المنشور

أهمية خلق الكادر النقابي

بمناسبة يوم العمال العالمي
أهمية خلق الكادر النقابي

لابد من إدراك أهمية خلق الكادر الطليعي المناضل والذي يتمتع بالوعي الحقيقي، الكادر المثقف والمدرك لما يجري من حوله من صراعات على الساحة السياسية، خصوصاً تلك المعادية، والموجهة ضد حقوق الطبقة العاملة والجماهير الكادحة، لذلك وجب على القوى الوطنية وفي مقدمتها اليسارية أن تعدّ الكوادر التي يعتمد عليها لكونها متمكنة ومبدعة، وذات صلة بما يجري من تطورات على الساحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأثرها على الحركة العمالية والنقايية وسائر الحركة الجماهيرية.
لقد بيّن الصراع الطبقي المستمر بين الطبقة العاملة عبر عقود من الزمن ومعها سائر الشغيلة والشعوب المضطهدة ضد سياسات النظام الرأسمالي العالمي، أهمية بروز الكادر الطليعي لاستمرارية هذا النضال لخلق اساليب النضال المتجددة في كل الظروف والمستجدات لحشد جماهير العمال من أجل استمرارية هذا النضال بأنواعه المختلفة.
اكتسبت الحركة العمالية قي ظل صراعها الطبقي الكثير من الخبرة والمعرفة في اكتشاف ألاعيب رأس المال العالمي وطرق الظلم والاستغلال الذي تديره بالأساس الامبريالية العالمية عن طريق الاحتكارات متعددة الجنسيات، وهنا يأتي دور الكوادر الطليعية في معرفة احتواء الانظمة الرأسمالية للأنشطة العمالية والنقابية، ومحاولات العمل على تغييب دور النضال العمالي والنقابي، خصوصاً محاولات الوقوف بأساليب مختلفة لسلب القرار العمالي والنقابي المستقل، ومن ثم جعل النقابات العمالية والمهنية ذات الصفة الصفراء هي السائدة.
وهذا ما نراه بوضوح تام في سياسة البرجوازية العربية التي عملت دائماً على أن تهمش الحركة العمالية وتهيمن عليها بالترهيب والبطش تارة، وأخرى بالترغيب، لتجعلها ضعيفة من خلال تحجيم دور قياداتها واجبارها على أن تخضع لتوجهات المؤسسات الاحتكارية خصوصاً في ظل الاستعانة باصدار القوانين والتشريعات، ومن بينها تشريعات خطيرة تكبل وتحجم دور الحركة العمالية من أجل الانقضاض على المكتسبات المختلفة، بما في ذلك عن طريق خصخصة المشاريع الاقتصادية التي بنيت في عهد النهضة الوطنية بعد الاستقلال.
وتحصن الحركة العمالية والنقابية بخلق الكوادر والقيادات المناضلة الطليعية لا يأتي من فراغ، فلا يمكن للحركات الغارقة في وحل العنصرية والطائفية بأن تصنع مثل هذه الكوادرالقادرة على تحليل ما يجري من حولها من احداث وتطورات وتغييرات، فمثل هذه المهمة منوطة بالحركة الماركسية واليسارية بقواها وأحزابها المختلفة في عموم الوطن العربي من أجل تقوية النضال اليومي ضد صنوف الإفقار والتجويع والبطالة التي يعاني منها ملايين الكادحين، وللحركة الماركسية في العالم تاريخ من الانجازات المشهودة، فقد حققت الكثير من المكاسب في وسط الحركة العمالية والنقابية، ووفرت الأسس والمفاهيم النقابية والدراسات الكثيرة من أجل النهوض بهذه الحركة، والتي من خلالها نضمن زيادة الوعي الحقيقي، ولم يكن ذلك ممكناً لولا النجاح في خلق الكادر الطليعي.
فلنجعل من مناسبة الأول من مايو آيار عيد العمال العالمي دافعاً لإستمرارية تجديد الانشطة للحركة العمالية والنقابية.

اقرأ المزيد

منطق الخاشكيرية

يحكى أن في قديم الزمان عامل مهنته التدليك في الحمامات، حيث يجلس الزائر بين يدي المدلك لأكثر من ساعة، ولكي لا يشعر بطول الوقت يأخذ هذا الزائر بالحديث مع المدلك والذي يتسم بخبرة عالية في العديد من مجالات الحرف والفنون. وفي ذات يوم شكا أحد الزبائن للمدلك معاناته من ألم شديد في الظهر حرمه القدرة على النوم ولم ينفع معه أي دواء. قال له عامل الحمام: بالمناسبة لدي علاج بسيط جدا لألم ظهرك، خذ قليلا من الخاشكير ونقّعه في الماء ليلة كاملة وتناوله في الصباح الباكر!
شكر الزبون العامل على هذه الوصفة السريعة، وبعد قليل عاود الزبون الشكوى قائلاً: لا أدري إن كانت هذه من علامات الهرم والشيخوخة أم لا، فإن بصري ضعيف ويقول الطبيب أن عليَّ أن أرتدي نظارة وأنا لا أطيق النظارات ولا أدري ما أفعل، وخصوصاً أني أحب تلاوة القرآن. قاطعه المدلك بالقول: لدي علاج مجرّب لهذه المشكلة أيضاً، إذا عملت هذا ثلاث ليالٍ ستشفى إن شاء الله.
ولا يمرّ وقت طويل إذ بالزبون يجدد شكوى بعد أخرى، والعامل يصف له ذات العلاج. فما كان من الزبون بعد أن سئم من طريقة العامل إلا أن يغير مجرى الحديث، فقال: لقد تبدل نمط الحياة هذه الأيام، فلقد كنت أعيش حياة مرفّهة بأقل من هذه الأجور التي أتقاضاها اليوم، والآن ازدادت الرواتب والأجور، ومع ذلك فقد أصبحت أربط لحيةً بأخرى لأجل تمشية أمور المعاش دون جدوى وتراني أتهرّب ممن لهم عليَّ ديون ولا أكاد أخرج من داري!
قاطعه المدلك كعادته قائلاً: خذ قليلاً من الخاشكير ونقعه في الليل و… . هنا انتفض الزبون بوجه العامل صائحاً: ما هذا الدواء الذي يصلح لعلاج الظهر وضعف البصر وتسديد الديون؟!
في البحرين ابتلينا بفئة تفكر بهذا المنطق الخاشكيري! فئة من الصحفيين والإعلاميين والكتاب اعتادوا على اتهام غيرهم بالعمالة للخارج. فما من أحد البحرينيين يطالب بتحسين الأوضاع المعيشية أو انتقاد سياسة وزارة من الوزارات في سوء خدماتها للمواطنين، أو مطالبات من الشباب البحريني المتعلم بالحصول على وظيفة وعدم تفضيل الأجنبي عليه، أو مناشدات الحقوقيين بمراعاة من هم في مراكز التأهيل والإصلاح من ڤايروس كورونا… مباشرة يتحرك الخاشكيريون ويرجعون سبب كل ذلك إلى أجندات خارجية وعمالة بحرينيين لها.
الوصفة جاهزة فهي تصلح للرد على كل من يخالف آراءهم وتوجهاتهم التي تتصف في حقيقتها بالحقد والأنانية، وهم في الواقع لا يحققون ذواتهم وأهدافهم إلا من خلال الأجواء المسمومة بالكراهية والطائفية.
من المؤسف أن أمثال هؤلاء الكتاب والصحفيين يتم إعطاؤهم مساحة واسعة في أشكال الإعلام المختلفة يسرحون ويمرحون في الإساءة إلى المواطنين أفراداً وجماعات ومؤسسات، من دون أي رقابة ومحاسبة لما ينفثونه من سموم ضد طبيعة المجتمع البحريني المتسامحة والمسالمة. ولا يخفى على أحد اعتماد هذه الفئة في خطابها على الطائفية ومفرداتها التي تدعو في الظاهر إلى الترابط المجتمعي والوحدة الوطنية، ولكن في حقيقتها تدعو إلى الإساءة إلى مكون أساسي في المجتمع البحريني، وإلى الصورة الزاهية للشعب البحريني من المحبة والسلام التي عُرف بها عبر التاريخ القديم والحديث.
إن البحرين في حاجة إلى ما هو نقيض لخطاب الخاشكيريون، إلى خطاب العقلانية والمرونة في إيجاد حلول للمشكلات السياسية والاقتصادية التي تؤدي حتماً إلى تقريب المسافات وتجسير الفجوات وتحقيق المنجزات.

