المنشور

أحمد معرفي سلاماً


قبل اكثر من نصف قرن في الستينيات.. رأيته في دمشق.. وكان شعره يساوف شحمتي اذنيه.. وكان يرتدي «جاكيتاً» بُنياً وقميصاً ناصع الأكمام.. وكان كل شيء فيه مستعجلا: حركة جسده وايماءة يديه ونظراته وتلفتاته حتى روحه اراها فيه تتدفق استعجالاً لضم الآخرين بحميمية الى قلبه… وكان يحمل اسفار لوحات فنيّة سوريالية بذل جهد تصوراته الخيالية لإخراجها…
 
وكانت السوريالية يومها لها اوزارها الفنية لدى الشيوعيين واليساريين لمُناكفتها مدرسة الواقعية الاشتراكية… اعترضه «يوسف» اعتراضاً نزراً مُتبرماً والقى بلوحاته بجانب الاحذية تحت السرير!! وراح احمد يبلع ريق مرارة اتعابه الفنية… هكذا كانت العلاقة الرفاقيةّ فجّة قاسية رفاقيتها!!
 
احمد معرفي يومها كان طالباً بحرينيا في جامعة دمشق.. وكان يُشكل وهج حركة مباركة طيبّة راسخة التأمل والعطاء بين صفوف الطلاب البحرينيين وكان يُشار الى بعضهم وهو منهم شبيبة جبهة التحرير البحرينية. هذا البحريني المتدفق حركة وحيويّة وكرماً وطيبة ووطنية وعزّة نفس وكبرياء وطن بحريني ونشاط طلابي لا يهدأ… وكان مباشراً في ايصال وجهة نظره وصريحاً في اقواله وآرائه لا يخشى لومة لائم من احد ولا يُجامل احداً ولا ينافق احداً في قضيّة وطنه…
 
وقعت نظراته المتدفقةُ عشقا عاجلاً لا آجلاً على (مريم) واقتطفها وردة بحرينية ندّية الى قلبه من على ادراج جامعة دمشق.. وقد ضجّ بها في قلبه.. وضجّت به في قلبها حتى اصبحا صجيج ايقاع سمفونيّة عذبة التجاذب في الحب والعشق للوطن.. وكانا في حبِّهما وعشقهما وزاوجهما سُقيا بهجة ونكران ذات نضالي للبحرين والانسانية التقدمية على وجه الارض!!
 
 
هكذا كانا صبوة بذل رحمة وعطاء بركة ومغفرة تسامح كانهما يترهّبان جلل عشقهما عشقا في الحياة على شطآن الوطن. احمد تتجسدهُ نفس مرهفة الاحاسيس في لمسات ذبذباتها.. وتراه يشف احاسيس الآخر في احاسيسه ويتفقدها باحاسيس مرهفة الحميمية وله قلب لا يحقد وسجيّة لا تكذب وروح تتجلى البحث عن الحقيقة وتُديرها حقائق لمنفعة الآخرين من الاصدقاء والاعداء على حد سواء!!
 
 
ما اشد الفراق على الجسد الذي توحّد في الجسد والتفّتْ الروح بالروح وتشاكل الجسدان في جسد واحد لا يفترقان ابدا!!
 
ويوم ان رحلت مريم وتركت احمد وحده… راح احمد كالمجنون يبحث عن الحقيقة.. حقيقة الموت في الحياة.. وحقيقة الحياة في الموت حتى استبدّ به الفكر وراح يبحث عن الفكر في الفكر… ويتذكّر لوحاته السوريالية.. وكان يبحث عن الواقعية في السوريالية والسوريالية في الواقعية وهو يصفق بكفيه لا سوريالية ولا واقعية بعد ان رحلت عنه مريم وتركته وحده يضرب اخماساً في اسداس… وكان يصمت.. ويصمت.. ويغيب في صمت ذاكرته وهو يتلمس مريم وحده في زوايا البيت.. فقد ذهبت عنه جسداً… الا ان منزلة روحها ما برحت يتلمس احمد منزلتها زاوية زاوية في زوايا البيت!! لقد تمريمت روحه بمريم وتأحمدت روح مريم باحمد.. فأين المفر… لا مفرّ الا الى المفر الذي فرّت اليه مريم!!
 
رفعت نعيمة الهاتف وصوتها يشلُّه النشيج المر وهي تقول لقد ذهب أحمد الى ملاقات حبيبته مريم!! هل سيلقاها.. لا ادري.. حقاً لا ادري!! رحم الله احمد واسكنه فسيح جنّاته والهم اهله واصدقاءه ومحبيه الصبر والسلوان.
 


الأيام 30 أبريل 2012

اقرأ المزيد

الديماغوجية في خدمة الفوضى..!


الديماغوجية كأسلوب لإقناع الآخرين و حشدهم في إتجاه سياسي أو ايديولوجي معيّن، بإثارة مخاوفهم و مخاطبة أفكارهم المسبقة، و استخدام القضايا المعيشية و الدينية و القومية لاستثارة العواطف، هي ظاهرة معروفة في المجتمعات كافة ، بغض النظر عن مستوى تطورها السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي.
 
غير أن لهذا الاسلوب و قعاً اَخر، أشد عمقا و خطورة في مجتمعات لم تتفتح بعد على الممارسة الديمقراطية ، و لم تتحصن بما فيه الكفاية من داء الطائفية و القبلية.  وفي بلادنا ، التي طالما تغنينا بوعي الشعب فيها وو حدته و تاريخه النضالي من أجل الحرية و الاستقلال و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية، أصابنا الذهول من هذا الاستقطاب الطائفي البغيض ، حيث ضاعت المطالب المشتركة لكل مكونات المجتمع لتفعيل ميثاق العمل الوطني ، المنجز الوطني الأكبر بعد الاستقلال ، و ما تأسس على مبادئه التوافقية من واقع متقدّم ، في هستيريا الإصطفاف الطائفي و الكراهية و العنف و الميل الى نبذ الآخر. 
  
 لقد بذل الكثيرون من الحريصين على مصير الوطن جهودا غير قليلة للخروج من الحالة النشاز في تاريخنا الوطني ، و طُرحت مبادرات عدة من شخصيات و جمعيات سياسية ، و لكنها لم تفلح حتى الآن في وضع حد لهذا الجنون . 
  
