المنشور

أمريكا تريد . .



أمريكا
تريد من رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس ومن أركان سلطته
الإبقاء على سلام فياض رئيساً للحكومة الفلسطينية في رام الله أو الإتيان
ببديل له يحظى بمباركتها .


أمريكا
تريد من كوريا الشمالية الموافقة على نزع سلاحها النووي من دون قيد أو شرط
مقابل عرض متواضع لا يخرجها من كماشة نظام العقوبات الدولي الصارم المفروض
عليها . وتريد من كوريا الجنوبية مشاركتها في أعمالها الحربية الاستفزازية
لكوريا الشمالية لانتزاع ذلك المبتغى .


أمريكا، وعلى لسان رئيسها، تطالب الفلسطينيين بأن يعترفوا ب”إسرائيل” دولة يهودية خالصة من دون مقابل .


أمريكا
تريد من روسيا والصين المساعدة على تمرير قرار من مجلس الأمن الدولي
يخوّلها استخدام القوة العسكرية لإطاحة الحكومات غير المرضي عنها أمريكياً .


أمريكا
تطالب النظام في فنزويلا بالاستجابة لطلب مرشح المعارضة اليمينية إنريكي
كابريليس في انتخابات الرئاسة الفنزويلية التي أُجريت في 14 إبريل/ نيسان
الماضي وفاز فيها نيكولاس مادورو رفيق درب الرئيس الراحل هوغو شافيز بفارق
ضئيل، بأن يعيد عملية فرز الأصوات التي يمكن أن تغير ما خلصت إليه اللجنة
العليا للانتخابات وشهد به المراقبون الدوليون . وكادت واشنطن تتسبب بهذا
التدخل الفاضح في إشعال حريق أهلي واسع النطاق في فنزويلا لولا أن نزع
فتيله الرئيس المنتخب بموافقته على إعادة عملية الفرز التي أكدت فوزه .


أمريكا
تريد من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن يكون ظلاً لحركة
مندوبها الدائم في الأمم المتحدة ولوزير خارجيتها، وأن يغرد فوق أغصانها في
كل مرة يغردان فيها حول شأن من الشؤون الدولية .


أمريكا
تريد أن يكون بروتوكول كيوتو لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري،
مفصلاً على مقاساتها وإلا فهي لن تنضم إليه حتى لو بقيت وحدها خارج دائرة
الالتزام الدولي الجماعي لمكافحة ظاهرة تغير المناخ .


وأخيراً
وليس آخراً أمريكا تريد أن تُعْفي من بعض بنود اتفاقية إنشاء محكمة الجزاء
الدولية، وإلا فإنها لن تنضم إليها، وهي بالفعل لم تنضم إليها منذ إنشائها
في العام 2002 وحتى اليوم .


فما الذي لا تريده أمريكا؟


إنها
تريد لنفسها كل شيء ولا تتوانى عن أخذه بأية وسيلة من وسائل الضغط
والابتزاز . حتى وهي ضامرة اقتصادياً، فإن حالة الضمور الاقتصادي والمالي
التي تنتابها حالياً، لم تمنعها من مواصلة نهمها الاستحواذي . فهي “تطلب”
لنفسها فقط – وهو ما تفعله على أية حال في أغلب الأحيان – ولكنها تطلب
أيضاً ل”إسرائيل” . فيحدث أن تطلب “إسرائيل” مثلاً تشديد العقوبات على دولة
ما فتستجيب أمريكا لطلبها بتجريد حملة إعلامية وسياسية ودبلوماسية منظمة
من أجل تمرير حزمة جديدة من العقوبات ضدها . . وتطلب “إسرائيل” التحقيق في
استخدام سوريا للسلاح الكيماوي فيتم تجريد حملة مماثلة استجابة لطلبها .


وهكذا،
فإن الوهن والضعف اللذين يعتريان بعض مصادر قوتها، الاقتصادية والمالية
تحديداً، وينالان من تنافسيتها السلعية والعلمية والتكنولوجية، إلى جانب
صعود قوى اقتصادية جديدة، طامحة وجامحة   لم
يمنعا الولايات المتحدة من مواصلة تسخير أوراق القوة التي مازالت تتفوق
بها على منافسيها، لمواصلة نهجها الإمبراطوري الاستحواذي الأحادي، مع ترك
فسحة “مناسبة” لحركة الدول الأخرى ومصالحها على الصعد كافة، وفي جميع
مجالات احتكاك المصالح الدولية .


ونحسب
أن هذا النهج التسلطي والاستحواذي المستمر منذ خلافة الولايات المتحدة
للإمبراطورية البريطانية في تصدر زعامة المشهد العالمي بعد انتهاء الحرب
العالمية الثانية في العام ،1945 هو المسؤول الأول والمباشر عن كثير من
التوترات والتأزمات في علاقات القوى المحلية والدولية . فالولايات المتحدة
لا تترك شاردة ولا واردة في الشؤون المحلية والإقليمية والدولية إلا وتدسّ
أنفها فيها . 


وهو
نهج مسؤول بالتالي، عن تأخر الدول النامية في استكمال بنيانها كدول قومية
ذات سيادة على كامل أراضيها ومياهها ومواردها وسيطرتها على تراكمها
الرأسمالي، كما هو الحال بالنسبة إلى قيام الدول القومية في أوروبا كمقدمة
لازدهار أفكار التنوير والتعددية الثقافية وفك ارتباط الكهانة بالدولة
وازدهار ثقافة العقد الاجتماعي واللبرلة السياسية والثقافية والاجتماعية . .
وتأخر اعادة هيكلة النظام الدولي لتقسيم العمل على أسس تنافسية متكافئة
تعيد إلى الاقتصاد العالمي توازنه المفقود . . والمسؤول عن عدم تمتع العالم
بفترات من الأمن والاستقرار تتميز بقدر وفير من الاستدامة . 
اقرأ المزيد

غيابُ الموضوعيةِ من الساحة البحرينية


تسيطر الآراء
الأحادية الجانب على السياسيين البحرينيين، فإما أسود معتم وإما أبيض ناصع،
وحين تقرأ أعمدةَ من يحسبون أنفسهم على المعارضة تجد أن كل شيء رديء، وليس
ثمة شيء إيجابي في الواقع، ويُكتب ذلك بصورة عاطفية وعبارات مفتوحة على أي
شيء، بنفس عقلية مظاهرات الخمسينيات.






المعارضة بهذا الشكل سهلة، فهي صراخ وحدة، ولا يوجد تحليل وقراءة لظروف الناس ولا كشف لتناقضات الواقع.


هؤلاء
ينطلقون من سكون الواقع، ولونه الواحد وغياب الأقطاب التاريخية داخله،
مثلهم مثل كتاب مدح النظام وشتم المعارضة، الواقع هو نفسه ولكن بلون آخر،
ولا توجد هنا سلبيات.


حين تكلم الشيخ عيسى قاسم عن الحوار الوطني في
خطبةِ جمعة سابقة حددَ الواقع السياسي بصورة معينة، فقال إن الطرف المعارض
لديه أصوات قليلة فيما هو صوت الشعب، في حين أن طرف السلطة يمتلك أغلبية
الأصوات في هذا الحوار.


