المنشور

مركزة القرار الاقتصادي مطلوبة .. وكذلك صحته

مع بداية الإصلاحات التي دشنها جلالة الملك بالإصلاحات السياسية أوكل الملف الاقتصادي لسمو ولي العهد الذي جاء ببرنامج طموح للإصلاح الاقتصادي الاجتماعي ثلاثي الأبعاد: 
إصلاح سوق العمل، إصلاح التعليم والإصلاح الاقتصادي. وبخلاف ما كان معهودا فقد دعا سموه إلى رش عمل متعددة حضر معظمها شخصيا وضمت ممثلين عن مختلف مكونات المجتمع البحريني. ناقشت الورش المشروعات التي كانت قد أعدتها شركة ماكنزي، وقد طرح الكثير من الآراء ومقترحات التعديلات، لكن الاتجاه العام للآراء هو دعم التوجهات الإصلاحية. غير أن وقتا طويلا مضى دون أن تتجسد الإصلاحات واقعا. أما الأثر الحقيقي الذي أحدثه الزمن فهو بعض التراجعات أمام الضغوط القوية والمستمرة من جانب قوى اجتماعية متنفذة، خصوصا فيما يتعلق بإصلاحات سوق العمل. وكان من الطبيعي أن تسير الحكومة في الاتجاه الضاغط ذاته، إذ إن عناصرها الأساسية هي من ممثلي تلك القوى بالذات.
وفي الأسبوع الماضي رفع سموه رسالة إلى جلالة الملك حول المعوقات التي تقف حائلا دون قدرة مجلس التنمية الاقتصادية على تنفيذ برنامجه. واشتكى من تداخل الصلاحيات بين الحكومة والمجلس وعدم تعاون بعض المسؤولين الحكوميين. وقد رد جلالة الملك على الرسالة بضرورة مركزة القرار الاقتصادي وانصياع الحكومة لقرارات مجلس التنمية.
حسنا، إنها خطوة ضرورية في الاتجاه الصحيح. فمن غير الممكن تسيير الاقتصاد مع وجود مركزين للقرار، ما يعني غياب إمكانية التخطيط. وفي حين نشهد انتقال مختلف المؤسسات الاقتصادية في المملكة إلى مستويات راقية من الإدارة والتنظيم والتخطيط، فلا يعقل ألا يقابل ذلك ذات المستوى على صعيد الدولة. تجارب بلدان كثيرة بينت أن مثل هذا التناقض غالبا ما ولد الفوضى في الاقتصاد الوطني، والتي قد تقود إلى الانهيار في أحيان. على أن مركزة القرار خطوة ضرورية، لكنها ليست كافية. فالمطلوب أيضا هو صحة هذا القرار والتي ستشكل التحدي الكبير الآخر أمام مجلس التنمية الاقتصادية. ولا شك أن هناك من القادة السياسيين من لهم دور مهم في صحة القرار الاقتصادي. لكن الأهم هو وجود خطة شاملة للتنمية المستدامة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية تقوم على أساس تعبئة الموارد البشرية والمادية والمالية الداخلية، واجتذاب الاستثمارات الخارجية بما يخدم هذه الخطة. ولكي تلبي الخطة حاجات المجتمع في التطور اللاحق فلا بد أن تكون نابعة منه وتحظى بدعمه. أي أنها يجب أن تأخذ بالجدية اللازمة آراء كل مكونات المجتمع ووزارات وهيئات الدولة. وبعد أن يصوغها مجلس التنمية وتقرها السلطة التشريعية تصبح ملزمة لكل الجهات بحكم القانون.
الكاتب الاقتصادي والصحافي خليل يوسف في مقالته الجمعة الماضية ‘حلم شديد الواقعية’ شدد محقا على أهمية الخيار الاستراتيجي للتنمية. هل تكون المملكة مركزا ماليا ومصرفيا، أم مركزا للتجارة وإعادة التصدير، أم قاعدة للتصنيع أم مركزا إقليميا للخدمات والاتصالات والسياحة؟ [1] والحقيقة أن وضوح الخيار مهما، لكنه لا يجب أن يكون مجرد خيار إرادي. ففي الوضع الاقتصادي العالمي المحفوف بمخاطر أزمة الأزمات كما يسميها بعض العلماء، وفي ظل شبكة العلاقات الاقتصادية الدولية المتعددة المستويات يجب أن يرتبط هذا الخيار باختيار مكان المملكة الأكثر أمنا في التقسيم الدولي للعمل. ومنذ بداية الحالي بدأت من نيويورك تبث الأخبار غير السارة بالنسبة للاقتصاد العالمي. فبالرغم من انصباب الأموال الضخمة تجد المصارف العالمية ‘الثمانية الكبار’ نفسها على حافة الانهيار. وأن الموجة الثانية من الأزمة الراهنة لن تعود ممثلة بأزمة العقار فحسب، بل في الأزمة المتمثلة في انعدام قيمة الأوراق المالية ذاتها. والأزمة مرشحة لأن تضرب في بدايتها مؤسسات عملاقة كسالومون بروذ وميريل لينش[2]. سارت بلادنا حثيثا فيما يسمى بخيار التنمية العقارية السياحية. ويفهم من تقرير مجموعة ‘اوكسفورد بيزنس’ البريطانية الذي صدر مؤخرا بأن ذلك أدى إلى ارتفاع أسعار الأراضي بمقدار 6 – 10 أمثالها بين عامي 2004 و,2007 ما يهدد بمزيد من حدة أزمة الإسكان خلال 10 ? 20 سنة القادمة، خصوصا مع ارتفاع معدلات الزيادة السكانية إلى جانب أن نصف السكان تقل أعمارهم عن 15 سنة. ويكتسب توسع النشاط العقاري خطورته الأكبر؛ لأنه ليس ناتجا عن حاجات نمو فعلي في الاقتصاد الداخلي، بل نتيجة ضخ هائل للسيولة في هذا القطاع من المحيط الخليجي[3].
ذلك سينعكس سلبا على خيارات التنمية الحقيقية الأخرى. فواضح أن الأزمة السكنية بدأت ترفع بشدة معدلات الطلب على القروض العقارية التي سترتفع حصتها إلى جانب القروض الاستهلاكية لتشكل حصة الأسد من إجمالي القروض المصرفية. أي أن المصارف ستنصرف إلى حد كبير عن تمويل القطاعات الإنتاجية، بينما قد يؤدي تضخم حجم الإقراض الطويل الأمد (حتى 30 سنة) عن طريق الرهن العقاري وحدوث حالات العجز عن السداد مستقبلا إلى تكرار أزمة الرهن العقاري الأميركية الحالية في البحرين. ومن جهة أخرى فلن تكون الأراضي بمستويات أسعارها الحالية والمستقبلية صالحة إلا لكي تقوم عليها مشاريع تجارية أو مصرفية أو لأسواق المال، حيث دورات رأس المال الأسرع والربحية الأكثر، وليس المشروعات الإنتاجية. لكن هذه الأخيرة مرشحة بقوة، كما ذكر أعلاه، لأن تشكل الموجة الثانية من الأزمة العالمية الأشد. وهكذا نرى أن الخيارات ‘الاستراتيجية’ أصبحت تفرض نفسها قسرا نتيجة عوامل خارجية عفوية أو ناتجة عن شروط اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة أكثر منها خيارا واعيا لتحديد مكان ودور مملكة البحرين في التقسيم الدولي للعمل.
من جديد هناك حاجة ماسة لاتفاق مجتمعي على مستقبل التنمية الاقتصادية الاجتماعية بما يعطي للإصلاحات مضمونا أكثر عمقا وأعظم مردودا على المجتمع.

