخرة، ثم شعرت بالإشفاق عليها.
دون انتباه، نعطي أبعادا جسدية للكتب، فيصبح بعضها جالباً للحظ، وبعضها الآخر “منحوسا”، لهذا يبدو لي أن الكتب التي تعطّل فعل القراءة لدينا يجب التخلص منها، فقد يكون حظها أفضل عند قراء آخرين.
في دراسة جميلة أثرتها تحليلات نفسية علمية، اكتشفت معنى “القارئ العاطفي”، وقد صنفت نفسي ضمن دائرته، وهو القارئ الذي لا يشعر بوحدته حين يقرأ، أو بتعبير آخر يطرد وحدته بالقراءة. لكن رأيا آخر شكّك في هذا المفهوم – وهو رأي علمي أيضا – وخالفه تماما معتبرا ” قراءة الكتاب بحث عن خلوة للإصغاء لأصواتنا الداخلية ” فأيّ الرأيين أصح؟
هل الإندفاع لاقتناء الكتب يدخل ضمن “هوس التسوق”؟ لردم ثغرة نفسية ما، أم أن الإقبال على الكتاب بهذه الطريقة له أسباب أخرى؟ هل يختلف المتهافت على شراء الأحذية والسّاعات وربطات العنق عن مشتري الكتب؟
تقول إحدى المهوسات باقتناء الكتب: “إنه أشبه بمحاولات الإقلاع عن التدخين، بعد ستة أسابيع من مقاطعة المكتبات، انهرت تماما، دخلت مكتبة واشتريت خمسا وعشرين كتابا دفعة واحدة..”
أنا شخصيا أشتاق للمكتبة، مع أني منذ فترة أصبحت أعتمد طلب قائمة من الكتب عن طريق خدمة التوصيل للبيت، لكني لاحظت أن التسوق أونلاين لا يعوّض أبدا متعة زيارة المكتبة والوقوع تحت تأثير إغراءاتها، ولعلّي أدركت بعد هذه التجربة أن “المكتبة” هي أحد أهم الأسباب الدافعة لنا لاقتناء الكتب.
غير ذلك أنا شاكرة لكل الذين قدموا لي هدايا على شكل كتب، منذ طفولتي إلى يومنا هذا، فقد ربطوا الكتاب بالمكافأة، وبهذا صنعوا له مكانة رفيعة لديّ، ويبدو لي أني حين أشتري مزيدا من الكتب مع معرفتي السابقة أني لن أجد وقتا لقراءتها جميعها، ما هو إلاّ سلوك يدخل تحت إطار المكافأة الذاتية.
يحدث أن نقع في حب كتاب، فنبحث عن كتب أخرى لنفس الكاتب، عسى أن نعيش اللذة نفسها، وإن لم يحدث، فذلك لا يحبطنا، بل يدفعنا للبحث في المواقع الشهيرة للقرّاء مثل “غودريدز”، عن كتب قد تثير انفعالاتنا وتحقق لنا ذلك الإمتلاء الذي نسعى إليه ونحن عالقون في سلسلة قراءات لا تنتهي.
ثمة سر آخر مرتبط بلذة الإمتلاك، فهذه الكتب تمثل ثروتي الصغيرة، لهذا أشعر بضرورة الحصول والحفاظ عليها. فقديما كانت الكتب ترفا يتمتع به قلة من الرجال، أما رفاهية النساء فتكمن في اقتناء المجوهرات، والأزياء الراقية، لكن أزمنة القراءة جعلت الكتاب يرقى لمستوى المجوهرات، وكما في الحكمة القديمة “خبي قرشك الأبيض ليومك الأسود”، ها نحن عشاق رائحة الحبر والورق نخبئ كتابنا “الأبيض” ليومنا الأسود. ألم يحدث في أول الحجر الصحي أن استنجد كثيرون بمن يُموّلهم بالكتب لكسر روتين يومياتهم، بعد أن أصابهم الملل من هواتفهم الذكية؟ ألم يهزم الكتاب كل أنواع العواصف العاتية التي هبت في وجهه ولا يزال مستمرا بالحضور؟
هذا عزاؤنا الدائم، ونحن نتأمّل ثروتنا مصفوفة بعضها بعناية وبعضها بإهمال في بيوتنا. في مشهد جمالي يجذب من يحب القراءة ومن لا يحبها. زاوية تملأ قلوبنا بمشاعر الإمتنان والإطمئنان، وترسم حدودا شاسعة لما نملكه من أفكار وثقافات وعوالم معرفية.
أسمع كثيرا من الهمس أن المكتبات ليست بخير، دور النشر أيضاً، الكُتّاب يعيشون أزمة لا مثيل لها في تاريخنا المعاصر، لا أحد بخير في هذه الأيام تحديدا، لكن نظرة تأمل لمكتبتك الخاصة، ولكل تلك الكتب التي اقتنيتها – دون وعي – تجعلك سعيداً لأنك كنت دوما فعالا في إنقاذ صناعة الكتاب من الإنقراض.