بهذا الوعي قامَ بتجريد الواقع السياسي المتنوع
الأهلي في ثنائيةِ الأسود والأبيض، فقام بإلغاءِ الألوان، وتعددية
التيارات، معتبراً ما هو مجسدٌ لصوتهِ الشخصي بأنه هو صوت الشعب والحقيقة.


هذا
الموقف التجريدي الذي يلغي من جهةٍ ويضخمُ من جهةٍ مضادة، يرتكزُ على رؤية
تأملية بعيدة عن الواقع، من ذاتٍ لا تختبرُ الواقعَ والوجود، وتصدرُ
الأحكامَ من علٍ بعيد.


هذه الذاتُ التأملية النائيةُ تجعلُ الواقعَ
السياسي فقيراً غير قابلٍ للتغيير، ومتناقضاً كأنه يعبرُ عن ثنائية الإله
والشيطان الغيبية! أو هو الواقع الذي يمثلُ ثنائية الطائفتين اللتين لا
تكونان شعباً واحداً، ولا تقبلان التمازج وتطرحان مشروعاً تقسيمياً.


موقفُهُ
المنعزل النائي ربما هو نتاجُ عدم معرفة بقوى الطبقات الشعبية والظروف
وتاريخ الشعب، وربما هو بقاءٌ في النص المذهبي السياسي حيث تكمن الحقيقة
والمصالح العامة فحسب.


عدمُ خروجِ الشيخِ من هذا الوعي وعدم احتكاكه
بالقوى السياسية والدينية والاجتماعية المختلفة، وعدم صراعه مع الظروف
والمصالح، لا يجعله يبحث عن الحلول والتداخل مع القوى السياسية المختلفة،
من أجل أن يقارب بينها ويجد حلولاً للواقع.


لهذا يظلُ الواقع معلقاً،
مضطرباً، لا يجد حلولاً من مختلف الأصوات غير الجدلية، ولهذا كان الشيخ
عبدالأمير الجمري عاملاً سياسياً شعبياً، مرناً، يبحث عن حلول للواقع
والجماعات السياسية من خلالها فكان الواقع في زمنه أكثر تنوعاً.


ومن هنا
نجدُ ضعفَ خطابات المعارضة الدينية، المعتمدة على الإنزال الفوقي
للشعارات، والصمت غير البليغ لها حين دخلت البرلمان، والتقوقع في المقاطعة
غير المنتجة لفكر وغير المنتجة لموقف إيجابي تحويلي للواقع.


كان بودنا
أن يظهر هؤلاء المعارضون ويتكلمون في التلفزيون والبرلمان والصحف والحوارات
الحرة، ونكتشف ماذا يحملون من برامج وما هي رؤاهم للواقع. فكيف لمعارضةٍ
أن لا تدربُ جماعاتها على فهم الواقع ومعرفة مطالب الناس وتحسس مشاعرهم
الحقيقية، وبالتالي تغيير وتطوير خطاباتها مع آلامهم ومعاناتهم من غياب
الحلول وكأن التاريخ يتكون من حراك فئة من طائفة لا تتداخل ممارساتها مع
حياة التيارات والفئات الأخرى أو بدون جدل المعارضة والموالاة والدولة؟ فلا
بد أن يكون في المعارضة شيءٌ من الموالاة، وأن يكون في الموالاة شيء من
المعارضة!
ولهذا تكون الأعمدة والمقالات والتغريدات سهلة عبر لون واحد،
ومع اللون الآخر المضاد المصاب بنفس العاهة، يكون لنا خطان متوازيان لا
يلتقيان.


وما أسهل تحويل الموالاة إلى خطاب زاعق، وتغييب القراءة
الموضوعية، وعدم رؤية الأخطاء في معسكر الفئة المنصورة، والتي تتحول كلها
إلى المعسكر الآخر.


ليس الأمر أمر خطين متوازيين كما تحاول هذه الجماعات
أن تُبقي تاريخنا الراهن بهذا الاصطفاف، بل هي خطوطٌ متعددة متداخلة يعتمد
نموها وتكونها الوطني الديمقراطي على مساهمات موضوعية من هذه الخطوط التي
لها كلها أهمية ودور وخاصة حين تقرأ وجهات النظر الأخرى، وشروط معيشة
الفئات المختلفة ومعاناتها في غياب الحلول التوحيدية وانتشار الحلول
العنفية التفكيكية للبلد والشعب.


المساهمات العقلانية التوحيدية النقدية
المتسامحة حين تنطلق من كل القوى وتساهم في الإصلاح تعيد تكوين الناس ولن
يعودوا خطين متوازيين لا يلتقيان.


اقرأ المزيد

حماية البحرين من المهب الاقليمي



تندفع المنطقة
العربية نحو جنون مذهبي عبثي، إن استمر فانه سيأتي على الأخضر واليابس، ولن يكون
فيه منتصر. المنتصر الوحيد فيه هو إسرائيل والقوى الأجنبية الطامعة في الإبقاء على
هيمنتها على المنطقة،وإعادتها عقوداً إلى الوراء، والقضاء على ما تحقق من مكاسب
بفضل تضحيات أجيال من المناضلين وحملة مشاعل الفكر والتنوير والنهضة والوحدة
الوطنية لمجتمعاتنا. 


 فمن ملامح التطورات الجارية في عددٍ من البلدان
العربية انفجار الهويات الفرعية، ومخاطر تشظي ما تعرف بالدولة الوطنية العربية إلى
مجموعات عرقية ومذهبية وطائفية، بعد أن كان مشروع هذه الدولة بعد الاستقلال هو
بناء الدولة التي تدمج في نسيجها الواحد مجموعة هويات تتنازل عن بعض صور تضامنها
لتغليب الانتماء الوطني العام الذي يوحد الكل في بوتقة أو نسيج الوطن الواحد. 


 بعض ما يجري حاليا تعود مسؤوليته إلى هذه الدولة
القطرية ذاتها التي لم تسعَ لإقامة التوازن بين الهويات الفرعية داخلها في اتجاه
التداخل ما بينها على قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات، وبلورة هوية وطنية
واحدة تكون بمثابة المظلة التي ينضوي تحتها الجميع، على العكس من ذلك فإن هذه الدولة
كثيراً ما سعت إلى تغليب منظومات من التضامن الفرعي، كبديل للتضامن الكلي أو
الجمعي، مؤسسة على الولاءات. 


ما يجرى في العراق
وسوريا ولبنان أمثلة ساطعة مثلاً، فما أن تضعف السلطة المركزية تحت ضغط الاحتلال
الخارجي واستنفاذ شرعيتها الداخلية بعد أن تآكلت بالتدريج، حتى وجدنا المجتمع يعود
إلى صور التضامن الأولية السابقة لقيام الدولة، ولم يعد الحديث يدور عن إعادة بناء
الوطن الذي يتساوى أبناؤه في كل شيء، وإنما عن توزيع حصص التمثيل الطائفي
والسياسي، وتأمين طموحات كل فئة وطائفة على حدة، حتى لو تعارضت مع الطموحات
الوطنية العامة أو المشتركة . 