[1] راجع: صحيفة ‘الأيام’، 18 يناير/كانون الثاني .2008
[2] راجع: صحيفة ‘الوقت’، 12 نوفمبر/تشرين الثاني .2007
[3] راجع صحيفة ‘زايترا’ الروسية، 16 يناير/كانون الثاني.
عبر الرابط: www.zavtra.ru

صحيفة الوقت
 21/1/2008

اقرأ المزيد

العالم‮ “‬الأورولي‮”


حين انتهى جورج اورويل من كتابة روايته الشهيرة:”1948″، وأعاد قراءتها شعر بالحزن والإحباط ، لا بل واليأس، وقال فيها قولته الشهيرة : ” فكرة جيدة، لكني أفسدتها”. في الغالب فان جورج اورويل ليس الكاتب الوحيد الذي تؤرقه فكرة كتاب، وتظل ملازمة له طوال سنوات، وحين ينتهي من كتابته يكتشف أن الفكرة التي كانت في ذهنه أعمق وأجمل من تلك التي نفذها على الورق. سيرى بعض النقاد في انطباع جورج اورويل عن روايته بعض الوجاهة، لكن الرواية رغم ذك حققت نجاحا منقطع النظير، شهد الكاتب نفسه بعض هذا النجاح، وظل النقاد والدارسون يعودون إليها، فيرون فيها ما كان كاتبها قد أراد قوله من نقد للدولة الاستبدادية. سيصك هؤلاء الدارسون مصطلح “العالم الاورولي” نسبة إلى جورج اورويل نفسه، وهم يتحدثون عما تفعله الدولة الاستبدادية الحديثة من هيمنة على أذهان وأرواح البشر. والتفريق واجب بين صورة الدولة الاستبدادية التي نعرفها في الشرق، التي حملت كارل ماركس للتحدث في احد نصوصه الشهيرة عن “الاستبداد الشرقي”، وبين الدولة الاستبدادية المعاصرة في الغرب التي ربما لا تحتاج لأقبية التعذيب وقوانين الطورىء. فهذه الدولة الأخيرة تحكم الخناق على المجتمع كله من خلال أدوات “مخملية”، يلعب الإعلام وأجهزة الاتصال الحديثة دورا مهولا في تكييف الرأي العام كله وفق النموذج الذي تشتهيه الطبقة المسيطرة التي تحكم الخناق على أجهزة الدولة وتوظفها لخدمة مصالحها. لن يهم هذه الطبقة المسيطرة بعد ذاك أن يكون الحزب الحاكم جمهوريا أو ديمقراطيا، ديمقراطيا مسيحيا أو ديمقراطيا اشتراكيا. التسمية هنا غير ذات معنى أو أهمية، طالما كانت المفاصل الرئيسية للاقتصاد و”مواقع الهيمنة”، كما يدعوها غرامشي، تحت القبضة المحكمة. ثمة أمران ينطويان على بعض المفارقة، الأول هو أن جورج اورويل، الذي من اسمه جرى اشتقاق مصطلح العالم الاورولي، ليس هو الاسم الحقيقي للكاتب، وإنما هو الاسم الذي اختاره ليوقع به رواياته، أما اسمه الأصلي فهو ايريك بلير. والأمر الآخر هو أن عنوان الرواية موضوع الحديث: “1948” كان تنويعا ذكيا على السنة التي كتب ونشر فيها روايته، وهي سنة 1984، حيث أراد تخيل ماذا ستفعله الدولة في الفرد بعد نحو أربعين عاما، فأعطانا الرواية التي أحزنته، لكنها ما انفكت تحملنا على العودة إليها مرارا.