اقرأ المزيد

جعفر حسن فنان المحبة بين البشر

انه الفنان الوطني النبيل، صاحب القلب العالمي، الذي لم تغيّره الأزمنة، ولا الأمكنة، ولا الأحداث. بقي ثابت القيم الوطنية والانسانية، غرس صوته فينا التحدي منذ الصغر وألهب حماسنا للوطن والتضحيات: وكأنني أسمعه الآن ينشد:
لا تسألني عن عنواني/ لي كلّ العالم عنوان/ لا تسألني أبداً أبداً/ أنا بيتي في كل مكان..
الله ياجعفر حسن لصوتك الجهوري الصافي الذي يجعل الجميع تلهج بعنفوان الحب الوطني .الله يا تلك الابتسامة الدائمة والسامية ابدا..
لم ترخّص نفسك يوما ولم تذلها أمام اعداء المحبة وعاشقي الحروب والسلطة. بقيت شامخا بنبل روحك العراقية الأصيلة
غنيت للناس في كل العالم، للشعوب المضطهدة، للفقراء، للأطفال، للمضطهدين، للعمال، للفلاحين، للمناضلين في السجون، للمرأة المقموعة، لأصحاب الفكر، للثوار جميعا، غنيت لفلسطين وأهلها وثوارها، ولبنان ومحنته في حروبه، وأمريكا اللاتينية وفقرها وتهميش ابناءها، غنيت لليمن الديمقراطي الذي احببته وأحبك كثيرا، اليمن الديمقراطي الذي كان سعيدا بنجاح تلك التجربة الرائعة التي تم التآمر عليها وانهائها، غنيت لكل الشعوب المتألمة شرقا وغربا، شمالا وجنوبا من هذه الأرض، وكم غنيت للعراق، وأعطيته الكثير، وكم بكيت وأبكيت الناس على مظلومية شعبه بكل مكوناته زمن الطاغية، وسجنائه ومضطهديه ودماره زمن الحروب..
دائما كنت أراك امتداداً للفنان الأصيل أحمد الخليل الذي غنى للوحدة الوطنية والأخوة بين العرب والكرد، ولن أنسى قبل أعوام كنا في مؤتمر للدفاع عن الأقليات بالعراق الذي عقد بمدينة أربيل، حين أشعلت بصوتك القاعة محبة وبهجة بأغنية هربجي كرد وعرب رمز النضال، أغنية الفنان أحمد الخليل الذي تشبهه بوطنيته ونزاهة روحه وحبه للعراق وتشبهه حتى بشكله.
الله يا تلك اللحظات حيث أحييت أمامنا زمناً جميلاً مضى من تاريخ العراق، يوم كانت المحبة ترفرف على أبنائه بعيدا عن الانتماءات والتكتلات العنصرية،حيث المحبة بين أبناء الوطن كانت هي الطبيعية، وكان العداء أو التفرقة استثناء مرفوضا ومنبوذا..
الله ياذاك الزمن الذي كنت نجمه ، حيث كان صوتك يهز قاعات الثوار، والطامحين بحياة أفضل، والعاشقين للسلام والحرية، والمعاندين للظلم في العالم..
حزننا عليك كبير أيها الراحل بأناقة وسرعة وهدوء، وكم كنت أنيقا مثل رحيلك، نظيفا في علاقاتك وشخصك وملتزما في اختيارك لكلماتك وتعاملك مع الناس. مهذبا وراقيا ونجما لامعا في كل تعاملاتك، وهكذا هي النجوم التي تبقى شامخة وتعطي النور للجميع.
لقد أعطيت الزمن الجميل حقه بكل شئ.
خسارتك لاتعوض أيها الراحل الكبير جعفر حسن ، وهل يمكن تعويض شريان نابض قُطع من قلب الوطن ؟
لروحك السلام أيها الانسان الكبير بقامته والفنان السامق سيرا نحو الشمس.
ستبقى معنا في كل ما أعطيت من فنٍ، ونبلٍ، وحسن سيرة وفكر.
ألف حمامة حزينة تهدل لرحيلك صارخة باسمك رافعة علم المحبة بين البشر كما فعلت أنت.
وداعا أيها المبدع الطيب ولتخلد روحك بسلام أبداً…

