المنشور

جرأة نواة التيار الليبرالي ودورها


وحدها دون مشاركة أيٍّ من القوى السياسية الأخرى، عقدت الجمعيات الثلاث «وعد» و «المنبر التقدمي» و «التجمع القومي» مؤتمراً صحافياً أفصحت فيه عن تقويمها لمسار «حوار التوافق الوطني»، مصحوباً برؤيتها لآفاق ذلك الحوار واحتمالات انعكاسات مخرجاته على تطور الأوضاع السياسية في المرحلة المقبلة. تميز اللقاء بصراحة الجمعيات الثلاث وجرأتها التي عبّرت عنها مجموعة من الطروحات، وردت في وقائع ذلك المؤتمر الصحافي، والتي من بين أهمها:

1 – إصرار الجمعيات الثلاث على استمرار المشاركة في الحوار رغم معرفتها المسبقة برفض الكثير من المرئيات التي رفعتها، وعلى وجه الخصوص السياسية منها. تقول هذه الجرأة، المصحوبة بالثقة في النفس، إن الجمعيات الثلاث مستمرة في المشاركة، ولن يخرجها منها أيُّ شكل من أشكال المصادرة لمرئياتها، التي لن تتخلى عنها، بل وستحرص على وصولها إلى عاهل البلاد.

2 – حرص الجمعيات على شمولية الحل عوضاً عن تجزئته وحصره في الجانب الأمني، في وقت هو في أمسّ الحاجة إلى المعالجة السياسية الشاملة التي من الطبيعي، إذ ما انطلقت من مدخل شمولي متكامل، أن تمسّ عصب السياسات الاقتصادية، ولب المعالجات الاجتماعية، وجوهر التشريعات الحقوقية. من هنا تناضل الجمعيات الثلاث كي تقحم، بشكل طبيعي ومشروع، الحل السياسي الشمولي الناجح، بدلاً من الاتكاء على مجموعة من الحلول المتناثرة العرجاء.

3 – الوقوف بحزم، بعيداً عن أيِّ شكل من أشكال المهاترات أو الاستفزاز، في وجه المداخلات التي تحاول أن تلجم الحوار، وتحوله من منصة دينامية تؤسس لإدخال تطويرات جوهرية ونوعية على المشروع الإصلاحي، إلى مجرد إجراءات تجميلية خارجية، لن يعدو مفعولها تأثيرات العقاقير المخدرة بدلاً من الأدوية المعالجة (بكسر اللام).

هذه الجرأة لم تأت من الفراغ، وليست أيضاً انعطافة عفوية في سلوك هذه الجمعيات، بقدر ما هي، كما تثبت الوقائع يومياً، تحولاً نوعياً في مسارها يحاول أن يستعيد مكانة هذا التيار في العمل السياسي، على النحو الذي كانت عليه الأحوال في منتصف السبعينيات من القرن الماضي.

لا ينكر هذا التيار، الذي يمكن أن تشكل هذه الجمعيات نواته الصلبة، دور أيٍّ من القوى السياسية الأخرى، وفي المقدمة منها قوى الإسلامي السياسي التي لاشك أنها الحليف الطبيعي له، إذ لا يستطيع أيٌ منها التحليق وحيداً دون الآخر.

وعلى هذا الأساس، فلربما أصبحت الظروف اليوم أكثر مناسبة لتبلور هذا التيار من خلال هذه النواة، كما باتت الأرضية أشد ملاءمة لنسج تحالف استراتيجي بينه وبين قوى المعارضة الأخرى وفي المقدمة منها تلك المنضوية تحت فئة الإسلام السياسي، والتي تشكل كتلة جماهيرية من الخطأ الاستهانة بها أو التقليل من أمرها في العمل السياسي في المرحلة المقبلة.
 هذه الجرأة ستفقد بريقها ومبرراتها، ما لم تبادر هذه النواة الثلاثية كي تعمل في خطين متوازيين ومتكاملين: الأول يتجه نحو 

 الداخل لتعزيز صرح قوى التيار ذاته، والآخر يسير في اتجاه الخارج لنسج التحالفات الضرورية مع القوى الأخرى
 
صحيفة الوسط البحرينية – 24 يوليو 2011م

اقرأ المزيد

الرأسمالية الحكومية والعلمانية


إذا كانت الأقسامُ العليا من طبقةٍ تسيطرُ على الرأسمالية الحكومية في بلد ذي مذهبٍ معين فذلك لا يعني أن جميع الأقسام الاجتماعية من تجار وعمال تشارك في هذه السيطرة.
غالباً هي الأقسام الارستقراطية أو العسكرية أو ربما هي رجال الأعمال المتنفذون لدى تلك لأقسام.

هي لوحةٌ شائكة بلا شك، ولكن هي حالُ البلدان التي تمرُ بمخاضِ التحول من النظام التقليدي إلى النظام الحديث.
وهذا يجري في كل الدول النامية، لكن عبر الألوان الدينية والمذهبية والسياسية الخاصة بكل بلد.

ولهذا حين تطورتْ الرأسمالية الحرة في اليابان وغُلبتْ طبقة الساموراي وهي الخليط من الإقطاع والمحاربين، لم تعدْ ثمة طائفة مخصوصة مستولية أبديا على الحكم، فالحكمُ يعودُ للحزب الذي يفوزُ في الانتخابات العامة سواءً كان رأسماليا أم اشتراكيا.
مع سيادة الديانة البوذية لدى الطبقات العليا والدنيا فإن العلمانية وإبعاد هذه الديانة عن الحكم يغدوان مسألةً ثانوية.

الرأسمالية الحكومية ليست مشكلة فهي موجودة في كل الدول الرأسمالية المتطورة كالولايات المتحدة وبريطانيا، لكن المسألة ان توجيهها وإدارتها يخضعان للحزب الفائز في الانتخابات العامة هناك.

في الدول الشرقية تتحول إلى نمط حكم، إلى قطاع عام خاضع لجماعة، وتحوله إلى شكل لاستثمارها وليس إلى قطاع عام حقيقي، وتخضعهُ لتحزبها المذهبي كذلك.
في البلدان العربية والإسلامية فإن السيطرات السياسية والاقتصادية والدينية تتداخل، فالسيطرة الشيعية على القطاع العام في إيران مثل السيطرة السنية على القطاع العام في مصر.

تخاف الطبقة المسيطرة في إيران على الرأسمالية الحكومية وهي مورد قوتها أن تنزع يدها عنها معناه تفكك سيطرتها على المجتمع، وتفجر ثورة العمال، وانفصال القوميات غير الفارسية.

ولهذا فإن مضمونَ السيطرة الفارسية هو شكلٌ ديني يتخذ من الاثني عشرية لباسه المذهبي، كما أن لهذا المضمون من السيطرة مستواه في تطور الجماعات الشيعية الاجتماعية، فهنا فرضتْ الجماعاتُ الريفية من الفرس سيطرتها، وهي ذاتُ مستوى معين في فهم العادات والتقاليد وقراءة الدين، فلا تريد ذوبان سيطرتها مع تدفق الحداثة والعلمانية.

تغدو الرأسمالية الحكومية والمذهبية والشمولية متداخلة، وهو أمرٌ مشابه للجماعاتِ السنية التي تسيطرُ على مصر، ولكن السيطرة هنا ذات تاريخ وطني مختلف، فقد تطورت الرؤى السنية في صراع مع المواطنين المصريين المسيحيين ذوي الأصول القديمة، وتداخل الدينان في علاقة وطنية تاريخية، ظهرت بوضوح في النضالات الوطنية الكبيرة، وقوّتها الأفكارُ الديمقراطية العلمانية، لكن السيطرة السنية الكبرى على الموارد والرأسمالية الحكومية جعلتها تكرسُ النظامَ الديني السياسي. فيجري خوفٌ هنا من الديمقراطية الشاملة، خاصة أن جذور المذاهب الاجتماعية ذكورية ريفية.
هذا يغدو مماثلاً لدول الخليج والجزيرة العربية لكن داخل المذاهب الإسلامية ذاتها، على الطريقة الإيرانية لكن بشكل سني لا شيعي.

عملية التطور الديمقراطية تتطلبُ تفكيكا مستمرا للسيطرات على الأجهزة الحكومية السياسية والاقتصادية، مثلما تتطلب في الجماعات الدينية تفكيكا للسيطرات على المؤمنين والمؤمنات.

إن الطبقات الدنيا تريدُ نسبة أعلى من الدخول في حين تريد الطبقاتُ العليا الاحتفاظ بأنصبتها، لكن لابد من تنازلاتٍ متبادلة، وهذه هي الديمقراطية.

اقرأ المزيد

البلطجة لا جنسية لها ولأوروبا بلطجتها أيضاً


ما فائدة أن تحصل الحكومة اليونانية على رضا مؤسسات التمويل الدولية ومنها صندوق النقد الدولي، وعلى رضا “سادة” الاتحاد الأوروبي الذي تنتمي إليه، وعلى رضا أساطين المال ذوي السطوة والنفوذ في عواصم صناعة القرار الدولي لإعانتها على مواجهة حالة إفلاسها المالي، ولكنها تخسر بالمقابل رضا الأغلبية العظمى من أبناء شعبها المتضررين من جراء إجراءاتها التقشفية غير المتوازنة شعبياً، فضلاً عن التسبب في خسارة سمعة بلدها وفقدان احترامه في أعين شعوب الدول المجاورة والمنافسة لها؟
 
لقد اتخذت الحكومة اليونانية قراراً لا يليق بالواجهات الديمقراطية والحقوقية الإنسانية التي تحرص الحكومات الأوروبية على إبرازها بوصفها عناوين وأسماء شهرة تميز بها نفسها عن بقية الأنظمة السياسية في العالم . وحتى لو كانت هذه العناوين في جوهرها مجرد كليشيهات وطنطنات تفضحها الممارسات الفعلية المتضادة مع الأقوال والشعارات، فإن ما أقدمت عليه الحكومة اليونانية، وهي حكومة اشتراكية تضع مبادىء العدالة والحرية والمساواة وحقوق الإنسان على رأس ديباجة النظام الداخلي للحزب الاشتراكي الذي يقودها، وذلك بقبولها القيام مقام الحكومة “الإسرائيلية” العنصرية، بمهمة قذرة من تلك التي لا تقوم بها سوى الأنظمة الإجرامية المستبدة كالنظام الصهيوني، يتمثل في الاضطلاع بدور البلطجي وقرصان البحر من خلال تجنيد قواها الأمنية المخابراتية وقواتها البحرية لمنع سفن أسطول الحرية-2 من الإبحار من مرافئ انطلاقها اليونانية باتجاه غزة المحاصرة، ومطاردة إحدى سفن الأسطول التي نجحت في الإفلات من حصار ومضايقة السلطات اليونانية وتوقيفها في إحدى الجزر اليونانية، وقد كانت تقل اثني عشر ناشطاً فرنسياً اختاروا تجسيد تضامنهم فعلياً مع ضحايا الحصار “الإسرائيلي” لقطاع غزة بالمشاركة الفاعلة في الحملة الإنسانية الدولية لمناصرة الشعب الفلسطيني الواقع تحت الحصار، والهادفة إلى كسر هذا الحصار وإنهائه .
 
ما قامت به الحكومة اليونانية وما قامت الحكومات الأوروبية به من مطاردات بوليسية، بحرية وجوية وبرية، للشخصيات العالمية المرموقة المشاركة في الحملة الدولية لفك الحصار “الإسرائيلي” عن غزة، لهو عمل بلطجي شائن لا يليق إلا بالدول المارقة والدول الخارجة على القانون ك”إسرائيل” على سبيل المثال لا الحصر .
 
ولكنه الطبع الذي عادة ما يغلب التطبّع، حيث تضطر الحكومات الأوروبية في حالات كثيرة، فما بالك حين يتعلق الأمر ب”إسرائيل” المدللة، إلى خيانة خياراتها الليبرالية والديمقراطية، وهي التي تبقى حريصة على الدوام لتمييز سياستها الخارجية عن سياسة الحليف الأمريكي التي تتسم بالفظاظة والفجاجة والغطرسة، باتخاذ مواقف معتدلة تتسم بالكياسة والمسؤولية في الشؤون الدولية .
 
وحسبنا أن محفز الحكومات الأوروبية إلى اتخاذ تلك المواقف المنافقة التي تصل إلى حد تقمص دور الدولة العبرية في ممارساتها البلطجية والإرهابية، واستئسادها في توفير أقصى درجات الدعم والتغطية لها، لا يكمن فقط في تماهي العقليتين الصهيونية العنصرية والاستعمارية الغربية، واندغام مصالح القوى الاجتماعية التي تمثلانها، وإنما في جشع ولؤم الأوروبيين المتصلين بمسؤوليتهم التاريخية عن النكبة الكبرى التي نُكب بها الشعب الفلسطيني منذ عام 1948 بضياع أرضه، والتعويضات التي سوف يجب على كل الدول المتورطة في هذه الجريمة التاريخية أن تدفعها في حال تمكن الشعب الفلسطيني من انتزاع حقوقه في الحرية وإقامة دولته المستقلة .
 