 
صحيفة الأيام


 20 يناير 2008
 

اقرأ المزيد

أو ليس هذا أيضاً‮ ‬ تهريباً‮ ‬واتجاراً‮ ‬في‮ ‬البشر؟‮!‬

قلنا في‮ ‬مرة سابقة إن كثيرا من الشوائب قد علقت بجسم الديمقراطية الغربية وصار لزاما عليها المبادرة سريعا لتنظيف الأجزاء المتسخة من جسمها كي‮ ‬يستعيد هذا بعض بهائه المتلاشي‮ ‬بفعل الزمن الذي‮ ‬جارت فيه الرأسمالية بصورة فجة على احدى ماكنات حيويته،‮ ‬وهي‮ ‬هنا الآلية الديمقراطية‮. ‬رئيس الوكالة اليهودية المختصة بأعمال تهجير اليهود وأنصاف اليهود من بلدانهم الأصلية إلى فلسطين المحتلة منذ ما قبل قيام إسرائيل في‮ ‬عام‮ ‬‭,‬1948‮ ‬يعلن بملء فمه،‮ ‬وبكل تبجح وتباهٍ،‮ ‬بأن وكالته نجحت مؤخرا في‮ ‬تهريب‮ ‬40‮ ‬يهوديا إيرانيا من إيران إلى إسرائيل عبر دولة ثالثة لم‮ ‬يشأ الإفصاح عن اسمها،‮ ‬ما‮ ‬يرفع إلى مائتين عدد اليهود الإيرانيين الذين استطاعت الوكالة اليشهودية تهجيرهم من إيران إلى إسرائيل العام الفائت‮ (‬2007‮)‬،‮ ‬وذلك مقارنة بعدد اليهود الإيرانيين الذين رتبت عملية نقلهم سِرًّا من إيران إلى إسرائيل في‮ ‬العام قبل الماضي‮ (‬2006‮) ‬والبالغ‮ ‬65‮ ‬إيرانيا‮. ‬
وكانت إسرائيل قد شرَّعت لنفسها،‮ ‬منذ قيامها،‮ ‬حق منح كل‮ ‬يهودي‮ ‬في‮ ‬العالم،‮ ‬أينما وُجد،‮ ‬حق الهجرة إلى إسرائيل والاستيطان فيها والحصول على جنسيتها‮. ‬ومن‮ ‬يومها والوكالة اليهودية،‮ ‬وهي‮ ‬هيئة حكومية مكلفة بترتيبات تهجير‮ ‬يهود العالم إلى إسرائيل،‮ ‬ما انفكت تعمل بكل شراسة من أجل دفع اليهود المتواجدين في‮ ‬مناطق العالم المختلفة،‮ ‬للهجرة إلى إسرائيل‮. ‬وتتمتع هذه الوكالة اليهودية بحظوة ونفوذ خاصَّين ليس لدى أوساط الطبقة الحاكمة الإسرائيلية وحسب،‮ ‬وانما لدى أساطين المال والسطوة والجاه في‮ ‬أماكن التواجد اليهودي‮ ‬عبر العالم،‮ ‬لاسيما في‮ ‬البلدان الغربية التي‮ ‬يتعاطف معظم طبقتها السياسية مع إسرائيل ومع ترحماتها وبكائياتها ومناحاتها على ما تعرض له اليهود من بطش على‮ ‬يد النازي‮ ‬الألماني‮ ‬إبان العقبة الهتلرية‮.‬
ولعل هذا هو ما‮ ‬يفسر حالة الخرس التي‮ ‬تصيب الساسة الغربيين حين تتناهى إلى أسماعهم أنباء أنشطة الوكالة اليهودية،‮ ‬المحمومة،‮ ‬الخاصة بإعداد وإنهاء ترتيبات تهجير مواطنين‮ ‬يهود من بلد ما إلى إسرائيل‮.‬
ورغم وقاحة وبجاحة تصريحات رئيس الوكالة اليهودية المتباهية بنجاح وكالته في‮ ‬نقل الدفعة الأخيرة من المهاجرين اليهود الإيرانيين إلى إسرائيل،‮ ‬ورغم طابع التهريب‮ ‬‭(‬Smuggling‭)‬‮ ‬والقرصنة‮ ‬‭(‬Piracy‭)‬‮ ‬الذي‮ ‬اتسمت به عملية التهجير السرية،‮ ‬والتي‮ ‬لا تختلف كثيرا عن الطرق التي‮ ‬تتبعها العصابات الإجرامية المنظمة المشتغلة في‮ ‬مجال الاتجار في‮ ‬الرقيق‮ ‬‭(‬Trafficking in slavery‭)‬‮ ‬الذي‮ ‬صارت الخارجية الأمريكية تفرد له تقريرا سنويا خاصا‮ ‬يرصد لما تعتبره واشنطن انتهاكات لحقوق الإنسان متمثلة في‮ ‬هجرة واستغلال هجرة العمالة الرخيصة عبر العالم في‮ ‬وظائف شتى لا تتوفر فيها شروط الكرامة الإنسانية‮ – ‬رغم ذلك فان أحدا في‮ ‬العواصم الغربية لم‮ ‬ينبس ببنت شفة تعليقا على ما قامت وتقوم به الوكالة اليهودية‮.‬
أيضا،‮ ‬وعلى الصعيد نفسه قد‮ ‬يتساءل البعض وكيف لهؤلاء المهاجرين أن تطاوعهم قلوبهم وتسعفهم على ترك الوطن الذي‮ ‬تربوا وعاشوا وتعلموا في‮ ‬كنفه والتوجه،‮ ‬عوضا عنه،‮ ‬للعيش في‮ ‬بلد‮ ‬غريب ومع أناس أغراب،‮ ‬حيث لا أهل ولا أحباب ولا مكان الطفولة والصبا الأول الذي‮ ‬لا تاريخ للواحد منا بدونه،‮ ‬اللهم الوعد بحياة أرغد وأهنأ؟
في‮ ‬عديد الحالات،‮ ‬وليس جميعها،‮ ‬ليس مستبعدا أن‮ ‬يكون الافتقار للعيش الكريم والكرامة الإنسانية في‮ ‬البلد الأم،‮ ‬هو المحرك الاضطراري‮ ‬لدفع البعض للهجرة هربا من واقعه المأزوم،‮ ‬ليس اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وحسب وانما نفسيا أيضا،‮ ‬وهو الأخطر على الذات الإنسانية بطبيعة الحال‮.‬
بيد ان هنالك من حالات الهجرة،‮ ‬العديدة أيضا،‮ ‬التي‮ ‬يقف وراء محفزاتها ابتلاع طعم الأوهام،‮ ‬أوهام الوكالة اليهودية في‮ ‬الحالة التي‮ ‬نحن بصددها‮. ‬فكم من اليهود وأنصاف اليهود الروس والأوروبيين الشرقيين وغيرهم،‮ ‬ذهبوا ضحية هذه الأوهام،‮ ‬حيث انتهى بهم الحال في‮ ‬إسرائيل إلى مواخير الدعارة وتجارة المخدرات‮.‬
ولأن معسول الوعود لا‮ ‬يتطابق دائما مع حقائق الواقع على الأرض،‮ ‬فقد كان لابد وأن تصل أنباء إخفاقات الموعودين برغيد العيش في‮ ‬كنف البلاد التي‮ ‬تدين بديانتهم،‮ ‬العائدين بخيباتهم،‮ ‬إلى أولئك الذين‮ ‬ينتظرون أدوارهم للانضمام إلى من سبقوهم إلى تلك‮ ‘‬الواحة‮’ ‬الموعودة،‮ ‬فتأتي‮ ‬النتيجة بما لا تشتهي‮ ‬سفن الوكالة اليهودية،‮ ‬حيث أعرب رئيسها زئيف بيلسكى عن قلقه من التراجع المستمر في‮ ‬اعداد المهاجرين اليهود إلى إسرائيل بعد ان أظهرت أرقام نشرتها وزارة الاستيعاب الإسرائيلية‮ ‬يوم الرابع والعشرين استمرار تراجع هؤلاء المهاجرين في‮ ‬عام‮ ‬2007‮ ‬وبلوغ‮ ‬عددهم‮ ‬19700‮ ‬مهاجرا،‮ ‬وهو أدنى مستوى‮ ‬يسجل منذ حوالي‮ ‬20‮ ‬عاما‮. ‬وفي‮ ‬حين بلغت نسبة التراجع الإجمالية‮ ‬6٪‮ ‬مقارنة بعام‮ ‬2006‮ ‬فإنها سجلت انخفاضا حادا من دول الاتحاد السوفييتي‮ ‬السابق نسبته‮ ‬15٪،‮ ‬علما بأن المهاجرين اليهود من هذه الدول‮ ‬يشكلون‮ ‬30٪‮ ‬من اجمالي‮ ‬اليهود المهاجرين إلى إسرائيل‮.‬
الآن‮.. ‬أين هي‮ ‬المنظمات الدولية المعنية بمكافحة تهريب البشر والاتجار بهم‮.. ‬أين هي‮ ‬من أعمال القرصنة والتهريب التي‮ ‬تقوم بها الوكالة اليهودية بعلم الجميع وإن تم بعضها تحت جنح الظلام؟
وهل‮ ‬يعقل ان‮ ‬يسمح للغرباء بالاستيطان في‮ ‬وطن ليس وطنهم في‮ ‬حين ترفض إسرائيل الحديث حول حق اللاجئين الفلسطينيين الذين هُجّروا قسرا من ديارهم؟‮!