 وهذه مسألة على قدر كبير من الخطورة والتعقيد،
فالعديد من البلدان العربية تتسم بتعددية في تركيبها الإثني والمذهبي والطائفي،
ودلت التجربة المريرة للحرب الأهلية الطويلة في لبنان، إن هذه التعددية ما لم
تعالج في اتجاه إثراء الهوية الوطنية المشتركة وبنائها بهدف إقامة النسيج الوطني
الواحد يمكن أن تنقلب إلى مصادر للبغضاء والفرقة والتوتر، وحتى للحرب في أكثر
صورها دموية، خاصة إذا ما تضافرت مع الأمر عوامل وتدخلات ومصالح خارجية لا تريد
بالبلد المعني وأهله الخير. 


 ويمكن أن نتفهم بعض بواعث انبعاث الهويات
الفرعية، خاصة في نطاقها الثقافي وفي نطاق المطالبات السياسية المشروعة، لكن هذه
البواعث ما لم تعالج بحكمة وتبصر وروية وبعد نظر يمكن أن تقود إلى مهالك للأوطان
مجتمعة ولأهل هذه الهويات أنفسهم، خاصة إذا جرى الركون في هذا السياق على وعود أو
تلميحات من الخارج بتبني أو دعم بعض المطالبات. 


ووطننا البحرين هو
بين الدول العربية غير المتجانسة من حيث التركيبة المذهبية للسكان، وهو يدخل اليوم
في نطاق من التوترات النابعة من الداخل والمتأثرة بما يجري في المحيط، وإذا لم يجر
حصر الأزمة في نطاقها، فان مخاطر السيناريوهات الأسوأ تظل خطراً ماثلاً، ومن
الطبيعي أن تتوجه الأنظار نحو الأصوات والقوى الوطنية العاقلة، الحريصة على حماية
البلد من المزالق، والدفع في اتجاه الحل الملبي لشروط بناء الدولة الديمقراطية الضامنة
للعدالة والمستجيبة لروح الحداثة. 
  
اقرأ المزيد

كيانات وُجدت لتفكك



منذ سنوات أخبرني
زميل عربي يعمل في إحدى السفارت الأوروبية في بلده، أن دبلوماسياً في تلك السفارة
قال له، وهو بين المزح والجد: من الأفضل أن تنال جنسية دولة أوروبية لتضمن مستقبل
عائلتك وأطفالك، فما يُخطط له تجاه بلدانكم، سيدخلها خلال السنوات القادمة في
دوامات من الفوضى، وحين استفسر منه عن طبيعة تلك الخطط أخذه نحو أقرب خريطة معلقة
على الخائط، وراح يشير بأصابع يده إلى كيانات بعينها، قائلأً انها ستفكك، وإن
خريطة جديدة ستتشكل للمنطقة، جاء  هذا
الحديث في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تتوحد، ومحل الكيانات- الدول ينشأ اتحاد
يأخذ شيئاً فشيئاً من سيادة تلك الدول في اتجاه بلورة هوية أوروبية مشتركة، أما
عالمنا العربي – الإسلامي فيزداد تفككاً، وإذا ما استمر الحال على ما هو عليه،
فعلينا توقع انبثاق كيانات جديدة أصغر فأصغر. 
  
يدفعنا ذلك إلى
مشارف الاستنتاج، فنقول إن الدولة- الأمة في أوروبا قد استوت إلى مرحلة النضج،
التي لا تجعلها خائفة من الاندماج في كيانٍ أوسع، يُثريها وتثريه، أما الدولة
الوطنية، أو القطرية إن شئنا، في عالمنا العربي – الإسلامي فقد شارفت مرحلة
إفلاسها التام، قبل أن تنجز مهمتها، في بناء كيانات حديثة، قوية ومتطورة، ونواة
تمزق هذه الكيانات وانحلالها إلى عشائر وقبائل ومذاهب كامنة في بنيتها الهشة من
الأساس. 
  
هذا ما لحظه وزير
الخارجية الأمريكي الأسبق، هنري كيسنجر، في مقالةٍ له نشرت منذ سنوات، حين أشار
إلى أن الحدود التي رسمت الدول والكيانات القائمة هي صنيعة المنتصرين في الحرب
العالمية الأولى الذين قسموا بلدان هذه المنطقة بشكلٍ اعتباطي، يوائم توزيع
الغنائم فيما بينهم، وما اتفاقية سايكس – بيكو إلا التعبير الأبلغ عن هذا
“الترسيم” الاعتباطي، كإن الغرب، خاصة بريطانيا وفرنسا وهما يتقاسمان
مناطق النفوذ في منطقتنا كانتا “تقيمان” كيانات وجدت لتتفكك بعد حين، لا
لتبقى. 
  
إنه افتراض ينطوي
على وجاهة، إذا ما عاينا هذا الهجين الغريب الذي تشكلت منه هذه الكيانات، وفاقم من
ذلك أن من حكموها لم يتوفروا على برامج واضحة لبناء دول حديثة، تمتلك أسباب القوة
والمنعة، وتحقق لشعوبها ما هي في حاجة إليه من عيشٍ كريم وحياة حرة، فلا هي أمنت
لقمة العيش ولا فضاء الديمقراطية، مما جعل من هذه المجتمعات على حافات الانفجار
الذي ظل مؤجلاً حتى حانت لحظته، التي يعدها كيسنجر واحدة من ثورات ثلاث في عالم اليوم. 
  
في كلماتٍ أخرى،
أضاعت هذه الحكومات فرصة أن تصهر الهجين الذي منه تشكلت هذه الكيانات في دولٍ
للمؤسسات والقانون، قائمة على الحقوق والواجبات المتكافئة لمواطنيها، وتتخطى عناصر
ما قبل الدولة، في اتجاه بناء الدولة. 
  
يبقى السؤال الأصعب
عن حدود مسؤولية التدخلات الخارجية في دفع الأمور نحو هذا المآل، وكما في حال
“اصطناع” كيانات كثيرة في المنطقة، حين كان لفعل فاعل خارجي أكبر الأثر
فيه، فإن تفكيك هذه الكيانات إلى وحدات أصغر، لا يبدو أنه يجري بعيداً عن تأثير
فعل فاعل خارجي مشابه، مع فارق أن مركز القرار انتقل من لندن وباريس، إلى ما وراء
المحيط، في واشنطن.
اقرأ المزيد

مبادرة “البحرين وطن يجمعنا”



تعد
مبادرة “البحرين وطن يجمعنا” واحدة من أهم المبادرات الأهلية التي يلتف
حولها عدد من الناشطين وهيئات المجتمع المدني البحرينية، والموجهة نحو التغلب على
ما أصاب ويصيب مجتمعنا البحريني من تصدع كبير في وحدته الوطنية، وفي إطار إبراز
أهدافها نظم القائمون على هذه المبادرة  احتفالية ثقافية فنية مساء الجمعة الماضية
بمناسبة اليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية. 


وحسب
منسقة المبادرة الناشطة د.هدى المحمود، فان أهداف المبادرة ونشاطاتها موجهة للبحرين،
بهدف لم الشمل الاجتماعي بين مكونات المجتمع، مركزة نشاطها على الحقل الاجتماعي،
مع التأكيد على أهمية التواصل مع الناس، وحثهم على العودة لتقاليد العيش المشترك
في البحرين، انطلاقاً من التنوع الموجود في المجتمع، الذي هو مظهر من مظاهر حيوية
البحرين، لو جرى توجيهه في المجاري الآمنة، بعيداً عن مساعي إثارة البغضاء
والكراهية والفتنة. 