  قد يرى البعض أننا نبالغ في هذا التوصيف للحالة العامة في البلاد ، غير أن الواقع يؤكد أن الأزمة أعمق مما نتصور، و لا يحتمل التجميل و المجاملة.  فالشرخ قائم  والأوضاع لا تسرّ لا في الاقتصاد و لا في السياسة و لا في الأمن.  وأوضاع المنطقة و العالم ملبّدة بالغيوم و العواصف التي ستمزّق أشرعتنا و ترمي بسفينتتا إلى المجهول. و لا زال البعض يصبّ الزيت على النار، و يصرخ في المنابر و السّاحات و وسائل الإعلام أنه على حق و غيره على باطل ، نابشاً في التاريخ و الجغرافيا و الفلسفة و الدين ، عن سند لقوله و فعله ، و نُظّمت القصائد و الأغاني و كل ما يمكنه أن يلهب المشاعر لجر الناس الى المواجهة و الاستقطاب. 
  
 ينبغي التأكيد هنا ، درءا للإلتباس، أن للشعب مطالب سياسية و اجنماعية محقة لا يجوز تجاهلها،  في إضفاء روح الميثاق على مناحي الحياة السياسية،  و في مقدمتها تخويل البرلمان سلطات تشريعية و رقابية كاملة. و يتطلب الوضع الراهن إتخاذ خطوات عاجلة و شجاعة لإعادة بناء الثقة و إنهاء حالة الإحتقان و وضع حدّ للتوترات الأمنية العدمية ، و نزيف الدّم و التخريب ، و لعلّ أهمّها التنفيذ الفوري و غير المشروط لتوصيات لجنة بسيوني . 
  
و في المقابل يمكن للسلطة و المعارضة أن يسهموا معاَ في لجم ديماغوجية البعض الذي لا يكف عن وضع الشروط و الشروط المقابلة أمام أي مسعى للعودة إلى الحوار و الإنتظام في حياة سياسية طبيعية تواصل عملية التحوّل الديمقراطي ، و تضع الحلول للمشاكل الحياتية للمواطنين دون تمييز ، و محاربة الفساد. هذه الأصوات التي تؤجج المشاعر و تصادر إرادة المجتمع الموحّد ، بإثارة النوازع الفئوية ، و الإدعاء بتمثيل الطائفة في وجه الطائفة الأخرى ، و تقرع طبول الإستنفار و الإستعداد للمواجهة حفاظاً على الطائفة، تقوض وحدة المجتمع و طموحاتها في الديمقراطية و التطور الإجتماعي و الإقتصادي ، و تضع مصير الوطن رهنا بالمحاور الخارجية و أطماعها. 
  
و يجري التشكيك في أية بادرة للإنفراج، و اَخرها ما تسرّب من إتصالات بين ممثلي السلطة و بعض أطراف المعارضة ، حيث انبرى الديماغوجيّون  ذاتهم للتشكيك في هذه الخطوة الهامّة ، و توزيع التهم جزافاً بالعمالة لهذا الجانب أو ذاك ، و وضع الشروط و اللاءاَت . 
  
إنّها بلا شك حالة من الجنون السياسي و الفكري  و الإنتهازية ، و غوغائية عاطفية انفعالية ، تدّعي اليقين في تفسير اللحظة الراهنة و التي هي، على مرارتها ، ليست إلاّ ومضة ً من لهيب قادم ، و فوضى تهددنا جميعاً و لن تترك لنا فسحةً للنّدم. 
  
قدر هذا الوطن العيش المشترك و قبول الآخر .. هناك اصطفافات فكرية و مذهبية و هي ليست وليدة اليوم ، لكنها تحوّلت الآن الى تهديد لاستقرار الدولة و ديمومتها ، و محطّ تجاذب خارجي يطمح للهيمنة باستغلال انقسام المجتمع.  و هناك من يتصيّد في الماء العكر لتجيير كلّ ما يمكن لتأزيم النفوس و الإبقاء على الوضع الراهن أيّا كانت النتائج ، خدمة لاستراتيجيات لا ناقة لنا فيها و لا جمل . 
 
إنّها مسئولية تاريخية أمام الجميع في قمّة السلطة و الموالاة و المعارضة للتصدّي لهذا الإمتحان المصيري ، في إعادة التلاحم و الوحدة لهذا المجتمع مستندين إلى مخزون الحسّ الوطني لدى الشعب و القوى الوطنية و كل المخلصين و الحريصين على مصير الوطن و استقراره و تقدّمه.
 
 

اقرأ المزيد

فتى الشقاوة والشقاء


لم يكن شغف الراحل أحمد راشد ثاني بمواطنه راشد الخضر، الشاعر أيضاً، و” الزكرتي ” حسب التعبير الشعبي المعروف، والذي عاش في البحرين سنوات من عمره بلا مغزى.
أحسب انه تشبه به، هو الذي كان مأخوذا بتجربته الشعرية المهمة باللهجة المحكية في الإمارات.
 
أتى الخضر من عجمان التي يرى أحمد راشد، أن بيئة الميناء فيها هي من كونت فيه تلك الروح الشقية للشاعر، بالمعنيين اللذين يمكن لهذه المفردة أن تحملهما: الشقاوة والشقاء، وهما صفتان طبعتا شخصية أحمد أيضاً، الآتي هو الاخر من بلدة تجاور البحر، هي خورفكان على الساحل الشرقي للإمارات، وهي بلدة كان يمكن ألا يولد فيها، فقد جاء إليها أبوه البحار من دبي وتزوج أمه الفلاحة التي أبقت الأب بجوارها، لذلك اعتبر نفسه كابن لمصادفة بحرية، جعلته يقضي طفولته وهو منكب على ذلك الساحل، يقيم من طين أمواجه تماثيل أحلامه.
 
 
طفل الشقاوة والشقاء ذهب باكراً إلى الشعر، والشعر مدار واسع أخذه إلى فضاءات جديدة: المسرح والحفر في التاريخ الثقافي للإمارات والخليج.
 
في تقديري الشخصي فإن أحمد راشد أفضل من كتب في التاريخ الثقافي لبلاده وفق منهج تقدمي، ولم يكن هذا المنهج نتاج المطالعات الأكاديمية، بمقدار ما كان حصيلة الفكر الإنساني الواعي الذي تشكل خلال المسيرة الإبداعية والبحثية في حياته المليئة بالمعنى، رغم قصرها.
 
لم تتسع خورفكان المحاصرة بين بحر وجبل لجناحي أحمد راشد ثاني الشغوفين للطيران، فذهب بعيداً، سافر في الحياة، لعله كان آخذاً بنصيحة انطون تشيخوف: «الجثمان هو الذي تكفيه من الأرض أمتار ثلاثة. أما الإنسان فهو بحاجة إلى الكرة الأرضية كلها، بحاجة إلى الطبيعة كلها، فهناك في اتساعها الهائل يستطيع كشف كنهه وميزات روحه الحرة»!
 