اقرأ المزيد

حراً وبعيداً كطير عابر.. عباس كيارستمي

“حينما تأخذ شجرة مثمرة من مكانها، وتزرعها في مكان آخر.. فهي ببساطة لن تثمر”
عباس كيارستمي

أينما بحثت عن المخرج الإيراني عباس كيارستمي (1940-2006) رائد الواقعية الجديدة في إيران، ستظهر الجملة السابقة، استشهاداً بثباته في العمل داخل إيران، رغم كل المحظورات التي صاحبت ثورة 1979، ودور الرقابة التضييقي على العمل بالفن، والتحكم بمضامينه، ولكنه أيضاً أعطى الهوية الإيرانية التي وضعها مهرجويي في فيلم “البقرة”، عبر التصوير في أماكن حقيقية، ومع ممثلين غير محترفين من أبناء منطقة التصوير، والذين سيبدون – بلا شك – أكثر اتساقاً مع سواهم، ومع الكثير من التفاصيل المحلية.
سيعبر المنتج الفني عن نفسه، وعن مكانه وبيئته، وهذا ما سرى على المخرجين الذين أتوا على فترات بعده، وتنوعت أساليب إخراجهم، لكن الروح كانت في مجملها مشتركة، تتقاسم ثيمات: الحجاب بمفهومه وشكله وترميزاته الدينية والسياسية/ واقعية القضايا المطروحة/ تصوير المناظر الطبيعية بدون الحاجة للديكورات المبنية/ اختيار نماذج إنسانية معروفة للمتفرج يسهل فهم سيكولوجيتها ودوافعها.
وهذا ينطبق – في مجمله – على معظم الأفلام الإيرانية منذ السبعينات وحتى الفترة الحالية. لكن لون المخرج عباس كيارستمي كان مميزاً، بحكم أنه الأكثر خبرة من بعد تجربة “بقرة” مهرجويي، وحتى الأسماء التي ظهرت لاحقاً في حقل الإخراج السينمائي؛ مثل مجيد مجيدي، ومحسن مخملباف، وجعفر بناهي، وغيرهم. كان كيارستمي يأخذ دور المعلم؛ كتابة، ومساعدة، أو توجيهاً، خصوصاً أن الخط العام المرتبط بالنضال للحريات كان مشتركاً بين هذه الأسماء، وسيكون من الصعوبة التمييز بين نتاجهم، لأن الحدود لا تعدو بصمة فنية لكل منهم. لكن لنقل إنهم، مع المحاذير المذكورة، اكتشفوا في أنفسهم زوايا فنية مبتكرة، مثل قطعة القماش الصغيرة التي تطلب من خياط ماهر تشكيلها وتحويلها إلى شكل جديد حسب المتاح منها.
وبمعزل عن الثيمات المشتركة، والتي يمكن أن تكون عامة بالنسبة لأساليب السينما الإيرانية، سنحاول إلقاء الضوء على بعض الملامح التي اختص بها كيارستمي، ويمكن تمييز أسلوبه من منظوري الشكل والمضمون معاً، حيث تبدو ملامح جلية وواضحة في أعماله المنتقاة بعناية لا شك، منها إدماج الأطفال في أفلامه: والتي يشير كثير من النقاد والباحثين، وحتى المشاهدين النابهين، إلى تركيز كيارستمي على الطفولة، التي كانت -بالمناسبة- ثيمة مشتركة بين بعض المخرجين المميزين، مثل فيلم “البالون الأبيض” الذي كتبه كيارستمي وأخرجه جعفر بناهي، و”سائق الدراجة” لمحسن مخملباف ومجيد مجيدي، و”أطفال الجنة”.