وهي، أي حكومات البلدان الأوروبية، إذ انبرت، ليس في هذه الحالة “البلطجية” التي نحن بصددها وحسب، وإنما في حالات كثيرة لا حصر ولا عد لها، للدفاع باستماتة عن آخر حصونها الكولونيالية في أعلى قممها العنصرية الفاقعة، وذلك بوحي من عقلها الباطن ذي الترسبات إياها إنما هي تخطئ إذ تعتقد أن اشتراكها في أعمال البلطجة “الإسرائيلية”، وتطوعها للقيام بالوكالة عن الدولة العبرية بمطاردة المتضامنين الأجانب مع القضية الفلسطينية المشاركين في “قافلة الاحتجاجات الجوية”، ومنعهم من السفر إلى فلسطين بموجب “لائحة سوداء” عممتها تل أبيب على الدول الأوروبية لمنع مواطنيها من زيارة الأراضي المحتلة للتعبير عن موقف متضامن مع الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال وتحت الحصار، يمكن أن تكسر عزيمة أحرار العالم الإنسانيين وتثنيهم عن مواصلة إظهار تضامنهم مع الشعب الفلسطيني المظلوم بشتى صور التعبير الرائعة والمبتكرة .
 
بل إن منظمي هذه الموجة الجديدة المبتكرة من تظاهرات التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني قد نجحوا بامتياز من جديد في إعادة تسليط الضوء على الطبيعة الفاشية للنظام الصهيوني، وفضحه على المستوى الدولي من خلال إظهار تورطه المتجدد في انتهاكات حقوق الإنسان وتحويل مطاره “مطار بن غوريون الدولي قرب تل أبيب”، إلى ثكنة عسكرية تم فيه احتجاز 125 ناشطاً حقوقياً دولياً من فرنسا والولايات المتحدة وبلجيكا وبلغاريا وإسبانيا وهولندا وبريطانيا واسكتلندا وغيرها، قبل إيداعهم سجن أيلا في بئر السبع جنوبي فلسطين المحتلة، وسجن الرملة قرب تل أبيب، وإساءة معاملتهم مثلما حدث للنشطاء البريطانيين، وفق ما نقلت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، عن المتحدثة باسم حملة التضامن مع فلسطين في المملكة المتحدة صوفيا ماكلويد من “أن اعتقال البريطانيين، ومعظمهم متقاعدون، كان فظاً، حسب موظفي القنصلية البريطانية في تل أبيب، إذ جرى تقييدهم بالأغلال والأصفاد، ووضعهم في شاحنات صغيرة بعد إجبارهم على الوقوف فترة طويلة جداً” .

اقرأ المزيد

مدخل لكيفية اختيار النظام الانتخابي والتشريعات المنظمة لسير الانتخاب (1)


كثيراً ما يضطر السياسيون والقانونيون في العديد من البلدان لخوض جدل الديمقراطية المزمن بشأن النظام الانتخابي المناسب والذي يقودهم إلى البحث في المفاهيم والمبادئ الأولية وإلى المقارنة وطرح التساؤلات بشأن الكيفية التي يكون فيها النظام الانتخابي (عادلاً وديمقراطياً) وهناك العديد من المنظمات الدولية المعنية بالشأن الانتخابي وضعت مبادئ ومعايير للعدالة والديمقراطية الانتخابيتين وهي بمثابة الأدوات التي يمكن الرجوع لها لقياس عدالة وديمقراطية أو جودة أي نظام انتخابي ومن هذه الأدوات (معايير الحد الأدنى المتفق عليها دولياً) والتي يمكن بواسطتها معرفة إيجابيات وسلبيات أي نظام انتخابي تبعاً لقدرته على خدمة العملية السياسية و تطويرها,

ومن المسائل المؤثرة والمرتبطة مباشرة بالنظام الانتخابي هي الكيفية التي يصاغ بها قانون الانتخاب والمعايير التي يعتمدها لعناصره الأساسية كتوزيع الدوائر الانتخابية وآلية تحويل الأصوات إلى مقاعد ونوع النظام الانتخابي المعتمد, الأغلبية المطلقة أم الأغلبية النسبية أم بنظام التمثيل النسبي وتتنوع وتتعدد العناصر الرئيسة لتشمل مسائل كتسجيل الناخبين وإسناد مسئولية إدارة الانتخابات وشكل بطاقات الاقتراع وطريقة فرز البطاقات إلى آخره, فكل عنصر مهم ومؤثر في العملية الانتخابية يتم إغفاله أو لا يعطى الأهمية التي يستحقها قد يشكل ثغرة تُستَغلُّ لصالح هذه أو تلك من القوى السياسية بما يفقد العملية الانتخابية الضمانات القانونية اللازمة ويكون سبباً للطعن في نزاهة الانتخاب.

وتتعدد أنظمة الاقتراع تبعاً لظروف كل دولة ولكن من غير المقبول التنازل عن التوافق على معايير للحد الأدنى بحجة الخصوصية المجتمعية أو الظروف السياسية ولاختيار أو صياغة نظام انتخابي يستجيب لمتطلبات العدالة والديمقراطية يتعين وضع لائحة بالمعايير والمبادئ والأهداف التي تتوخى القوى السياسية والمجتمعية تحقيقها وليس بالضرورة أن تكون لائحة المعايير كاملة غير قابلة للإضافة أو التعديل كما أنه لابد من الأخذ في الاعتبار أن بعض المعايير قد تتشابك وتبدو أحياناً متناقضة, وللخروج من هذه الإشكالية يتم التوافق على لائحة معايير الحد الأدنى التي سيتم الاسترشاد بها وعلى ضوئها يتم تحديد الأدوات والآليات القانونية.
ومن أهم المبادئ والمعايير المتعارف عليها لصوغ نظام للانتخاب:

1 – أن يؤدي نظام الانتخاب إلى قيام برلمان ذي صفة تمثيلية حقيقية لمختلف الشرائح والأطياف والأقليات في المجتمع لتشارك في إدارة الشئون العامة من خلال ممثلين لها وبحيث يتيح لها الفرصة للحصول على عدد من المقاعد يتناسب مع عدد الأصوات التي تحصل عليها والمقصود من هذا المعيار هو حماية حقوق مكونات المجتمع التي لا تمثل أغلبية.

2 – أن تكون الانتخابات وآلياتها سهلة وفي متناول الناخب العادي وغير مربكة له.

3 – أن يؤدي النظام الانتخابي إلى تشجيع التوافق والتحالف بين الأحزاب وكلما كفل النظام الانتخابي فرص الوصول للبرلمان لغالبية الأحزاب والشرائح كلما فرض ذلك الحاجة للائتلاف ولتنسيق المواقف والاحترام المتبادل.

4 – أن يكون عاملاً مساعداً على تعزيز ثقة المواطن في شرعية السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية ومحفزاً له للمشاركة في البرلمان.

5 – أن يؤدي إلى نشؤ أحزاب سياسية متماسكة ومنضبطة داخلياً, فالأحزاب التي يوفّر لها النظام الانتخابي فرصة إيصال مرشحيها للبرلمان والمشاركة في إدارة الشئون العامة يكون أعضائها أكثر التفافاً وتفاعلاً مع تنظيمهم وتتحسن فرصها في توسيع قواعدها الشعبية وتكتسب خبرة في الكيفية التي تدار بها شئون الدولة وينعكس ذلك بمرور الوقت إيجاباً على الاستقرار السياسي حيث تكون أكثر نضجاً ووعياً ومسئولية في تصديها للملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

6 – أن يكون النظام الانتخابي مراعياً لطاقات البلد الإدارية والمالية وذلك بتجنب الأنظمة الانتخابية التي تكون من دورين أو التي تتسم بآليات معقدة تتطلب زيادة في أعداد المنظمين والمشرفين بما يرفع كلفة العملية الانتخابية.

7 – أن يقلل نسبة الأصوات المهدرة أي تلك التي لا تترجم إلى مقاعد وذلك باختيار أنظمة انتخابية ثبت بالتجربة أنها تقلل إهدار أصوات الناخبين.

8 – أن يأخذ في اعتباره استقرار النظام السياسي والسلم الأهلي، فالنظام الانتخابي الذي يفتقر لأهم المعايير الدولية ولمبادئ العدالة أو الذي يتم فرضه من دون اعتبار لمصالح جميع الأطراف الفاعلة في المعادلة السياسية سيكون عاملاً مزعزعاً للاستقرار.

برأينا تلك هي أهم المعايير والمبادئ الدولية والمتعارف عليها التي يتوجب أخذها في الاعتبار لصوغ نظام الانتخاب ولكن لا قيمة لهذه المعايير والأهداف من غير أدوات وآليات قانونية لتفعيلها أي بوضعها في إطار تشريعي يسترشد بها في تنظيمه لسير العملية الانتخابية لذا فإنه يتعين أيضاً مواءمة التشريعات الانتخابية المحلية مع المعايير والمبادئ الأولية الدولية لقوانين الانتخاب، وفي هذا الشأن يمكن الإشارة إلى الدليل الاسترشادي لمراجعة الإطار القانوني للانتخابات الذي تمّ تطويره من قبل مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان (ODIHR) التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE ) بالتعاون مع المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية (International IDEA ) والهدف من هذا الدليل الاسترشادي هو توضيح العناصر الأساسية للإطار القانوني للانتخابات ومعايير الحد الأدنى لكل عنصر أساسي التي تعتبر ضرورية ويوفر هذا الدليل الاسترشادي المساعدة للبرلمانات الوطنية عند قيامها بوضع مسودات أو تعديل النصوص التشريعية المتعلقة بالانتخابات. والمصادر الرئيسية للحد الأدنى من المعايير المعتمدة في هذا الدليل الاسترشادي هي وثائق دولية بما في ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان, والميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية
 
صحيفة الوسط البحرينية – 22 يوليو 2011م

اقرأ المزيد

مواجهة أخطر تداعيات الأزمة


يدرك كل حريص على هذا الوطن وعلى مستقبل أجياله أن الانشطار الطائفي العميق الذي قسَّم هذا المجتمع الصغير إلى نصفين متنافرين هو أخطر التداعيات التي خلفتها الأزمة. نحن اليوم شارعان لا نلمس ملتقى منظور بينهما ورغم أن مظاهر الأزمة إلى تراجع لكن تداعيات الانقسام الطائفي إلى تعمق يوسِّع الهوّة بين الشارعين ويدق إسفينا في بنيان الوحدة الوطنية فيصيبه بتصدع قد يعرقل كل خطط التنمية والتحديث المجتمعي.
أثناء الأزمة مارس أكثر من طرف أدواراً سيئة وسلبية في الشحن والتأجيج الطائفي، كان لبعض الأجهزة الرسمية دور رئيسي في إذكاء الروح الطائفية بما تملكه من وسائل أمنية وإعلامية في إدارة المجتمع، وكان لهيمنة قوى الإسلام السياسي الطائفي (شيعي وسني) على الحدث وعلى مزاج وتوجهات الناس أثره السلبي في غلبة الخطاب والاصطفاف الطائفي، هذا إلى جانب دور الإعلام الخارجي الموجه ودخول دول إقليمية وعالمية على خط توجيه الحدث البحريني.

وان اقتربنا بمستوى أكثر شفافية فسنقول بأن الشارع الشيعي المسيس في عمومه قد استُنفر من قبل رموزه الدينية وتشكيلات قواه السياسية وقياداتها، وفي ظل روح المظلومية التاريخية المتأصلة تم التركيز على مقولات التمييز والتجنيس ضد الطائفة الشيعية وحقوقها المهدورة على هذه الأرض، وعلى هدي انفجار الشارع العربي بالثورات تم تحريك الآلاف من المشحونين بهذه الروح نحو الدوار.
وبالمقابل وبشكل متواز استُنفر الشارع السني غير المسيس في عمومه بخطاب رسمي ينفرد بحوزة الأجهزة الإعلامية المؤثرة (مقروءة، مرئية ومسموعة)، وكذلك بخطاب الشحن والاستنفار الذي صدر عن رموز النخب القيادية السنية والذي ترَّكز على مقولة أنْ: تحركوا فهناك خطر قادم يداهم وجودكم ويهدد بقاء قيادتكم وسيصادر حقوقكم في هذا الوطن، انتشر ذلك الاستنفار كالنار في الهشيم وأوغر القلوب ليحرك الآلاف التي توجهت نحو الفاتح.