صحيفة الوطن
 20 يناير 2008‬

اقرأ المزيد

حرية الإبداع

منع توزيع رواية الروائي‮ ‬المبدع عبدالله خليفة‮ “عمر شهيدا‮” ‬من قبل الشؤون الاسلامية‮ ‬ينبغي‮ ‬اعادة النظر فيه لأن العمل الروائي‮ ‬او الأدبي‮ ‬عامة ليس خطابا فكريا او ايديولوجيا تعرض لنقاش سياسي‮ ‬بغية المحاسبة،‮ ‬فكيف لنا ومع احترامنا للمشاعر الدينية وتعدد الاديان ان نقتطع عبارة او عبارات من سياق الرواية العام ومن ثم تتخذ الاحكام،‮ ‬في‮ ‬حين ان كل احتمالات التأويل مفتوحة في‮ ‬العمل الأدبي‮ ‬ولايعني‮ ‬هذا ان تقتضي‮ ‬العبارة مثلما نريد وتفسر في‮ ‬دلالاتها الخارجية من دون رؤية شاملة للرواية او النص الأدبي‮.‬
على العموم ان حرية الابداع في‮ ‬اغلب وسائر الدول العربية والاسلامية مكفولة وان تفاوت مساحتها العملية من دولة واخرى فإنها مسلوبة لاتخرج عن النصوص والاقوال ومصادرتها هنا تأتي‮ ‬لاسباب سياسية او لحسابات دينية ربما تقيد هذه الحرية بشكل مبالغ‮ ‬فيه‮.‬
فكم من اللجان شكلت وصادرت هذه الحرية ليس بدعوى الحفاظ على العادات والتقاليد وانما لاغراض سياسية وعقائدية‮.. ‬وكم من المحاكمات جرمت الابداع والمبدعين والمثقفين التنويريين والعقلانيين من المفكرين إرضاء لمعتقدات تكفيرية لها علاقة بفتاوى اهدار الدم‮!!‬
فحرية الابداع التي‮ ‬تعد من المحرمات في‮ ‬الفكر التكفيري‮ ‬تجسد بوضوح نشاط الجماعات التكفيرية المعادية لحقوق الانسان والديمقراطية،‮ ‬وفي‮ ‬مصر بلد الثقافة شهدت محاكمات حكمت بالارتداد على طه حسين ونصر ابوزيد وحسن حنفي،‮ ‬وتمت محاولة اغتيال المبدع نجيب محفوظ،‮ ‬ولم‮ ‬يتردد الارهاب ايضا من تكفير الروائي‮ ‬السوري‮ ‬حيدر حيدر حينما حكم المتأسلمون عليه عام ‮٠٠٠٢ ‬بالقتل بسبب روايته‮ “وليمة اعشاب بالبحر‮” ‬وعقدت المؤتمرات التكفيرية لتصفية الحسابات مع الابداع باسم الدين ووزعت اتهامات التأثيم والتخوين للمثقفين المصريين المدافعين عن الحريات والديمقراطية‮!!‬
وعند سؤال حيدر حيدر‮: ‬ما هو هدف الذين كفروك؟
قال‮: ‬المخطط كبير فالقضية ليست‮ “وليمة اعشاب البحر‮” ‬وحيدر حيدر ولكنها اكبر من ذلك‮.. ‬هم‮ ‬يستهدفون كل التنويريين وهدفهم استلام الشارع،‮ ‬والسعي‮ ‬لاستلام السلطة اي‮ ‬هي‮ ‬ليست اكثر من شراره تمهد لمخططاتهم وانا لست افضل من الذين نفوا او حوكموا او قتلوا بسبب آرائهم وافكارهم‮.‬
وما حدث في‮ ‬مصر من مصادرة لحرية الابداع واعمال تخريب لمنشآت اقتصادية وسياسية وقتل الابرياء لايختلف عن الجزائر والمغرب العربي‮ ‬الدول التي‮ ‬اصبحت مسرحا للاعمال الارهابية وملاذا للمتطرفين الدينيين الذي‮ ‬قتلوا الصغار قبل الكبار،‮ ‬وقتلوا الفرح والحياة ونالوا من المبدعين وما اشار اليه الروائي‮ ‬الجزائري‮ “‬واسين الاعرج‮” ‬في‮ “‬سيدة المقام‮” ‬وبعدها‮ “‬في‮ ‬ذاكرة الماء‮” ‬لهو الاكثر دقة في‮ ‬فضح حراس النوايا الذين هاجموا المدن الجزائرية بالفؤوس والسكاكين والرصاص في‮ ‬وسط المذابح والمجازر الدموية التي‮ ‬كانت تشهدها الجزائر كان صوت الحرية‮ ‬يتردد من تلك الاعمال الادبية‮: ‬ايها القتلة اخرجوا من قيامتنا،‮ ‬اخرجوا من افراحنا واحزاننا واتركونا نموت ونحيا كما نشاء‮.. ‬ايها القتلة اخرجوا من اصدائنا واشلائنا‮.. ‬اخرجوا من دورتنا الدموية‮.‬
والحال لايختلف عن العراق التي‮ ‬بعد ان مزقها نظام الدكتاتور الذي‮ ‬اصبحت البلاد في‮ ‬عهده اكثر ظلمة وسوادا من شدة القتل الجماعي‮ ‬ها هي‮ ‬الآن تطاردها لعنة الارهاب الطالبانية والايرانية والصراعات الدموية على السلطة‮!!‬
وطالما ان الارهاب لا وطن له فإن الارهاب الفكري‮ ‬وارهاب المبدعين نال في‮ ‬بنغلادش من التقدمية‮ “‬تسليمه نسرين‮” ‬كاتبة رواية‮ “‬العار‮” ‬عندما فضحت التطرف الديني‮ ‬والصراعات الطائفية والاثنية والمورثات الاكثر جمودا مما استحل قتلها وهي‮ ‬مطاردة الآن من جماعات القتل والارهاب‮!!‬
واما في‮ ‬عهد طالبان فكانت افغانستان تعيش العصور الحجرية المعادية ليس للابداع وانما للانسان ومن منا لا‮ ‬يتذكر الحملة المعادية للتراث الانساني‮ ‬حينما هدم تمثالا بوذا العملاقان في‮ “باميان‮”  ‬بإيعاز من محمد عمر رئيس جند طالبان عام ‮١٠٠٢ ‬رغم ان هذا التراث الذي‮ ‬مضى عليه ‮٠٠٥١ ‬سنة‮ ‬يعد ملكا للبشرية جميعا‮. ‬اخيرا‮.. ‬لانريد ان نقول ان قرار منع‮ “‬عمر شهيدا‮” ‬من التوزيع‮ – ‬رغم اجازته من وزارة الاعلام‮ – ‬قرار مفتعل،‮ ‬ولكن ليس معقولا ان تكون مبرراتنا لهذا المنع مرتجلة او سريعة او ربما مدفوعة من قبل اعداء الثقافة في‮ ‬البلاد لان متى ما كان حرية الابداع المسؤولة مقيدة تصبح محبطة‮.

صحيفة الأيام
20 يناير 2008‬

اقرأ المزيد

المؤقت حين‮ ‬يدوم

في‮ ‬إحدى قصائده نصح الشاعر التركي‮ ‬ناظم حكمت المهاجرين والمغتربين عن بلدانهم بألا‮ ‬يدقوا مسماراً‮ ‬على حيطان‮ ‬غرفهم ليعلقوا عليه ملابسهم،‮ ‬وأن‮ ‬يلقوا بهذه الملابس بعد أن‮ ‬يخلعوها على الكرسي،‮ ‬لأنهم عائدون إلى بلدانهم قريبا‮.‬ لكن الشعر مجاز،‮ ‬ولا أحد‮ ‬يأخذ المجاز على محمل الجد كما نرى،‮ ‬ليس لأننا لا نريد أن نفعل ذلك،‮ ‬ولكن فظاظة الحياة وقسوتها تحملاننا حملاً‮ ‬على التفكير بهذه الطريقة‮.‬ يوم‮ ‬غادر العرب قرطبة لم‮ ‬ينسوا مفاتيح البيوت الجميلة المطلية بالبياض المنبسطة على السهول الأندلسية،‮ ‬فاحتفظوا بتلك المفاتيح في‮ ‬جيوبهم الواسعة كأنهم عائدون إليها بعد وقت لن‮ ‬يطول‮.‬ وحسب تعبير أديب فلسطيني‮ ‬فإن اللاجئين الفلسطينيين في‮ ‬نكبة ‮٨٤٩١ ‬إذ لجأوا إلى البلدان المجاورة كترتيب مؤقت تركوا‮ “‬طبيخهم‮” ‬على النار آملين العودة بعد ساعات‮. ‬الساعات كما نعلم امتدت لتتجاوز حتى الآن نصف قرن من الزمان،‮ ‬وما كان مؤقتاً‮ ‬غداً‮ ‬دائماً،‮ ‬وتجري‮ ‬الترتيبات لجعله أبدياً‮.‬ لكن الإنسان أميل للنظر إلى كل الأمور بصفتها مؤقتة،‮ ‬بصفتها عابرة‮. ‬الإنسان الذي‮ ‬يقتلع من محيطه الآمن،‮ ‬ومن الأشياء التي‮ ‬ألفها والأحبة الذين تعلق بهم الفؤاد،‮ ‬يقنع نفسه،‮ ‬في‮ ‬ما‮ ‬يشبه التمني،‮ ‬بأن ما جرى ليس سوى أمر مؤقت،‮ ‬وأن المحيط الذي‮ ‬انتزع منه سرعان ما سيحتضنه من جديد،‮ ‬ولكن الحياة ليست سخية في‮ ‬تقديم عطايا من هذا النوع‮.‬ في‮ ‬رواية صغيرة اسمها‮ “الحريق‮” ‬للكاتب فالنتين راسبوتين‮ ‬يدور الحديث عن بلدة مشوشة وغير مريحة،‮ ‬لا هي‮ ‬مدينة ولا هي‮ ‬قرية‮. ‬إنها أشبه بموضع حل فيه بدو رحل ليأخذوا قسطاً‮ ‬من الراحة في‮ ‬انتظار تحسن الطقس،‮ ‬فظلوا فيه مكرهين‮ “فلم تنبت لهم جذور‮”.‬ هذه الجملة الأخيرة تلخص ما‮ ‬ينطوي‮ ‬عليه المؤقت،‮ ‬أو الشعور بالأمور بوصفها مؤقتة،‮ ‬من معاناة‮. ‬أنت تتعاطى مع المؤقت بأنه ليس سوى مرحلة قصيرة عليك اجتيازها كيفما اتفق آملا في‮ ‬وضع أحسن،‮ ‬لكن‮ ‬غالباً‮ ‬ما‮ ‬يطول هذا المؤقت ليغطي‮ ‬مساحة تكتشف بعدها أنك كمن‮ “ضيع في‮ ‬الأوهام عمره‮”.‬ الأصح أن نتشرب لحظات السعادة العابرة قطرة قطرة،‮ ‬قبل أن تتلاشى وتزول،‮ ‬لأن الدائم ليس سوى سلسلة من‮ “‬المؤقتات‮”.‬