أما كيارستمي، فجاء فيلمه “أين منزل صديقي؟”(1) 1987م، المستمدة قصته من قصيدة لسهراب سبهري، حول سعي الطفل/ البطل لإرجاع دفتر الواجبات المدرسية لزميله في الصف الدراسي، خشية عليه من عقاب وطرد المعلم له. تدور أحداث الفيلم حول رحلة البحث عن بيت الصديق في القرية المجاورة، بكل ما تحمل من تفاصيل، وعدم استماع الكبار له في إلحاحه حول الذهاب إلى بيت صديقه، والتجاهل التام والمتكرر من أكثر من شخص، والتهديد بالعقاب، ولكن كل لك لم يكبح رغبته في البحث عن صديقه في القرية المجاورة، لشعوره المرهف جداً لما قد يحصل له.
ورغم أن رحلته كانت بلا طائل، لكنه توصل في النهاية إلى حل مُرضٍ يسعد المتلقي، بعد أن عاش رحلة بسيطة في ظاهرها، ومليئة بالأفكار التي تدفع للتأمل أكثر، الذي يعد واحداً من أهم أسباب كيارستمي لصناعة الأفلام، رغم أن اهتمامه بالطفولة جاء بمحض الصدفة، عبر دعوة وجهت له لتأسيس فرع للسينما بمؤسسة جديدة، فلم يشعر بنفسه إلا مندمجاً في أفلام تخص الطفل والطفولة(2).
ولا عجب أن فاز هذا الفيلم بجوائز كثيرة، محلية ودولية، مثل مهرجان الفجر بطهران، ومهرجان لوكارنو بسويسرا، وجائزة سينما الفن والتجربة في كان، ومهرجانين في أمستردام وروما(3)، وهذا على أن بساطة الطرح مؤثرة لدى الآخرين، وسيشعر كل من يشاهد الفيلم بقربه من الحكاية، ومن البيئة التي منحت هذه الحكاية أيضاً.
لا يتأتى سحر الأفلام التي أبهرت العالم، وحصدت جوائز عالمية، ولفتت الأنظار إلى هذا المخرج القادم من جنوب غرب آسيا، من بلد لفت الأنظار إليه عبر حضارة تفيض بفنون شتى، وثورة قننت حرية التفكير والعرض، إلا بما يتناسب ومقايسسها. كان كيارستمي خريج الفنون الجميلة، الذي عمل لبعض الوقت في شرطة المرور؛ مصمماً للدعاية، قبل أن يتجه للإخراج السينمائي في وقت لاحق، وهو أيضاً لا يخفي تأثره الكبير بشعر الهايكو الياباني(4) الذي يعطي بجمل بسيطة ذات ألفاظ غير معقدة، تعبيراً عميقاً عن الحالات، فاستفاد من هذه التقنية في أفلامه؛ عبر تعميق المعنى بالصورة وباللفظ في ترسيخ المعاني وتأويلها على أكثر من اتجاه. فصوره ناطقة على الدوام، وهذا ما ميّز جمال الصورة التي ترمي إلى استعارات رمزية وإنسانية مفهومة عند المتلقي، لارتباطها بمفردات عنده ومن بيئته، وأيضاً تحوي نقداً ثقافياً، عبر الكشف عن النسق المضمر في المعنى؛ مثل ومضة تأخذ ثوانٍ أو دقائق في منظر واحد لا يتغير، الكاميرا لا تصور سواه: امرأة وحيدة تنتظر في السيارة، ويستغرق الأمر دقائق، بينما تعابير وجهها الطبيعية تماماً تعبر عن قلق مستمر (فيلم عشرة)(5)/ طفل ينظر بأسى إلى والدته التي تتنقل في أرجاء البيت لإنجاز غسيل الملابس اليدوي؛ من الفرك، للنشر، ولا تسمع شكواه، بينما تلوك كلاماً مكرراً ومتواصلاً دون توقف (فيلم أين بيت صديقي؟).