اقرأ المزيد

وضعت خطاً فاصلاً بين عصرين، ماذا ينتظرنا بعد الجائحة؟

ترتفع بعض الأصوات مؤخرا لتلقي اللوم الأكبر على الحكومات التي حُذِّرت من طرف جهات علمية منذ 2009 من خطر الفيروسات القادمة، ولا من مجيب. تعود بعض تلك ألأصوات إلى بداية ظهور فيروس أنفلونزا الطيور، ومنها ما نبه إليه الكاتب الإقتصادي والإجتماعي الفرنسي جاك أتالي الذي كان مستشارا للرئيس فرانسوا ميتران، والذي شغل مناصب أخرى في غاية الأهمية. لكن قدرته على قراءة المستقبل من خلال معطيات الماضي والحاضر مذهلة، ولولا تعاطيه السياسة وتواجده في دائرة المسيرين في المواقع الحساسة لما انتبه الإعلام لآرائه ربما، فقد كانت آراء أهل الفكر موجهة دوما لفئة قليلة من الجمهور المتابع للأخبار العالمية.
لم يتصدّر الخبر العلمي المحطّات الإخبارية إلاّ حين حطّ فيروس كورونا علينا وبسط نفوذه على كامل الكرة الأرضية. حتى أن محطات غير إخبارية دأبت على بث أخبار الحجر وأرقام المصابين والموتى على مدار الساعة لعدة أسابيع، وحين طال مقام الفيروس بيننا وملّ الناس من الحجر وتبعاته عادت شيئا فشيئا لبرامجها المعتادة.
في أوائل أيام الجائحة نبّه جاك أتالي إلى أهمية “المعلومة”، لأنها تشكل رمزا للحياة، وحذّر من الشائعات لأنها تتصرّف مثل الفيروس تماما، فهي تقوم بتدمير الدفاعات المناعية لضحيتها. ومع هذا لعبت الشائعة دورا مهما لنشر الفيروس بشكل جنوني، فقد أحبّ الناس دوما إبتكار ما يسليهم، دون وعي لخطورة ما يفعلون، أطلق البعض شائعة أن الفيروس لا وجود له، رفضت نسبة كبيرة من البشر على هذه البسيطة إرتداء الكمامة لفترة طويلة، ورفض مثلها الرضوخ للحجر، حتى أن بعضهم خرج في مظاهرات سياسية لا علاقة لها بالواقع الصحي، وادعت فئة لا بأس بها من هؤلاء أن “الكورونا اختراع أنظمة دكتاتورية، تريد تخويف شعوبها لمنعهم من التظاهر”
ورغم لجوء مثقفين كبار إلى تنبيه الشعوب لخطورة خصمهم على نسق المقولة الشهيرة :”يمكن رؤية الأسد ولكن يستحيل رؤية فيروس” إلا أن كُتّاب ذوي شهرة ومكانة أدبية وإعلامية سلكوا الطريق المعاكس لهذا الرّأي، وطبعا لا أدري ما شعورهم اليوم وقد شاركوا بقسط مهم في ارتفاع عدد المصابين والموتى بهذا الفيروس.
هاوي الأدب الإنجليزي روبن كوك، الذي استلم وزارة الخارجية واستقال من حكومة توني بلير بسبب معارضته لحرب العراق، والشهير بمواقفه الإيجابية تجاه القضايا العربية، قال في كلمة سبقت عصر الكورونا الذي لم يشهده :” الفيروس هو آخر مفترس للبشر” .
طبعا بإمكان هواة الإشاعات أن يجدوا في هذا الكلام ما يغذي مخيلتهم فينسبون لكوك في قبره مسألة اطلاعه على المخطط الفيروسي التدميري الذي حضّر له أحدهم لتدمير البشرية…! كل شيء وارد في غياب تعاون حقيقي بين العقلاء وحكام هذا العالم.
لقد أُطلقت تحذيرات عن احتمال ظهور جائحة فيروسية منذ ظهور H1N1 ولم تكن تحذيرات واهمة أو مجرّد توقعات مبالغ فيها، ولكنها قائمة على معطيات علمية حسب تحورات السلالة الفيروسية ومدى سرعة انتشارها كلما وجدت بيئة حاضنة، لكنّها لم تجد آذانا صاغية، أو ربما تعمّدت الجهات المسؤولة إهمال الأمر لأن أي تحضير لمواجهة جائحة محتملة يعني صرف الكثير من القروش.
في نصوص روائية وقصصية وأفلام سينمائية عديدة استغل بعض المخرجين الخبر العلمي الذي لا يتصدّر الواجهة – لأن الصحف تعطيه مساحة على الهامش بحيث تقلل من أهميته، تفاديا لإثارة الهلع بين السكان- فصنعوا أفلامهم في صمت، مثل فيلم 93 يوما –موجود على نتفليكس – الذي أخرجه ستيف جوكاس العام 2016 عن فيروس إيبولا مأخوذا عن قصة حقيقية.
التفاصيل المختصرة عن حقيقة فيروس إيبولا والتي تقدم لنا عبر مواقع لا حصر لها، لا تنقل كمية الرعب التي يحملها الفيروس اللامرئي لتدمير الأجساد البشرية التي يلامسها، ولهذا ظلّ الفيروس خارج محصلتنا المعرفية، كما كل الفيروسات التي لم تدخل البرامج التعليمية لتلاميذ المدارس، ومدارس تعليم الطبخ، والمؤسسات الغذائية بصرامة كالتي نعيشها اليوم. من الإهمال المبالغ فيه إلى نظام شدّ الأحزمة، بلغنا اليوم مرحلة وضعت خطا فاصلا بين عصر ما قبل الكورونا وما بعده.
بالنسبة للمشاهد الذي تابع فيلم 93 يوم، سيتوقف حتما عند معلومة مؤسفة وهي أن الطبيب عاجز عن التصرف بدرايته وحكمته أمام تعنت مرضى “السلطة والثروة” الذين يتسببون في الغالب في تفجير كوارث من هذا النوع.
يروي الفيلم قصة تشبه ما نعيشه هذه الأيام، ويقدّم لنا بشاعة النهايات المأساوية للمصابين بفيروس إيبولا، كما يمرر رسائل سياسية مهمة وإن كان بإيقاع بطيء، واضعا التضحية الطبية في مقدمتها. لكن السؤال الخطير الذي يُطرح بعد متابعة تلك التجربة الناجحة لتطويق الفيروس في بلد غير مجهز لمواجهته، هو ما الذي تغيّر في نيجيريا بعد إيبولا؟ لأن ما شهدته كان فعلا “بروفا” أمام جائحة كورونا التي لم تعرف تطويقها بنفس الطريقة. القوة الإقتصادية الأولى في أفريقيا لم تعرف تجهيز البلاد لمواجهة أمراض مماثلة خاصة أنها لا تخلو من أطباء متمكنين كرروا تحذيراتهم من أمراض فيروسية قادمة قبل عشرين سنة من ضرب إيبولا للغرب الأفريقي.
بعد عام من الجائحة لا يزال العالم في قلبها، لا تقدّم حتى في انتاج ما يكفي من اللقاحات وتوزيعها بالشكل الصحيح بين سكان الأرض. ويبدو أن الإنسان بطبيعته البشرية الهشة يختبئ حين يشعر بالخطر، وحين لا ترصد مشاعره ذلك الخطر لأسباب عديدة لا يتردد في رمي نفسه إلى التهلكة مجدّدا.
من منظور تاريخي محض وضح أحد مؤرخي طب العصور الوسطى بجامعة باريس 8 أن الأوبئة نادرا ما تغيّر مسار التاريخ ولكنّها تسرّعه. على نسق ما يحدث عندنا اليوم، عادت مخابر طبية كثيرة للعمل بعد أن كانت معطّلة بعد تمويلها من جديد، وأطلق سراح أدوية تمّ تعطيل تسويقها للسبب نفسه.
كما أُكتشفت إمكانية العمل عن بعد، وقد وفّرت ملايين الدولارات لبعض القطاعات والتي كانت تصرف من أجل الإيجارات وفواتير أخرى. وعاد العقل إلى الواجهة العالمية في صورة المنقذ الحقيقي للبشرية، ليس فقط لعلاج الأزمة الصحية بتجنيد الأطباء ومساعديهم وعمال المستشفيات بل لفهم الجائحة في حدّ ذاتها بالإستنجاد بالفلاسفة والمؤلفين وعلماء الإجتماع لفتح أبواب المعرفة من جديد عبر سجالات إعلامية طويلة، ما جعل نسبة الوعي العام ترتفع ولو بنسب متفاوتة بين المجتمعات.
يبقى الغائب الأهم في خلال هذا التدريب العصيب لمواجهة كورونا، أو أي فيروس على شاكلته هو حماية المشاعر من التفتت، فالحرب معه تفرض علينا العزلة والإبتعاد عن الآخر عكس كل الحروب التي تتطلب التجمعات والتكاتف والتّراصّ لمواجهة أي عدو كان.
التعليم عن بعد لتلاميذ المدارس فشل فشلا ذريعا، لقلّة التفاعل مع الأساتذة، وغياب الإحتكاك معهم مباشرة ما أدى إلى فقد السيطرة على تركيز التلميذ وتوجيهه، كما فقد روح التعامل مع الآخر، وفي هذا الأمر ما يجعلنا نفكّر كيف ستكون الأجيال القادمة إذا ما طال زمن الجائحة لعدة سنوات؟
ماذا ينتظرنا إذن بعد الجائحة؟ الإجابات الصادمة تقول أن مستقبل الشركات أقلّ عولمة وتكلفة، وأكثر رقمنة، قد تتراجع قطاعات صناعية كثيرة، أمام تقلّص حركة الإنسان فحتما سيشهد العالم تقلصا في صناعة وسائل النقل، أو أنها ستحتاج لتصميمات آمنة مختلفة. غير ذلك أعتقد أن القيود البيئية ستفرض نفسها، عصر الإستهتار بالبيئة سينتهي وإلاّ فإننا سنبقى في الدوّامة نفسها. فقد أثبتت نتائج أبحاث كثيرة أن الفيروسات تتطور وتزداد شراسة كلما ازداد النشاط البشري في هتك البيئة.
يتوقع البعض أن هندسة البيوت ستتغير، إذ فيما تأخذ مكاتب العمل في الإختفاء، تصبح بالمقابل غرفة العمل ضرورية في كل بيت، كغرفة إضافية ضرورية وإن لم تتوفر يجب إلغاء غرفة مثل الصالون أو غرفة الضيوف حتى تستعمل للعمل. البنايات العملاقة، والتجمعات المكتظة لن تصبح مرغوبة فقد اكتشف الناس متعة العيش بسلام في القرى وبيوتها المتابعدة منذ طبقت قوانين الحجر الصارمة عليهم.
إن التغيُّرات قادمة، وإن كان البعض مصرٌّ للعودته لعاداته السيئة، فإن البعض الآخر بدأ يمضي قدما في نمطه الحياتي الجديد، بعيدا عن كل الملوثات التي عاش فيها سابقا.