لذا كان يحلم بالسفر إلى أماكن لم يذهب إليها من قبل، أماكن لا يعرف فيها أحدا ولا يعرفه فيها احد، أماكن غريبة عنه كليا، خصوصا في الشرق الأقصى بآسيا، أو أمريكا اللاتينية، أو إفريقيا، سواحل إفريقيا من جهة زنجبار وما حولها.
 
ظلَّ ثمة ظمأ لم يرتوِ لديه: ظمأ الشعر وهو الشاعر المبدع، وظمأ الحب وهو العاشق. عن ذلك يقول: ما نظنه شعرا هو ما استطعنا الوصول إليه من الشعر، وما نظنه حبا هو ما استطاعت قلوبنا أن تخفق به من الحب، وكلما حدقنا نحن في ما استطعنا الوصول إليه وما خفقت به قلوبنا، كلما رأينا أن الظمأ مازال يتشبث في كينونتنا، في نبضنا الحي.
 
هل كان أحمد راشد يعيش الحياة على حافة الموت، هو الذي يعتقد أن حياته كلها كانت مصادفة، فأخوه الذي يكبره مات طفلاً وكذلك أخوه الأصغر. هو الوحيد الذي عاش، رغم أنه كان منذ طفولته مشروعاً للموت بسبب المرض والمعاناة. (عشتُ للموتِ• يقول أحمد في نصه «قيل لي»، يكادُ الماءُ يعرفُنِي، ومنذ أن سَقَطَتِ السماءُ في رأسِي وأنا أمشي كظلٍّ في طريقِ المقبرةِ المليء بِصراخِ الأشجارِ، وحشرجةِ الموجِ، ونحيبِ الأحجار). الفتى الذي عاش للموت صنع له ولنا حياة نحبها.
 

اقرأ المزيد

الاقتصاد والسياسة


الاقتصاد والسياسية وجهان لعملة واحدة، لا يمكن أن يسير أحدهما دون الآخر، ولكن هل يمكن أن يتقدم أحدهما على الآخر، وماذا سيحدث لو حصل ذلك؟!
 
تطور البلاد سياسياً وتخلفها اقتصادياً لن يحقق لها الاستقرار المنشود، بل سيكون وقوداً لاضطرابات تأتي عاجلة أم آجلة، كيف لا وأهم ما ينشده المجتمع والمواطن هو الحصول على احتياجاته اليومية والحياة الكريمة.
 
ربما يؤدي التخلف الاقتصادي إلى انتشار الجريمة وهو ما يمكن ملاحظته وتلمسه من خلال النظر لدول تعاني من تفشي البطالة كالمكسيك مثلاً والتي تزدهر فيها تجارة التهريب، وأفغانستان التي تعتبر من أكبر الدول المنتجة للمواد المخدرة، وهو ما يؤشر في النهاية إلى فشل السياسة.
 
وتفوق السياسة على الاقتصاد من شأنه أن يفتح المجال أمام لعب السياسة بالاقتصاد وتحريكها له كما تشاء، وهو ما حدث فعلاً لطيران الخليج، لذا طالب عبد الحليم مراد رئيس لجنة «دارسة أوضاع الشركة» النيابية بوقف تدخل كبار المسئولين في أمور الشركة».
 
في المقابل، تطور البلاد اقتصادياً وتخلفها سياسياً من شأنه أن يخلق اقتصادًا قويًا في ظاهره، هشًا في جوفه.. طبقة فاحشة الغنى وأخرى تعيش فقراً مدقعاً.. ويوجد بيئةً مناسبةً لتفشي الفساد وغياب المساءلة نتيجة لعدم القدرة السياسية على سن أدوات محاسبة وتشريع للقوانين المنظمة. إذا، تقدم الاقتصاد على السياسة أو العكس لن يحقق استقرار البلاد، وإنما سيكون وقوداً ودافعاً للفوضى ودليلاً على الفشل.
 
ما نحتاجه هو الموازنة بين هذين الطرفين.
 
نحتاج إلى تبني سياسة قوية للبلاد، تكون قادرة على دعم الاقتصاد وتقويته، وشق الطريق أمامه وفتح آفاق التطور، لا أن تكون عبئاً على الاقتصاد أو عملية شكلية كتوقيع اتفاقيات ازدواج ضريبي لا يتم الاستفادة منها نتيجة إلى عدم وجود تبادل تجاري مع تلك الدول أصلاً.
 
نحتاج إلى سياسة تحمي الاقتصاد وتحارب الفساد وتحقق الاستقرار لا أن تكون حامية وحاضنة أو عاجزة عن المساواة وتحقيق العدالة.
 
نحتاج إلى اقتصاد يشكل طوق حماية لسياسة البلاد، يبعد عنها شبح عداء مع دول اخرى ويدفعها إلى الموازنة بين ما ستتكبده وما تكسبه جراء السياسة التي تتبعها مع البلاد.
 
نحتاج إلى اقتصاد يوفر لنا الاستقلالية دون الارتهان لدولة من هنا أو مساعدة من هناك. نحتاج إلى اقتصاد يخلق فرص العمل، ينمي البلاد، يجذب الاستثمار ويحقق الاستقرار.
 

اقرأ المزيد

أسئلة العصـــر


يميّز الدكتور جورج طرابيشي بين أمرين هما التحديث والتغريب، في إطار حديث له عن الثقافة العربية والتراث. وهو تفريق ضروري رغم تأكيده على أن الحضارة الآن تتجه لأن تكون حضارة عالمية منطوية على ثقافات عدة.
 
والتفريق هنا ليس مجرد تفريق لفظي، وإنما يتصل بفروق عميقة بين مفهومين مختلفين حتى لو كان مركز الحضارة العالمية في المدى الزمني الراهن مركزا غربيا، لأن هذا لم يعنِ ولا يجب أن يعني أن على كل الأمم اقتداء هذا الأنموذج، ليس لأنه سيئ أو جيد، وإنما لأن عملية تحديث أي مجتمع لا بد وأن تراعي الخصائص التاريخية والعيانية، لا بل والتكوين النفسي والثقافي المختلف لأفراده.
 