وهي
أمور تذكرنا بها المحمود حين تدعو لتبديد الخوف من الآخر، وإعادة المجتمع لما كان
عليه: مجتمعا متسامحا ومتفاعلا ومتقبلا للآخر، قائلة أن المبادرة بصدد إقامة ورش
عمل للشباب يتم خلالها طرح موضوعات للنقاش تؤكد على قيم التسامح  بهدف تدريبهم  على لغة الحوار وتقبل الآخر التي هي لغة التنمية
المستدامة والتطور. 


وفي
الظاهر فان في  مجتمعنا البحريني اليوم هناك أشكالاً من
التعددية الاجتماعية وحتى السياسية دفعت بها إلى السطح الديناميكية التي تشكلت في
البحرين في السنوات الأخيرة، لكن هذه التعددية الظاهرية تنفي ما هو أهم منها، وهو
التنوع الموجود في المجتمع، القائم في كل طائفة من طائفتيه، هناك مقدار كبير من
التنوع في صفوف السنة ومقدار من التنوع لا يقل عنه في صفوف الشيعة، ولا يكفي أن
نبتهج بالتعددية الظاهرية ونقدمها على أنها انتصار لفكرة الديمقراطية، فهي، في بعض
أوجهها على الأقل، نفي لفكرة الديمقراطية، حين يسعى مريدوها لإخضاع أبناء كل طائفة
مجتمعين لمزاجٍ واحد، فكري وسياسي، قامعين ما في داخل الطائفة الواحدة من تنوع
بالقسر المعنوي، الذي يحمل في طياته بذور العنف تجاه الرأي الآخر. 


ومن المُهم، في هذا السياق، الإشارة إلى أن هذا التنوع في المجتمع،
داخل كل طائفة على حدة، هو نفسه العامل المُوحد في المجتمع، هو المُكَون للوحدة
الأفقية التي تجمع الجميع، والنافي للانقسام العمودي الذي ترعاه الطائفية
والمذهبية وتعززه وتحميه ابتغاء لمصالح هيمنة المستفيدين من هذا الانقسام في
المواقع المختلفة، سواء كانوا داخل الدولة أوفي المجتمع على حدٍ سواء. 


من أجل أن يكون تطور المجتمع صحياً، معافى، علينا أن نعلي من شأن هذا
التنوع، ونبرزه ونسلط الضوء عليه، وندافع عن حقه في التمثيل في مختلف المجالات،
فهذا التنوع العابر للطوائف هو وجدان المجتمع ودينامو تطوره، أما التعددية
المذهبية حين تصبح شغلاً شاغلاً فهي النافيـة لهذا التطور والمعيقة له، ولا شك أن
مبادرة”البحرين وطن يجمعنا” واحدة من المبادرات الشعبية التي تسعى لهذا
الهدف، ومثلها توجد مبادرات أخرى كمبادرة “تواصل” في المحافظة الوسطى وسواها. 


 وفي ظروف الاستقطاب المذهبي الحاد في المجتمع،
يبدو صوت هذه المبادرات خافتا، مما يتطلب جهوداً كبيرة لإيصال هذا الصوت إلى آماد
أبعد، ودعم جهود القائمين عليها ومؤازرتهم في إيصال رسالتهم النابعة من ضميرهم
الوطنيً.


اقرأ المزيد

صراع بين أنصار العدالة الاجتماعية وأعدائها – د.فواز فرحان

لفتت انتباهي نكتة صديقي التي قالها في لقائنا السابق وكتبتها في مقال
الأسبوع الماضي والتي تدل على اختزال التوجه اليساري التقدمي بتجارب
تاريخية معينة، وتدل كذلك على ربط هذا التوجه بالطغيان والدكتاتورية والقمع
والسجون ، فقررت أن أتحدث معه وأناقشه عن هذه الرؤية من خلال قراءة
موضوعية لتاريخ بعض الحركات أو الأحزاب أو الدول ذات الخط اليساري التقدمي.


من خلال حواري معه لاحظت بأنه يتبنى النظرة التي أرادت الإمبريالية
الأميركية (بغض النظر عن كون الإدارة جمهورية أو ديمقراطية) أن ينظرها
الناس للخط اليساري التقدمي من غير تعمّد منه لأنني أعرف الكثير عن جوانب
حياته وبالتالي أعرف مدى عدم حرصه على تبني الأفكار أو الرؤى الصادرة من
هذه الإدارة أو من الشركات الكبرى التي تدعمها ، فكانت مهمتي تتلخص في شرح
الهدف المركزي لليساريين والتقدميين، وكيفية الوصول إليه وبالتالي تحليل
التجارب التي سعت وتسعى إليه. 


في بداية حواري معه شدّدت على أهمية معرفة هدف اليسار والتقدميين
والذي يتركز في الوصول إلى العدالة الاجتماعية الكاملة وذلك عن طريق تخفيف
وتضييق الفوارق الطبقية وصولاً إلى إنهائها تماماً في ظل ملكية اجتماعية
لوسائل الانتاج الرئيسية، ومن هذا الهدف نستطيع وضع مشاريع مختلف القوى
اليسارية والتقدمية بمختلف أطيافها على هذا الطريق وتصنيفها إلى مشاريع
تطالب بالحد الأدنى من العدالة الاجتماعية ومشاريع تطالب بالعدالة الكاملة
والإلغاء الفوري للفروقات الطبقية وكذلك مشاريع تتدرّج بين هذين المشروعين،
واختلاف المشاريع وتدرّجها يعتمد على الظروف الزمانية والمكانية وكذلك
الذاتية، بينما القوى الرأسمالية تسعى إلى اكتناز الأرباح واحتكار إمتلاك
وسائل الإنتاج لصالح طبقة معينة غير عابئة بمبدأ العدالة الاجتماعية،
والأنظمة السياسية والاقتصادية في العالم تتطور وتتغير إما لصالح العدالة
الاجتماعية أو ضدها وذلك بدرجات متفاوتة، بمعنى أن الأنظمة التي تبنت
الاشتراكية والأنظمة الرأسمالية لم تطبق الاشتراكية أو الرأسمالية إلا
جزئياً والصراع الطبقي في المجتمع يسحب الدولة إما باتجاه الاشتراكية
الكاملة أو الرأسمالية.. بتعبير آخر: هناك صراع دائم بين من يسعون إلى
العدالة الاجتماعية وبين من لا يهتمون بها (أو ربما يحاربونها) ولا يهتمون
إلا بمصالح الطبقة البرجوازية.