السؤال الذي لم تتضح إجابته في فيلم (طعم الكرز)(6) هو: لماذا أراد البطل (بديعي) الانتحار؟ لماذا لم تركز كاميرا كيارستمي على القبر الواقعي الذي حفره البطل لنفسه في كل مرة كان يدعو شخصاً مختاراً لمهمة إتمام الدفن بعد انتحاره؟ ثم هذا البطل نفسه المقدم على الموت برغبته، لم يقلق من دعوة حارس المنشأة لمشاركته طبق البيض، لأنه “يضره”؟! في الوقت الذي أخفى فيه الفيلم القبر، مكتفياً بملامح وجه “بديعي” الشارحة: لن تقتلني، ستردم التراب عليَّ بعد انتحاري، وتأخذ النقود الموجودة في السيارة في هذا التوقيت، وحسب! ثم هل سيلاحظ المتلقي تركيز البطل الشديد أثناء حديثه مع حارس المنشأة، في الشاحنة التي تسكب الرمل في الحفرة، وابتلاع ريقه كلما تكرر الأمر، كأنما كان يفكر بما سيحصل له حسب خطته؟

ولاشك أن تناول قضايا يدخل فيما يسمى “المسكوت عنه” في بلد مثل إيران، يطبق تعاليم الدين بالإجبار، ويفعّل التحديثات الخاصة التي تتناسب وسلطة رجال الدين، وتقع المسائل الخاصة بالأنثى في مركز دائرة الاهتمام، بل تكاد تكون أولوية، كونها مرتبطة بكل القضايا الحساسة المرتبطة بقوانين الطلاق الجائرة/ الشوفينية الذكورية/ الرياء الاجتماعي، ويستعرض أيضاً ما هو “مقدس وما هو مدنس في المجتمع الإيراني المعاصر”(7)، ويتجلى ذلك بشكل مباشر في فيلم “عشرة”، عبر عشر مشاهد حوارية منفصلة/ متصلة بين شخصين داخل السيارة، أحاديث متفرقة بين الحب/ الزواج/ العاطفة/ الدين/ الجنس/ الدعارة/ الإجهاض/ المخدرات/ الفساد، ضمن النظام القضائي(8). ولابد لمن يتعرض للقضايا الحساسة جداً أن يعي طريقة العرض المناسبة لمكاشفة المتفرج بالحقائق. كيارستمي لم يختلق قصصاً حتى يضمن تعاطفاً، بل نبش عن أكثر القضايا المؤرقة، وطرحها بشكل سردي مؤثر، لكنه يحافظ على خط الحياد طول الوقت، ليضمن للمشاهد أن يكون رأيه الخاص فيما يرى.