لسنا هنا إزاء دعوة توفيقية من تلك التي اعتدنا عليها بين ما يوصف بالأصالة والمعاصرة، بل إزاء دعوة تقذف بنا في أتون الحداثة التي من دون أن ننصهر فيها لن نتمكن من الإجابة على الأسئلة الكبرى التي تواجهنا اليوم، وهي أسئلة جديدة في ظروف مختلفة جذريا عن ظروف الأمس. انها دعوة للحداثة وللتحديث تقهر عقدة الازدواج النفسي الذي نعاني منه في تمزقنا بين الخيارات المختلفة، لكنه في الوقت نفسه يرفض أن نقرن التحديث بالتغريب، من حيث كون هذا الاقتران هو المعادل للاستلاب والانبهار المغالي فيه بالغرب وبما يوصف بتفوقه الحضاري، وهو تفوق لا نجادل في أمره، ولكن ندعو إلى دراسة أسبابه ومقدماته التاريخية، فكريا وعلميا وسياسيا.
 
ولدينا ما نستند إليه في هذا المجال، فاليابان ليست بلداً غربياً ولا تقع في أوروبا، ومع ذلك فإنها قوة اقتصادية مقررة لا يمكن إلا أن يحسب لها ألف حساب. والصين لا تخطو خطوات، بل تقفز قفزات إلى المستقبل بمعدلات من النمو الاقتصادي تدهش القريب والبعيد. وما تحقق ويتحقق هناك إنما يتم على قاعدة التحديث مع سبق الإصرار على التمايز عن الأنموذج الغربي، والتمسك بالخصائص التاريخية والقومية.
 
مشكلة النخب الثقافية والسياسية العربية أنها سيجت نفسها بسياجين لا ترغب في كسرهما: إما سياج العودة إلى الماضي بوصفه ملاذا من الوضع البائس الذي ألنا إليه، وإما سياج التغريب الذي تحدثنا عنه. ودعاة هذا التغريب القائم على الانبهار والصدمة تجاه ما حققه الغرب، يسقطون من حسابهم أن التحديث عملية معقدة، تدريجية وطويلة الأمد، وأن الأنموذج الغربي لا يمكن تجليسه على أرض ليست هي أرضه، لأنه نتاج ملابسات مختلفة من التطور. هذه النخب، الماضوية منها والمتغربنة، تعوّض عن ضعف فاعليتها الميدانية بخطابة رنانة ومزايدة لفظية لا طائل من ورائها، لأنها تهرب من الأسئلة الحقيقية عبر افتعال أسئلة مجازية خارج السياق التاريخي الملموس الذي تجتازه مجتمعاتنا اليوم.
 

اقرأ المزيد

الكوميديــــا البرلمانـــــــــية..!


لماذا يصر نواب كُثر على ان يفاجئونا مرة تلو المرة بما لم يكن في الحسبان؟ ويضعونا في حيرة تلو حيرة.. والاسوأ ان ينبري نواب بعينهم الى افعال تعظم هذه الحيرة وتضفي عليها علامات تعجب شتى، غير مكترثين بالهموم التي تؤر‍ّق الناس في هذه الايام النكد!.
 
اصحاب السعادة النواب ظهروا وكأنه لم يعد يهمهم ان يشعر الناس حيالهم بالاسى والاسف، ليس فقط لأنهم مسّوا في اكثر من مرة مرتكزات المبدأ الجوهري الذي لا يجوز القفز فوقه وهو مبدأ الفصل بين السلطات، وليس لان اداء بعضهم يغلب عليه الطابع الكاريكاتوري وبعضهم الآخر مثير للحيرة، او لاننا لم نلمس لهم دوراً واضحاً لا يحتمل المراوغة ولا التمويه حيال هذا الذي جرى ويجري في البلد، وهم الذين يعدون انفسهم ممثلين للشعب وإن شأن الوطن من مسؤولياتهم، وليس لأنهم ظهروا وكأنهم لا يتقنون عناوين المرحلة ومتطلباتها ولا حتى قواعد اللعبة البرلمانية، وليس لاننا وجدناهم منشغلين ومشغولين عن ارساء حقيقة بأن الوطن فوق الجمعيات والاحزاب والتحزبات والكتل والتكتلات والمذهبيات والرغبات والاهواء، وبأن ثمة اخطاءً في خرائط واقعنا من واجبهم الاسهام في تداركها لعلهم يقنعوننا بأنهم حقاً نواب يمثلون الشعب بكل اطيافه ومكوناته..!!
 
فذلك كله في مجمله ودلالته وخلاصته أمر آخر وأي أمر، ولكن لأننا وجدناهم يشكلون حالة فريدة من نوعها في مجال الاداء البرلماني، ربما على مستوى برلمانات العالم كله..
 
تصوروا..! فقد سجل النواب ما قد يعد سبقاً وتميزاً يؤهلهم الحصول على وسام أو شهادة التميز أو الوكالة الحصرية في سوء الاداء، حينما وجدناهم في موقف لن يسقط من الذاكرة رافضين إجراء اية زيادة في صلاحيات البرلمان التشريعية والرقابية وكأنهم لا يجرؤون على ممارسة الدور البرلماني الذي يحسب له ألف حساب، ووحدهم ايضا عبر لجنتهم التشريعية رفضوا مشروع قانون لتشكيل هيئة وطنية لمكافحة الفساد بذريعة وجود اجهزة رسمية كافية تعنى بمكافحة انواع الفساد وأنه لا داعي لمزيد منها، وهم الذين يفترض ان يطالبوا بتسريع تأسيس تلك الهيئة الوطنية على الاقل احتراماً والتزاماً بما اقتضته الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد التي صادقت عليها البحرين، لقد كان عليهم ان يطالبوا بإصرار بتلك الهيئة الاهلية وبل وبكل الآليات التي تدعم دورهم في محاربة الفساد، ونوابنا لم يكتفوا بذلك بل وجدناهم في موقف اخر يستحق التفكير والتأمل وعبر هيئة مكتبهم يسحبون الطلب بتشكيل لجنة تحقيق فيما اثير من مخالفات مالية وإدارية بمجلس النواب، ثم في موقف آخر لا يغيب عن الذاكرة حين وقع مجموعة النواب على ما عُرف بعريضة الامتيازات، مطالبين بحزمة من الامتيازات المالية ثم انكروا وجودها بعد الضجة التي اثيرت ضدهم، وفي موقف يبعث على الاسى يسقطون مشروع قانون تجريم التمييز والاخلال بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين بسبب الاصل او اللون او الدين او المذهب او العقيدة او الرأي السياسي والذي يقضي بالالتزام بالمعاني والمقتضيات المبينة في الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع اشكال التمييز العنصري للعام 1965، واتفاقية قمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها للعام 1973، والتي تجعل الظرف، مشدداً اذا كان الفاعل موظفاً عاماً أو مكلفاً بخدمة عامة.
 