ليس من شك في أن عديد المطالب التي طُرحت بداية الحراك كانت مطالب وطنية عامة ومشروعة، وليس من شك أنه في إطار وطنية تلك المطالب تفاعل رموز القيادة بمستويات ايجابية متحضرة مثلما تفاعلت القوى السياسية غير الطائفية والشخصيات الوطنية الديمقراطية والليبرالية.
لسنا من دعاة القول بوجود مؤامرة ضد النظام أو للإطاحة بالنظام فهذه تهمة خطيرة ليس بيد أحد إثباتها سوى الأجهزة الأمنية ولا يبت فيها سوى قضاء نزيه، لكن الأحداث تصاعدت وجرت الرياح بما لا تشتهي السفن الوطنية. وأخذ الحراك المطلبي يتجه وجهات أخرى حين ركبت الموج توجهات متطرفة لنجد المطالب الوطنية المشروعة وقد نُحيَت وارتفع سقف خطاب المطالبات ليمس شرعية النظام الدستورية واتجه الحراك نحو تعطيل المجتمع وشلِّ أهم شرايينه المغذية بالحياة والنماء، هنا تفجر الوضع وأصبح المجتمع على حافة الاحتراب الطائفي.

اليوم يجني المجتمع حرث أبنائه فهناك أزمة ثقة بالغة وهناك ريبة وتوجس يصل لدى البعض إلى شعور مدمر بالكره والعداء، وهل يُبنى وطن وتجري تنمية مجتمع منشق إلى نصفين؟ هل هناك نماذج على مجتمعات مُدمَرة ومُعَطلة التنمية بما نخرته الطائفية في بنيانها أسوأ من لبنان والعراق؟ غير مقبول التبرير من أي طرف كان فكلٌ يحمل وزرا فيما بلغناه وحري به أن يتحمل نصيبه من الذنب ونصيبه من واجب إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح.
تبقى الأسئلة الملحة: هل من حلول وهل من مخارج؟ ما هي سبل المواجهة الفاعلة؟ نقول وبشفافية تضاهي شفافية الحديث عما جرى من حشد واستنفار على الضفتين: لن نتمكن من مواجهة أخطر تداعيات الأزمة إن لم يتوافر لدى جميع المعنيين فهمٌ حقيقيٌ لخطر هوة الانشطار الطائفي السحيقة التي سقط فيها هذا المجتمع وصدقُ نية لمواجهة هذا الخطر ثم الإتيانُ بخطوات عملية تنفيذية تحقق المواجهة والعودة للوضع الطبيعي السابق.

أول المخارج بظننا هو وقفٌ فوريٌ للردح والشحن والاستفزاز الطائفي الذي مازال مستمراً في جنبات كل شارع، مازال استفزاز مشاعر وردود فعل الشارع الآخر قائماً، مازال الكثيرون من حيث يدرون أو لا يدرون يرتكبون أكبر جريمة قد تودي بمستقبل هذا المجتمع وتعيق سبل نموه وتقدمه. إزالة العفن الطائفي مسئولية تُناط بأكثر من جهة ويفترض أن تتخذ مكاناً بارزاً على أولوياتها، علينا أن نلج جميعاً طريقاً تغادر بنا الأزمة وتداعياتها من هذا الباب ولا باب غيره في مثل ما بلغناه.

وفي إطار مواجهة هذا التداعي الخطير لابد من إبداء الشكر والثناء لهيئة شئون الإعلام على اتخاذها خطوات عملية بوقف بعض برامج التلفزيون الرسمي التي مارست الشحن الطائفي وغذته وأوغرت الصدور إبَّان تصاعد الأحداث وما بعدها. نقدّر كثيراً لهيئة شئون الإعلام تلك الوقفة ونقدّر توجيه بعض البرامج وجهة بناء يلملم الصف الوطني ويضمّد الجراح بدل أن يحرض النفوس ويوغر القلوب، ونتمنى عليها فتح المجال الإعلامي الداخلي أمام كافة القوى السياسية لتعبر عن آرائها في ظل الالتزام بالشرعية الدستورية وقوانين المملكة وأنظمتها.
وفي أجواء قبول الآخر التي أشاعتها قاعات حوار التوافق الوطني وأروقته نتمنى على الدولة وقوى المجتمع خطوات ايجابية أكبر وأبعد على غير اتجاه وصعيد.

نتمنى على الأجهزة الرسمية وقفاً حاسماً متجاوباً مع رغبة القيادة لكافة أوجه العقاب الذي لا تسنده تهم الإخلال بالقوانين والأنظمة والمستجيب فقط لنزعات انتقامية أو المنساق وراء وشايات أو خصومات شخصية بتهم واهية كمجرد الذهاب إلى الدوار أو التواجد فيه. إن أخطر ما يزرع الغضب ورد الفعل المناهض إن لم نقل العنيف هو مصادرة الحريات وقطع الأرزاق وسحب اللقمة من الأفواه.
ونتمنى على الأجهزة الرسمية أيضاً توجيه صحف وأقلام تفرغت للردح والشحن والاستفزاز الطائفي فقط لا غير فلا قضية لديها سوى الوفاق وما فعلته الوفاق وما قاله علي سلمان أو ما صرح به خليل مرزوق. كم هي مضيعة لمسئوليات وطنية أخرى منوطة بالصحافة، ألا يلاحظ هؤلاء أنهم مهما كتبوا فالوفاق موجودة وصوتها هو المسموع؟!!
ونتمنى على نخب السياسيين والمفكرين والمثقفين والاقتصاديين وعلماء الدين وخطباء المساجد وكل من يملك صوتاً مسموعاً بين الناس في الشارعين أن يتحمل مسئوليته في تفعيل دور وطني جامع نابع من المبادئ الديمقراطية التي يحض عليها دستور المملكة ومن قيم الحرية والتسامح وقبول الآخر.

وما دام هذا المجتمع قد ابتُلي في الشارعين بوجود قوى سياسية قائمة فعلاً على أساس طائفي ويتمحور جوهر حراكها وخطابها السياسي على استحقاقات طائفية، فليس أمامنا إلا أن نتوجه لها وبالاسم لتتحمل مسئوليتها الوطنية ونتمنى عليها النأي – في هذا الظرف الدقيق والحساس- عن التحشيد الطائفي لشارعها وعدم استنفار الحس الطائفي في الشارع الآخر. المطلوب من كل من يقود جمعيات المنبر الإسلامي والأصالة الإسلامية وتجمع الوحدة الوطنية ويتحدث باسمها وقف الخطاب المحرض ضد الطائفة الأخرى ووقف المحافل التي تُنظم تغذيةً لهذا الهدف بل وإسكات جميع الأصوات المحسوبة عليها التي تشطح بما يوغر الصدور في شتى الوسائل الإعلامية داخل البحرين وخارجها، كما نتمنى عليها نشر الوعي الأسري في المنازل بالطبيعة التعددية لهذا الوطن وبحق كل أفراده وطوائفه أن يحيوا تحت سمائه ويتمتعون بخيراته.

ونتمنى على جمعية الوفاق الوطني الإسلامية أن توقف أي خطاب يذهب إلى أنها تتحدث باسم شعب البحرين بأكمله، ففي ذلك استفزاز لمشاعر الطائفة الأخرى ولباقي مكونات المجتمع، كما نتمنى على الوفاق وقف تغذية حملات الإعلام الخارجي بمشاركات من أعضائها أو المحسوبين عليها بما يستفز الشارع الآخر ويوغر صدور المتطرفين فيه بل ويعزّز من جانب آخر روح الانتقام والقصاص من أبرياء كُثرٍ غير مشمولين بالوجاهة السياسية.

ونتمنى على قوى التيار الوطني الديمقراطي أن توسِّع حضورها المستقل والموحَّد (يا ليت) على الساحة السياسية وتعزّز وتفعّل خطابها الوطني الديمقراطي غير الطائفي. ونتمنى على جمعية الصحفيين بقدر ما تتصدى للدفاع عن حقوق الصحافيين أن تؤكد على واجبهم الإعلامي الوطني اللاطائفي.

أخيرا ليت حوار التوافق الوطني يخرج بمرئية اقتراح قانون يجرِّم الشحن والاستفزاز الطائفي وليت أجواء رمضان المبارك المفعمة بالتواصل والحب والتسامح تذيب ما علق بالقلوب من نفور وبغضاء
 
صحيفة الوسط البحرينية – 19 يوليو 2011م

اقرأ المزيد

ضعف بنية العقلية الحداثية العربية


لا بد أنكم تتذكرون في حوالي منتصف ثمانينات القرن الماضي كيف انقسم رفاق الأمس في الحزب الاشتراكي اليمني في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية قبل الوحدة، وتحولوا إلى قبائلهم وامتداداتهم العشائرية طلباً للحماية والدعم من وضد بعضهم بعضاً، حيث خاضوا في ما بينهم حرب تصفيات ضروساً انتهت بتقلص قيادة الحزب والدولة إما قتلاً وإما نفياً أو هروباً إلى الخارج .
 
اليوم يحدث الشيء نفسه في لبنان، حيث انشطرت البلاد إلى نصفين متواجهين تحول كل فريق فيهما إلى “عرين” طائفته وامتداداتها الإقليمية، وانقلب رأساً على عقب على كامل رصيد علمه الأكاديمي وثقافته المدينية (نسبة إلى المدنية) وفكره الحداثي المتراكم .
 
هذا رغم الفارق الشاسع في مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي في الحالتين، ورغم الثراء الثقافي الذي ظل يتمتع به لبنان حتى وقت قريب والذي أهل عاصمته لأن تكون عاصمة النور في العالم العربي ومركز إشعاعه الثقافي والحضاري .
 
في العراق أيضاً وفي غير بلد عربي آخر ظهر من كانوا ينسبون أنفسهم إلى الوسط الحداثي، على حقيقتهم حين جد الجد وتطلب الوضع الناشئ منهم اتخاذ موقف غير مائع من المنجزات الحضارية لأجيالنا السابقة وقد أضحت هدفاً للمغامرين والطارئين ونهباً لتعدياتهم تحت شعارات وأردية مختلفة ومتخلفة، إذا بهم يقفزون وينحازون إلى مواقف عصبياتهم الإثنية والطائفية أو القبلية أو . .إلخ، والتي تشكل – من وجهة نظرهم – المصلحية والانغلاقية الفكرية على الأرجح، الوعاء والملاذ الآمن لصون وتمثيل هوياتهم الخاصة جداً .
 
ومثل هؤلاء الذين سرعان ما يلم بهم الاضطراب الفكري لدى أي انعطاف في الأحداث، مهما كانت حدته، لا يمكن التعويل عليهم في إحداث التحديث والتمدين و”التحضرن” (من حضارة) في مجتمعاتهم . فمن البديهي أن فاقد الشيء لا يعطيه .
 
بل لعل هذه الحقيقة هي التي تفسر عجز أوساط واسعة من النخب العربية عن المساهمة في رفع شأن المجتمعات العربية ومساعدتها على مواكبة العصر والتعاطي بإيجابية مع التحولات العالمية في مناحي الحياة المختلفة، وتركها نهباً للأنساق الإيديولوجية المتطرفة التي تحاول استغلال الفراغ والهيمنة على مقدرات هذه المجتمعات الباحثة، إلى يومنا هذا، عن نفسها وعن مكان يليق بها وتاريخها وعمقها الحضاري في هذا العالم الذي تتقاذفه تيارات التغيير المتدافعة .
 
ما الذي نستخلصه من هذا؟
 
نزعم أن ذلك إن دل على شيء فإنما يدل على أن دورة الفاعلية الاجتماعية المتوافرة عادة في المثقف العضوي، بما هي عليه من وعي بالقضية محور الاهتمام والانشغال، وهي هنا قضية إعمار الأوطان وتحديثها وتنويرها، والإيمان الراسخ الصادق بها – تتويجاً للوعي بها، وأخيراً ممارستها بالفعل الإيجابي الواعي- هي دورة غير مكتملة الأركان (الثلاثة المنوه عنها ها هنا) .
 
واستخلاصاً من هذا المعنى، فإننا نميل إلى الاعتقاد بأن بنية العقلية الحداثية العربية ضعيفة وهشة لا تقوى على مقاومة إغراءات وإغواءات أنساق التفكير التقليدية المحافظة، بسبب تجذرها، على ما هو باد في اللاوعي الكامن ولكن الجاهز والمتحفز لرد الفعل المتوجس والمضاد لأي مستجد “غريب” على تلك البنية، ناهيك عن البيئة المحيطة بها المحاصِرة (بكسر الصاد) لها من كل صوب “لضمان” عدم تفلتها والتحاقها بما “تهرطق” به من مفردات غير مستساغة من قبيل المعاصرة والحداثة والمواكبة .
 
وبما أن الثقافة السياسية ما زالت سطحية لدى عموم المجتمعات العربية، بسبب النسبة العالية من الأمية الأبجدية (تتخطى نسبة الخمسين في المئة في أكثر البلدان العربية تحضراً مثل مصر وتونس على سبيل المثال فقط) والنسبة الأعلى للأمية الثقافية، فليس هنالك فرصة للتعويل على الوسط غير النخبوي في التأثير الإيجابي في البناء الفوقي بما مؤداه تحييد وعزل عناصر التشويش العصابي الطيفي على الوعي الجمعي .
 