وحتى النماذج التي اختلقها واختارها بطل “طعم الكرز”، لم يكن انتقاؤها عبثاً. إيران مليئة بالإيرانيين؛ فلِمَ عليه اختيار كردي وأفغاني وتركي، من داخل البلد، ليقوموا بمهمة دفنه؟ لِمَ حدّد طبيعة أعمال أول اثنين بجندي وطالب علوم دينية؟ هل لأنهما يقومان -بحكم المهنة- بعقلية حسابية بسيطة وممنهجة تتلقى دائماً دون إبداء رأي شخصي، ولو حدث ذلك؛ إما سيهمل أو يعاقب على جرأته؟؟ هل اختار كيارستمي الشخص الثالث، الذي كان عامل تحنيط بالمتحف الطبيعي، والذي أبدى رفضه لأداء المهمة المطلوبة، ولكن ليس بالشكل القاطع كما الآخرين، ولكنه لم يتهرب مثلهم أيضاً، بل خاطب “بديعي” بلهجة العارف الذي يجب أن يعرف حكاية “طعم الكرز”، دون أن يعرف أيضاً أسباب إصراره على الانتحار، أو يصر على إيجاد حل شخصي له؟! يضع مفهومه الكامل للحالة ويمضي؛ لا منع ولا تأييد.

ولا تروق لمزاج عباس كيارستمي النهايات التقليدية، الذي يميل إلى جعلها نهاية مفتوحة، تفتح باب التأويل، يختلف على تفسيرها اثنان من المشاهدين، اللذان شاهدا الفيلم معاً. هو لا يحب المشاهد الكسول الذي تلقمه القصة ذات الترتيب التقليدي؛ من الحدث، للذروة، للنهاية، لذا يحتفظ بمسافة أمان مناسبة بين أبطاله ومتفرجيه، بحيث لا يجعل المتفرج ملتصقاً بعاطفة مع البطل. وأياً كانت القضية، فإنه ينهيها بشكل قريب للعقلانية والاتزان.

والنموذج الأمثل الذي يمكن الإشارة إليه في هذا الشأن، هو “بديعي” في طعم الكرز؛ البطل الذي يرغب في الانتحار، بدون بيان أسباب على الإطلاق تدعو للتعاطف معه، حتى في حديثه مع الأشخاص الذين اختارهم للقيام بمهمة دفنه/ردمه، لم تُجدِ نصائحهم أو مواساتهم له أي ردة فعل إيجابية، ليعيش المتفرج القلقَ طوال وقت العرض، فهذا هو ديدنه الذي يصرح به: “أفضل النظر إلى الجانب السلبي، والذي يجعلني قلقاً ومتوتراً. لذا فإني أنظر حولي، وأنتقي الأشياء التي تبدو لي هي الأفضل، أجمعها وأركبها كما لو أنها رزمة”(9). حزمة القلق هذه انتهت بإظلام طويل نسبياً، حذّره زملاؤه من مدتها لئلّا يغادر المشاهدون قاعات السينما قبل تتر النهاية. هنا عوّل كيارستمي على الجمهور أن تصلهم المعاني المختلفة التي أرادها، ولكي يخرج كل منهم بوجهة نظر حول النهاية الغامضة: هل حقق البطل رغبته في الخلاص، أم جبُن عن الإقدام عليها؟ وبغض النظر عن التأويلات المتعددة التي قد تفسر إزاء هذه النهاية، فإن ما حدث في التتر -لاحقاً- قد أبعد أي شعور بالأسى على البطل، الذي ظهر في كواليس التصوير يشعل سيجارته، ويدعو المخرج لواحدة! وهي بلا شك لإسقاط التعاطف، ونفي حالة الوهم التي تتلبس المشاهد وهو يتابع قصة الرجل الذي “مثّل” دوره وخرج منه.

انتهى خط الحياة عند كيارستمي في 2006م، لكن لم ينتهِ الدور الكبير الذي منحه للسينما الإيرانية على مدار حياته. لا تُذكر السينما هناك إلا واسمه مقرون باسمها، كنوع من الفضل الذي ينسب إليه عن استحقاق أكيد. لم يكتفِ بالانشغال في أعماله وحسب؛ بل الكتابة، والتوجيه، والمشاركة في ما يدعى إليه، لإيمانه أن الجميع هناك في جبهة واحدة، دون أن ينتسب إلى حزب، أو هجوم ثوري، أو التفكير بإطاحة أحد. فالسياسة عنده هي الانتماء للمشكلات الإنسانية المشتركة، والتعبيرعنها بما يوقظ الحدث والذاكرة والضمير، وهذا جل ما تمناه في رسالته الفنية.