لم تكن تلك الامثلة وحدها التي استدعت هذا الحديث من أوله، فثمّة أمثلة اخرى، وكلها منشورة وموثقة ولا تقل غرابة في مضمونها عما سبق، كاعتراض النواب وبالفم الملآن على التعديل المقترح لشروط الترشح لعضوية مجلس النواب، الذي ينص على حصول المرشح على مؤهل جامعي؛ لضمان ان يكون النائب من حملة المؤهلات وأصحاب علم ومعرفة لعل الممارسة النيابية والعمل البرلماني يظهر بمستوى افضل يضمن على الاقل ولو الحد الادنى من تفعيل النائب لدوره التشريعي والرقابي وحتى السياسي كما يجب وبالمستوى الذي يجب، والمفارقة ان نواباً كُثر اثاروا صخباً في اكثر من مناسبة وأثاروا الضجيج واستثاروا المشاعر حينما اعترضوا على تعيينات في وظائف حكومية بذريعة انها لم تراعِ المؤهل العلمي ولا مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب!، ولم يكفوا عن الالحاح على ذلك، غير ان الموقف يختلف تماماً عندما يمسّهم، فهم يعلمون سلفاً ان اقرار شرط المؤهل التعليمي غير مأمون وغير محتمل بمضي الوقت بالنسبة لبعضهم، وعليه فهم يستكثرون على من هو في موقع ممثل الشعب ان يكون بأرفع مستوى تعليمي ممكن، ولكنهم أبوا اخيراً إلا ان يفاجئونا باكتفائهم فيمن يترشح ليمثل الشعب بأن يجيد القراءة والكتابة..!!،
 
ونمضي الى مثال آخر وهذه المرة يتمثل في موقف النواب من وزير التربية عندما لم يستجب لطلباتهم وضغوطاتهم بعدم تنفيذ مشروع تمديد الدوام المدرسي أو تأجيله، والتي لم تكن منطقية ولا منصفة، وشكلت ابتزازاً غير مبرر، والأهم من ذلك انه تدخل مباشر في عمل السلطة التنفيذية وخرقاً لمبدأ الفصل بين السلطات، وكان غريباً تلك الخطوة البرلمانية بتشكيل لجنة تحقيق في تمديد اليوم المدرسي، والاغرب تلك الطعنة الى المبادئ التي يفترض ان تقوم عليها مثل هذه اللجان والتي تمثلت في قيام بعض اعضائها باستباق النتائج قبل البدء في التحقيق. علاوة على كل ذلك ما زال حاضراً في الذهن ذلك التصريح لرئيس احدى الكتل النيابية وهو يطالب بزيادة المرتبات مائة في المائة، مضيفاً الى مطالبته تلك اسقاط جزء من ديون المواطنين ومكافأة من ليس عليه دين يعادل المبلغ المدفوع الى المديونين من المواطنين، في وقت غاب على النائب الفطين بان الميزانية العامة للدولة تعاني اكبر عجز في تاريخها.
 
أما المشهد الاخير في مسلسل الكوميديا البرلمانية فهو تلك الضجة التي افتعلها النواب مستهدفين وزيرة الثقافة، فما حدث في هذا الشأن ليس أمراً عادياً أو عابراً في المعنى والهدف والتوقيت، وما تلك الصورة من الانفلات المقيت والاهانات والمزايدات والاستهدافات التي تطايرت من تحت قبة البرلمان والتي لم يجد من يلجمها ما هي إلا موقفاً من الثقافة ومن ربيع الثقافة وفرض الوصاية على الناس، وكم كان مضحكاً ان يظهر نواب بعينهم، مهددين بتعليق جلسات مجلسهم حتى يتحقق مطلبهم باقالة الوزيرة، فيما ظهر آخرون مهددين بعرائض ومناشدات ناسين او متناسين انهم يمتلكون ادوات برلمانية في الرقابة والمساءلة والاستجواب وطرح الثقة. تلك عيّنة ليس إلا.. فالامثلة كثيرة، والوقائع التي لا اعتقد انها بعيدة عن الملاحظة، وتجد من يرصدها، لا حصر لها..
 
لنوابنا نقول: لماذا لا تستنسخون ما هو حاصل في البلدان الاخرى التي فيها النائب بحق نائباً ممثلاً عن شعب، وصوته تحت قبة البرلمان هو صوت الشعب وليس صوت فئة أو طائفة أو قبيلة أو منطقة أو «فريج».
 
يبقى أسوأ ما في الامر ان هؤلاء النواب يجهلون ان اداءهم بذلك التردي..!! وأن الواقع المفروض علينا ..  هكذا نواب..!!
 

اقرأ المزيد

مــن أجــــل ســيادة الـقـانون والوطن


يبدو أن بعض الاقلام والمنابر الإعلامية قد فقدت بوصلة الحكمة وطلقتها بالثلاث. فهي لا تكتفي بالتركيز على السلبي من الأحداث والبناء عليه دون الاهتمام بأية بوادر إيجابية تصدر من هذا الطرف أو ذاك, بل وترفض وتزدري هذه البوادر وتشكك في النوايا, وتروج للإحباط وانسداد أفق الخروج من الأزمة.
 
ويتساءل المرء عن دوافع مثل هذه الأقلام التي يفيض بعضها بنفَس الإنتقام وتضع حداً فاصلاً بين الذات والآخر, بين من يستحق المكافأة ومن يستحق العقاب. هذا النفًس يلوم الدولة ويعتبرها متقاعسة في ضرب معارضيها وأنها, في المقابل, لا تكافئ من «وقفوا معها». هؤلاء المطالبون بالعطايا لبطولات وهمية إنما يعملون على زج الدولة في سياسة تهدم ولا تبني, تفرق ولا تجمع.
 
الكل يتحدث عن الخراب والحرائق والقتلى والجرحى. الكل يرى أن الدولة لا يمكن أن تحتمل هذا النزيف الاقتصادي والمعنوي, وتَعمّق الإنقسام الطائفي, وضياع الهيبة. ومع ذلك فهناك من يتعامل مع الدولة كجمعية سياسية أو ميليشيا وليس كمنظومة سياسية ومجموعة مؤسسات مكلفة بقيادة المجتمع وحمايته بالشكل الذي ينظمه الدستور, والتي يسعى أبناؤها الى تطويرها وترسيخ الأسس الديمقراطية في بنيتها وممارساتها عبر توسيع المشاركة الشعبية في القرارات السياسية والإقتصادية والإجتماعية.
 