ومن المفارقات هنا – التي يحفل بها عالمنا العربي على أية حال – أن المرء يشعر أحياناً بأن الدولة العربية الحديثة بما تأخذه على نفسها من التزامات دولية من خلال الالتحاق بمنظمات واتفاقيات ومواثيق دولية، اضطراراً ومواكبة للاتجاهات العامة والغالبة في نظام العلاقات الدولية، واستحقاقاته ومتطلباته التي يفرضها على كافة الدول الأعضاء التواقة لأن تكون جزءاً فاعلاً فيه، مؤثراً ومتأثراً بعملية حراكه الواسعة النطاق والشاملة لقاعدة عريضة من النشاط الإنساني .
 
وفي ضوء ذلك تبدو الدولة العربية في حالتها الراهنة المتعصرنة برسم الواقع الموضوعي الدولي (المتعولم بشدة)، أكثر قابلية واستعداداً، في كثير من الأحيان، من أوساط نخبوية عريضة حداثية الزعم، للتعاطي مع استحقاقات التحديث والتطوير (الشامل وليس المجتزأ والانتقائي) .
 
ومع ذلك علينا أن نتوخى الحذر هنا أيضاً، فهذا التفاعل ليس نابعاً من نظام معرفي واع ومقتنع لدى القائمين على جهاز الدولة العربية التسييري، بقدر ما هو شكل مع أشكال التساوق مع مقتضيات الانتماء للكتلة الدولية المتحركة كما أسلفنا .
 
فهي تميل، حسب معطيات واقع الحال، نحو التساوق أكثر مع تيارات “المحافظين الجدد” من حركات الإسلام السياسي لتيقنها من أن هذه لا تعير كثير اهتمام لقضايا التنمية بكافة أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بقدر اهتمامها “بعفاف وطهورية” المجتمعات التي ترنو إلى حكمها يوماً ما .


حرر في 16 يوليو 2011

اقرأ المزيد

قضايا كبرى غابت عن بنود الحوار


قد يتفهم المرء الوضع الضاغط أمنياً ونفسياً الذي جرت فيه الاستعدادات لعقد حوار التوافق الوطني والذي أراده صاحب الجلالة الملك مخرجاً من أزمة بلغت مستويات من الحدة والخسران لم تشهد لهما البحرين مثيلاً. وقد يتقبل المرء بناء على ذلك الأسلوب الانفرادي الذي تقررت به شئون الحوار من محاور رئيسية وفرعية، إلى آليات وإجراءات إلى اختيار المتحاورين، لكن ما كان مرجواً بعد ذلك أن تترك للمتحاورين فسحة قصيرة قبل بدء جلسات الحوار لغربلة المحاور وبنودها وإضافة ما يرونه جديراً بالتحاور والتوافق من قضايا كبرى مصيرية تحمل من الأهمية ما لا يفترض الغفلة عنه أو تجاهله.
سنتطرق هنا لبعض القضايا التي لم ترد ضمن بنود الحوار والتي نحسبها قضايا مهمة ومصيرية إذا نظرنا للحوار كمحطة تاريخية ستطرح حلولاً ليس للأزمة فحسب بل ومرئيات للبناء والنماء المستقبلي لهذا المجتمع. وهي قضايا تطرحها غالب القوى السياسية والمجتمعية كل بمنظوره الخاص الذي قد يكون عاماً شاملاً للقضية أو مجتزئاً لجانب منها وفقاً لرؤية القوى وفكرها. وتتشارك الدولة كقوة سياسية تدير المجتمع مع غيرها من القوى في طرح هذه القضايا والتبشير بها بين وقت وآخر. تداول هذه القضايا على طاولة الحوار والتوصل إلى توافقات بشأنها يقتضيه اختلاف الرؤى الحاصل حولها وحول سبل الأخذ بها.
 
1. الوحدة الوطنية: هذه هي قضية القضايا ما بعد الأحداث الأخيرة التي مر بها هذا المجتمع ولعل محصلتها تكون الأسوأ، ولسنا بحاجة للحديث هنا عما فاضت به الأنفس على الضفتين من عفن طائفي، فالشواهد كثيرة والأمثلة لا تحصى، ويكفي القول ان الاصطفاف الطائفي طال حتى العديدين ممن لم يؤمنوا يوماً بفكر طائفي أو يأتوا بمسلك طائفي.
لسنا بحاجة أيضا لنعدد العوامل والجهات التي غذََّت هذا العفن الطائفي وأزكته إن على صعيد الأجهزة الرسمية أو الجهات الأهلية فالكل يتحدث عنها. ما يعنينا هنا أن إعادة اللحمة الوطنية بندٌ كان يفترض أن يتخذ مكانه البارز على طاولة حوار التوافق الوطني، فجمع يمثل الطيف الوطني بجميع تلويناته من المجتمعين المحترمين في هذا الحوار كفيل بمناقشة الهوَّة الطائفية التي وقعنا بها والتوافق على السبل الأنجع لانتشال مجتمعنا منها.
 
2. الملكية الدستورية: بشّر ميثاق العمل الوطني بهذا المفهوم وبتطبيقه في مملكة البحرين تحت راية صاحب الجلالة الملك، وفي تجاوب واضح تبنت القوى السياسية على مشاربها هذا الشعار وطرحته في مناقشات جادة وضمّنته برامجها السياسية وطالبت به في كافة فعالياتها. لم يزل غيرَ جليٍ مدى استعداد المجتمع بكافة قواه لتطبيق المفهوم، هل بحذافيره؟ هل بمستوى من مستوياته؟ لم يزل غيرَ جليٍ أي مستوى تراه الدولة لتطبيق الملكية الدستورية ولم يحدث نقاشٌ مسبقٌ بينها وبين قوى المجتمع الأخرى حول هذه القضية، أليس حرياً بحوار التوافق الوطني أن يضع على أجندته مناقشة القضية وإجلاء الغبار المثار حولها سبيلاً للتوافق بشأنها؟
 
3. الدولة المدنية الحديثة: هذا المصطلح تردّد كثيراً على الساحة البحرينية طوال العقد الماضي، وازداد تداوله على اثر توقيع مملكة البحرين في العام 2006 على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وظل متداولاً إلى ما قبل الأزمة وأثنائها، طرحته ونادت به القوى والأطياف بكافة مشاربها ورؤاها بدءاً من الدولة فغالب القوى السياسية من جمعيات التيار الوطني الديمقراطي والجمعيات الإسلامية من جمعية الوفاق وصولاً لتجمع الوحدة الوطنية.
لسنا في هذا المقام بصدد البحث في المفهوم أو مناقشته وهو جديرٌ بذلك في مقام آخر، لكننا على ثقة من أمرين هما: أن قضية من هذا القبيل تتفاوت زوايا الرؤية لها تستحق المناقشة والتوافق المجتمعي، وأن واحداً من أهم المخارج الناجعة من الخاصية الإشكالية للمجتمع البحريني حاضراً ومستقبلاً يكمن في الأخذ بأسس ومبادئ الدولة المدنية الحديثة.
 
4. رؤية البحرين الاقتصادية حتى 2030: هذه رؤية وضعها مجلس التنمية الاقتصادية ودُشنت على يد صاحب الجلالة الملك وصاحب السمو رئيس الوزراء في أكتوبر/ تشرين الأول من العام 2008 ووضع مجلس الوزراء الاستراتيجية التنفيذية لهذه الرؤية وبُدئت خطوات التنفيذ. ألا تستحق هذه الرؤية أن تكون بنداً أساساً تحت المحور الاقتصادي؟
نعرف أن الرؤية قد نوقشت باستفاضة مع مجموعات من الاختصاصيين والمهتمين وأصحاب الرأي عدا عن بعض الهيئات الاختصاصية وبعض بيوت الخبرة الاستشارية والهيئات الدولية، لكن ألم تلقِ أزمة الأحداث الأخيرة بظلالها على الوضع الاقتصادي بمجمله والرؤية الاقتصادية مركزه وبؤرته الأساس؟ أليس في الجمع المحترم من الاقتصاديين المجتمعين في حوار التوافق الوطني القدرة التامة على مراجعة الرؤية في ضوء الهزة الكبرى التي تعرض لها هذا المجتمع وتقديم مرئيات تواكب ما جرى من تغيرات؟
 
5. الشراكة المجتمعية: وهو مفهوم تنموي حديث لا تستغني المجتمعات الساعية للتنمية المجتمعية الشاملة عن الأخذ به، ويقوم أساساً على تعميق الالتزام المجتمعي من خلال كيانات ومؤسسات المجتمع القائمة، وكذلك مشاركة أفراد المجتمع بالرأي والتطوع بالجهد والمال كل وفق قدراته وما يحوزه من خبرات في دعم مشروعات الدولة التنموية كبيرة كانت تلك المشروعات أم صغيرة، سياسية أم اقتصادية، حقوقية أم اجتماعية. ورغم ما يتميّز به المجتمع البحريني من تبلور مؤسسات المجتمع المدني إلا أننا نظن أن شراكة مجتمعية حقيقية بين تلك المؤسسات وبين خطط الدولة التنموية لم تتأسس بعد بشكل متكامل مثمر وفعال. والقطاع الخاص كأحد الأطراف الأساسية في التنمية المجتمعية ومع الإقرار بمبادراته في دعم خطط التنمية في البحرين، إلا أن دوراً أكثر فاعلية وأكثر عطاء مطلوب من هذا القطاع.
ومن الملاحظ ورود بنود في المحور الاقتصادي لحوار التوافق الوطني تذهب بهذا الاتجاه كالمسئولية الاجتماعية للشركات ودور القطاع الخاص في معالجة المشكلة الإسكانية، وكذلك ورود بند الشراكة المجتمعية لتحقيق الأمن في المحور الاجتماعي، وكل ذلك مقبول ومطلوب، لكننا نتحدث عن أولوية التداول المجتمعي حول المفهوم وقبوله. ونظن أن تحقيق نجاحات أكبر في تفعيل وتحفيز الشراكة المجتمعية رهن ببلوغ الأطراف المجتمعية درجات من الفهم والتفاهم والتوافق حول المفهوم في مجتمع ذي مصادر دخل محدودة كمجتمعنا، وليس أجدى من مناسبة لذلك مثل حوار التوافق الوطني.
 
6. الفساد: هل يُعقل أن تخلو المحاور من بند الفساد الآفة التي تنخر مجتمعنا ومثله غيره من مجتمعات؟ الفساد موجود وملموس وواضح للعيان وسنجده حاضراً في الأربعة محاور وعلى غير صعيد. صحيحٌ تميّز العقد الأخير بالكشف عن كثير من أغطية الفساد وتحققت خطوات نحسبها خجولة جداً في مواجهته، وصحيحٌ ورد بندٌ في المحور الاقتصادي يقول بالمساءلة المالية، لكننا بحاجة لوقفات حقيقية وشفافة حول مظاهر الفساد في كافة زوايا حياتنا، وقبل ذلك نحن بحاجة لقبول مجتمعي عام لمواجهة الفساد والتصدي للمفسدين بإرساء توافقات بين قوى المجتمع وبينهم وبين الدولة لاعتماد أنجع السبل لاستئصال الفساد أو لنقل لبدء استئصاله. بكل بساطة سيجد المتحاورون وفي جميع المحاور أنهم أمام غول كبير معيق لتحقيق الأهداف اسمه الفساد.
 
7. الفقر: ولا ضَير لدينا من تخفيف الكلمة بمسميات أخرى من قبيل «العوز الاقتصادي» أو «تدني المستوى المعيشي»، ليس بإمكان عاقل أن ينكر مظاهر العوز في أوساط قطاع غير قليل من الأسر البحرينية. ولعل قوائم المعوزين في ملفات وزارة حقوق الإنسان والتنمية الاجتماعية وفي ملفات المؤسسات الخيرية المنتشرة في المجتمع تشي بأن الفقر يكاد يتحول إلى ظاهرة مجتمعية. أضف لذلك ما يتحدث عنه الاقتصاديون من تخلخل جرى في وضع الطبقة الوسطى في مجتمعنا تزايد فيها تحول فئات من هذه الطبقة إلى طبقة الفقراء المعوزين. وفوق هذا وذاك فالأزمات التي يمر بها أي مجتمع تنتج المزيد من الفقر وقد خرجنا لتوِّنا من أزمة طاحنة، وذلك بظننا كافٍ ليتبوأ بند عنوانه الفقر مكانه على طاولة الحوار.
 
لا يخامرنا أدنى شك في أن هناك قضايا كبرى أخرى لم تتوافر لدينا الفطنة لإدراجها على أجندة التداول والتوافق الوطني، كما لا يخامرنا أدنى شك في أن المتحاورين المحترمين سيطرقون – إن بشكل أو بآخر- جوانب من تلك القضايا الكبرى
 

صحيفة الوسط 12 يوليو 2011م
 

اقرأ المزيد

ثورة التغيير التاريخية – واقع .. وتوقّعات – نعيم الأشهب


حين اندلعت ثورة التغيير من تونس، وتطايرت شراراتها بسرعة الريح، من مراكش والجزائر غربا الى البحرين وعمان شرقا، على نحو لم يعرفه العالم العربي، قديمه وحديثه.. فانها، بمداها الجغرافي، وتتابعها الزمني، أشارت الى أن أسوار القطرية والتجزئة التي أقامها الاستعمار وعزّزتها الأنظمة الانفصالية، فشلت في الوقوف في وجه طوفان التواصل الكفاحي للشعوب العربية، وأكدت وحدة المصير والطموحات المشتركة للشعوب العربية، وبشّرت بتجدد الطموح العريق للوحدة العربية. واذا كانت وسائل الاتصال العصرية لعبت دورا مشهودا في هذا المجال، لكن ما كان لها أن تحقق هذه النتائج لولا وقوع مفاعيلها على روابط ومقوّمات تاريخية بين الشعوب العربية.