وتحديد نجاح أو فشل أي تجربة سياسية أو اقتصادية يعتبر شيئاً نسبياً
خصوصاً مع اختلاف المنطلقات في تحديد مقاييس النجاح، فالرأسماليون عموماً
يعتبرون الربح هدفهم الأول وهو مقياس النجاح، بينما اليساريون التقدميون
يعتبرون درجة العدالة الاجتماعية التي يصل لها المجتمع هي المقياس في ذلك،
من وجهة نظر اليساريين التقدميين أن النظام الرأسمالي نظام استغلال طبقي
ظالم حيث يرزح ملايين البشر تحت نير الفقر والمرض والاستغلال التي تتسبب به
نفس الشركات الكبرى التي تدعي الفضل في وجود التطور التكنولوجي، فقاطعني
صديقي قائلاً: وماذا عن الطغيان والقتل والذي ساد في ظل الأنظمة التي تقول
أنت عنها بأنها تسعى للعدالة الاجتماعية؟ فكان ردي هو أنه من ضمن الحجج
التي يسوّقها الرأسماليون على فشل الأنظمة التي تدعو للعدالة الاجتماعية
(كبعض الأنظمة الاشتراكية والشيوعية) هي دكتاتورية هذه الأنظمة والحروب
التي خاضتها وتسببت من خلالها في الدمار والخراب كما يقولون، يجب أن نضع
بعين الاعتبار أن الدكتاتورية لم تكن حكراً على أنظمة تبنت الخط اليساري أو
الاشتراكي خصوصاً؟ فمرورٌ سريع على تواريخ كل الدول كفيل بتبيين
الدكتاتورية والطغيان في أجزاء منه، وأن معظم تلك البلدان لم تكن قبل ذلك
بلداناً ديمقراطية، ناهيك عن أنه إذا دققنا في تاريخ الأنظمة التي تبنت
الرأسمالية واتخذت من الليبرالية (سواء الكلاسيكية أو الاجتماعية) خطاً لها
مثل أميركا وبريطانيا وفرنسا وغيرها فسنجد كذلك الطغيان واجتياح الدول
واستعمارها واستغلال شعوبها، فلا أحد يستطيع إنكار المجازر التي حدثت في
الجزائر وأفريقيا عموماً وفي ڤيتنام والتمييز العنصري ضد السود والتطهير
العرقي ضد الهنود الحمر في أميركا، بل لقد بلغت وقاحة أنصار الرأسمالية
العالمية -عموماً- والأميركية -خصوصاً- أنهم يعتبرون قتلى الاتحاد
السوڤييتي في الحرب العالمية الثانية ضحايا لجرائم ستالين بينما تمر عليهم
حادثتي إلقاء القنابل النووية على هيروشيما وناجازاكي من قبل أميركا برئاسة
ترومان مرور الكرام، هذا إن لم يعتبرونهما جزءاً من الرسالة الإنسانية
لأميركا!! ومن غير الإنصاف التركيز على الجوانب السلبية في بعض التجارب
الاشتراكية في العالم وغض الطرف على تطور الخدمات الصحية والتعليم وضمان
السكن والعيشة الكريمة فيها! لقد مرت كل الأنظمة (الاشتراكية والرأسمالية)
بمراحل طغت بها الدكتاتورية ولكن الثقافة الديمقراطية تطورت والأنظمة كذلك
تطورت، اليوم الأحزاب اليسارية والتقدمية والاشتراكية والشيوعية تربط بين
هدف العدالة الاجتماعية وهدف الديمقراطية، وهي تعتبر جزءاً مهماً من الحياة
الديمقراطية في أغلب الدول وتخوض الانتخابات إما منفردة أو متحالفة ورأينا
تنامي أوزانها الانتخابية وتمثيلها النيابي في الكثير من الدول
(الديمقراطية) مثل فرنسا وإيطاليا واليونان وقبرص وڤنزويلا والأرجنتين
وغيرها.


قبل نهاية حديثي معه سألته سؤالاً: هل تعرف من هي أكثر القوى التي
وجهت نقدها لتجربة الاتحاد السوڤيتي؟ فأجابني بسرعة: أكيد القوى الليبرالية
والرأسمالية، قلت له: لا، بل القوى اليسارية والتقدمية والاشتراكية
والشيوعية في العالم هي من قدّم نقداً موضوعياً لهذه التجربة وشرحها وكان
من أبرز الانتقادات: ضعف البنيان الاقتصادي في بداية الثورة البلشفية وضعف
الديمقراطية وسيادة البيروقراطية والقفز على المراحل التاريخية والانجرار
وراء سباق التسلح الذي قادته لصراع الإمبريالية الأميركية.


عموماً اليسار والتقدمية في العالم لا يجوز نسبهما إلى تجربة معينة في
زمان ومكان معين وإلا لنسبنا (كل) التجارب الليبرالية إلى قنابل ترومان
ومجازر فرنسا في الجزائر مثلاً.


د.فواز فرحان

عضو في التيار التقدمي الكويتي

اقرأ المزيد

الحوار والوحدة الوطنية والامتحان الصعب!

منذ بداية الأزمة قبل عامين، وغياب مبادرات الحل السياسي، ظلت هناك
دائماً تساؤلات تؤرّق كل الخيّرين في هذا البلد مثل: لماذا الإصرار على
تحويل شعب البحرين الواحد إلى فئتين متنابذتين وجهتين متناحرتين؟ ولمصلحة
من يتم تغييب المعالجات السياسية، وتعميم منطق القوة والخيار الأمني
المصحوب بالمداهمات والاعتقالات، والاعتداءات على حرمات الناس ومنازلهم
وممتلكاتهم؟

واليوم في ظل جمود وتعثر مسار الحوار القائم تبرز
تساؤلات أخرى إضافية مشحونة بالقلق حول مجريات هذا الحوار والنتائج
المتوقعة منه والمآلات التي يمكن أن ينتهي إليها، وانعكاس ذلك على الأزمة
الراهنة، خصوصاً إذا ما اصطدم المتحاورون بحائط مسدود، وتوصلوا إلى قناعات
ليست في صالح الحوار، كما توحي بذلك كل المؤشرات والمعطيات لسير الجلسات،
حيث يغلب عليها المهاترات الإعلامية والتشكيك في النوايا والمراوحة في
دائرة السجالات العقيمة، والمناكفات السقيمة لقوى المعارضة من قبل طرف
الحكومة و»توابعها»، إذ لم يؤكد هذا الطرف حتى الآن صدق توجهه وحسن نواياه،
وما إذا كان يبحث حقاً عن حلول أم انه يريد فقط احتواء وإحراج المعارضة.
فقد مرت أكثر من ثلاثة شهور، وانقضت ثمانية عشر جلسة عامة وثلاث جلسات
مصغرة، والحصيلة لازالت تقارب العدم، وهو الشيء الوحيد الذي تتفق عليه كل
الأطراف المشاركة، الأمر الذي يؤكد أن هناك من يدفع بطاولة الحوار دفعاً
إلى هذا الجدار المسدود، سواءً من داخل الطاولة أو خارجها، لأن هذا الهدف
يخدم استراتيجيته التي تقوم على تكريس الواقع القائم وصدّ أية محاولة لطرح
مبادرات جادة أو خيارات سياسية حقيقية وفعالة كما تطالب به القوى السياسية
المعارضة. فهذه الأخيرة لا يمكن لها أن تقبل بأن يُفرض عليها خياران لا
ثالث لهما، أما القبول باستمرار الواقع بكل مرارته ومظالمه السياسية
والاجتماعية، أو الدخول في حوارٍ عقيمٍ غير قادر على تغيير هذا الواقع
وإصلاح مكامن الخلل فيه. كما أن المعارضة تدرك جيداً أنه ليس هناك أية قيمة
لأي مكسب سياسي صغر أو كبر طالما أنه يتأسس على تلاشي أو غياب حقوق الناس
العادلة والمشروعة.