وحيال استمرار الأزمة وإصرار بعض أطياف المعارضة على استخدام لغة الشارع والمكابرة والرهان على «المجتمع الدولي» وبعض الفضائيات وما يترتب عليه من تعميق الهُوة مع النظام وإفشال توجهاته الإصلاحية ومساعي رأس الدولة إلى الحوار, وتشجيع الجهات المتشددة في الجانبين على عرقلة عجلة الإصلاح وإبقاء حالة الإنقسام في المجتمع لتتفرغ هي لمصالحها الخاصة, يجد البعض فرصته لصب الزيت على النار واللعب على عواطف الناس, وإيهامهم بأنهم أمام غول شيطاني لا بد من حرقه قبل أن يبتلعهم!
 
هذا النمط من التفكير يقوم أساساً على فكرة الإقصاء ورفض منطق الحوار, ويدعو الدولة إلى الإنحراف عن دورها الجامع والإنزلاق إلى سياسة القمع وتأجيج الأزمة بما قد يؤدي في المحصلة إلى ضياع الدولة والمجتمع معاً. غير أن الأسوأ في هذا النمط من التفكير هو دعوة العامة إلى العنف بحجة أن الدولة متقاعسة و بأن هناك من يستحق العقاب على خلفية مواقفهم إبّان الأزمة. وإذا ما ربطنا هذا المنحى الفوضوي بما يحدث على أرض الواقع من اعتداءات سافرة على حياة الناس وممتلكاتهم, تتضح معالم الأفق الذي تأخذنا صوبه هذه الأقلام ومن تمثلهم.
 
المشروع الإصلاحي جاء ليقيم دولة القانون وسيادته. وقوانين الدنيا تحصر استخدام القوة وتنفيذ العقوبة في يد الدولة, كي لا تتحول المجتمعات الى غابات للوحوش. لذا فإن دعوات القصاص المتبادل لا تخالف القانون وحسب, بل وتشوه طبيعة النفس البحرينية وكل التراث والنضال الوطني البحريني.
 
إن أي عنف في الشارع من أي طرف كان وأي اعتداء على ممتلكات المواطنين ودعوات المقاطعة إنما هي أفعال غوغائية مخالفة للقانون وللصالح العام, وموجهة ضد المساعي الخيرة في النظام والمجتمع للتهدئة والخروج من الأزمة, وإعادة الحياة للإقتصاد والنشاط التجاري والعمل المجتمعي والسياسي. ونتضامن هنا مع الأصوات الواعية التي بدأت ترتفع ضد هذه الممارسات في غرفة التجارة وفي الإعلام وبعض المنابر الدينية.
 
فهذه الممارسات لا تخدم لا الطائفة ولا الدولة المكلفة بضبط الأمن والتعاطي الجدي والصارم مع كل مظاهر الإنتقام والتعدي على أرواح الناس وممتلكاتهم أياً كان مصدرها. فهؤلاء المنفلتون إلى العبث سواء في أزقة الثقافة بالمحرق أو في مناطق أخرى من الوطن المجروح في وحدته وطموحاته, من أي طائفة كانوا, شيطان يهدد أمننا وكياننا اليوم وفي المستقبل. إن هذا المسلك بذرة فساد في أرضنا الطيبة إن لم تقلتع اليوم, تمددت وخنقت كل محاصيل الخير التي ارتوت بدماء وعرق كل الأجيال التي تشرفت بالتعاقب في العيش على ارض البحرين. فلتتوقف أصوات التحريض والإنتقام ولتعالج الأمور بالتحليل الموضوعي والنفس الجامع العابر للطائفية ومن منظور الآتي من التاريخ واحتمالاته, ومن المصلحة الآنية والمستقبلية لهذا المجتمع المفعم بالحركة والآمال.
 
الأيام 28 أبريل 2012

اقرأ المزيد

المنبر التقدمي …. لا تنكر دمك


يعقد المنبر التقدمي الديمقراطي اليوم (الجمعة) مؤتمره العام لانتخاب لجنة مركزية يتم من خلالها انتخاب مكتب سياسي، ومن ثم الأمين العام للمنبر، في ظروف مرحلية صعبة يمر بها الوطن، ألقت بظلالها الثقيلة على المنبر بشكل يفوق جميع التنظيمات السياسية في البحرين.
 
لا يمكن إنكار أن التنظيم اليساري والوريث الشرعي لأول تنظيم سياسي في البحرين وهو جبهة التحرير الوطني البحرانية التي تم تشكيلها في العام 1955 يمرّ في الفترة الحالية بمنعطف صعب لا يمكن التكهن بنتائجه بشكل مسبق حتى وقبل انعقاد مؤتمره العام بعدة ساعات.
 
كما لا يمكن إنكار تأثر المنبر بما أفرزته الساحة السياسية من انقسام طائفي بغيض خلال السنة الماضية، ولكن كيف يمكن تفسير أن التنظيم السياسي اليساري الذي لا يعترف بالفروقات المذهبية والدينية، كان هو الأكثر تضرراً من الانقسام الطائفي الذي حدث في البحرين؟ بحيث ظهر الاختلاف في وجهات النظر بين الأعضاء من الطائفتين بشكل حاد هدّد كيان هذا التنظيم بشكل جدي، ما اضطره إلى الخروج من التحالف السداسي الذي يجمع أغلب التنظيمات السياسية المعارضة، بالإضافة إلى تحفظه على التوقيع على وثيقة المنامة التي تطرح رؤى القوى المعارضة للخروج من الأزمة الراهنة.
 
بداية فإن تأثر المنبر بالأطروحات الطائفية ينبع من أن المنبر أحد التنظيمات النادرة في البحرين التي تجمع في تشكيلتها أعضاء من الطائفتين الكريمتين، بخلاف السواد الأعظم من التنظيمات أو الجمعيات السياسية التي تقتصر عضويتها على طائفة واحدة، وهي بذلك تكون بعيدة تماماً عن النزاع الطائفي بين أعضائها.
 
كما أن الاختلاف في تحليل الوضع الراهن ومدى واقعية الطرح الذي يتبناه الشارعان السني أو الشيعي لابد أن يخلق طرحاً مختلفاً لدى المنتمين إلى التيار الديمقراطي من كلا الجانبين، يكون في العادة أكثر اعتدالاً وواقعية، ومع ذلك لا يمكن إغفال التأثيرات النفسية والعاطفية التي تفرض عليه أن يكون مرتبطاً ببيئته الاجتماعية، حتى وإن كان مختلفاً مع طرحها في الكثير من الأمور التي قد تبدو في هذه المرحلة أموراً هامشية في ظل ما يراه الشارعان من أن القضية أصبحت الآن قضية مصيرية لا يمكن حلها إلا بالانتصار تماماً على الطرف الآخر!
 