في الوقت ذاته، رسمت ثورة الملايين في الأفق، تباشير نهوض جديد لحركة تحرر قومي عربية، بخصائص وسمات عامة تتميّز عن تلك الحركة التي سادت في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، ووقفت على رأسها مصر عبد الناصر.

فرغم ما حققته تلك الحركة، في حينه، من انجازات تحررية واجتماعية، فان عداءها للديموقراطية وعزلها للجماهير عن المشاركة المنظمة والواعية في صناعة مستقبلها، وهيمنة عقلية الثكنة العسكرية، التي جاء منها عبد الناصر وزملاؤه، أسفرت بالنتيجة، ليس فقط عن ضياع تلك المكتسبات، بل وعن هزيمة حزيران 1967 المريعة؛ مما أدّى الى انحسار خطير لتلك الحركة، وما ترتّب على ذلك من نشوء فراغ، تقدّمت الحركات الاصولية والنزعات العدميّة لملئه.

ومعلوم أن النموذج المصري المعادي للديموقراطية شكّل نقطة الالتقاء الأساسية مع بقية الأنظمة العربية في المنطقة. ومنذئذ، غدا هذا النموذج السّمة المميّزة للنظام العربي من المحيط الى الخليج، حتى جاءت ثورة الملايين، أخيرا، تستهدف اسقاطه قبل أيّ شيء آخر، ولتصوغ هذه الملايين بارادتها الحرة بديلا يبشّر، ضمن معطياته، بنهوض جديد لحركة تحرّر قومي عربية، عصرية، ديموقراطية، ذات سمات انسانية، علمانية دون قيود أو اقصاء لأي مواطن، بسبب الانتماء السياسي أو الأيديولوجي أو الدين أوالعرق أو القومية.

ولدى محاولة تقدير المدى الزمني، وحجم التضحيات التي قد تتطلّبها هذه الثورة التاريخية حتى انجاز أهدافها الأساسية، لابدّ من الأخذ في الحسبان مجموعة خصائص، لعلّ أهمها :
أولا – أنها ثورة شعبية بامتياز، سلاحها الوحيد، لدى انطلاقتها، ارادة الملايين، دون عنف، وكذلك دون عسكر يحدّدون آفاق مسيرتها ومستقبلها سلفا. وهي، بهذا المعنى تقدّم نموذجا خلاّقا للعالم أجمع، ستكون له تداعياته، التي لا يمكن تقدير أبعادها بعد.

ثانيا – هي ليست مجرّد انتفاضة خبز وحسب، كما وقع وتكرّر، في العقود الأخيرة، في أكثر من بلد عربي. وليست كذلك وثبة سياسية فقط، كما وقع في مصر، عام 1946، وأسقطت معاهدة صدقي – بيفن البريطانية، وكذلك في العراق، عام 1948، وأسقطت معاهدة بورتسموث البريطانية، وفي الاردن ضدّ حلف بغداد 1955، وقبل ذلك – بعد الحرب العالمية الثانية – في الشمال الافريقي ضدّ الاستعمار الفرنسي- والانتفاضات الفلسطينية ضدّ الاحتلال الاسرائيلي، وغيرها.. بل ثورة تداخلت فيها الاهداف الاجتماعية والسياسية. ومن هنا راديكاليتها المستهدفة تغيير الأنظمة وليس مجرد الوجوه والحكومات.

ثالثا – هي ثورة مفتوحة، وليست حصرا بين قوى داخلية، يحسمها توازن القوى بينها، بل لها امتدادات اقليمية ودولية، توازي ما للمنطقة العربية من أهمية، في المعايير الدولية، من حيث موقعها الاستراتيجي وما تختزنه في باطنها من احتياطي هائل من النفط والغاز بشكل خاص. وهذا، بالتالي، لا يستثني احتمالات التدخل الخارجي.

رابعا – أن ثورة التغيير كشفت، منذ لحظة اندلاعها، تخلّف أحزاب المعارضة التقليدية وعجزها عن التصدّي لمهمة تعبئة الملايين وقيادتها، وفق برامج وخطط واعية، في ساح المعركة. كما كشفت أن نظام القمع البوليسي الطويل أفلح في تدجين هذه الاحزاب، بالارهاب أو الافساد، بنسب متفاوتة، سواء داخل البلد الواحد، أو بين بلد عربي وآخر. وقد فرض ذلك على الشباب الثائر، الذي تصدّى لدور الطليعة في هذه الثورة، أن يجتاز دروب التجربة والخطأ المكلفة في نار المعركة. بمعنى آخر، فانفجار ثورة التغيير العربية وعلى هذا النطاق الواسع وما حققته حتى الآن، يؤكد نضوج العامل الموضوعي لهذه الثورة؛ وإن نجاح أهدافها ومدى هذا النجاح، بل واحتمالات النكسة أو حتى الاجهاض، في هذا البلد العربي أو ذاك، يتوقّف على مدى توفر العامل الذاتي، أي القوى الثورية المنظمة والواعية، القادرة على التصدي لقيادة هذه الثورة التاريخية في المواقع المختلفة.

خامسا – أنه اذا تماثلت صور انطلاقة هذه الثورة، في مختلف البلدان التي شملتها، حتى الان، فان مسارها اللاحق، وطبيعة مراحلها، اختلفت بمقدار التباين، بين بلد عربي وآخر، في عدد من المقوّمات الأساسية لكل مجتمع : مدى تطوّره الاجتماعي – السياسي؛ وجود أوعدم وجود مجتمع مدني ومدى رسوخه؛ وجود علاقات قبلية ومدى قوّتها وتأثيرها؛ وجود جيش عصري، ومدى قوّته؛ وجود نفط وغاز وحجمهما، وأخيرا، هل توجد علاقات مع اسرائيل وطبيعتها.

بمعنى آخر: فثورة بهذا الاتساع الذي يغطّي العالم العربي، وهذه الأهداف السياسية – الاجتماعية الطموحة، وهذه الطبيعة غير العنيفة من جانب الملايين، ما كان لها أن تنجز أهدافها في معركة واحدة. أي أنها نوع من حرب متعددة المعارك، تحتمل الكرّ والفرّ، والهجوم والدفاع، وحتى النكسات المؤقتة.. وآلياتها لا تستثني لجوء أنظمة القمع الى الخديعة والغدر، ولا تجنيد غرائز الطائفية والروابط القبلية والاستعانة بالمرتزقة، ولا استعمال العنف الدموي بمدى أو اخر، ولا حتى تنظيم المذابح المروعة، ولا احتمالات التحوّل الى حرب أهلية، وما يهيّئه ذلك من مخاطر التدخل الأجنبي – كما هو جار في ليبيا – وما يحمله ذلك من احتمالات تقسيم البلاد.

لكن ما يمنح الثقة بانتصار ارادة الشعوب العربية، آخر الأمر، في هذه الثورة التاريخية الفريدة من نوعها، أن هذه الشعوب، وبعد عقود من القمع البوليسي الرهيب، والظلم الاجتماعي المتفاقم، كسرت حاجز الرعب، الذي كان يشلّ ارادتها وحركتها. وحين اندلعت الثورة جذبت الى ساحة المعركة ملايين من النساء والرجال، كانت قبل ذلك مهمّشة، لتشارك لأول مرة في نشاط سياسي هادف ومنظّم.

وكان هذا هو الانجاز الأهم الذي حرّر المارد من قمقمه، وأتاح بالتالي للملايين أن تتذوّق طعم النصر، وفرض ارادتها، باسقاط رأس النظام في كل من تونس ومصر حتى الان، بينما الآخرون يتحسسون رقابهم وكراسيهم، ويحاولون تفادي نفس المصير، بمختلف الوسائل، بما فيها الرشاوى المختلفة.لقد قلبت ثورة التغيير المعادلة بين هؤلاء الحكام وشعوبهم، فغدوا يرتعدون رعبا من ارادتها المتحررة، بعد أن كانوا يرعبونها بالارهاب البوليسي.

لقد أفرزت ثورة الملايين، بما حققته حتى الان، ديناميكيتها الخاصة، التي تضمن استمراريتها، حتى استكمال بقية أهدافها الاساسية، رغم المعوّقات والعراقيل المختلفة التي تعترض مسارها. وفي نار الثورة نضجت الملايين وطلائعها الشبابية، خلال أيام وأسابيع، ما يعادل سنين وعقود من الزمن العادي. ولا أدلّ على ذلك من سرعة مبادراتها التنظيمية ، وبلورة أهدافها الواضحة، وارتفاع مستوى يقظتها من محاولات الالتفاف على ثورتها، ولو أن هذه اليقظة تحتاج الى تطوير نوعي لا يتوقّف..

*أي شرق أوسط سيتشكّل من جديد؟*

ليس تجاوزا للحقيقة، ولا رجما بالغيب، التقرير بأن شرق أوسط الغد لن يكون كشرق أوسط الأمس، في ضوء مفاعيل ثورة التغيير، التي تغطّي المنطقة من المحيط الى الخليج. ومن جانبها، حدّدت الملايين التي نزلت الى الشوارع والميادين، معالم الشرق الأوسط الذي تتوق اليه. انه ببساطة، الذي يكفل لها، أخيرا، الحرية والكرامة، والعيش كبشر في بداية القرن الحادي والعشرين. بكلمة أخرى، الذي ينقلها من خارج التاريخ الى مكانها اللائق في العالم المعاصر.

أما الولايات المتحدة، فقد سبق لها أن طرحت، على لسان بوش الابن، في أيار 2003، أي مباشرة عقب الغزو الاميركي للعراق وتدمير دولته، مشروعا باسم “الشرق الأوسط الكبير”. أما لماذا الكبير، فذلك لتوسيع مداه من المحيط الأطلسي وحتى الباكستان، في ضوء الغزو الاميركي لكل من أفغانستان والعراق. وجدير بالتنويه في هذا السياق، أن الاتحاد الأوروبي طرح بدوره، آنذاك، مشروعه الخاص للشرق الأوسط.وفي صيف 2006، عادت وزيرة خارجية بوش ايّاه، كونداليسيا رايس، لتجديد الاعلان عن مشروع الشرق الأوسط الكبير، لكن هذه المرّة من بيروت، حين توهّم الاميركيون أن الجيش الاسرائيلي الغازي سينجز تصفية المقاومة اللبنانية.

حينها، اعتبرت رايس الدمار المريع الذي كان يحدثه العدوان الاسرائيلي، بالتنسيق الكامل مع واشنطن، بأنه آلام المخاض للمولود الجديد ! أي الشرق الاوسط الكبير. لكن، كما هو معروف، فالمحاولتان الأولى والثانية لفرض هذا المشروع الاميركي، كان مصيرهما الفشل.

وحين اندلعت ثورة التغيير التاريخية، في العالم العربي، فقد راحت واشنطن، بعد استيعاب المفاجأة، تركّز جهودها على محاولة التأثير على مسار هذه الثورة، لحصرها عاموديا، في تغيير الوجوه لا الأنظمة، وأفقيا، بسدّ الطريق، ان أمكن، على امتدادها الى مواقع أخرى ولا سيما النفطية. ومعروف، في هذا السياق، أن واشنطن وعلى مدى ثلاث ادارات متعاقبة فيها، كانت تدعو الحكام العرب الى ممارسة الديموقراطية على الطريقة الاميركية، وذلك في ضوء رصدها عن كثب، لمدى عزلة هؤلاء الحكام وتعفّن أنظمتهم، وتقلّص قاعدة حكمهم حتى انحصرت في تحالف البرجوازيتين الطفيليتين : الكومبرادورية ( وكلاء الشركات الأجنبية ) والبيروقراطية؛ وذلك لتفادي انفجارات مفاجئة تخرج عن السيطرة، وتتجاوز تغيير الوجوه – كما تقضي الديموقراطية الاميركية – الى تغيير الأنظمة، التي أقيمت في المنطقة، وفق المعايير الاميركية، من قواعد الليبرالية الجديدة الى تعليمات البنك وصندوق النقد الدوليين.

ولما كانت ثورة التغيير بحجم العالم العربي كله، فقد حسم هذا الواقع استحالة تطويق هذه الثورة والسيطرة عليها بالوسائل العسكرية، سواء من الولايات المتحدة أو غيرها. علاوة على ذلك، فقد صادف انفجار هذه الثورة والولايات المتحدة منهكة من حربين خاضتهما في المنطقة، ومن نتائج الأزمة المالية -الاقتصادية الأخيرة.