اقرأ المزيد

درس انتفاضة مارس 1965

جاءت اننتفاضة مارس 1965 المجيدة، لتسطر موقفاً بطولياً خاضته جموع أبناء شعبنا، حيث قادتها التنظيمات الوطنية بكل قواها اليسارية والقومية، كما كانت الانتفاضة درساً لمسار الحراك الوطني، فهي جاءت كضرورة، حين هبّ الشعب، وخصوصاً الطبقة العاملة، التي تعاني من جشع الشركات الأجنبية واستغلالها، من خلال الإنتفاضة التي رفعت مطالبها، وأهم مطلب لا زال قائماً بعد تهميش وتجاهل النقابات العمالية، كما تعرض الكثير من الكوادر النقابية للفصل التعسفي أو التطفيش.
الحراك العمالي اليوم يعاني من تعسف بعد أن أنتعش نوع ما في مرحلة سابقة، مما يدفعنا للتأكيد على كون الطبقة العاملة في اضطهاد مستمر، وخصوصاً المرأة العاملة التي ترزح تحت خط الفقر أكثر من الرجل الذي يعاني، هو الآخر، من اضطهاد، حيث تدني مستوى المعيشة وتعطيل الراتب الذي يجعل من الأسر في معاناة، وفوق هذا تزداد الضرائب ونسبة البطالة.
في هذه المناسبة نستذكر استمرار مطالبة المنبرالتقدمي من خلال كتلته النيابية، على أن أي إجراءات تتخذ سواء كانت اجراءات اقتصادية أو سواها، يجب أن تخضع مسبقاً لحوارات ومناقشات عن طريق المجلس النيابي، خصوصاً إذا كانت تتعلق بمعيشة المواطن.
إن استمرار تهميش نقابات العمال، ينعكس على الوضع التنموي، وهناك حاجة لإجراء تعديلات تشريعية ضرورية لمصلحة الطبقة العاملة، خاصة مع فتح الأبواب على مصاريعها أمام العمالة الأجنبية، وهناك حاجة أيضاً لتفعيل دور الهيئات الرقابية وتوسيع صلاحياتها لتؤدي الدور المطلوب منها.

اقرأ المزيد

نوال السعداوي امرأة من طراز آخر

غيّب الموت الكاتبة الأديبة المصرية الدكتورة نوال السعداوي عن عمر ناهز التسعين عاماً، ليرتبط تاريخ وفاتها باحتفالات المرأة في شهر مارس (آذار)، بل أنها رحلت في 21 مارس، يوم الأمهات وكأنها أم لكل التنويريين والمثقفين الذين يؤمنون بأفكارها الجريئة، هي التي كرّست حياتها ومشروعها الفكري لقضايا تحريرالمرأة، بما جعل اسمها يرتبط بكثير من المواقف الفكرية النسوية المثيرة للجدل.
نوال السعداوي، المولودة في شهر أكتوبر/ تشرين الأولمن عام 1931، في قرية كفر طلحة بمركز بنها بمحافظة القليوبية (دلتا مصر)، تخرجت في كلية الطب بجامعة القاهرة، في العام 1955 متخصصة في الأمراض الصدرية، وبدأ شغفها بالكتابة منذ الصغر وجمعت بين الطب والكتابة، ولكن ميولها الأدبية طغت على عملها كطبيبة، وقدّمت ألواناً أدبية شتى، كالقصة والرواية، علاوة على كتبها الفكرية التي كرّستها للدفاع عن حقوق الإنسان بشكل عام، وحقوق المرأة بشكل خاص، لا سيما مناداتها بالمساواة، وتجريم ختان الإناث، “دعت الى محاربة الختان منذ شبابها. وعلقت في عام 2007 على وفاة الطفلة صاحبة الاثني عشر ربيعاً بدور شاكر أثناء إجراء هذه العملية قائلة :هل كان يجب عليك الموت لتنيري هذه العقول المظلمة؟ هل كان يجب دفع هذا الثمن بحياتك؟ يجب على الأطباء ورجال الدين أن يعلموا أن الدين الصحيح لا يأمر بقطع الأعضاء التناسلية”.
وشاءت الصدف أن تلفظ أنفاسها الأخيرة في نفس توقيت صدورقرارعن مجلس الشيوخ المصري لقانون يغلظ عقوبة جريمة ختان الإناث، وهي التى كانت من أوائل المطالبات بوقف هذه الجريمة ومنذ عقود طويلة منذ أن كانت هذه المطالبة بحد ذاتها جريمة ولا أحد يجرؤ على التحدث فيها.
الدكتورة نوال السعداوي صاحبة مشروع تنويري ثقافي نسوي، خصوصاً فيما يتعلق بمفاهيم الشرف، والمساواة المفقودة بين الرجل والمرأة في مجتمعاتنا، تحدثت عن عبودية النساء والفقراء من قبل الرجل والدولة، وكررت على الدوام أنه إذا تحررت المرأة سيتحرر المجتمع، وجسدت ذلك في كتبها، ومن بينها “المرأة والجنس”، “مذكرات طبيبة” وغيرها.
أثارت آرائها حفيظة المؤسسة الدينية والسياسية، التي قادتها للسجن في زمن السادات عام 1981، بتهمة التآمر على الوطن ولكنها وكما تقول في مقابلاتها: “كسرت قضبان السجن الحديدية بالكتابة، وكتبت وأنا كلي سعادة باستغلال الوقت وإستغلال ورق التواليت وقلم رسم الحواجب التي سربتها لي إحدى السجانات وبدأت في كتابة “سقوط الإمام”، وتوالت مؤلفاتها التى كانت تربط بين تحرير المرأة والوطن من الفاشية الدينية والتابوهات التى حاول المتشددون والظلاميون غرسها في عقول المجتمع، وقد وضع اسمها على قوائم الإغتيالات، وكانت تخاطب النساء قائلة: “حطمن الأغلال وعشن حُرّات. لا تحدث الثورات في الخفاء والكتابة لاتعرف السرية .. حطمي قفل الدرج وأكتبي في النور، اغضبي وثوري ولا تستكيني”.
وقد كرمت بكثير من الجوائز المهمة من عدد من المؤسسات الحقوقية والنسوية والثقافية، بينها جائزة «لشبونة بين الشمال والجنوب» و«إينانا الدولية» من بلجيكا، و«ستيغ داغيرمان» من السويد، و«رابطة الأدب الأفريقي»، و«جبران» الأدبية، وجائزة من جمعية الصداقة العربية – الفرنسية، وأخرى من المجلس الأعلى للفنون والعلوم الاجتماعية.
وفي مثل هذا الشهر من العام الماضي، اختارت مجلة «تايم» الأميركية السعداوي، مع أخريات، في يوم المرأة العالمي، ضمن قائمة الـ 100 امرأة الأكثر تأثيراً في العالم لعام 2020. ولم يكن احتفاء «تايم» بالسعداوي هو الأول بالنسبة للمجلة، فقد سبق أن أفردت غلافها لصورتها عام 1981، في مواكبة لتعرضها للسجن بسبب آرائها التي أثارت جدلاً واسعاً مصرياً وعربياً، وإعلانها رفض اتفاقية «كامب ديفيد» مع إسرائيل، الأمر الذي كلفها وقتها إقالتها من عملها، إذ كانت مديرة لإدارة الصحة العامة في مصر، وأطلق سراحها عقب شهرين من اغتيال السادات. كما سبق أن اختارتها صحيفة «الغارديان» البريطانية واحدة من أهم الكاتبات في إفريقيا في المجال الاجتماعي والسياسي، ومن بين أفضل 5 روائيات وأديبات من القارة السمراء عام 2018.
هناك الكثير مما يقال عن هذه المرأة الحديدية الصلبة القوية الجريئة الشجاعة التي لم تثنها السنين ولا كل المغريات عن صمودها بنفس آرائها حتى آخر نفس ورمق، وفي الختام سأورد خاطرة أعجبتني تجسد كل الآراء والأفكار الجريئة التى كانت تتبناها الراحلة وتدافع عنها بضراوة، أهدتها الشاعرة كنزة بن ملاح لروح الراحلة الملهمة الدكتورة نوال السعداوي عشية وفاتها:
“أبكيك اليوم دموع المستعبدات، المقهورات، المختونات، الخاضعات/ أبكيك وأبكي شعباً/ يخال كل الأديان معادية للمرأة/ أبكي تلك التي تضرب كل ليلة وتجبرعلى الجماع/ أبكي نساء لايعرفن قيمة النساء ورجال لايعرفن معنى أن يكونوا رجالاً/ أبكي كل أم وكل زوجة/ وكل ابنة خضعت لنظام أبوي عجرفي/ أبكي من تتلذذ كونها ناقصة عقلا ودين/ ابكيك سيدتي، أودع ذلك الحنين الذى خلت أنه سيشفى بلقياك ذات يوم/ أشيعك لسماء آمنة لك ولمن يعرف قيمة النساء/ نامي في سلام وصلي لنا دائماً نحن الإناث/ كوني قديستنا واحرسينا من بعيد/ لاتتركينا دون رشد أو طريق/ كوني معنا كما كنت قبل حين/ أبكيك سيدتي وأبكي زمناً يجعل من المرأة عورة/ يجعل منها أنصاف الأشياء رغم أنها الكمال والكل/ دمتِ أمنا/ دمتِ روحنا/ دامت روحك منبثقة في أرواحنا/ دمتِ الحنين/ وأنا أقول دمتِ أمنا/ نامي في هدوء وسلام/ تسعون عاما وأنتِ لأجلن نحن النساء/ ثائرة على الدوام/ دامت روحك ملهمة وثّابة”.