في مقابلةٍ أجريتها مؤخراً مع الأمين العام للمنبر التقدمي حسن مدن ولكن لظروف الوضع الحالي لم يتم نشرها، يشير مدن إلى أن «كل موقف سياسي تتخذه عليك أن تدفع ضريبته، وإذا انطلقت من الرغبة في إرضاء الجميع فإن ذلك لا يمكن، يجب عليك كتنظيم أن تتخذ الموقف الذي ينسجم مع قناعاتك ومع طبيعة بنيتك التنظيمية والفكرية، وتسعى لإقناع الجمهور بهذا الموقف، وكما في أي عمل سياسي فإن ذلك يحتاج إلى وقت وجهد».
 
ويؤكد مدن أن «الأزمة الأخيرة التي حدثت في البحرين كشفت عن خلل جوهري في هذا الجانب، وهو أنه في لحظة الانقسام الطائفي العميق في البلد لم يجد المجتمع قوةً تطرح نفسها ممثلة للطائفتين، إذ تخندق الجميع في طوائفهم، ولو تنبه التيار الديمقراطي لذلك وكما كنا ندعوه دائماً لأن يكون قطباً مستقلاً لا يمنع تنسيقه مع القوى الأخرى، لكان هو الوحيد المؤهل لأن يطرح هذا الطرح المنفتح على كل مكونات المجتمع البحريني، ولكان في تلك اللحظة هو الملاذ الذي يمكن أن تلجأ إليه كل الشرائح والأفراد العابرين لطوائفهم والباحثين عن إطار أو خط سياسي وطني يمثلهم».
 
لقد ظل المنبر التقدمي طوال تاريخه مدافعاً أميناً عن العدالة والحق والديمقراطية وحقوق الإنسان، حتى وإن اختلف أحياناً مع باقي القوى المعارضة.
 
كل ما أتمناه أن يواصل المنبر هذا الطريق، ولا نضطر في يومٍ من الأيام أن نذكّره بما قاله الشاعر مظفر النواب:
«كيف يحتاج دمٌ بهذا الوضوح
إلى معجمٍ طبقي لكي يفهمه
أيّ… يسارٍ كهذا
أينكر حتى دمه».
 

صحيفة الوسط البحرينية – 27 أبريل 2012م

اقرأ المزيد

بن بيلا: أفول مرحلة


من يعود إلى الأعداد القديمة من نشرة «الجماهير» لسان حال جبهة التحرير الوطني في البحرين، خاصةً منها تلك الصادرة في بدايات تأسيس التنظيم سيجد ذلك الحضور الطاغي لاسم الثورة الجزائرية وقادتها، وفي روايات بعض قادة الجبهة، فان اختيار اسم جبهة التحرير ليكون اسما للتنظيم الذي انبثق في البحرين في النصف الأول من خمسينيات القرن العشرين كان في أحد أوجهه تيمناً باسم جبهة التحرير الوطني الجزائرية، التي قادت ثورة الشعب من أجل الاستقلال الوطني.
 
 لا غرابة في ذلك، فالجزائر وثورتها كانتا عنواناً لنهضة حركة التحرر الوطني لا في العالم العربي وحده، وإنما في بلدان آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، في مناخ النهوض الثوري الذي ساد العالم بعد هزيمة نازية هتلر وفاشية موسوليني وعسكرتاريا اليابان.
 
لم يمكث بن بيلا طويلاً في الحكم بعد انتصار الثورة التي كان أحد ألمع وجوهها، وعلى طريقة الثورة تأكل أبناءها، عاجلهُ هواري بومدين بانقلاب، أودعه بعده في السجن ثم الإقامة الإجبارية، وهو سيناريو تكرر في كل الأنظمة العربية التي حكمت بعد الاستقلال، فمصيره لا يختلف، إلا في التفاصيل، عن مصير محمد نجيب في مصر وعبدالكريم قاسم في العراق، ناهيك عن مصائر نور الدين الأتاسي وصلاح جديد ورفاقهما في سوريا، وعبدالله السلال في شمال اليمن، ولن ننسى العبث الدموي في جنوبي اليمن الذي أودى بحياة الزعماء المتعاقبين من قادة الجبهة القومية والحزب الاشتراكي فيما بعد.
 
تلك حكاية تطول لو أن المرء سرد ما فيها من مرارات، ولم يكن جوهرها يتصل بالخيارات الأساسية في التنمية ولا في التحالفات الدولية ولا في بنية الدولة وعلاقتها بالمجتمع كما أشيع أو روج له، إنما كان في الصراع على السلطة. فرغم تعاقب الرؤساء لم تبارح هذه الأنظمة نهج رأسمالية الدولة التي جعلت من القطاع العام وسيلة للثراء، عبر شبكات فساد واسعة، وعلى صعيد التحالفات الدولية كانت هذه الأنظمة تتزود بالسلاح السوفيتي بأسعار زهيدة، لكنها لا تخفي انبهارها بجاذبية السلع المنتجة في الغرب، فكان حجم تبادلها التجاري مع بلدانه يفوق أضعاف المرات نظيره مع الاتحاد السوفيتي وحلفائه في أوروبا الشرقية، ولم تختلف العلاقة مع مسألة الديمقراطية والحريات العامة عن طريقة إدارة الأحزاب الحاكمة، فكيف بأحزاب تعالج خلافاتها الداخلية بالتصفيات الجسدية، أن تكون ديمقراطية في علاقتها مع غيرها من القوى.
 
كان أحمد بن بيلا أحد أبرز ضحايا تلك المرحلة، رغم دوره الوطني في قيادة الثورة. ها هو يرحل في إشارة رمزية الى أفول مرحلة بكاملها، بعد أن بلغت حد الأزمة المستعصية، التي عبرت عن نفسها بالطوفان الذي يجتاح عالمنا العربي منذ أكثر من سنة، شهدت إسقاط رؤساء تونس ومصر وليبيا واليمن، وعلى قائمة الانتظار رئيس سوريا. لم يكن بوسع خيارات هذه الأنظمة أن تتفادى هذه النهاية المحتمة. التراكم الكمي للاستبداد والفساد بلغ مرحلة التحول النوعي. لكنه تحول فتح الأبواب على مصاريعها أمام مجهول مخيف. كأن هذا يؤكد قاعدة ذهبية فحواها أن مشكلتنا مع الديكتاتور ليست في حياته فقط، إنما بعد مماته أيضاً.
 