في ضوء هذا الواقع، يبدو أن واشنطن اعتمدت في تحركاتها، للتعاطي مع الوضع الناشيء، على عدد من الوسائل والاليات، منها المناورة والخداع والتظاهر بالتماهي مع أهداف ثورة التغيير، والسعي لنشر الفتن، وترويج الشائعات، وكذلك نشر الفوضى أو ما أسمته في حينه، كونداليسا رايس ” الفوضى الخلاّقة “، بحيث يسهل الاصطياد في المياه العكرة، وتحريك أتباعها القادرين على الحركة في هذه الأجواء الملتهبة،كما بدا في إرسال السعودية لقوات ” درع الخليج ” الى البحرين، وتحريك أنصارها في لبنان – كما بدا في خطاب الحريري الأخير- لتفجير الوضع هناك. وتراهن واشنطن، فيما يبدو، على مجموعة هذه النشاطات، بحيث اذا لم تفلح في ترتيب المنطقة وفق مخططاتها، فعلى الأقل تحدّ ما أمكن من راديكالية الحركة والحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من الأوضاع السابقة.

ففي مصر، التي ستؤثّر نتائج الثورة فيها تأثيرا عميقا على مستقبل المنطقة كلها، وعلى الاستراتيجية الاميركية في المنطقة والعالم، وعلى العلاقة مع اسرائيل، وتترك بصماتها على الوضع الدولي كله، فقد آثرت واشنطن، كما يبدو، بعد اندلاع الثورة فيها، عدم تشجيع الجيش المصري على التدخّل لانقاذ مبارك، والاصطدام بالملايين التي نزلت الى الشارع، خشية أن يؤدّي مثل هذا الاصطدام – الذي ينبغي الافتراض بأنه لن يمرّ دون اراقة دماء – الى انقسام الجيش المصري نفسه، بين قيادته المرتبطة بالبنتاغون الاميركي، وقواعده من الجنود والضباط الصغار الوطنيين، مأخوذ في الحسبان أنه جيش خدمة علم، وليس جيش احتراف، ويحوي سجلّه سابقة حركة الضباط (الصغار) الاحرار، عام 1952، بزعامة عبد الناصر.

وواضح من سياق الأحداث، أن واشنطن آثرت التخلّي عن مبارك، والرهان على دور هذا الجيش القوي، كاحتياطي أخير، لمحاولة احتواء حركة الملايين الراديكالية، وتحديد أفقها ما أمكن، بالمراوغة والمناورة، وتقديم تنازلات لا تنسف أسس النظام القديم، مع الرهان على شقّ حركة الملايين، باللعب على تباين المصالح الطبقية والايديولوجية للمشاركين فيها. لكن يبدو، بالمقابل، أن ارادة ويقظة الملايين، واصرارها على استكمال أهدافها العامة المتفق عليها، لا تستبعد، والحالة هذه، احتمالات الصدام، وجها لوجه، مع هذا الجيش، في مرحلة معيّنة من تطوّر هذه الثورة.

في الوقت ذاته تنهمك واشنطن في بلورة سيناريوهات أخرى، منها عقد تحالفات جديدة في مصر. وفي هذا السياق أشار المسؤولون الاميركيون، أكثر من مرّة، منذ اندلاع ثورة التغيير في مصر، الى أنهم لايعترضون على مشاركة جماعة الاخوان المسلمين في السلطة. ويبدو أن واشنطن تتطلّع أن يتجاوز مثل هذا التحالف مصر وحدها الى أقطار عربية أخرى. وفي هذا السياق، يجري التطلّع الى تجربة حزب ” العدالة والتنمية ” في تركيا كنموذج، مع تجاهل المقوّمات النوعية للتجربة التركية.

ولربما كانت زيارة الرئيس التركي ” غول ” لمصر، كأول رئيس أجنبي يزورها، بعد سقوط مبارك، لها علاقة في التطلّع لنسخ هذه التجربة.
من جانبهم، أبدى الاخوان المسلمون، في مصر، مظاهر سخيّة على “اعتدالهم” و “براغماتيتهم”. فلم ينضمّوا الى المعتصمين في ميدان التحرير إلاّ في اليوم الرابع للإعتصام، وحالما دعا عمر سليمان، الذي عيّنه مبارك، حينها، نائبا له، الى مفاوضات، هدفها الإبقاء على مبارك، استجابوا على الفور للدعوة، ثمّ أعلنوا بعد سقوط مبارك التزامهم بالمعاهدات والمواثيق الدولية التي وقّعتها مصر، والتي تأتي في مقدّمتها، بالطبع، اتفاقات كامب ديفيد المذّلة مع اسرائيل.

وحين دعا المجلس العسكري، الذي يحكم مصر بعد مبارك،الى الاستفتاء على التعديلات الجزئية على الدستور بدل تغييره، كما طالبت الملايين، كان تنظيم الاخوان مع حزب مبارك وحدهما من استجاب لهذه العملية الالتفافية، مشاركين بفعّالية في خداع الجمهور البسيط الذي لا يدقّق، عادة، في تفاصيل بنود الدستور ومدلولاتها.

*واشنطن، الاخوان المسلمون والجزيرة..*

ورغم تواضع مشاركة الاخوان المسلمين في ثورة التغيير المصرية، فإن بعض الفضائيات، وخاصة “الجزيرة ” التي تبثّ من قطر المعروفة بارتباطاتها الاميركية – الاسرائيلية القوية، و يديرها – أي “الجزيرة” – طاقم، للإخوان المسلمين نفوذ قويّ فيه، تلاقت في تغطياتها ليوميات الثورة في مصر مع السيناريو الاميركي السالف الذكر،حيث ضخّمت دور هؤلاء الاخوان في هذه الثورة، وسلّطت ضوءا خاصا على زيارة الشيخ القرضاوي لميدان التحرير، وهو الذي تحوّل من عالم دين الى داعية سياسي، يبارك ارسال قوّات “درع الخليج” الى البحرين لقمع ثورة التغيير فيها، بينما يحرّض المتظاهرين في سورية على التصعيد؛ وذلك في وقت تتجاهل فيه “الجزيرة” أو تختزل تغطية تحركات المعارضة في السعودية وغيرها من دول الخليج.وقد استحقّت “الجزيرة” على هذا الدور المديح الخاص من وزيرة الخارجية الاميركية، كلينتون، حيث صرحت، في الثاني من آذار 2011 ، أنه كان “للجزيرة”، “الريادة والسبق في تغيير طريقة تفكير الناس وتشكيل توجهاتهم”.

لكن مواصلة شباب ثورة التغيير، في مصر، ضغطهم من أجل استكمال أهداف هذه الثورة، ورفضهم، وأمثالهم في تونس، مجرد اللقا بوزيرة الخارجية الاميركية – بناء على طلب منها– لدى زيارتها لتونس ومصر، لتقدير الموقف عن كثب، بعد اسقاط الرئيسين فيهما، مؤشر، يعزّز القناعة، على أن الفشل هو مصير المؤامرات والمناورات الاميركية لإجهاض ثورة التغيير التاريخية.

أما في بقية المواقع الملتهبة في المنطقة، فالاميركيون يتعاملون مع كلٍ منها بمكيافيليّة مفضوحة. ففي ليبيا النفطية، التزموا الصمت لإسبوع كامل، بعد اندلاع ثورة التغيير فيها وتعامل القذافي مع الجماهير العزلاء بلغة الرصاص من اللحظة الاولى، ليخرجوا بتصريحات متباينة، تنمّ عن محاولة امساك العصا من الوسط، مما يوحي بأن هاجسهم هو، قبل كل شيء، الحفاظ على الامتيازات السخية التي ابتزّوها من القذافي، لدى عودته الى ” بيت الطاعة ” الاميركي، عام 2004، مفزوعا من احتمال تعرضّه لمصير صدام حسين عام 2003.

ويبدو أن واشنطن تراهن، حتى الان، على اضعاف الطرفين المتنازعين وابتزاز كل منهما على انفراد، كنتيجة لمعارك الكر والفر التي يتلاعب فيها الطيران الحربي للناتو، وفضحتها تصريحات المسؤولين العسكريين في بنغازي؛ وكل ذلك لخلق الظروف الملائمة لتقسيم ليبيا، وبالتالي: التعامل مع سلطتين ضعيفتين.

وتبدو النتيجة الأولية لتدخل الناتو في ليبيا في رسالة الاستجداء من القذافي الى أوباما من جهة، ومن الجهة الأخرى في شكوى خصومه في بنغازي من ضعف أداء طيران الناتو الحربي في المعركة. وهذا مصدر قلق على مصير ثورة التغيير في ليبيا.

بينما تقع مسؤولية استدعاء الناتو للتدخل في ليبيا والمسؤولية عن دماء الضحايا الليبيين الابرياء – عدا مسؤولية نظام القذافي الدموي – على عاتق الجامعة العربية والنظام العربي الذي تمثّله.

فبدل أن يتولّى هذا النظام، وفيه دول لديها جيوش قوية نسبيا، مهمّة حماية المواطنين الليبيين من جنون القذافي الدموي، لاسيما وهو لا يمتلك جيشا قويا، حرص على عدم قيامه خشية أن ينقلب عليه.. بدل ذلك، سعى – أي النظام العربي – لتسليم هذه المهمة للناتو – عبر مجلس الامن الدولي – بينما لم يتردد في ارسال قوات “درع الخليج” لقمع حركة التغيير في البحرين. من جانب آخر، فإن ما يقوم به الناتو في ليبيا، أضفى ظلا ّ من الوطنية على القذافي لا يستحقّه، وبالمقدارذاته أساء الى خصومه.

وفي اليمن، لزمت واشنطن الصمت لمدة أسابيع بعد اندلاع ثورة التغيير فيه، ليخرج بعدها أوباما داعيا الثوار للتعاطي الإيجابي مع مقترحات علي عبد الله صالح، المستهدفة الحفاظ على نظامه، ثم خرج بعد ذلك، وزير دفاعه، روبرت غيتس،ليصّرح علنا، أن سقوط حليف واشنطن في اليمن سيمثّل ” مشكلة حقيقية”. ويكشف هذا التصريح، أولا: أن عناد صالح بعدم الرحيل مردّه، في الأساس، دعم واشنطن القويّ له؛ وثانيا: يفنّد هذا التصريح رياء واشنطن بأن دوافع نشاطها في المنطقة هي حماية أرواح الأبرياء، ومعلوم أنه حين قتل صالح أثنين وخمسين متظاهرا أعزلا في يوم 18 آذار وحده، لم تصدر عن واشنطن ولو كلمة أسف أو تعزية؛ ثالثا: أن هاجس واشنطن، هوعدم اختراق نار الثورة الفضاء السعودي والخليجي الأغنى بالنفط، والحفاظ على القاعدة العسكرية غير المعلنة في اليمن، والهيمنة على باب المندب الاستراتيجي.واذ تنمو القناعة بأن لا مردّ لمطلب ثورة التغيير اليمنية بإسقاط نظام علي عبد الله صالح، فإن واشنطن تجهد، ولو عبر الوساطة السعودية – الخليجية، لتقليل الاضرار التي ستتكبّدها من ذلك.

أما سورية، فإن هاجس واشنطن تجاهها ليس إسقاط النظام القمعي فيها، بقدر ما هو في تفكيك تحالفه مع كلٍ من إيران وحزب الله؛ باعتبار سورية الحلقة الوسيطة بينهما. ولا أدلّ على ذلك من إرسال واشنطن سفيرا جديدا لها الى دمشق، مؤخرا، بعد طول مقاطعة. وقد سبق لوزير حرب بوش الابن، رامسفيلد، أن أوضح بأن ما يهمّ واشنطن ليس تغيير النظام في سورية، بل تغيير سلوكه ! ويلفت الانتباه في سلوك هذا النظام، مؤخرا، تأييده لإرسال قوات “درع الخليج ” السعودية الى البحرين، بينما أدانته –حليفته الاستراتيجية – إيران بشدّة.

ومنذ اندلاع المظاهرات المطالبة بالتغيير في سورية، بدا النظام فيها مرتبكا، ومترددا في الاقدام، ولو متأخرا،على تنفيذ الاصلاحات المطلوبة، حيث يخشى أن يؤدّي أي تراخي في قبضته القمعية الى إنهياره. وبينما ما تزال اللغة المفضّلة لحوار هذا النظام مع شعبه هي لغة الرصاص، فإنه يستهجن ظهور متسللين يمارسون نفس اللغة، مما يعني أنه يعتبر التخاطب بالرصاص حكرا عليه!

وعموما، يبدو من تداعيات ثورة التغيير في العالم العربي أن الأنظمة الملكية تبدو، حتى الآن، أكثر تماسكا من الأنظمة الجمهورية.
وبالنتيجة، فملامح الشرق الأوسط الجديد سترسمها المحصّلة العامة لصراع ثلاثي الأبعاد، متداخلة ومترابطة، محتدمة اليوم في المنطقة.