اقرأ المزيد

أزمة القراءة في المجتمعات العربية

عند الحديث عن القراءة ومستوى الإقبال عليها في الدول العربية نجد أنها ضعيفة لعدة أسباب، أهمها ارتفاع نسبة الفقر والأمية في العديد من الدول العربية. ويضاف إلى الأمية الأبجدية الأمية الثقافية التي تتمثل في أن أكثر المتعلمين لا يقرؤون، إما لعدم القدرة على التفاعل مع الثقافة أو لعدم الرغبة في هذا التفاعل.
حتى في المدارس والجامعات العربية نجد أن الغالبية العظمى من الطلبة يكتفون بالكتب المقررة، في ذلك تستوي الجامعة مع المدرسة، فلا المدرسة تشجع على المطالعة، ولا الدراسة الجامعية تتطلب غير ما يقوله أو يكتبه دكتور المادة. يقول بو علي ياسين: “الطلاب العرب هم عموماً طلاب شهادات، والشهادة مطلوبة من أجل فرص العمل، ومن ذلك حتى التدريس في الجامعة بشهادة الدكتوراه، والغالبية العظمى من هؤلاء الطلبة لا يقرؤون بعد مغادرتهم للمدرسة أو الجامعة، لا كتاباً ولا حتى جريدةً، الشهادة، كوثيقة رسمية وحدها تكفي، حتى لو كان صاحبها قد نالها بالغش”.
في السنوات الأخيرة لجأت بعض المدارس العربية إلى فرض القراءة فرضاً على الطلاب كل يوم، فكانت النتيجة عدم تفاعل الطلبة مع هذا المشروع، ليس لأنهم فاقدين لهذه المهارة، إنما كان ينقصهم التحفيز والرغبة الداخلية لحب القراءة. فِعْلُ القراءة يجب أن يكون نابعاً من الداخل ومدفوعاً بالفضول المعرفي والتساؤل الفلسفي، وهذا ما يفتقده القرَّاء الصغار والكبار في مجتمعاتنا العربية. وتفسير ذلك يطرحه بعمق جوستاين غاردر في روايته الشهيرة (عالم صوفي) حيث يقول: “الفارق الكبير بين معلم المدرسة والفيلسوف الحقيقي يكمن في أن المعلم يعرف كماً من الأشياء لا يتوقف عن تعليمها لطلابه بالقوة، بينما يحاول الفيلسوف أن يجد إجابات عن الأسئلة التي يطرحها بالمشاركة مع تلاميذه”.
من الملاحظ على أغلب القرَّاء العرب التبعية العمياء، خصوصاً للمؤسسة الدينية، حيث يكون القارئ العربي أسيراً للخطاب الديني في رؤيته للوجود والأخلاق والمجتمع والسياسة والفن والثقافة بصورة عامة. فهو أشبه بوصف فيليس مندل للقارئ الفاقد للرأي المستقل بالأسفنجة التي تمتص الماء، وهنا ينصح القارئ أن “لا تقرأ مثل الإسفنجة، تنتظر بشكل سلبي حتى تمتلئ بالمعلومات، بل اقرأ بتمعن وتساؤل، وتعاملْ مع المقروء بنديةٍ وأقحمْ نفسك داخلها موافقاً أو مخالفاً أو مُضيفاً أو معدلاً أو مقدراً، وتعلمْ إضافة الملحوظات الهامشية لحظات القراءة فهي لا تتكرر وتعكس مهاراتك العالية في التحليل والتركيب”.
أنواع القرَّاء عديدون، فمنهم من يقرأ للتسلية، وآخرون من أجل سدّ وقت الفراغ، ومنهم من يقرأ لتحقيق النجاح في دراسته والحصول على شهادة توفر له عمل ودخل جيد. ولكن هناك من يقرأ لأن الحياة عنده سؤال وبحث لا يتوقفان حول كل المعارف والأفكار والقيم بما فيها الثوابت والمسلمات. والقارئ النهم الذي لا يتوقف عن قراءة الكتب يتميز دائما بأن مفرداته وأفكاره ومواضيعه تتجدد باستمرار.
القارئ المميز هو من يقرأ بصورة مغايرة عن الآخرين. فهو لا يقرأ الكتب التي يقرؤها الغالبية من القرَّاء، ولا يؤمن بذات الأفكار التي يسلِّم بها أفراد مجتمعه. بينما الجماعات والأحزاب الأيديولوجية التقليدية من دينية وعلمانية أعضاؤها عادة ما يتطابقون فيما يقرؤون فلا يتباينون كثيراً فكرياً وثقافياً. ولهذا ينتقد هاروكي موراكامي القارئ الذي يضع نفسه في إطار جماعته المحدودة ” إن كنت تقرأ الكتب التي يقرؤها الآخرون فقط، ستفكر فيما يفكر فيه الآخرون فحسب”.

ولا بد من التمييز بين التعلم والقراءة وبين الفكر، حيث الأخير يشير إلى قدرة العقل على تصحيح الاستنتاجات بشأن ما هو حقيقي أو واقعي، وبشأن كيفية حل المشكلات. بينما التعلم عملية تذكر وتدريب للعقل وتعديل في السلوك. وبتعبير شوبنهاور: “القراءة والتعلم شيئان يستطيع أي إنسان أن يزاولهما بمحض رغبتهِ، أما الفكر فلا، فالتفكير يجب أن يقدح كما تقدح النار في تيار من هواء”. فهل مشروع تحدي القراءة -مثلا- الذي يعتمد على الكم وليس على الكيف يتقاطع مع ما دعا إليه شوبنهاور أم يتناقض معه؟!
القراءة الكمية السطحية شيءٌ، والقراءة الفكرية العميقة شيءٌ آخر. الأولى هي أقرب للتسلية وملء وقت الفراغ، أما الثانية فهي قراءة تحليلية يقوم فيها القارئ بتحليل الأفكار بشكل عميق، والتفكير بأسلوب نقدي. القراءة الكمية السطحية في الغالب صاحبها مقيد وأسير لثقافة بيئتهِ ومجتمعه، بينما الفرد الذي يتصف بالقراءة الفكرية العميقة أُفُقُهُ المعرفي مفتوح على مجمل الثقافات الإنسانية وليس لسقفهِ النقدي من حدود.