اقرأ المزيد

عندما‮ ‬يصبح الاستجواب موضة


الاستجواب في الدول الديمقراطية العريقة يأخذ وقتاً طويلاً قد يمتد إلى عدة سنوات من عمر الوزير المستجوب، لأن في الاستجواب إشكالية كبيرة يترتب عليها عدد من المسائل ليس بالنسبة للوزير المستجوَب فحسب بل بالنسبة لمن استجوبه أيضا، وإن الفشل في الاستجواب يعني الفشل في الأداء البرلماني.
والاستجواب ليس فقط للكشف عن الفساد، وإنما أيضا في ذات الشخص الذي يسأل وهو النائب المستجوب (بكسر الواو)، ولأن الاستجواب فيه ادعاء قد ينجح أو ينتابه الفشل، لهذا فالحذر والحيطة واجبة في اتخاد أي قرار من هذا النوع، فلصق التهم جزافاً هو في حد ذاته فساد برلماني، الاستجواب ليس فقط من أجل الاستجواب نفسه أو الحصول على وجاهة انتخابية أو اتخاذ موقف شخصي للإيذاء وإثارة البلبلة، بل هو من أجل الوصول إلى الحقيقة المبتغاة والمنشودة، وهو فن وفلسفة واختصار لعمل النائب ووصوله إلى موطن الفساد بأداة برلمانية، إذن نحن بصدد دراسة للواقع وتمحيص لما يجري في الساحة والأمر يتطلب اكتمال جميع الحيثيات المبتغاة، لطرح أي موضوع  كان صغيراً أم كبيراً.
فحسب مانرى ونسمع، ومن خلال المرئيات المطروحة في هذه السطور، نجد أن هناك قصوراً ثقافياً في مسألة الاستجواب في برلماننا، وكأن النواب يتدربون على الوزراء، ففي بعض الأحيان توجه التهم على شكل فقاعة سرعان ما تتبدد!! بحيث أن قيمة الاستجواب تصبح ليست ذات معنى وكأننا بصدد تضليل، أو لعبة أو إشاعة وكل ذلك يعتبر ضياع وقت دون فائدة للمواطن، والاستجواب أصبح وسيلة لإزاحة أي شخص لا يتفق معهم في الرأي، لأنه شخص حداثي متطور لا يتماشى مع ما يريدون أو كونها امرأة سافرة، أو شخص منفتح مثل وزير الإعلام، وهكذا يتم التجاوب مع الإشاعة المطروحة ويؤخذ قرار على أثرها، وكأن المسألة كاريكاتورية أو فلم هندي، وعلى هذا النهج يتعرض بعض الأبرياء إلى ظلم دون حساب لمكانة الشخص الاعتبارية، حتى أصبحت الوزارات الخدمية غير مرغوبة في حقائبها. 
من ناحية أخرى فالاستجواب في بلادنا خاضع إلى المزاج والتقلبات الشخصية، فمثلاً سمعنا عن استجواب وزير البلديات منصور بن رجب، وفي اليوم الثاني ردت وزارة البلديات التهم برسالة مطولة، ثم أطبق سكوت تام ولم يرد أحد عليها، وسمعنا أن النواب لا زالوا على موقفهم السابق، ثم صرح خليل المرزوق: ‘ليس لدى الكتلة محاور واضحة بشأن رغبة أحد النواب لاستجواب وزير شؤون البلديات والزراعة، وإن وجدت سيكون للكتلة موقف واضح من الاستجواب’. وبعدها قرأنا أن الوزير منصور بن رجب يصرف في رحلاته خارج البحرين 1600 دينار في الليلة الواحدة هو والطاقم الذي يرافقه.
إذاً هناك تصريحات نارية متضاربة وكأنها دعاية انتخابية أو أمور شخصية يراد منها الابتزاز فقط.. إذاً على وزير البلديات أن يتبع طريقتي في السفر، ففي سفراتي لا أصرف شيئاً حيث أسكن مع ابنتي التي تعمل في الولايات المتحدة مع زوجها وأستخدم سيارتها لقضاء حاجاتي، وأقترح على الوزير أن يسكن مع ابنه الذي ربما يدرس في الخارج ويسكن الوفد في أي مكان قريب ويمشي على رجليه أو يركب القطار، وبالتالي ستقل مصاريف سفره بدلاً من أن يسكن في فندق 5 نجوم وينافس النواب البحرينيين وأعضاء المجالس البلدية أثناء سفرياتهم.
المثل البحريني الذي يقول ‘أبوي لايقدر إلا على أمي’، ينطبق على وزراء الخدمة ويتعدى الوزراء الآخرين، وكأن وزراء الخدمة حيطة واطية.  
ماذا تريدون من وزراء الخدمة؟ أتريدون أن ينصبوا لكم وزيراً في كل يوم؟ إنه إرهاق لميزانية الدولة، وللعلم فإن الوزير إذا أقيل من منصبه يبقى محتفظاً بمكانته الوزارية طيلة حياته وكذلك الطاقم الذي معه.. لماذا لا تزنون الأمور؟ إن تكاليف الدولة في إزاحة وزير وطاقمه ووضع وزير جديد يكلف الملايين. فبدلاً من أن تخسر الدولة كل أربع سنوات أو ثمان أصبحت الخسارة كل سنة!!.
إن منصور بن رجب لم يمض على توزيره سوى سنة؟ اتركوه حتى يثبت وجوده مدة أكثر، وأعطوه الأمان والثقة، وإلا كيف يستطيع إنسان أن ينجز عملاً ما وهو في تهديد مستمر والعيون تحدق حوله؟
الوزارات الخدمية بشكل عام صعبة، وإرضاء الناس فيه شيء مستحيل، وهذه الوزارات لها علاقة شديدة بالمواطنين ومرتبطة بمصالحهم، فهي وزارات حساسة، والناس تعودت النقد المفرط دون الرجوع إلى المحاسن والإنجازات، وهذا أيضا ضار بالمواطن والوطن. 
   