1. https://www.youtube.com/watch?v=t7oY6ZgbjEo
2. عباس كيارستمي، سينما مطرزة بالبراءة، ترجمة وإعداد أمين صالح، كتاب البحرين الثقافية 30،المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى 2011، ص 167
3. السينما الإيرانية: تاريخ وتحديات، مرجع سبق ذكره، ص 191
4. عباس كيارستمي، مرجع سبق ذكره،ص 149
5. نفس المرجع السابق،ص 34
6. https://www.youtube.com/watch?v=BBNArD7-dpw&list=PLBA65D885F11C48D6
7. https://www.youtube.com/watch?v=yvSpZQIrMfM
8. عباس كيارستمي، مرجع سبق ذكره،ص 94
9. عباس كيارستمي،مرجع سبق ذكره ص 92
10. نفس المرجع السابق، ص 148

اقرأ المزيد

قاعات الكلام

آخر شحنة كتب غادرت مرفأ بيروت قبل تفجيره بلحظات، احتوت على كتاب المدربة الإدارية البحرينية وسيلة الموسوي الموسوم ب “قاعات الكلام”، والصادرعن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، قال لها الناشر: “انت محظوظة يا وسيلة، فقد قضى الانفجار على آلاف من شحنات الكتب والبضائع والأرواح والبيوت والمنشآت في ذلك اليوم المشؤوم، لكن كتابك كان من الناجين.
وسيلة كانت محظوظة أيضاً اذ منحها رئيسها الراحل عبد الرحمن درويش مدير إدارة التدريب بديوان الخدمة المدنية صباح يوم من أيام التسعينات الفرصة كي تنزل إلى قاعة التدريب وتحاضر في مجموعة من الموظفين، على أثر غياب المدرب المختص، وقعت وسيلة في غرام قاعة التدريب منذ اللحظة الأولى، فسارعت لسدّ النقص الأكاديمي لديها فحصلت على البكالوريوس والماجستير في التدريب والموارد البشرية كي تكون في مستوى المهنة، إذ كان التدريب قصرا على حملة الدكتوراة فحسب.
وفي قاعات التدريب ألفت نفسها مع مجموعات متنوعة من موظفي القطاعين العام والخاص، في البحرين وفي دول الخليج، الذين راحوا يسردون لها إشكالات الوظيفة وشؤونها وشجونها، وفرص الترقي وأحلام المستقبل الوظيفي، وأصول التعامل مع الرؤساء ذوي الطباع الصعبة وتحديات الإبداع والتغيير للخروج من الصناديق المغلقة وزوايا الراحة والهدوء والرتابة الوظيفية.
أكثر من 150 دورة تدريبية في القطاعين العام والخاص أقامتها بين البحرين ودول الخليج، حين تنخفض ميزانيات التدريب وتشح الدورات، تعرض وسيلة على المؤسسات تقديم دورات مجانية كي لا ينقطع حبل ودها وتواصلها وممارستها لمهنتها.
وسيلة التي طوّعت الحظ واستثمرته لصالحها، اجتهدت في تحويل قاعات التدريب الجافة والمملة والرتيبة إلى مكان من المرح والتعاطي الخلاق بين المدرب والمتدربين عبر استخدام تقنيات التمارين الذهنية والألعاب المحفزة والتمارين الجماعية الحركية، في نهاية كل دورة كانت وسيلة تلملم أوراقها وتطفئ جهازها المحمول وتعيد مراجعة الدورة مستعرضة الإيجابيات والسلبيات من اجل درس مستقبلي افضل، وترى وسيلة أن الحكايات التي رواها المتدربون لم تكن إلا نتاجاً جميلاً للتفاعل الخلاق والتشارك الحيوي والمصارحة بين المدرب والمتدربين.
تلقت وسيلة التدريب في سنغافورة، ثم أضافت عليه وابتكرت أساليبها الخاصة مفتحتة كل دورة بنهج جديد ومختلف، يعتمد على طرح الأسئلة لفهم احتياجات المتدربين، وإجراء التغيير المستمر في القاعة بعد كل 20 دقيقة ثم إعادة تغيير الأماكن وفقا لشخصياتهم وميولهم. كأن تختار أكثرهم هدوءا وخجلاً وتوارياً وتجلسه بجانب ذلك الموظف الحيوي النشيط من أجل جعلهم يرون أنفسهم قياسا بالآخر.
على طراد بحري صغير أبحرت وسيلة مع المتدربين باتجاه جزر حوار في شهر صيفي حار في دورة تدريبية عن التخطيط المهني الفعال، ما أن وصلوا وداعب النسيم الرطب وجوههم، حتى خلعوا ملابسهم ونزلوا إلى البحر، راحت تطاردهم واحداً واحداً لإجبارهم على العودة إلى قاعة التدريب في ذلك الفندق الساحلي الجميل فلم تفلح، مضى الوقت وهي ترمقهم يوغلون بعيدا عن عينيها، حين عادوا قررت إقامة الدورة على الشاطئ وليس في القاعة المغلقة كي تبقيهم بالقرب من البحر.
استنطقت وسيلة المتدربين وخلقت بيئة مكانية وفصول مشجعة وتقنيات ملهمة وجريئة ومساعدة على البوح والتعبير الحر وكسر الجمود ونزع رداء الخجل والخوف والانفتاح على الآخر، فانسابت القصص والحكايات الجميلة.
“قاعات الكلام” امتداد خلاّق للصنعة التي اتقنتها وسيلة واحبتها وشغفت بها فأفاضت عليها بالمن والسلوى.