اقرأ المزيد

نوال السعداوي وإرثها الخالد في النضال النسوي

رحلت نوال السعداوي، الطبيبة والمفكرة والروائية الجريئة، رحلت تاركةً إرثاً كبيراً لا يستهان به في مجال العمل والنضال النسوي. رحلت ابنة كفر طحلة تاركة خلفها فكراً انسانيا حجز مكانه في الذاكرة، حتى إذا ما تكلم المرء عن رموز النضال النسوي في العالم العربي لا يسعه إلا ذكر نوال السعداوي كأبرز هذه الرموز وأكثرها تأثيراً.
في الحقيقة، أرجعني خبر رحيلها بالذاكرة سنوات للوراء، عندما كنت في الثامنة عشر من عمري، حيث شاهدتها لأول مرة متحدثة على إحدى المحطات التلفزيونية، وكانت التعليقات الصادرة من الجالسين حولي بين ناعتٍ لها بالجنون، ومتهمٍ إياها بالتعصب، بينما كانت بالنسبة لي المرة الأولى التي استمع فيها لإمرأة تتحدث بهذه الجرأة تكسر التابو تلو الآخر.
تجمدت أمام التلفاز متساءلة من هي هذه المرأة التي أثارت جدلاً واسعاً في الجلسة. بانصات تابعت ما تقول، سجلت اسمها في مذكرتي، وأردت أن أعرف المزيد.
لم يطل الأمر حتى اقتنيت الكتاب الأول، “الأنثى هي الأصل” الذي تذهب فيه نوال السعداوي بعيداً إلى عمق التاريخ بحثاً عن حقيقة المرأة ومكانتها ما قبل الاديان، وما قبل تشكل الأسرة “الأبوية” كما تسميها. بشغف قرأتُ الكتاب، وأعدت قراءته للمرة الثانية، سجلت في مذكرتي المعلومات كحجة لخوض النقاشات عن سطوة المجتمع الذكوري على رقاب النساء. كتاب واحد كان كافياً لإحداث ضجيج مدوي في داخلي، كان كفيلاً بكسر العديد من المعتقدات وذلك في ذروة تمردي على السائد والموروث على القيود الاجتماعية تحت مسميات عدة، تمردي على الأغلال التي كنتُ ومازالتُ أرى أنها تهدف لإبقاء المرأة في مرتبة أقل من الرجل.
من “الأنثى هي الأصل” إلى “المرأة والجنس”، “الرجل والجنس”، ومن ثم الروايات الواحدة تلو الأخرى، فكانت تغذي تمردنا بالافكار.
بمجرد أن نكبر، تتراجع حدّة تمردنا، أو ربما يهدأ اندفاعنا، ولكن لا نتنازل عن حرية أفكارنا، والحقيقة أن هذه المرأة الحديدية المتمردة التي لم تتنازل عن أفكارها وحريتها نجحت في فتح ثغرة في جدار الموروث، وكسر الكثير من التابوهات التي ظلت جاثمة على صدور النساء في العالم العربي لسنوات طويلة.
بصوت عالٍ ودون مواربة قالت “لا” عاليا، وعندما قالوا لها “أنت امرأة وحشية وخطيرة” ردت: “أنا أتكلم الحقيقة، والحقيقة هي وحشية وخطيرة”.
مازالت أتذكر كيف تحوّلت نوال السعداوي إلى تهمة بمجرد أن كنا نتحدث عن حقوق المرأة وضرورة مساواتنا بالرجل، أتذكرا جيدا ما قيل لي من قبيل: “أنت متأثرة بنوال السعداوي”، ” يا عمي عورتو راسنا بأفكاركم”، ولكن في جوهر الحقيقة أن نوال اتخذت من اسلوب الصدمة منهجاً، فصدمت المجتمع الذكوري بما لم يعتد على سماعه، فكيف لو كان ذلك من امرأة، كما صدمت المجتمع النسائي الذي لم يعتد على خوض المعارك على طريقتها. معارك شرسة بثمن باهظ، معارك من أجل الحرية والمساواة.
لقد تعرضت نوال السعدواي لأبشع حملة تشويه من المجتمع الذكوري ومن رجال الدين على وجه الخصوص، اُتهمت بالإلحاد وخدمة الماسونية وازدراء الأديان، وغيرها من التهم، حرب نفسية من أشخاص عجزوا عن مواجهة الفكر بالفكر.
إذ من المؤسف في مجمتعاتنا العربية التي يسيطر عليها التعصب والعصبيات، عندما تعجز عن مواجهة الفكر بالفكر، تلجأ إلى خوض حروب نفسية من قبل الإزدراء والتنمر والإتهام بالزندقة والإلحاد والتكفير، بل ما هو مؤسف أكثر أن الكثيرين استسلموا للدعاية السلبية التي اطلقت ضدها دون أن يكلفوا أنفسهم حتى عناء الإطلاع على كتابتها، ونقدها علمياً.
فأين الانحراف الفكري، عندما تقول إن قضية تحرير المرأة قضية سياسية بالدرجة الأولة، لأنها لا تمس حياة المرأة فحسب وأنما تمس حياة المجتمع بأكمله وإن تخلف المرأة وتكبيلها لا يؤخر النساء فحسب بل ينعكس على الرجل والأطفال ويقود إلى تخلف المجتمع.
وأين الزندقة والكفر عندما تقول إن أي دين من الأديان لا يمكن أن يتعارض مع العدالة والمساواة بين جميع أفراد المجتمع، ولا يمكن أن يتعارض أي دين مع الصحة الجسدية والنفسية لجميع أفراده رجالاً ونساءً؛ ولهذا ليس علينا إلا أن نعرف الطريق الذي يقود إلى صحة الإنسان (رجلاً وامرأة) فيكون هو طريق الدين، لأن الدين خلق لسعادة الإنسان وصحته ولم يخلق لتعاسته ومرضه.
نوال السعداوي التي دافعت بقوة عن تحرر المرأة، رفضت بنفس القوة تسليعها واستخدام جسدها في السوق كسلعة وإهانة قدارتها الفكرية وإمكانياتها وحصرها في بعدها الجسدي.
لقد واجهت قضية ختان الاناث بجرأة قلّ نظيرها، ناضلت من أجل تحرير النساء من قيودهن مع ذواتهن قبل أن يخضن معركتهن مع المجتمع، فاحترام المرأة لذاتها وتقدريها لمكانتها هي الخطوة الأولى نحو فرض هذا الاحترام على المجتمع، إذ لا طائل من محاولة تحرير المرأة، اذا ما كانت هي نفسها تعتقد بأنها أقل من الرجل، أو “أنها ناقصة عقل ودين” أو أن أمرأتين تساويان في الكفة قيمة رجل واحد. باختصار تحرير المرأة يبدأ من المرأة ويمتد للمجتمع.
لقد شكلت هذه المرأة حالة فريدة من نوعها لا يمكن القفز عليها أو تجاهلها حتى في اللحظات الاخيرة قبل رحيلها عندما كتبت: “أنا بنت الله، وتفكيري حر”، لقد اختصرت نوال السعداوي نفسها في هذه الجملة. التفكير الحر، أليس هذا ما تحتاجه المجتمعات للتقدم وتتطور؟!