صحيفة الوطن
 18 يناير 2008 

اقرأ المزيد

قطاع خاص بحريني‮ ‬أكثر حيوية

 حتى إلى ما قبل حدوث الطفرة النفطية الثالثة في عام , 2004 كانت قطاعات البنية الأساسية، من إنشاء وتوسيع مطارات وموانئ ومحطات توليد طاقة وجسور وطرق سريعة ومرافق خدمية أخرى، تحظى بنصيب وافر من الإنفاق الاستثماري الحكومي لبلدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية. إلا أن ما حدث بعد ذلك نتيجة تضخم إيرادات الموازنات العامة بسبب الارتفاع الكبير في أسعار النفط، ينتسب إلى قائمة الأرقام القياسية سواء فيما يتعلق بحجم الإنفاق على المشاريع الرأسمالية أو بنوعية وحجم المشاريع المنفذة. فلم يحدث في تاريخ بلدان المنطقة الاقتصادي الحديث أن كانت الطفرة الاستثمارية بهذا الحجم وبهذا الاتساع (غطت كافة القطاعات الاقتصادية تقريباً). مثلما لم يحدث أن دخل القطاع الخاص مزاحماً ومواكباً للقطاع الحكومي في الاستثمار بصورة تدعو للاعتقاد بأن تغيراً نوعياً سوف يضع بصماته على الهياكل الاقتصادية لبلدان مجلس التعاون مع نهاية العشرية الأولى من هذا القرن.
 ومن بين الأمثلة العديدة على حدوث مثل هذه النقلة الاستثمارية النوعية، هو ما تشهده صناعة النقل الجوي من تطورات بالغة العظم والأهمية، حيث أنفقت عشرات مليارات الدولارات على إنشاء مطارات تضاهي في حجمها وتجهيزاتها وإمكانياتها الاستيعابية كبرى المطارات العالمية، كما جرى وتجري عمليات توسعة لمطارات أخرى. وترافق ذلك مع إبرام صفقات بأرقام فلكية لشراء طائرات تجارية بقيمة ناهزت 100 مليار دولار تقاسمتها شركات طيران بلدان الاقتصادات الصاعدة في المنطقة لاسيما دبي وقطر، وذهب النصيب الأعلى منها إلى شركة اتحاد الصناعات الأوروبية ‘ايرباص’.
ليس هذا وحسب، بل أن تطوراً نوعياً حدث في رواق مشغلي (Operators) صناعة النقل الجوي الخليجية، فبعد أن بدأت في الظهور شركات طيران وطنية في كافة دول المجلس تعود ملكيتها بالكامل إلى حكومات بلدانها، سرعان ما تطور الأمر ليشمل دخول القطاع الخاص إلى الحلبة بمبادرته إلى إنشاء شركات طيران تجارية وأخرى خاصة.
 وأمام الحجم المتزايد لعمليات الشحن (Cargo) الجوي ومنافسته (باقتصاديات الحجم) لوسائل النقل الأخرى، فإن من المرجح جداً أن نشهد عما قريب قيام شركات طيران متخصصة في عمليات الشحن الجوي، وذلك لاستثمار هذا المد الاستثماري في هذا الحيز من صناعة النقل الجوي.
هذا التحول النوعي في هذا القطاع التقطته مجموعة يوسف بن أحمد كانو، إذ أعلنت عن تأسيسها شركة بحرينية سعودية مشتركة متخصصة في مجال خدمات الطيران، مع تركيز أفصح على تزويد شركات الطيران العاملة في المنطقة بقطع الغيار اللازمة لانتظام أعمال صيانتها.
إنها بالتأكيد التفاته استثمارية حصيفة وخطوة موفقة لشركة عريقة تتمتع بخبرة تناهز النصف قرن في مجال الطيران، ونقصد بذلك شركة يوسف بن أحمد كانو التي لها تواجد راسخ في قطاعات الأعمال بدول مجلس التعاون.
غير أن الملاحظ هو صغر حجم الشركة وبالتالي نطاق أعمالها، إذ لا يتجاوز رأسمالها 300 ألف دينار بحريني (حوالي 800 ألف دولار أمريكي)، تبلغ حصة الشريك السعودي فيها 60٪.  ويبدو أن هذا هو المتاح، والممكن من طاقات استثمارية لدى بعض قطاعات الأعمال في دول مجلس التعاون، حتـى فـي ظـل الطفـرة النفطية الثالثة التي تشهد طوفـاناً مـن الاستثمـار المباشر (Direct investment) الذي طاول شريحة واسعة من القطاعات الاقتصادية بما فيها قطاع مصادر الطاقة المتجددة (Renuables) رغم المجازفة الاستثمارية التي تحف به، والذي أطلق العنان لظاهرة مشاريع الميجا (Mega projects).
وإن كنا نتمنى أن نرى بيوتاتنا التجارية العريقة وقد انخرطت، غير متأخرة، في ‘معمعان هذا المعترك الاستثماري’ برؤى وتوجهات إنتاجية جديدة لا تتجاوز بالمطلق إمكاناتها وطاقاتها وخبراتها المتراكمة.
 
صحيفة الوطن
13 يناير 2008

اقرأ المزيد

حلم شديد الواقعية‮..!

من العبث الرهان على أي نهوض اقتصادي وتنموي شامل، ويحمل رؤية للمستقبل في ظل وضع تتنافر فيه الرؤى والتوجهات والسياسات وتتعارض فيه المصالح ولا تتكامل فيه الأدوار، ويكون القرار الاقتصادي فيه عرضة لتجاذبات واعتبارات تخلق عوائق وكوابح أمام مسيرة الإصلاح الاقتصادي ولا تتفق مع المصالح والأهداف العليا للوطن.
وعندما بعث صاحب الجلالة الملك قبل أيام بعدة إشارات لا تحتمل اللبس والتأويل في خطابه الموجه لسمو ولي العهد رئيس مجلس التنمية الاقتصادية، فإنه يستنهض بهذه الإشارات عزيمة انقاذ مشروع الإصلاح الاقتصادي الذي هو حتماً جزء أساسي من مشروعه الإصلاحي الشامل، كما إنه بذلك يشرع الأبواب أمام مرحلة نوعية جديدة كانت مطلوبة وباتت ملحة ولازمة ليس فقط بإيجاد مرجعية واحدة للشأن الاقتصادي هي مجلس التنمية الاقتصادية، وإنما أيضاً عبر التشخيص الموضوعي لواقع الحال الاقتصادي، والاعتراف الصريح بعرقلة مسؤولين حكوميين وأجهزة رسمية لجهود الإصلاح الاقتصادي، وهذا في الحقيقة أمر بات واضحاً ومعروفاً ومعترفاً به إلى حد أنه يكاد يكون من بين الأمور التي لا تحتاج إلى شرح ولا تفصيل.
واذا كان سمو ولي العهد رئيس مجلس التنمية الاقتصادية قد وضع اليد على الجرح بإقراره أن هناك تعارضاً بين سلوك بعض المسؤولين وبعض الأجهزة الحكومية مع المشروع الإصلاحي للملك، ومع المصالح العليا والأهداف الوطنية، وهذه حالة غير مسبوقة من الإقرار الرسمي بعدم الانسجام بين تلك الأطراف ومجلس التنمية الاقتصادية، فإن الإشارات التي بعثها جلالة الملك للجميع وللمعنيين بصورة خاصة، والتي أكد من خلالها على مرجعية الشأن الاقتصادي، وأن هذه المرجعية هي وحدها المختصة بوحدة القرار الاقتصادي، وأن على ذوي العلاقة من وزراء ومسؤولين ووزارات وأجهزة الانصياع لتوجيهات وأوامر هذه المرجعية، ولرئيسها سمو ولي العهد والالتزام بقراراته.
هذا المستجد في الساحة الاقتصادية يعني أن مشروع الإصلاح الاقتصادي قد وضع على محك القرار السياسي، ويعني ثانياً أن هناك اتجاهاً وتوجهاً بإضفاء الصدقية على جهود الإصلاح الاقتصادي والسير بهذا المشروع كما يراد له أن يكون دونما تخبط أو تردد ليأخذ مداه المطلوب بإعادة ترتيب كثير من الأمور، ووضع حد لأي اجتهادات متناقضة، ولينقلنا من نظرة تشكيك في جدية أي جهود وخطوات إصلاحية، ومن حالة إحباط إلى آفاق لا نعرفها، ولكن نفترض أن هناك من يعرفها ويخطط لها من الأمس قبل اليوم.
أهمية هذا المستجد تكمن أيضاً في أنه يأتي في وقت نتوقع فيه أن يبادر مجلس التنمية الاقتصادية بطرح رؤيته واستراتيجيته المستقبلية لاقتصاد البحرين، وهي الاستراتيجية التي باتت الحاجة إليها أكثر من ملحة لحاجة اقتصادنا إلى قواعد عمل ديناميكية جديدة، لا يزال البعض غير قادر على استيعاب الحاجة إليها، أو تجاهل ذلك بمبررات غريبة وحجج لا تستقيم مع واقع الحال محلياً وإقليمياً وعالمياً، هدفها في النهاية هو الحفاظ على الأوضاع الحالية بحجة الاستقرار، في الوقت الذي يجب أن يفهم الجميع بأن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على الجمود، ولا يعني مقاومة التطور، ولا يبقى الحال على ما هو عليه.
ربما من تلك الزاوية فإن ثمة كلمة يجب أن تقال في هذا التوقيت بالذات بشأن أولويات ومحاور الرؤية والاستراتيجية الاقتصادية، ونتصور في هذا الخصوص أن يأتي إحداث نقلة نوعية في الجهاز الإداري للدولة في صدارة هذه الأولويات، فجلالة الملك يربط الإصلاح الإداري بالتنمية الاقتصادية، وأتصور أن هذا الإصلاح يجب أن يستهدف ثلاثة أمور أساسية الأول تأكيد حق المواطن في الحصول على خدمات جيدة وفق آليات منضبطة وكرامة مصانة، والثاني اقتلاع الفساد لإعطاء الأمل في غد أفضل وحياة أجود، والثالث انضباط الأداء الحكومي الذي لا يأتي إلا بالمتابعة والمساءلة المستنيرة والمحاسبة الفعالة. والأمر الثاني بالنسبة لأولويات الرؤية والاستراتيجية الاقتصادية هو تحديد خياراتنا الاستراتيجية، لأنه ما من دولة في العالم تستطيع الانتقال من أوضاع اقتصادية متطورة إلا اذا حددت بوضوح خيارها الاستراتيجي، هل نريد أن نكون مركزاً مالياً ومصرفياً أم نريد أن نكون مركزاً للتجارة وإعادة الصادرات أم قاعدة للتصنيع أم مركزاً إقليمياً للخدمات والاتصالات والسياحة؟ ووفق أي من تلك الخيارات الاستراتيجية أو غيرها توضع الخطط ويبرمج التعليم، وترسل البعثات، وتعد برامج التدريب وتنظم كل قواعد الحياة على أساس هذا الخيار تماماً كما فعلت سنغافورة؟ مع ملاحظة أن التعليم يجب أن يكون ضمن هذه الأولويات، فلا نهضة ولا تقدم من دون تعليم جيد برؤية جيدة، وتسعى إلى تعليم يتفق ومتطلبات العصر، وتكثيف المعرفة ويرتقي بالملكات الإبداعية للأفراد والمجتمع.
صحيفة الايام
18 يناير 2008
اقرأ المزيد