البعد الأول – وهو الحاسم – ويتمثّل في المواجهة بين جبهة الشعوب العربية وبين جبهة أعدائها من الدول الإمبريالية وإسرائيل والنظام العربي القديم. وفي هذا الصراع تبدو الشعوب العربية في أفضل حال لها منذ هزيمة حزيران 1967، بعد أن راحت تحطّم أغلالها وتنتصب بقامتها الأسطورية، بعد طول سبات؛ بينما جبهة أعدائها في حال معاكس. وبقدر ما تتهيّأ لهذه الشعوب قيادات في مستوى هذا الصراع المصيري، بقدر ما تختزل الزمن والتضحيات، لاستكال أهدافها والانتصار على جبهة أعدائها؛ وهذا يضاعف عشرات المرات مسؤولية القوى والأحزاب الثورية التي تمتلك التجربة واليقظة المطلوبيْن.

أما البعد الثاني، فيتمثّل في الصراع فيما بين القوى الامبريالية، حيث تجهد كل منها لتأمين مصالحها الخاصة، في خضم هذا الحراك التاريخي لشعوب المنطقة. ولعلّ ما يجري في سماء ليبيا النفطية، يعكس صورة عن ذلك. فالولايات المتحدة، المنهكة من حربي أفغانستان والعراق، تتحاشى التورّط في حرب جديدة، وتضطر، بعد صراعات في قيادة الناتو، للتراجع عن دور القيادة في العمليات الجوية العسكرية في ليبيا. بينما كان الفرنسيون أول من باشر هذه العمليات هناك، وأول من اعترف بالمجلس الوطني المؤقت في بنغازي؛ وأخيرا النقد الفرنسي والبريطاني العلني لأداء طيران الناتو في ليبيا.

بينما يتمثّل البعد الثالث في نشاط القوى الإقليمية، لتأكيد كل منها وجودها في أية خريطة جديدة للشرق الأوسط. فإيران تعترض بقوة على إرسال قوات “درع الخليج ” السعودية الى البحرين، لحماية النظام الملكي هناك، مما صعّد من وتيرة التوتر في منطقة الخليج؛ ومن قبل ذلك، ترسل، ولأول مرة، بارجتين حربيتين الى مياه البحر المتوسط.

بينما، من جانب آخر، يحذّر رئيس وزراء تركيا الشعوب العربية من مشروع الشرق الأوسط الغربي، مؤكدا أن هذا الشرق الأوسط يعود لشعوبه ( طبعا، تركيا من ضمنهم ) ويحذّر، من جانب ثان، بأن بلاده لن تقف مكتوفة اليدين في حال تفاقم الوضع في سورية المجاورية؛ ومن جانب ثالث ينشط في محاولات الوساطة في ليبيا، وغيرها.

وفي حمأة نشاط القوى الدولية والإقليمية، في المنطقة اليوم، كل منها وفق أجندتها الخاصة، ينشط حصان طروادة القطري في المهمة الموكلة له، من محاولات الاحتواء الى خلط الأوراق، في المواقع الملتهبة، وتقمّص صورة القوة الاقليمية الفاعلة.

*الخاسر الأكبر! *

من النتائج المتوقعة من كل ذلك، يمكن الاعتقاد، بأن الخاسر الأكبر من حصيلة هذا الصراع سيكون – عدا الحكام المتساقطين – كل من إسرائيل والولايات المتحدة. فشهر العسل الطويل الذي تمتعت به الاولى في وجود السادات، ومن بعده حسني مبارك الذي وصفه الوزير الاسرائيلي بنيامين بن أليعيزر، بالكنز الاستراتيجي لإسرائيل، قد وصل نهايته، و دور القوة الإقليمية المهيمن بالدعم الاميركي سيتراجع.

ورغم تظاهر حكومة أقصى اليمين الاسرائيلية بعدم الاضطراب مما يجري حولها؛ فإن البيان الذي أصدره عدد من السياسيين والعسكريين الاسرائيليين والداعي للدخول فورا في مفاوضات على أساس المبادرة العربية، وتصريحات براك، وزير الدفاع الاسرائيلي، لصحيفة الواشنطن بوست الاميركية، مؤخرا، التي يقول فيها :” يجب استئناف المفاوضات بشكل عاجل، فالبدائل أسوأ بكثير، حيث تواجه اسرائيل زلزالا تاريخيا في الشرق الأوسط وتسونامي دبلوماسي قد يبلغ ذروته في أيلول “؛ هذا وذاك يفضحان حقيقة ما يتفاعل من قلق واضطراب شديدين داخل اسرائيل، اليوم.

أما الولايات المتحدة، فمن المتوقع أن توجه ثورة التغيير التاريخية ضربة لنفوذها في الشرق الأوسط تعادل، وربما تفوق، ما عانته من نكسات في حديقتها الخلفية – اميركا اللاتينية – في العقد الأخير، علاوة على أزماتها ونكساتها الأخرى، مما سيسرع، وبقوة،
نهاية النظام الدولي أحادي القطبية، الذي تربعت عليه الولايات المتحدة، عقب انهيار الاتحاد السوفياتي. وهذا سيفتح عهدا جديدا أمام البشرية، ولا سيما شعوب آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية، التي كانت أكثر من عانى ويعاني من العدوانية الاميركية. 

 
الكاتب: نعيم الاشهب عضو المكتب السياسي في حزب الشعب الفلسطيني
الحوار المتمدن 6 يوليو 2011

اقرأ المزيد

مرسيل خليفة: أنا غاضب أيّها الأصدقاء


الإطلالة الكبرى للفنّان اللبناني هذا الموسم ليست عبر مهرجانات الصيف، بل في الأكاديميّة التي منحته الدكتوراه الفخريّة، وألقى من على منصّتها كلمة تختصر مواقفه وتجربته الإبداعيّة، وهنا نصّها:
 



مرسيل خليفة
 


حين بكى الطفل وأراد أن تقطف له أمه القمر… أتت بدلو الماء وصوّبتْه إلى السماء، مدّ الطفل يده إلى الماء فانكسر القمر… ضحك الطفل ثم نام. صحيح أن الولد ضحك، ثمّ نام. أمّا أنا فبقيت ساهراً، ألملم تناثر القمر على وجه ذاكرة تموج كالماء الهارب من الولد، ليغطّي مساحات شاسعةً من الزمن، يصبح ماء الدلو جدولاً، نهراً، بحراً، ضجيجاً، غناءً، رقصاً، سكراً، عرساً، وجعاً، ناراً، تصهر كل ما قسا فيّ وتحجّر، وتعيده نقيّاً مثل قربانة أولى أو قبلة أولى.

أصدقائي، علّني أجد معكم اليوم مقعداً للحنين، على وقع تكريم الجامعة الأميركية في بيروت. هل ما زلنا قادرين على الحنين ورؤية المستقبل الغامض. أحبه دائماً غامضاً، وأعود إليكم.

أعود إلى ذاتي، إلى مدينتي، لأركّب ما تفكك في النفْس والزمن، رغبة في التعبير عن فرح غامض، عن سعادة ما وسط هذا الظلام الدامس، علّنا نستطيع أنْ نغير هذا العالم ونستبدل فوضاه بالإيقاع والموسيقى والشعر والحب. لقد قلبتُ المدن صفحة صفحة، ففي الموسيقى أيضاً غربة.

وأعود لألتقي بكم ولأعوِّض عمّا أفتقده هناك في البعيد. مطر أول على بيادر وحقول ضيعتي القريبة من هنا، لأسترجع العطر الطيّب للمطرة الأولى على الأرض العطشى، ولأتذكّر أمجادي الأولى، يوم بنيتُ ممالك على ضفاف السواقي وحملتها الفصول إلى أسفل الأودية. أحسب أنّ هذا التكريم الذي أحظى به منكم تكريم للبنان الوطن، للبنان الإنسان والحرية والثقافة والإبداع والجمال.

أنا، في النهاية، سليل هذه التربة والماء والهواء، وابن هذه المعاني كلها، التي تشرّبتها منذ الطفولة، ونهلْت من ينابيعها وصقلت وجداني. لقد علّمني وطني أن أدافع عنه، ضدّ العدوان وضدّ الفساد والاستغلال وقمع الحريات، وحاولتُ أن أكرّس فنّي لهذه القيم والأهداف. ولم أبرح أسلك هذا السبيل حتى اليوم، على الرغم من أنّ التجذيف الصعب، ضد تيّار اليأس والفساد والقذارة، بات ضرباً من الممتنع، أو يكاد في هذا الزمن المحروس من الأمل. أنا سليل هذه المعاني كلّها، لكنّي اليوم حزين أيّها الأصدقاء. فأنا أراها الآن تتهاوى تحت معاول هدم جماعي، يأتيه من تناقص منسوب لبنان في أنفسهم، أو من أخذتهم مصالح القبيلة والعشيرة والطائفة والعائلة، بعيداً عن الوطن.
وليتها أخذتهم عنه فحسب، كان الأمر هان حينها وصغر، لكنّهم، بكلّ مفردات الأسف، يأخذون الوطن معهم إلى حتفه، كأنّه ليس لهم، كأنّهم ليسوا منه.

كانوا دائماً مختلفين، حتّى عندما يتعرّض الوطن للخطر. وكان يسعهم أن يظلّوا على سجيّتهم، مختلفين إلى ما شاء الله. لكنهم لا يملكون أن يغرّموا شعباً بأكمله، بخلافهم، ولا أن يدقّوا الأسافين بين أبنائه، فيمارسون الضغط على تماسكه الوطنيّ، نيابةً عن غيرهم، حتّى وإن لم يدركوا أنّهم يفعلون ذلك.

أنا غاضب أيّها الأصدقاء، إذ أرى وطناً يتمزّق، وشعباً يستنفر بعضه ضدّ بعض، وساسة يتلهّون بلعبة الانقسام، وقيماً نبيلة تداس، وعذاباً إنسانيّاً يتضاعف، وشقاءً اجتماعيّاً يلد اليأس، ومبادئ تباع وتشترى، وألسنة تؤجّر نفسها للسلطة والمال، وثقافة تذوي، وفنّاً تعبث به يد القذارة، وهواءً يتلوّث، وأفقاً ينسدّ ويدلهمّ.

ليس هذا اللبنان لبناننا، ليس الوطن الذي ضحّى من أجله الشهداء واليتامى والأرامل، ولا الثقافة التي انعقدت لها الإمارة في بلاد العرب أجمعين. إنه شبح مخيف، وكابوس مزعج ينخر الذاكرة ويمسح ما تبطّن فيها.

أنا غاضب أيّها الأصدقاء، فهلّا شاركتموني غضبي، عسى صوت الاحتجاج يرتفع أعلى فأعلى.
ثمّ إنّي أحسبُ هذا التكريم تكريماً للثقافة العربيّة، وأنا من معين هذه الثقافة نهلْتُ، منها وفي رحابها نشأت.
فأنا اللبنانيّ العربيّ لست أسْتطيع أنْ أخْرج منْ أفقي العربيّ، حتّى لو أردْت، فكيفَ إذا لم أردْ.
وأنا لا أريد أيّها الأصدقاء، وإلّا خنتُ رسالتي الفنّية، وبادلْتُ المحبّة والاحتضان بالصدّ والخذلان، وحرمت لبنانيّتي من أن تكتمل مدىً ومعنىً بأفقها العربيّ الرّحْب.

ومنذ بدأت رحلتي الفنّيّة، وكان ذلك قبل ثلث قرن، لم أكن جاهزاً لكي أصطنع الفواصل والمسافات بين لبنانيّتي وعروبتي، وكما أخذت لبنانيّتي من تاريخ هذا البلد ومن ثقافته وشعبه، لا منْ نظام أو مؤسسة، كذلك ما أتتني عروبتي من نظام أو مؤسّسة، وإنّما من تاريخ أمّةٍ وتراث وإنسان وحضارة وثقافة ولغة، نحن منها جميعاً.

لقد حملت معي التزامي بقضايا الأمّة، وقدّمْت مساهمتي في التعبير عن الألم في صناعة مستقبل إنسانيّ مختلف، يليق بنا ويترجم طموحاتنا.

أشعر الآن، وأنا أتابع كلّ وقائع الثّورات الشعبيّة في الوطن العربيّ، أشعر بالمسؤوليّة تطوّقني، لكي أبوح بشعور الغضب تجاه حمّامات الدّم التي تغرق بها أجهزة القمع العربيّة مدننا وقرانا وشوارعنا، ردّاً وحشيّاً على مطالب جماهير شبابنا وكهولنا ونسائنا العادلة والمشروعة، في الحرّيّة والدّيموقراطيّة والغد الأفضل.
لا يمكن أنْ أكون إلّا مع شعبي في كلّ قطر عربيّ. لا أستطيع إلّا أن أكُون في معسكر الحرّيّة والمطالبة بالدّيموقراطيّة ونبذ العنف.

وها إنّ الحزن والغضب يعتصران قلبي، وأحسب أنّهما يعتصران قلوبكم جميعاً، ونحن نعاين هذا القدْر من العدوان الوحشيّ على كرامة الفلسطينيّين وآدميّتهم، وها هو الدّم المسفوك يوحّدنا في هذا الألم، وعسانا نشعر بجمعنا العصيِّ على الانقسام ليدعونا نغضب ونصرخ، ونستنهض الهمم، ونستصرخ الضّمائر الحيّة في وجه هذه الجريمة، ألا وهي احتلال فلسطين وإنشاء الدّولة الصهيونيّة على أرض فلسطين.