اقرأ المزيد

هدوء…مريد يلقي شعره

اختلف الشاعر مريد البرغوثي عن مشاهير الشعر الفلسطيني، وشعراء القضية الفلسطينية، لارتقاء شعره أعلى درجات السلم اللغوي، بمعنى أن عبارته لم تكن سهلة، لا من حيث ثقل المعنى ولا من حيث الكثافة اللغوية التي يصوغ بها أفكاره. هو تحديداً رجل عميق، صاحب أفكار، نخبوي، مجازي دون ثرثرة، بليغ دون فائض، على الأقل هذا استنتاجي المقتضب عنه بعد تجربتي معه في تواجدنا معاً في لجنة البوكر في إحدى دوراتها. وهي تجربة اتسمت بالغنى بوجوده.
بالتأكيد عرفته كشاعر، لكنه كان يملك مهاراته الخاصة في القراءة، وفي الكتابة، وقد لمست ذلك عن قرب في طريقة كتابته لخطاب التوصية، كان جد مميز، مقارنة مع كل الخطابات التي حضرتها فيما بعد كل سنة خلال احتفاليات البوكر العربية. غير ذلك أذكر جيداً أننا خلال القراءة تبادلنا الكثير من الرسائل الإلكترونية التي حوت تقييماتنا، ومن بين تقييماتي كتبت تقريراً جيداً في رواية الكاتبة هدية حسين، وما حدث لي مع مريد بسبب هذه الرواية يستحيل نسيانه.
فقد اجتمعنا كلجنة في اسطنبول، وصادف أن وصلت طائرته وطائرتي في الوقت نفسه، فخصصت لنا سيارة واحدة لإيصالنا للفندق، فبقيت أنتظره، وبمجرد وصوله جلس بقربي وفتح الحديث بلباقة عالية ودون توقع مني ملمحا أن الرواية لا تعالج قضية مصيرية، أو تحولات كبرى في الأمة، فهي رواية بسيطة تحكي حكاية مصائر أربع نساء بينهن خياطة وهذا في نظره يقلل من قيمة النص. دافعت عن الرواية بقوة في اجتماعنا، وشعرت أن مريد اكتشفني مثلما اكتشفته، ليس فقط من خلال تعاملي مع السرديات، بل في مناقشاتنا المتنوعة بعيداً عن اجتماعات العمل.
كان إيقاعنا الفكري متناغماً جداً، وأذكر فيما أذكر أيضا طريقة إصغائه لي وأنا أفكك رواية “الطلياني” لشكري المبخوت، وإعادة تركيبها بمعاييري الخاصة، أعجبته طريقتي في الدفاع عن النصوص التي نالت اهتمامي، وأعجبت بطريقته في الدفاع عن نصوص الشباب، والنصوص الجديدة، فحين تحدثت عن جشع الكتاب الكبار أيّدني، وأبدى رغبته في إبراز طاقات إبداعية بدماء جديدة.
قبل التعرف عليه وجها لوجه، والتعامل معه إنسانياً، عرفت مريد البرغوثي من خلال كتابه النثري “رأيت رام الله” ولم أختلف عن أغلب من قرأوا هذا الجانب من سيرته، والتي نقل إلينا من خلالها مواضع وجعه الشخصي كفلسطيني سلخ من أرضه، فقد عشت صدمة هائلة وأنا أعبر إلى ماضيه وتاريخه، ومشاعره، وأتوغل بين ذلك الكم الفسيح من الشعر والنثر الجميل لألامس قلبه. بالضبط هكذا تفاعلت مع نصه البديع ذاك، ويصعب علي اليوم وصف لحظات القراءة تلك وما تخللها من هزات نفسية عصية على نقلها لغوياً.
أمام نصه لا يمكن قياس هياج اللغة إلا بكمية الصمت التي تنتابنا. هو نفسه كائن يتقن الكتابة باحترافية عالية لأن الصمت جزء من شخصيته، ثمة جانب مهم في تعامله مع من معه، متأمل، يتقن فن الإصغاء، سريع البديهة، كما تستهويه ألعاب اللغة على طرافتها، والتي يمارسها في تعليقاته الذكية، ومداخلاته المبهرة.
صحيح مريد البرغوثي شاعر مهم وكبير، ولكنه لم يحقق الشعبية التي يستحقها نصه إلى أن توفي. يوم إعلان وفاته تربع على عرش السوشل ميديا ك “ترند” غير محمود درويش مثلا الذي عاش نجماً وتوفي نجماً.
اختلف مريد في مسيرة حياته، وفي صياغته الشعرية لرؤاه السياسية والثقافية. كان حريصا أن تبقى قدماه دائما على الأرض، رفض استصغار نفسه بمجاملات مقيتة، تفرّد بزواجه بالروائية العظيمة رضوى عاشور، وبقصة الحب التي عاشها معها وأثمرت مبدعا بحجم تميم البرغوثي. تفرّد في تلك العلاقة، كوجه لهرم صعب. ولعلي أيضا محظوظة بتعرفي على رضوى عاشور عن قرب في بداياتي بالتلفزيون. وهي شخصية جميلة بتواضعها وهدوئها وحكمتها، إذ أذكر تماما أن فريق العلاقات العامة المكلف باستقبالها في المطار أضاعها، ودون أية مشاكل أخذت تاكسي إلى الفندق، طبعا اعتذرت منها بسبب ذلك الخطأ، ولكنّها تعاطت مع الأمر كما لو أنه لم يحدث، أروي هذه الحادثة لأن بعض ضيوفي كان لا يعجبهم العجب، وخطأ مثل هذا كانوا أقاموا الدنيا ولم يقعدوها بسببه.
فهمت تركيبة رضوى عاشور ومريد البرغوثي من خلال تجربة استضافتهما في برامجي، فقد تركا معا انطباعا طيبا لدي، بسبب تواضعهما ولباقتهما وعمقهما.
لا يمكننا الحديث عن مريد دون ذكر رضوى وتميم، نعرف في قرارة أنفسنا أنهم يمثلون جرحنا الأبدي، ويعكسون عاهاتنا العصية عن الشفاء، ذنبنا غير القابل للمغفرة، جحودنا أمام عائلة ناضلت بالشعر والحب والكلمة الجميلة لتحقيق أمنياتها البسيطة، دون أن تحصل عليها على بساطتها…
مريد البرغوثي تجاوز فكرة الشاعر والناثر والناقد، هو قامة وقيمة فلسطينية وأكبر من ذلك هو قيمة عربية. وفي إسمه نضال كبير. عائلته الصغيرة مثلا تتكون من الأب المحمول بهمّ، والأم بهم، تميم الطفل حين رأى والده لأول مرة إلتبست عليه الأمور نادى عمه ب “بابا”، صورة لا تضاهيها صورة لاختصار الشتات الفلسطيني.
وأنا أكتب هذه السطور محاولة قول ما أعرف، لتوثيق شهادتي حول هذا الرجل العظيم، فكّرت في مصائر آخرين من نفس طينته، كيف حرموا من زوجاتهم وأولادهم لأسباب غبية قد تكون مرتبطة بتعنت موظف من الدرجة العاشرة، أو بإفلاس فكري مشترك لمؤسسات يفترض أن تحمي العقول المفكرة والمنتجة بدل تشتيت طاقاتها في السجون وبين المنافي.
قصة مريد ورضوى كانت لتكون مادة سينيمائية تهزّ ضمائرنا، وتضعنا وجها لوجه أمام أخطائنا لنعرف السبب الحقيقي لتخلف عالمنا العربي. ولكن ربما لم يحن الوقت بعد ليقظة، وإدراك حقيقيين لقيمة هؤلاء الإستثنائيين الذين تنهض الأمم بحمايتهم لا بالتنكيل بهم.
لكن مهلا، لماذا تصدّر اليوم مريد البرغوثي قوائم الأعلى تداولا في كثير من الدول العربية؟ لماذا اكتشفت جماهير مواقع التواصل أن هذا الشاعر يلقي شعرا يقتلع القلوب من أقفاصها؟ وأن هذا الصوت بقوة صوت درويش ولكنه ليس درويش؟ وأنّه شاعر من الذين نحبهم كثيرا، ولكنّه قبل هذا الموت كان هناك تحت الشجرة الظليلة التي حجبته عن الضوء؟
ثمة ولادة ثانية لهذا الشاعر لحظة موته، أو لنقل إنبعاث قوي لكلمته، ولكل ما كتبه وهو يروي حكايته. عودة غريبة من الهناك البعيد إلى عقر قلوبنا، انعتاق من السجن الذي ضُرِب عليه، انتصار عظيم للشعر على غير توقع، رسالة من أقوى الرسائل التي يمكن أن يتلقاها العالم، فهذا الجمهور الذي قد يبدو تافهاً ومسالماً مفضِّلا تناقل القصص المفرغة من أي محتوى جاد، بإمكان الشعر أن يرفعه فجأة لعتبة الوعي..!
سر الشعر يكمن هنا، وسر سلطته المخيفة تكمن هنا أيضا، إنّه يوقظ الوعي، وسواء جاء مفعوله مبكراً أو متأخراً فإنّه نفسه، يعيد الحياة للنفوس التي لوثها الموت، يزرعها بشتلات الأمل، ويغير وجهها إلى الأبد.
والآن من لم ير رام الله عليه أن يبحث عنها في كتاب مريد، ومن لا يصدق أن الحب أقوى من المسافات والظلم، فليقرأ قصائده، لا شيء قطع الحبل السري الذي ربطه برام الله ورضوى، فقد واجه كل الأمور الفظيعة بشعره، وهدوئه وصمته. يمكننا الإصغاء جيدا هذا الصوت الرخيم الذي يقرأ شعرا جميلا تقشعر له الأبدان إنّما ينبعث اليوم من قبره.