الغلاء ومبادرة رئيس الوزراء .. وحماية المستهلك

ليست المسألة التي باتت تواجه شعوب الخليج كافة هي «موجة الغلاء« المنفلتة من عقالها منذ ما يقرب من ثلاث سنوات على نحو غير مسبوق منذ استقلالها وقيام الدولة الوطنية الحديثة بل المسألة هي موجات متعاقبة متدفقة من ارتفاع الاسعار لمختلف المواد والسلع الاساسية الغذائية والمعيشية وغير الغذائية والمعيشية. وهكذا فثمة فرق كبير بين ما اصطلحنا على تسميته منذ عقود بـ «موجة غلاء« تهب بين الحين والآخر لتطاول هذه السلعة أو تلك السلعة أو على الادق مجموعة من السلع وبين «موجات« متدفقة متتالية لارتفاع اسعار السلع ذاتها ارتفاعا جنونيا متعاقبا موصولا لا ضابط له ولا تفسير ودونما حسيب أو رقيب فكأنما هي «لعبة« أو «موضة« استهوت كثرة من التجار المتحكمين في قوت هذه الشعوب. ولماذا لا تفعل ذلك طالما هي بلا رقيب أو حسيب؟ وكأننا نعيش في عصر جديد من عصور الاحتكار والمضاربة في قوت الناس. يزيد من خطورة الوضع المعيشي والاقتصادي لهؤلاء الناس ان المسكنات الوقتية كرفع الاجور نسبيا أو دعم السلع لمعالجة هذا التدهور باتت أعجز من ان تواجه هذه «الموجات« المتعاقبة سريعا لغلاء السلع والمواد الاساسية. فإذا كانت هذه المسكنات هي اعجز من ان تواجه أو تحد من غلواء «موجة غلاء« موسمية واحدة، فما بالك وهي يراد لها ان تواجه موجات متعاقبة لا ضابط لها ولا فرملة في مواجهة اندفاعتها الجنونية غير المسبوقة؟ وما بالنا أيضا وان زيادة الاجور لمواجهة ارتفاع الاسعار هي زيادات ذات نسب متدنية لا تكاد تذكر، ولاسيما في افقر هذه البلدان الخليجية، كالبحرين وعمان، واللتين هما أكثر بلدان المنطقة اكتواء ومنكوبية بموجات الغلاء المتدفقة؟ لا أحد ينكر ان ثمة عوامل وقوانين اقتصادية موضوعية عالمية ومحلية لعبت وتلعب دورا في ارتفاع اسعار السلع وهو ارتفاع غير منقطع ويحدث بين الفينة والاخرى وفق موجات موسمية او مفاجئة في كثير من الاحيان.. لكن من ينكر في المقابل اننا بتنا أمام موجات منفلتة من رفع الاسعار لا نجد لها تفسيرا معقولا ولا تصمد أمامها الحجج الروتينية ذات الاسطوانة «المشروخة« المبتذلة بأن السبب «بلد المنشأ«، وان الغلاء «ظاهرة عالمية«، و«ان كل شيء تم رفع سعره فكيف يستطيع التاجر أو البائع المتخصص في بيع سلعة أو عدة سلع معينة الايفاء بربحه من دون خسارة في ظل موجة الغلاء في الأسعار الاخرى وفي ظل ارتفاع الايجارات ومواد البناء والكهرباء والماء؟«.. الخ من هذه المعزوفة السمجة التي بات جميع التجار يكررونها، لكن والقليل منهم يكررها عن وجه حق، فيما الغالبية منهم هي بمثابة كلام حق في ألسنتهم يلوكونه أمام زبائنهم «الغلابة« لستر وتبرير «الباطل« المتمثل في الغلاء الفاحش الذي يمارسونه بأقصى الحرية وبحسب المزاج والاهواء. بهذا المعنى فاننا إذ نشيد ونقدر عاليا مبادرة الحكومة برئاسة صاحب السمو رئيس الوزراء بتخصيص 40 مليون دينار لمواجهة الغلاء.. فاننا نرى انه بات من الأهمية بمكان ليكون لمنحة دعم السلع الغذائية اثرها الملموس، ولو بالحد الادنى، لإعانة السواد الاعظم من الفقراء وفئات ذوي الدخل المحدود على مواجهة هذا التدهور المتفاقم في اوضاعهم المعيشية، تفعيل أولا وقبل كل شيء الشق الثاني المتعلق بتأكيد سموه لدى لقائه مؤخرا مجموعة من النواب في ديوانه تفعيل دور إدارة حماية المستهلك ولجنة مراقبة الاسعار، والتسريع بتجهيز مشروع قانون حماية المستهلك لإحالته على البرلمان واقراره في اقرب فرصة ممكنة. فمن دون تفعيل آليات المراقبة والضبط لمواجهة موجات ارتفاع الاسعار المتلاحقة لن يكون لمخصصات دعم السلع مفعول يذكر، إذ سرعان ما ستلتهمها تلك الموجات المتتالية المنفلتة من ارتفاع الاسعار، ولاسيما في ظل بقاء الاجور على حالها والتي لا تتحلحل الا بشق الانفس أو بمعجزة بعد اللتيا والتي، هذا إذا تم رفعها اصلا.. وهذا إذا ما كان الرفع يصل بالكاد الى نسبة الحد الادنى المعقولة لرفع الاجور فهو غالبا لا يقارب هذا الحد الادنى المطلوب. والأهم من ذلك، وكما اكد سموه عن حق، فان دعم السلع ينبغي ان يتم من خلال الآليات المناسبة التي تكفل وصول الدعم حقا إلى مستحقيه، لا ليستفيد منه من لا تتأثر دخولهم بارتفاع الاسعار بل تزداد مع زيادة الاسعار. ان مملكة البحرين هي في طليعة بلدان الخليج العربي في امتلاك الخبرات الادارية والفنية بأجهزة الرقابة والتفتيش المختلفة والتي من بينها تلك المختصة بمراقبة السلع لدى استيرادها من حيث الجودة أو من حيث سلامتها الصحية إذا ما كانت غذائية خاصة ان جهاز التفتيش بوزارة الصحة من اكفأ الاجهزة التفتيشية الخليجية في مراقبة المواد والسلع الغذائية عند نقاط الاستيراد وفي الاسواق وفي المطاعم والفنادق.. الخ. ونعتقد جازمين ان جهازي حماية المستهلك ولجنة مراقبة الاسعار بوزارة الصناعة والتجارة ليسا أقل خبرة وعراقة وكفاءة من أجهزة الرقابة والتفتيش المختلفة الاخرى بالوزارات الحكومية التي لطالما سجل مفتشوها مواقف نزيهة في اداء مهامهم الرقابية نشرتها صحافتنا المحلية بأحرف من نور. ومن ثم فقد آن الاوان لهذين الجهازين ان يشمرا عن ساعديهما لتفعيل دورهما المهني والوطني في هذه اللحظات الحاسمة الحرجة التي يمر بها السواد الاعظم من الشعب البحريني بالنظر لأوضاعه المعيشية المتدهورة مسنودين في ذلك بدعم القيادة السياسية كما تجلت في توجيهات سمو رئيس الوزراء الآنفة الذكر. لقد آن الأوان لضبط المتلاعبين بالأسعار والذين يعمدون الى رفع اسعار السلع بين حين وآخر دونما اسباب وجيهة، وكذلك ضبط الذين يعمدون الى رفعها بنسب عالية من دون وجه حق، هذا ان يكن اصلا لديهم ادنى تبرير معقول للرفع، كما آن الاوان لعدم التستر عليهم طويلا بل التشهير بهم ليكونوا عبرة لمن لا يعتبر. ولنا فيما اقدمت عليه امانة مدينة الرياض السعودية مؤخرا بتطبيق لائحة الجزاءات والغرامات البلدية الصادرة بقرار من الحكومة السعودية على غير المتقيدين بأسعار السلع أو عدم وضع تسعيرة على تلك البضائع، ومن هذه الجزاءات اغلاق المحل عند تكرار المخالفة.. نقول: لنا في هذا الاجراء السعودي خير قدوة في هذه اللحظات الحاسمة الحرجة التي يواجه فيها مجتمعنا تحديات دقيقة.