ومن المؤكد أن الأطراف المقابلة تعرف جيداً أن
المعارضة الوطنية تمتلك إرادتها السياسية، وأنه لا يمكن لهذه الإرادة أن
تخضع أو ترتهن إلى أي نوع من أنواع الابتزاز السياسي مهما كان مصدره، لذلك
كان استمراء واستسهال الكذب على الإعلام والافتراء على المعارضة وإطلاق
«الفقاعات» الهوائية، مثل التهديد بالدخول «عنوة» في جدول الأعمال،
ومحاولات الالتفاف على آليات الحوار التي اقترحتها المعارضة. إن كل هذا لن
يغيّر من الحقيقة شيئاً، وكل هذه «التخرصات الكلامية» و«السقطات الإعلامية»
لن تسعف نوايا أصحابها ومحاولاتهم تخريب الحوار وإجبار المعارضة على
الانسحاب، فقد باتت اللعبة مكشوفةً، وما تعجز الألسنة عن البوح به تفضحه
مثل تلك الزلات المتكررة والمقصودة، والقابعة في الوجدان. لذلك فإن
المعارضة السياسية اعتادت مثل هذه السلوكيات من أولئك البعض الذين ينهزمون
أمام عدسات التلفزيون، وأضواء الكاميرات التي تخطف أبصارهم وتسلبهم الحكمة
والاتزان.

والواقع ان مثل هذه التصريحات في الوقت الذي تكشف عن حجم
الخواء الفكري ومدى الجهل السياسي، فإنها في الوقت ذاته تؤكد طبيعة العقلية
الاستبدادية والتسلطية التي تغذي مواقف هؤلاء، وتتحكم في خطابهم المليء
بالتعالي والعنجهية الفارغة، بالإضافة إلى أنها تؤشر إلى طريقة تعاطيهم مع
قضية الحوار برمته والأهداف المبتغاة منه، والذي لا ترى فيه سوى فرصة
لهزيمة واستسلام الطرف المقابل واستئصاله، دون أية مراعاة أو احترام لآداب
الحوار وأخلاقياته.

ليس خافياً حجم تضارب آراء المواطنين وتباين
مواقفهم ووجهات نظرهم من مسألة الحوار الجاري بهيكلته الراهنة، وما يمكن أن
يسفر عنه من نتائج، فهناك حتماً من يرى بأنه لا جدوى من هكذا حوار طالما
بقيت «النزعة الإعلامية» هي المتحكمة والموجهة له، فقد يكون ما يصل إلى
الإعلام مهم، ولكن ما يجب أن يصل إلى الناس هو الأهم، حتى يقتنعوا بأن
الحوار يمكن أن يحقّق بعض ما يطمحون إليه من تغيير وإصلاح. وعليه فإن وجهة
النظر هذه ترى بأن أية تنازلات شكلية أو محدودة، يمكن أن تقدّمها السلطة،
سوف لن تكون كافيةً أو قادرةً على تجاوز ما خلّفته الأزمة من تداعيات سلبية
على العديد من المستويات، وبصورةٍ خاصةٍ على مستوى الوحدة الوطنية التي
تمّ الزجّ بها «عنوةً» في أتون التجاذبات الطائفية لحسابات قصيرة النظر.
والحديث هنا عن «التنازلات» هو حديثٌ مجازيٌ، وفي الواقع إن ما تقدمه
الدولة ليس تنازلاً إنما هي حقوقٌ للناس جرى تأخيرها ومصادرتها لعقود
طويلة، وتقديمها اليوم يضمن للسلطة قبل غيرها استقراراً سياسياً، ويمنحها
قوةً وشرعيةً هي بحاجة إليهما.

واستطراداً مع هذا الرأي فإن أي مكسب
يمكن أن تخرج به القوى السياسية سيكون مكسباً هامشياً لا يرقى إلى مستوى
الأضرار التي لحقت بالوضع البحريني بكل مقوماته المجتمعية، بالتالي سيكون
من الصعب تمرير أي حل سياسي لا يعالج كل المظلمات السياسية والاجتماعية
التي أخرجت الناس إلى الشارع، وجرى ترسيخها بصورة أشد وأقسى بعد الأزمة، أو
إذا كان هذا (الحل) لا يتناسب مع حجم التضحيات التي قدّمها الناس وطالت
أرواحهم وأرزاقهم ومعتقداتهم وكرامتهم، وطالت أيضاً مستقبل عوائلهم.

وليس
من قبيل المبالغة القول أن مثل هذه التصورات والرؤى تستبطن في بعض جوانبها
بعض العتب واللوم على قوى المعارضة، وربما تحمل في ثناياها بعض التحريض
لها للثبات على المواقف المعلنة بالتمسك برؤيتها للحل السياسي، وعدم تقديم
أي تنازل دون السقف المعلن والذي لا يوجد دونه سوى الرضوخ والتسليم بمنطق
السلطة والقبول بما تتعطف به على الشعب، وهو ما يعني ضياع الحقوق والتضحيات
دون ثمن يذكر. وهنا على الذين يجادلون حول فكرة الاستفتاء على مخرجات
الحوار الذي تطالب به المعارضة، أن يتوقفوا ملياً عند هذه النقطة ليعرفوا
معنى وقيمة المشروعية التي يمكن أن تنالها هذه المخرجات في ظلّ التعقيدات
التي تلقي بظلالها وأثقالها على المتحاورين والراغبين في استمرار الحوار
ونجاحه.

في مقابل وجهة النظر هذه، هناك من ينظر إلى «الحوار» بعين
مغايرة، ويرى في الرؤية السابقة غياباً للموضوعية وللواقعية السياسية،
لأنها تتسم بالحدة والتشدد، وإنها تفتقر إلى المنطق السياسي، الذي هو في
نهاية المطاف منطق التفاوض وتقديم التنازلات المتبادلة من جانب كل أطراف
الحوار، والسير باتجاهٍ متوازنٍ للالتقاء عند منتصف الطريق، ومن دون ذلك لا
يوجد شيء اسمه «حوار» أو «تفاوض». كما أنه لا سبيل لوقف الانحدار في الوضع
السياسي والاجتماعي والأمني والحيلولة دون تفاقمه والدفع به إلى مهاوي
الاحتراب الأهلي، سوى طريق الحوار.

مع عدم إغفال أو تجاهل حقيقة أن
هناك قوى وأطرافاً ليس من مصلحتها الخروج من هذا الحوار بأية نتائج إيجابية
يمكن أن تقود فعلاً إلى إحداث تغيير سياسي أو ديمقراطي، يستجيب لتطلعات
ومطالب شعب البحرين المشروعة، بل على العكس فإن ما تؤكده الأحداث
والتطورات، أن هذه الأطراف المعاندة للإصلاح والتغيير، ومن يمثلها داخل
الحوار، تدفع في اتجاه تصعيد التوترات الأمنية، وتأجيج الخلافات واصطناعها
«عنوة» من أجل تعميق حدّة الاستقطاب السياسي والطائفي وتغذيته بعوامل
الديمومة والاستمرار، لذلك هي تعمل على تحويل مناقشات الحوار إلى مزايدات،
وتسعى بكل السبل إلى تحقيق مكاسب إعلامية، تتجاوز المصلحة العليا للبلد،
لحساب مصالح شخصية وفئوية ومذهبية بحتة، مستغلةً الظروف الإقليمية في
المنطقة للرقص على طبول الحرب «الشيعية-السنية» التي يبشّر بها بعض الجهلة
والموتورين من دعاة الفتنة والتكفيريين.