اقرأ المزيد

لقاء لينين وكروبوتكن (2 – 2)

حينها نظرتُ إلى فلاديمير إليتش، بدت على نظراته علامات السخرية والتسلية وهو يستمع بإنتباه شديد لكروبوتكن. كان من الواضح أنه مذهولاً من إنبهار وتحمس كروبوتكن بالتعاونيات على الرغم من أن ثورة أكتوبر قد قدمت نموذجاً متقدماً بأشواط عنها. ظل كروبوتكن يتحدث عنها أكثر فأكثر، وحكى كيف تأسست تعاونية اخرى في مكان آخر في انكلترا؛ بالإضافة إلى تأسس فيدرالية تعاونية صغيرة في اسبانيا، وتطور الحركة السنديكالية في فرنسا. لم يستطع لينين أن يتمالك نفسه فقاطعه فوراً:

(هذا مضر جداً، إذ تجاهل الجانب السياسي وتقسيم الجماهير العاملة يؤدي بهم إلى التغافل عن النضال المباشر.)

كروبوتكن: (لكن هذه الحركة توحد الملايين من البشر، وهذا بحد ذاته يعد شيئاً عظيماً. مع الحركة التعاونية سنخطو خطوة كبرى إلى الأمام.)

قاطعه لينين: (جميل جداً هذا كله. بلا شك، للحركة التعاونية أهمية كبرى ولكن إن كانت تكتفي بطبيعة سنديكالية فإن هذا أمرٌ مضر؛ ولكن أهذا هو الأساس حقاً؟ أيؤدي كل هذا إلى شيء جديد؟ هل تعتقد حقاً بأن العالم الرأسمالي سيفرش الطريق أمام الحركة التعاونية؟ لا، الرأسمالية ستحاول السيطرة على هذه التعاونيات بشتى الطرق الممكنة. هذه التعاونية “المضادة- للسلطوية“ في انكلترا ستسحق بلا رحمة وستتحول إلى أداة في يد رأس المال. سينتهي بها الأمر إلى الاعتماد على رأس المال وهكذا تنتهي الحركة، التي تتعاطفَ معها جداً، في الخيوط العنكبوتية لرأس المال. اعذرني، ولكن ليس لكل هذا أي أهمية! إنها مجرد تفاصيلاً زائدة! ما نحتاجه هو العمل الجماهيري المباشر، وطالما لا يوجد هذا العمل لا يُمكننا أن نقول أي شيء حول الفيدرالية، أو الشيوعية، أو الثورات الاجتماعية. كل هذا لا يعدو كونه لعب أطفال، جلبة من دون أي أساس صلب، بلا سلطة ولا وسيلة وهكذا لا يقدمنا ولا يؤخرنا إزاء أهدافنا الاجتماعية.)

في هذه الأثناء، نهض فلاديمير إليتش بحماس وأخذ يقول ما قاله بصوت عالٍ وواضح، أما بيوتر إلكسيفيتش كان يستمع بإنتباه لكلمات لينين الملتهبة؛ بعدها لم يستحضر كروبوتكن مسألة التعاونيات ثانية.

كروبوتكن: (أنت على حق، من دون النضال لن نصل إلى أي مكان في بلد واحد، ايّ من دون أكثر النضال مرارة.)

لينين: (لكن عليه أن يكون نضالاً جماهيرياً! أما النضال الفردي ومحاولات الاغتيال لا تفيد أحد بأي شيء؛ حان الوقت لأن يفهم الأناركيون هذه الحقيقة. لن ينجح النضال ما لم كان في الجماهير، وعبر الجماهير، ومع الجماهير…أما الوسائل الأخرى، ومن ضمنها الوسائل الأناركية، فأنها الآن في أرشيف التاريخ. إنها بلا أي فائدة، ولا تخدم أي شيء، ولا تجذب الناس؛ بل إنها تشكل إلهاء للناس الذين يسعون خلاصهم في هذا الدرب المتعب.)

فجأة سكت فلاديمير إليتش، وابتسم ابتسامة لطيفة قائلاً: (اعذرني أطلت عليك ولعلني أنهكتك، لكن ما العمل؟ نحن البلاشفة هكذا، وهذه مشكلتنا إذ أن هذه المواضيع هي المفضلة لدينا ولا نستطيع أن نتحدث عنها من دون أن نتحمس.)

كروبوتكن: (إطلاقاً! إذا كنت أنت ورفاقك تفكرون بهذه الطريقة، ايّ إذا السلطوية لم تسيطر على عقولكم، وإذا كنتم تشعرون بأنكم لن تأخذوا نهج الدولة في القمع، إذن ستكونون قد أنجزتم الكثير من الأشياء العظيمة. هذا يعني بأن الثورة في أيدٍ أمينة.)

رقّ قلب لينين فقال: (نحن نقوم بأفضل ما لدينا، كما نحن بحاجة إلى جماهير متطورة. أنا أظن بأن عليك إعادة طباعة مؤلفك (الثورة الفرنسية العظمى) لينشر بأوسع شكل ممكن؛ هذا الكتاب مفيد للغاية. لكن يا ترى أين سيطبع هذا الكتاب؟ ليس من الممكن طباعته في دار نشر الدولة.)

كروبوتكن: (إذا كنت تشعر بأن الكتاب مثير للاهتمام ومفيد فأنا مستعد لنشره في طبعة جديدة ورخيصة. لعلي سأجد دار نشر ما تابعة لأحد التعاونيات ستقبل به.)

لينين: (لن يكون في ذلك أي مشكلة في هذا إطلاقاً.)

بعد ذلك انحسر النقاش ما بين الاثنين، فنظر لينين إلى ساعته ونهض ليعلن بأن عليه الاستعداد لاجتماع السوفناركوم. ودّع كروبوتكن بحرارة وقال له بإنه سيسعد بأي رسالة يتلقاها منه. ودعنا كروبوتكن ورافقناه إلى الباب. بعدها قال لينين لي:

(كم شاخ كروبوتكن! إنه يعيش في بلدٍ متفجر بثورة قلبت كل شيء رأساً على عقب، ومع ذلك جلّ ما يفكر به هو الحركة التعاونية! هاهو فقر أفكار الأناركيين والمنظرين والاصلاحيين البورجوازيين الصغار؛ ففي وقت التهاب الحركة الجماهيرية الخلاقة، ايّ في وقت الثورة، تجدهم في حيرة من أمرهم فلا يبتكرون أي خطة صالحة ولا يطرحون نصائحاً عملية. لنفترض للحظة بأننا قمنا بما ينصحنا أن نقوم به، حينها بحلول يوم غدٍ سنرجع إلى النظام الأوتوقراطي ثانية؛ وأين سنكون نحن؟ جمعينا، وهو معنا، سنكون على جادة الطريق نهذر. كم كانت مذهلة الكتب التي كتبها، وكم كان قلمه رشيقاً، وكم كان منعشاً أسلوبه في الطرح والتفكير، لكن هذا كله ينتمي للسابق ولم يتبق شيئاً. مع ذلك هو كبير في السن وعلينا أن نحيطه برعايتنا ونوفر له كل حاجاته بقدر المستطاع؛ علينا أن ننفذ هذا بأكثر الأشكال حساسية. إن وجوده مفيد للغاية وقيّم بفعل ماضيه وما قام به في الماضي. أرجوك ألا تهمله ووفر له ولأسرته الرعاية التامة وأحطني علماً بأحواله كلها؛ حينها سنناقش كل شيء فيما بيننا ونوفر له المساعدة المطلوبة.)

وفيما كنا نتحدث عن بيوتر إلكسيفيتش وجيله، مشينا أنا وفلاديمير إليتش في الكرملين بإتجاه مبنى السوفناركوم حيث ستعقد الجلسة الثانية لحكومتنا بعد ربع ساعة.

اقرأ المزيد