صحيفة اخبار الخليج

اقرأ المزيد

البريد مجمع وزارات

إنه عمل جيد أن تجد في إدارة البريد الخدمات الحكومية كافة من دفع فواتير الكهرباء والهاتف وخدمة المرور والسجلات المختلفة، ومدفوعات خدمات أخرى سوف تتراكم ولا شك، ولكن كل هذه الخدمات يؤديها الطاقم نفسه من الموظفين في أجهزة البريد المختلفة، فالموظف سوف يأخذ الرسائل الخاصة العادية والمسجلة وسوف يضع على كل منها طوابعها المختلفة، ويتأكد من وزنها، وسوف يحتفظ بالرسائل المسجلة لديه، سواء أكانت رسائل عادية أم علبا ثقيلة، كما سوف يستقبل أصحاب فواتير الكهرباء ويتسلم النقود وسيدقق هل الفاتورة عادية أم وصلت إلى الدرجة الحمراء، وهل هي للشهر الحالي أم لشهور سابقة؟ كما سوف يتسلم بيانات المرور الخاصة بالتسجيل ويتسلم المبالغ المتحصلة من ذلك، بما فيها لتدقيق في الصور الشخصية والبيانات! كذلك سوف يتسلم فواتير الهاتف ويجمع مبالغها ويتأكد من بياناتها، إضافة إلى الخدمات التجارية الجديدة التي تـُضاف إلى سجل أعماله المتزايدة. ومع تضخم هذه الوظائف والمهام فإن أعداد موظفي البريد في كل دائرة ومنطقة يظلون كما هم، في حين تتراكم أعمالهم، ومن هنا ظهرت طوابير البريد التي لم نكن نعرفها في السابق. فالعمال المهاجرون لديهم رسائل ورقية كثيرة وقليل منهم يتوجه للخدمات الإلكترونية، ويرسل رسائله المكتوبة أو الصوتية، وقد زادت هذه المراكز لكن من دون تطور يذكر، فهي كبائن صغيرة بالكاد تكفي لجهاز واحد، وهي أجهزة قديمة وذات خلل ومشاكل، فتغدو الرسائل البريدية هي أكبر الوسائل للاتصال بالأهل فيما وراء البحار لمئات الآلاف من البشر! فهذه الرسائل الورقية غالباً ما تحمل هدايا مهمة، وهذه كلها تسقط فوق رأس موظف البريد الذي يستقبل هذه الحشود، خاصة في أوائل الشهر حيث تتدفق الأموال والطلبات والتحويلات! كذلك هناك تسلم الرسائل القادمة وتوزيعها على صناديق البريد الخاصة أو تجشم عناء توصيلها للمنازل إذا ما كانت غير موجهة للصناديق البريدية. وهناك إيصال الفواتير لأصحابها في غابة البيوت والشقق، وهذا ما يدعو موظفي البريد إلى إلقاء هذه الرسائل في دهاليز العمارات وترك السكان يفرزون رسائلهم بأنفسهم، سواء كانت رسالة تحمل إنذاراً أو معلومات مهمة! ومع كل هذا الجمود في أعداد موظفي البريد فإن المطلوب منهم عمل كثيف مستمر يومي، ومتزايد، وهو أمر يؤدي إلى التخفيف من الضغط على بقية الوزارات الخدمية ولكنه يحول أجهزة البريد كما لو كانت مجمع وزارات تــُلقى عليها أثقال كثيرة. ومع كل هذه الخدمات فإن التفكير في خصصخة البريد وجلب شركة تقوم بالتدقيق في عمل مراكز البريد، وتحسب كمية الأرباح المتزايدة من خدماتها، هو أمرٌ محفوف بالمخاطر خاصة أن أي شركة سوف تتسلم البريد فإنها أول ما تفكر هو في تقليص أعداد العاملين لزيادة الربح! وهو طمع حدث بسبب زيادة رسوم الخدمات البريدية فلم تعد أي رسالة تقل رسومها عن دينار، وهي متوجهة لأقرب بلد، أما إذا وضعت معها أي شيء آخر ككتاب صغير أو بطاقة أو هدية غير ثقيلة فإن المبلغ لن يقل عن ثلاثة دنانير، وإذا قمت بهذا الارسال عدة مرات في الشهر فإن مبلغاً كبيراً يتحصل من ذلك، ولهذا يحاول موظف البريد مساعدة المرسل كذلك عبر تفهيمه أنواع البريد وكيفية اختصار المبالغ. أما تغيير حياة موظفي البريد ورواتبهم ودرجاتهم فهي مسألة تتحقق في عقود من السنين، وهم من العمال وليسوا من الموظفين فأجورهم زهيدة ومكاسبهم قليلة!

اقرأ المزيد