عند هذا المنعطف تكون وحدتنا
الوطنية أمام امتحان صعب ومفصلي، وكل عناصر قوتها ومقومات استمرارها تصبح
على المحك، ويكون مصير الوطن كله متوقفاً على هذه المسألة الحيوية
والجوهرية، والتي يجب أن تكون في صلب اهتمام كل المتحاورين مهما تباعدت
درجة الخلافات السياسية بينهم. بمعنى أن يكون الحوار مدخلاً مهماً لتصليب
وتقوية عود هذه الوحدة، لا زيادة الشرخ فيها، وأن يقوم هذا الحوار بإرسال
رسائل إيجابية تبعث على الاطمئنان، وتدفع إلى الهدوء والتهدئة، فهذه إحدى
المهمات العاجلة للمتحاورين التي لا تحتمل أي تأخير أو تسويف.

اقرأ المزيد

الحل الداخلي لا الخارجي



رغم كل الملابسات التي باتت تحيط
بالأزمة السياسية في بلادنا والمستمرة منذ أكثر من عامين، والتي أدخلت أطرافاً
دولية وإقليمية في التأثير فيها، علينا أن نعيد الآزمة إلى جذورها، كونها، في
الأساس، أزمة بحرينية داخلية، على البحرينيين أنفسهم، من مواقعهم المختلفة، أن
يعملوا على حلها، بمقاربة جوهرها المتصل بالإصلاح السياسي والدستوري الجدي،
والتوزيع العادل للثروة، وتوجيه مقدرات البلد نحو التنمية المستدامة، التي تضمن
تطور البلد وتحقيق العدالة الاجتماعية لأبناء الشعب، وما يستلزمه ذلك من وجود سلطة
تشريعية ذات صلاحيات حقيقية قادرة على مراقبة ومحاسبة السلطة التنفيذية على أدائها،
وحماية المال العام من العبث به، ووضع حدود فاصلة، قاطعة، بين هذا المال العام
والمال الخاص، وهي شروط لا مجال للهروب منها، في عالم اليوم، لأي بلد يرنو إلى
الاستقرار والأمن. 


وأذكر أن أحد من عملوا على مدار عدة شهور في البحرين ضمن
فريق تقصي الحقائق التابع للجنة البرفيسور بسيوني، هو الدكتور محمد هلال الأستاذ
في جامعة هارفرد، قال مرةً أن  لدى البحرين
من الكفاءات والكوادر البشرية القادرة على أن تضع حلولاً لتداعيات الأزمة التي تمر
بها البلاد، أكثر مما يمكن أن يفعله الخبراء الأجانب، وجاء هذا الحديث في سياق عرض
لفكرة فحواها أنه من الخطأ تحويل الأمر إلى مجرد شأن تقني، يمكن لشركة أجنبية او
خبراء أجانب أن يُقدموا بشأنه المشورة، حتى لو كانت هذه المشورة مفيدة، والصحيح هو
أن يُوضع الأمر في سياقه العام، السياسي والاجتماعي، الذي لا يمكن لغير البحرينيين
أن يكونوا مُلمين به، وقادرين على حله. 


وبنى الرجل استنتاجه هذا من خلاصة اللقاءات المتعددة التي
أجراها هو وأفراد الفريق مع ممثلي الفعاليات السياسية والاجتماعية في البلد
والأفراد الذين التقت بهم اللجنة لسماع شكاواهم أو آرائهم في ما جرى في البلد، واعتدنا
أن نسمع الاطراء في كفاءة وقدرات الكوادر البحرينية في مجالات شتى، وهو أمر تستحقه
كوادر هذا الشعب الواعي والمتعلم والطموح الى المزيد من الحقوق السياسية
والاجتماعية، لكن أن تأتي هذه الشهادة في أمر يتصل بتدابير الخروج من أزمتنا
الراهنة، ومن رجل عضو في فريق بات ملماً بالكثير من تعقيداتها بسبب انشغاله المكثف
على حيثياتها، فان لذلك أهمية خاصة. 


هذا يقودنا الى التبصر في حقيقة أن حل الأزمة يجب أن يكون
نابعاً في الاساس من الإرادة الوطنية لأهل البحرين أنفسهم، وهذا لا ينفي أن هناك
تجارب جديرة بالدراسة والعناية في بلدان مختلفة في العالم مرت بأزمات حادة، ربما
تشبه في بعض وجوهها ما مررنا ونمر به، وهذا ما يجري حوله حديث متواتر، ولكن هذا لا
يعني أن علىنا أن ننتظر التوافقات الاقليمية، أو مسارات الآزمة السورية، أو غير
السورية، لنقرر بعدها على أي وجه سيكون حل الآزمة في البحرين، بل إن ايقاء الأزمة
مفتوحة، والهروب من الحل السريع والجدي لها، سيجعل أبواب البلد مشرعة لكافة أوجه
التدخل الخارجي، المحكوم بمصالح أطرافه، لا بمصالح البحرين نفسها، ولم يعد جائزاً
التصرف كما لو أن البحرين لم تمر بأزمة حادة على كافة الصُعد، غير مسبوقة فعلاً لا
قولاً، وبالتالي فان الحل المنتظر يجب أن يكون هو الآخر غير مسبوق، جذرياً، لا
ترقيعياً.


اقرأ المزيد

15 مايو



بيننا وبين 15 مايو/ أيار الأصلي، 15 مايو/ أيار ،1948 ستة عقود ونصف . ما أكثر ما تبدلت فلسطين، ما أكثر ما تبدل العالم العربي خلال هذا المدى، ما أكثر ما تبدلنا نحن . من سيكتب التاريخ سيروي هذه التبدلات . سيقول كم عصفت بنا التغييرات، كم أضعنا وكم ضُيعنا . كيف تقلص حجم الأراضي التي كنا نمشي في مناكبها أحراراً أو شبه أحرار، حتى لم نعد واثقين بأن أقدامنا ثابتة على ما تبقى من أراضٍ نقف عليها .


ومن سيروي التاريخ سيكتب أن هذه التبدلات جرت لكن كان هناك دائماً من رفض رفع الراية البيضاء . هناك من قاتل حتى الرمق الأخير، حتى آخر قطرة دم من أجل ألا تؤول الأمور إلى ما آلت إليه . كم عدد مقابر الشهداء في ساحة هذا الوطن العربي، كم عدد الشهداء الذين ضمتهم هذه المقابر؟ كم عدد الشموع التي تشع في ليل العرب المدلهم؟ إنها كثيرة وكثيرة جداً حتى لو كادت الرياح العاتية أن تطفئها .