لم يبق لنا سوى البوح العميق، لندافع عن أنفسنا، لأنّ القيم الإنسانيّة الكبرى لا تشيخ، فلن تكون الحرّيّة والعدالة والكرامة أشياء بالية، كما يبشّرنا النظام العالميّ الجديد الموغل في القدم. ولن نرضى بأن يحوّلنا إلى جموع خائرة، مستنفدة، ذليلة، تتمرّغ باليأس وتفاهات التلفزيونات الملوّنة والاستهلاك الرخيص والطائفيّة والتعصّب.

إن حريّتنا الأخيرة هي في أن نتمسك بقناعاتنا، بعد مصادرة كلّ شيْء، بلا استثناء، لنصون شعلة المبادئ، ولنأمل بصباح جديد لربيع لا ييأس، ولنسأل باستمرار عن حصّتنا من الحرّيّة والسلام. لا نريد جواباً، لأنّنا لا نريد مزيداً من العذاب ولا مزيداً من الغربة ولا مزيداً من الشهداء.
 
* موسيقي لبناني. والكلمة ألقاها في «الجامعة الأميركيّة في بيروت»، في مناسبة تسلّمه الدكتوراه الفخريّة، يوم 25 حزيران (يونيو) الماضي


ألأخبار اللبنانية
العدد ١٤٥٤ الاربعاء ٦ تموز ٢٠١١
ادب وفنون

اقرأ المزيد

مقدمةٌ حولَ إشكاليةِ حركةِ الواقعِ المعاصر‮..


مقدمةٌ حولَ إشكاليةِ حركةِ الواقعِ المعاصر..

مساهمةٌ لفهمٍ أفضل!!

حقاً.. أن من أكثر الأشياء صعوبة بالنسبة لنا معشر الأنام، التحكم بمشاعرنا، حين الصراع مع النفس –الجهاد الأكبر- وعدم قدرتنا بالنأي عن الامتثال لرغباتنا المرجوة، المنفلتة من عقالها، بُغية تحقيق الآمال الدفينة والمداعبة لنرجسية الذات، التي هي بدورها، فريسة عصبيات وانتماءات ضيقة، غير سوية.. (شخّصها مؤسس علم الاجتماع / العمران، “ابن خلدون” في القرن 14 أي قبل 7 قرون).. تأتي من الاستعلاء “القومديني” على بني البشر الآخرين أو بالأحرى من هُذاء “عظمة” الشوفينية القومية chauvinism بجانب اليقينية المتطرفة، المتأتية من منظومة :” السوبر- دينية الطائفية super – religious sectarianism ” ، الخاضعة كلاهما لعاملين:
أولهما: منظومة الموروثات القيميّة للثقافة والذهنية المجتمعية السائدة في حقبة تاريخية معينة، ضمن بقعة جغرافية محددة، خاصة في فترة تتسم بوعي اجتماعي / سياسي متدنٍ..
وثانيهما: طبع الفرد -تركيبته الذهنية والنفسية- الذي هو بالضرورة نتاجٍ مركّبٍ من مصدرٍ معرفي / اجتماعي (مكتسب) وبيولوجي (وراثي)!

فعندما يحاول المرء –جاهداً- أن يكون أميناً مع نفسه ،متجرداً، محايداً ومنصفاً .. في مواجهة حركة الواقع الموضوعيّ- العصيّ على الفهم – المستقل عن إرادته ورغباته… فإن الأمر- قبل كل شيء – يتطلب: الترفّع عن مراضاة النفس (الأمّارة بالسُّوء)، الابتعاد عن اليقينية والأحكام القطعية المسبقة. بجانب ضرورة حيازة المرء لمهارة فردية متقدمة- مسلحة بذخيرة معرفية ثريّة- بالإضافة إلى تطبعه (المرء) بشعور أصيل من الانتماء الإنساني الرحب العميق، الأمر الذي قد يسهّل عليه امتلاك ناصية أفضل أدوات وآليات الرصد وأجداها ، ضمن مختلف مناهج التحليل المتوفرة، في رحلة البحث المضنيّ عن “الحقيقة”! ففي تلك الحال من الطبيعي أن السُّبل قد تنتهي به -في آخر المطاف- إلى مدرسة التحليل العلمي المعروف بـ “المنهج الجدلي” Dialectic Methodology ، الذي ابتكر أو بالأصح استنبط علمياً، قبل 160 عاما ونيف، على أثر الاكتشافات العلمية الثلاثة الكبرى في مستهل القرن التاسع عشر.. ذلك المنهج، الذي استطاع لوحده حل المعضلة التاريخية المعروفة بـ” إشكالية التناقض” problematic of contradiction المتجسّدة، بشكل عام شامل، في مجمل ثالوث مناحي الحياة وخلجاتها: (الطبيعة / المجتمع / الفكر).. وحتى وقتئذٍ ( لدى توفر الشروط المذكورة ) فإن الأمر يتطلب أيضا : الإدراك الصحيح لقانون الجدل الأول “وحدة وتناقض الأضداد” Unity and Conflict of Opposite وعدم الانزلاق لـ” الانتقائية” ” Selectivism ” (Selectiveness) في تناول الفكر العلمي أو الاتكاء على مدارس التحليل الأحادية والحداثية وما بعد الحداثية ( التفكيكية وغيرها..)،المنبثقة من الفرويدية الجديدة (على أهميتها) والمركونة –كلها- على مبدأ “أرسطو” الأساس:” قانون عدم التناقض”  - Contradiction Law of Non – ، الذي ثُبت محدوديته وبطلانه منذ أمد بعيد!.. هذا على الرغم من أن شبح “أرسطو” مازال يخيم على جُلّ التحليلات “العقلانية” الحديثة، وان كان أصحابها يتشدقون، مدعين: التشبث بجلباب ” ماركس”!!

لعل هذه المقدمة المنهجيّة، المقتضبة ضروريّة لمحاولة الوقوف على عتبة فهم المستجدات، التي طرأت على الساحة الدولية عشية بلوغ العالم الألفية الثالثة بعد الميلاد، وقبيلها من أحداث تاريخية غير متوقعة (تفكك المنظومة الاشتراكية)، وما تمخض عنها في نشوء وضع عالمي جديد، غير مسبوق، لم تألفه البشرية المعاصرة.. ولم تتوقعه حتى خيرة وصفوة المثقفين والمنظّرين، في شتى أنحاء المعمورة وبين مختلف المستويات الأكاديمية.. ابتداء من دخول العالم مرحلة انعدام التوازن واختفاء “الثنائية القطبية” bipolarism وبروز “الأحادية القطبية” monopolarism  ، مروراً بأكثر الإحداث دراماتيكية ونعني الحدث الأبرز في11 سبتمبر 2001 ،الذي أنهى – موضوعياً – علاقة الحبل السّريّ بين الامبريالية وربيبتها، الحركة “المتأسلمة” السياسية المتطرفة (الاسلام السياسي)، المنتجة للإرهاب الفكري والجسدي والعذاب المعنوي والنفسي (أنشئت في البداية على يد الاستعمار البريطاني في شبه القارة الهندية، مستغلا: اجتهادات”المودودي” المحافظة -المنبثقة من أفكار الفقيه الرجعي السوري”ابن تيمية”- واحتضنت في الساحة الأفغانية من قبل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والنظام الباكستاني وبتمويل مادي وبشري من الدول العربية التقليدية المحافظة). ولعل ما اضحى واضحاً في البداية هو وضع عام مرتبك وملتبس أخذ يهزّ بعنف أركان الثوابت، التي كانت قد تأسست واستقرت عليها المنظومات الفكرية والفلسفية المعاصرة، بشقيها المثالية والمادية، وإن بدا ظاهرياً انتصار الأولى على الثانية (خرافة نظرية نهاية التاريخ)!.. بل بات الإرباك جلياً حتى في صفوف النُّخب العليا (السوبر كلاس) وأصحاب النفوذ الكبار المستحوذة على رحيق القيمة الزائدة، بحيث لم تستطع أن تتحكم في رباطة جأشها.. وسال لعابها وانفتحت أساريرها، فاغرة فاها.. وانشقّ أمامها قاع الطمع والجشع البشري الذي لا قرار له.. وتهيأ لها انه من الممكن أن تتخطى أو تنفلت من “روح العصر” zeitgeist والعودة القهقرى بالتطور الإنساني إلى الوراء، ناسين (هؤلاء السادة) لِلَأْيٍ، وهم في غمرة سكرتهم، من أن التاريخ لا يمكن أن يكون أسير رغبات البشر بل هو يتقدم حثيثاً وفق الحاجات الموضوعية  للإنسان!.

فمن الطبيعي ان طبقة “السوبر” المهيمنة على دفة القطب الأقوى والأوحد (الولايات المتحدة) وشركائها في المراكز والتخوم تودُّ لو شاء لها، السيطرة الأبدية على مصير البشرية ،من خلال استمرارية سيادة القطب الواحد لأطول فترة ممكنة.. ولكنها تدرك جيداً أن التاريخ لا يشفع لرغباتها لأسباب عديدة، أهمها: أن أمريكا برغم قوتها العسكرية والاقتصادية والتقنية، فإنها تعاني من ضمور بنيويّ- مافتئ يزداد- يتجسد أساساً بأنها أصبحت أكبر بلدٍ مدينٍ في العالم ( حوالي 44 تريليون دولار، أي أربعة إضعاف صافي دخلها القومي، ما يعادل تقريباً عشرين مرة من ميزانيتها، بعجز سنوي متزايد، تجاوز 400 مليار دولار!).. هذا إذ لم نذكر: طباعة “الأخضر” (الدولار) المستمرة والمتزايدة، بأرقام فلكية بلا رصيد أو احتياط ذهب!. بجانب معرفتها التامة (أمريكا) أن العالم يعيش فترة انتقالية، لا يلبث إلاّ أن يتحول إلى عالم “متعدد الأقطاب” multipolarism  -آجلا كان أم عاجلا- حيث أن منافسيها الكُثر قد بدءوا بالسيطرة على الأسواق (الاتحاد الأوروبي/ الصين، الهند …. الخ..) وحتى أن حديقتها الخلفية: دول أمريكا اللاتينية (جمهوريات الموز) قد تمردت –جُلّها- مؤسِّسةً أنظمة معادية ومقارعةً لهيمنة “اليانكي” السابقة! فلم يبق لها من منطقة جغرافية واهنة، ذي منحى استهلاكيّ شرِه، سوى المنطقة العربية والشرق أوسطية، الغنية بالنفط والمتّسمة ايضا بموروث تقليدي محافظ واقتصاد ريعيّ ضعيف. لذلك فهي تسابق الريح والزمن من أجل التمكن التام من السيطرة على السوق ومصادر الطاقة الخام، في هذه المنطقة الجيوبولوتيكية الهامة وامتدادها الجغرافي، حوض بحر قزوين الغني بالنفط، وما لتأثير ذلك في محاولةٍ لسدّ الطريق على التمدد الاقتصادي للمارد الصيني ولجم خروج روسيا من كبوتها التاريخية، بل دقّ إسفينٍ بينها وبين الجمهوريات السوفيتية السابقة ومحاولة مستميتة لتنفيذ “مخطط” تفتيت روسيا ،حتى لو استعانت أمريكا بمن تسميهم الإرهابيين”الإسلاميين”، وذلك لأنها مذعورة- لحال هوسية- من اليقظة الاقتصادية للعملاق الصيني والعودة الروسية المرتقبة للساحة الدولية، كون هذه الأخيرة تتمتع وتتفوق على مختلف دول العالم، بامتيازين عظيمين (عدا القوة القطبية الضخمة).. الأول: وضعها الجغرافي “الجيوبولوتيكي “و”الجيواستراتيجي” الفريدين (اليوروآسيا)، وثانيا: ثروة روسيا الباطنية الكامنة والمستقبلية.. وهما تحديان مستقبلان في غاية الخطورة لأمريكا والغرب عموماً، هذا من ناحية.. أما من ناحية أخرى فأمريكا كونها أكثر الأنظمة “ديماغوجية” في التاريخ وأكثرها تركيزاً وتكديساً للثروة المجلوبة من شراء واستغلال قوة العمل من كادحيها وكادحي العالم قاطبة، في حاجةٍ ماسةٍ وحياتية إلى إعادة ترتيب تضاريس ساحتيها الداخلية والخارجية وتشذيب ماكينتها الدعائية على الصعيد الأيدلوجي.. ومن هنا نستطيع أن نرى أهمية إشغال أو انشغال الرأي العام الداخلي، وحتى الخارجي، بعدو وهميّ بعد “الشيوعية”: (الحضارات والأديان الأخرى وخاصة الإسلام!)….

….. يتّبع .. في سانحة اخرى

اقرأ المزيد