اقرأ المزيد

موسم الهجرة من البحرين إلى الخارج

طلبت مني ابنتي، كما توقعتْ، كتابًا لرحلة الغربة إلى بريطانيا، لتسليتها في الطائرة وهي الشغوفة بالقراءة والبحث، فما كان مني إلا أن انتقيت لها كتاباً بالمناسبة هو رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) للروائي السوداني الطيب صالح، التي تصبّ في نفس الاتجاه، أي نحو بريطانيا العظمى، التي احتلت دولنا العربية ومنها بلادنا البحرين، وأصبحت امبراطورية تدير الشرق والغرب، ولا تغرب عنها الشمس إلا تحت تأثير نضال شعوب المستعمرات للإنعتاق من ربقة الاستعمار مما أجبرها على الرحيل لتغيب شمسها، وتغرب عن مستعمراتها مضطرة وتركت لنا إرثاً نتجرع مرارته حتى يومنا هذا.

ابنتي ندى حصلت مؤخراً على عقد عمل كطبيبة في مستشفى شيفيلد بانجلترا، لتلتحق بركب الأطباء الذين قدّموا إمتحانات أهلّتهم للقبول في مستشفيات إنجلترا بعد جهد جهيد، ليتم قبولها للعمل في ذلك المستشفى، وهي ليست الوحيدة بالمناسبة، فكثير من الأطباء البحرينيين غادروا قبلها.

قبولها للعمل هناك خلق لدينا، نحن عائلتها، فرحة عارمة، وفي نفس الوقت غصة في النفوس بابتعادها عنا وعن خدمة بلدها، ولكن طالما أن البلد لا يقدّر الكفاءات التي صرف عليها الغالي والنفيس لتؤدي واجبها في خدمته، إضطرها ذلك إلى الخيار الأصعب ألا وهو الهجرة، فواحسرتاه على بلد يلفظ أبناؤه، ويتركهم لقمة سائغة تتلقفها الدول الأخرى لتستفيد منها رغم ما صُرف على هذه الكوادر من قبل الدولة ليصبحوا مؤهلين للعمل في المرافق المختلفة، فأية سياسة هذه وفِي أي خانة يمكن أن نضع ذلك!