26 أبريل 2012
 

اقرأ المزيد

الفرق بين جورج كلوني وجونتر جراس


تسلطت الأضواء مؤخرا على جورج كلوني الممثل والمخرج الهوليوودي المعروف والحائز على جائزة الأوسكار، ليس كنجم هوليوودي ساطع هذه المرة وانما كناشط سياسي مدافع عن حقوق الانسان في المناطق المنكوبة انسانيا بفعل الحروب والنزاعات العرقية والفقر والجوع كما يقدم نفسه. حيث لمع نجمه مؤخرا في وسائط الاعلام الامريكية والبريطانية الكبرى (شبكة ان بي سي، واشنطن بوست، ذي غارديان وغيرها) كداعية لنصرة قضية سكان بلاد النوبة في السودان، بعد أن كان وظف نجوميته للعب دور المساند لقضية انفصال جنوب السودان ثم التحشيد بعد ذلك لقضية دارفور.

واللافت ان الممثل الهوليوودي بدا وكأنه فرَّغ نفسه تماما وكرس جل وقته وامكاناته المالية للعمل على تسليط أكبر قدر ممكن من الضوء وحشد أوسع تأييد ممكن للاقاليم السودانية الناقمة على تهميشها سياسيا وتنمويا من جانب الحكومة المركزية في الخرطوم. فلقد صور وانتج جورج كلوني فيلما عن ما أسماه بالهجمات المروعة للحكومة السودانية على سكان جبال النوبة، وتم عرض الفيلم بتنسيق وبتحريض من السناتور جون كيري أمام لجنة العلاقات لخارجية في الكونجرس، كما قام بمقابلة الرئيس الامريكي باراك أوباما في البيت الابيض في 14 آذار/مارس الماضي للتعبير عن قلقه على شعب السودان. كما أسهم كلوني في تأسيس “مشروع القمر الصناعي الحارس” الذي سيخصص لرصد الأعمال العسكرية للحكومة السودانية!

فهل يكون جورج كلوني يحقق بهذه الأعمال والمواقف أمنيته بأن يكون على “الجانب الصحيح من التاريخ”؟
ربما..فالنظام الحاكم في الخرطوم لم يترك أي مجال لا للمعارضة السودانية ولا للنخب السودانية المختلفة، لايجاد ما يمكن أن تدافعان به عن فساده واستبداده. وهو، كعادة أنظمتنا الاستبدادية “التليدة” يأخذ البلاد الى المآزق ثم يصرخ باسم الدين والعصبيات الجمعية “انقذوني من شرور الأغيار”!

ولكن الفرضية الراجحة لأن يكون جورج كلوني يحقق امنيته بالوقوف على “الجانب الصحيح من التاريخ”، سرعان ما تعتريها الشكوك ما أن يتفحص المرء طبيعة اللوبي الذي ينسق معه تحركاته في الشأن السوداني والذي يضم من الشخوص المعروفة  السنتاتور جون كيري صاحب الصولات والجولات في السودان على وقع الرائحة النفاذة لنفط الجنوب.

وما دام لدى جورج كلوني كل هذا المخزون من الحماس لقضايا الحرية والعدل والمساواة والنضال ضد الاستبداد والاضهاد، فقد كان ومازال أمامه الكثير من هذه القضايا والملفات العالقة منذ أزمان بعيدة، تأتي في مقدمتها المأساة الوطنية والسياسية للشعب العربي الفلسطيني الذي تمثل قضيته عنوان الظلم الصارخ والساطع، وذلك بدلا من أن يزج بنفسه في أتون شبهات رأس المال النفطي ورأس المال المالي الطامع، بتوحش فاضح، في الثروات الهيدروكربونية السودانية.

هل كان عليه أن يكون مناضلا شهما ونبيلا كما فعل غونتر غراس مثلا؟

نعم مثل غراس وغيره من كل الأحرار عبر العالم بغض النظر عن أجناسهم ومنابتهم الاجتماعية وأطيافهم الثقافية والفكرية.. الذين يرفضون مقايضة ضمائرهم وانسانيتهم مهما كانت المغريات ومهما كانت تلوينات العصي وتلويحاتها. ولكن شتان، على ما يبدو، ما بين الثرى والثرية.

غونتر غراس الكاتب الألماني الحائز على جائزة نوبل في الآداب عام 1999 عن دوره في اثراء الأدب العالمي وخصوصا ثلاثيته الشهيرة “ثلاثية دينتسيغ”، أصدر مؤخرا (قبل بضعة أيام) قصيدة نثرية بعنوان “ما ينبغي أن يقال” قال فيها “ان اسرائيل تهدد السلام العالمي وانها يمكن أن تمسح الشعب الايراني بضربة نووية واحدة”، مشيرا الى “انه سئم مما سماه نفاق الغرب بخصوص اسرائيل وان أهوال النازية ليست ذريعة للصمت”. كما انتقد بلاده ألمانيا على بيعها غواصات متطورة لاسرائيل يمكن أن تحمل أسلحة نووية.

ثارت ثائرة وعنجهية اسرائيل فظهر رئيس وزرائها بأوداجه المتعجرفة ليهاجم الأديب الألماني بعد دقائق من نشره للقصيدة، ناعتا اياه بعدو السامية والنازي وبفقدان القدرة الأخلاقية على تقدير الامور (أي معتوه).

 غونتر غراس لم يجزع ولم يتراجع ولم يعتذر عما ذكره في قصيدته، كما يفعل عادة المثقفون والمفكرون والفنانون الغربيون حين تهديدهم بالانتقام من قبل اسرائيل وحماتها، وانما على العكس تماما، فقد تمسك بموقفه ودافع عن رأيه في المقابلات الصحفية التي أُجريت معه بعد نشر القصيدة. فقد أراد، بخروجه عن صمته، كسر حاجز الخوف والتحول الى قدوة للآخرين لكي يحذوا حذوه في هدم التابو الذي انشأته اسرائيل في الغرب منذ انشائها عام 1948.

غونتر غراس الذي يعد أهم الأدباء الالمان في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لن ينجو بطبيعة الحال من ارهاب الدولة الصهيونية ورعاتها، ولكنه، بتجليه الانساني البديع، يضيف لنا نموذجا آخر متألقا للضمير الانساني العالمي الحي، غير ذاك الضمير المخاتل ذي المآرب الذي يقدمه لنا الممثل الامريكي الشهير جورج كلوني.
نحن اذا أمام ثنائية متضادة للمثقف (بالمفهوم الواسع للثقافة) في أيامنا الراهنة التي تشهد جولة تسخين واسطخاب جديدة للصراع..بين نموذج ألق الضمير الانساني وبين نموذج المثقف المضارب “بسلعة ثقافته”. هكذا كان الحال دائما ابان دورات الفرز والاستقطاب وهكذا سيكون.
 

27 ابريل 2012

اقرأ المزيد