إنه العقوق من قبل الدولة، التي يفترض فيه احتواء مواطنيها المتميزين، والحفاظ عليهم لا تركهم يتجرعون الغربة، وهم الذين بإمكانهم أن يقدّموا الغالي والنفيس في خدمة بلدهم، ولكن ماذا عسانا نقول تجاه مثل هذه السياسات التي تحبذ الأجنبي وتكرّمه، وتقدم له التسهيلات على حساب مواطنيها. إنها نكبة بلد!

ندى زهرة تفتحت وأينعت، فمنذ صغرها كانت ذات شخصية جادة، مهتمة اهتماما تاماً بالدراسة والتحصيل العلمي كأختيها سمر وزينة، وبالجد والاجتهاد والصبر والجلد فاقت المتوفقين، وصبرت وصابرت وعملت المستحيل، ولم تترك للقدر أن يتحكم بها كما تحكّم في كثيرين غيرها من المتفوقين في هذا البلد، بل عملت ومن خلال تخصصها على تطوير مهاراتها العلمية فسافرت في سبيل ذلك الى صربيا ونيوزلندا وإيرلندا والولايات المتحدة، واجتازات دورات وقدّمت إمتحانات، وأخيراً أتتها الفرصة للعمل والدراسة في المملكة المتحدة، وآن الأوان لأن تؤتى ثمار التحصيل العلمي والبدء في حياة جديدة ومتجددة ملؤها العمل الجاد لتصبح في أعلى المراتب، ونحن واثقون من ذلك شأنها شأن البحرينيين المغتربين.

فحسن الاستعداد لبعض الأمور يستغرق ردحاً من الوقت، وقد حان أوان العمل المضني في سبيل تحقيق الأحلام، وليس على ندى كما عرفناها بمستحيل. فهي شأن الكثيرين غيرها من الأطباء الذين تركوا وطنهم ولجأوا إلى الخارج للعمل، بينما الدولة تستقدم الأجانب وتركن مواطنيها يعانون البطالة والإحساس بالغبن واليأس بعد كل هذه السنين من التحصيل العلمي، فكم من عاطل من الأطباء المتخرجين، وكم من الأجانب المستقدمين، معادلة تستوجب المراجعة على أقل تقدير، فأي بلدٍ يقوى بسواعد أبنائه، وهذا ما نفتقده مما يشكل معادلة مختلة لا تليق بدولة تحتاج لهذه السواعد لتكبر بمواطنيها.

فهل هكذا يكرّم المواطن المتميز؟ وهل لهذه السياسة أفق لديمومة الاقتصاد وتطور المجتمع وسلامة الحياة الاجتماعية، وإبعادها عن شبح الصراعات الحادة؟ سؤال نترك الإجابة عليه إلى المسؤولين عن هذه السياسات، التي يمكن أن تؤدي إلي خضات إجتماعية لا تحمد عقباها، ولا نريدها لوطننا.

ينبغي على المرء، طبعاً، أن يجيد الانتظار شريطة ألا يفوٌت الفرصة كما يقول أمبرتو إيكو في روايته الشيقة “باودولينو”، وهاهي الفرصة قد أزِفت لابنتنا آملين لها ولكل المغتربين اضطراراً التفوق والنجاح في دراساتهم وأعمالهم ليقدموا المفيد للبشرية جمعاء ولا عزاء للبحرين في هجرة عقولها المبدعة لبلدان أخرى، فنحن في موسم الهجرة من البحرين لا إليها للأسف بسبب السياسات الطاردة للمواطنيين المتفوقين، مجبرة إياهم على الرحيل، والبلد في أمس الحاجة إليهم في هذه الظروف بالذات.

اقرأ المزيد