ستة عقود ونصف بيننا وبين 15 مايو/ أيار ،1948 الصفحات البيضاء وسط الكتاب الأسود الذي على صفحاته دونت وقائع هذه الحقبة صفحات كثيرة، لأنه في أسوأ الأوقات، في الأزمنة التي اندفع فيها قطار الخيانة مسرعاً مجتاحاً ما أمامه من “عوائق” ثمة من وقف معيقاً حتى ولو كان بصدرٍ عارٍ .


كانت الأمهات في فلسطين وفي خارج فلسطين يدفعن بأجيال جديدة لم تر من فلسطين إلا الجزء، وبعضها يعرف فلسطين بالاسم فقط، إلى ساحة الشرف، وحين عز السلاح حولوا حجارة الوطن إلى سلاحٍ موجع في مأثرة بطولية لم يبتكرها شعب من قبل ولا من بعد . . وفي امتحان الإرادة ظل ضمير الأمة يقظاً لأن الراية لم تسقط أبداً، وليس لها أن تسقط لأن القضية العادلة تبقى حية دائماً .


ستة عقود ونصف مدى زمني طويل . مدى من الضياع والفقدان والخيانة، ولكن التاريخ لم يكن يوماً لدى أي أمة تاريخ انتصارات فحسب . الأجدى هو التبصر في عبر التاريخ، الذي هو ليس معطى نهائياً وإنما هو سيرورة دائمة، وما أكثر ما حولت إرادة الأمم الهزائم إلى انتصارات . صحيح أن الانتصارات اللفظية لا تصنع انتصارات فعلية، ولكن هذا أمر والانطلاق من بؤس الحال الراهن لتكريس الهزيمة وتعميم مداها أمر آخر .
اقرأ المزيد

في ذكرى رحيل ابن البحرين محمد جابر صباح


ما أسرع مرور الوقت وكأننا فقدناه بالأمس – تمر هذه الأيام الذكرى
الأربعون لرحيل المناضل الوطني وأحد نواب كتلة الشعب في أول برلمان بعد
الاستقلال محمد جابر صباح. ترك رحيله لوعة وألماً في قلوب أهله ورفاقه
وأصدقائه ومعارفه الكثيرين. وانعكس ذلك في الحضور الكبير يوم التشييع في
مقبرة المحرق.






بو جابر ومنذ صباه كان يعمل على خدمة بلده وأبناء شعبه،
يسعى لتحقيق استقلال البحرين وبقية دول الخليج العربية وصولا الى الاتحاد
فيما بينها، ينعم فيه شعبه بالسيادة الوطنية والحرية والديمقراطية
والازدهار الاقتصادي.


ولذلك لم يتوانَ بو جابر عن البحث عن أفضل الطرق
لتحقيق هذه الأهداف وانتقل من قناعة الى قناعة دون تردد أو تعصب لقناعاته
السابقة حتى استقر بشكل نهائي ضمن جبهة التحرير الوطني. وكان ما يميزه في
كل تلك المراحل هو الانتماء الوطني والقومي والتقدمي العابر للطائفية.
تعاطف
مع حركة هيئة الاتحاد الوطني سنة 54-1956 التي تأثربها كثيرا وساهم بنشاط
في انتفاضة مارس 1965 ضد الاستعمار من أجل الاستقلال والاصلاح الديمقراطي.
كما ساند الحركة العمالية في بداية السبعينات وانتخب في المجلس الوطني سنة
1973 ضمن قائمة كتلة الشعب، حيث عمل مع بقية رفاقه والنواب الوطنيين لتحقيق
المزيد من الاصلاحات نحو التحول الديمقراطي في البلاد.


ولم تستطع
الملاحقات والاعتقالات، بعد حل المجلس الوطني في صيف 1975، أن تثنيه عن
قناعاته، فأكمل نشاطه بإصرار في حراك التسعينات وساهم في العريضة النخبوية
والعريضة الشعبية مع سائر رفاقه من أجل تحقيق الانفراج السياسي والإصلاح
الديمقراطي. وفي نفس الوقت كان يرفض كل الشعارات والأفعال المتطرفة وكذلك
الأطروحات الهلامية الغير واضحة المطالب في الدفاع عن مصالح الشعب، التي
بدأت تبرز في تلك المرحلة.


ومع استلام جلالة الملك الحكم وطرح مشروعه
الإصلاحي وما أثاره من نقاشات وحوارات بين مختلف القوى السياسية وقبولها
المشاركة بالتصويت على ميثاق العمل الوطني ومنها جبهة التحرير الوطني دعم
بو جابر المشروع الاصلاحي وكان طوال السنوات الماضية مؤيدا لمنجزات الإصلاح
ومعارضا إيجابيا ينتقد السلبيات في المجتمع والدولة للنهوض بهما. وواصل
مساهماته في التحول في العمل السياسي العلني في البلاد. فكان من مؤسسي
جمعية العمل الوطني مع رفاق آخرين من جبهة التحرير اقتناعا بضرورة توحيد
القوى الوطنية واليسارية. وعلى أثر فشل تلك المساعي تم تأسيس المنبر
الديمقراطي التقدمي وكان بو جابر من مؤسسيه. وتقديرا للتاريخ النضالي
الطويل لمحمد جابر قرر المؤتمر التأسيسي تشكيل هيئة استشارية من قدامى
مناضلي الجبهة برأسته ليكون عونا لمجلس إدارة المنبر في أول تجربة له في
العمل العلني بعد عقود من العمل السري.


وتجدر الاشارة هنا ان المنبر كان
أول جمعية سياسية يتخذ مثل هذا القرار وفيما بعد اتخذت بعض الجمعيات نفس
القرار وشكلت هيئاتها الاستشارية. إلا ان الهيئة الاستشارية للمنبر، ورغم
الأسبقية، لم ترَ النور أبدا لأن مجلس الإدارة الذي خوله المؤتمر لمناقشة
وتحديد أعضائها عمليا أجهض هذا القرار بسبب بعض أعضائه الرافضين ضمنا لهذا
القرار.


وما دعاني للتطرق الى هذا الموضوع هو ان المنبر في إحدى
إصداراته الأخيرة بعد وفاة بوجابر ذكر عنه انه كان رئيسا للهيئة الاستشارية
دون الإشارة الى ان هذه الهيئة لم تبرز للوجود من باب الدقة. ولذلك اقتضى
التأكيد على هذه الحقيقة لإزالة اللبس.


هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى
فلا اعتقد ان بو جابر سيزيد أو سينتقص من دوره النضالي الوطني الكبير رئاسة
هيئة بقيت حبراً على ورق المؤتمر التأسيسي، لأنه كما عرفته لم يكن يوما
يطمح لمنصب. كان همه أن المنبر يقوى ويزيد من قدراته ونشاطه لأجل العمل
لخدمة الشعب وتعزيز مكتسباته. ولذلك كان حريصا وصريحا في مناقشة السلبيات
في المنبر والعمل على تصحيحها.


واستمرارا لهذا النهج كان موقفه من أحداث
فبراير 2011، وقد رأيت مدى قلق بوجابر مع بداية تلك الأحداث وتحذيره
الدائم من الشعارات المتطرفة والتصعيد غير المبرر، ومطالبته قيادة المنبر
بمراجعه موقفها واتخاذ موقف يرفض التصعيد والشعارات والمطالب غير الواقعية
التي تشق الصف الوطني وتقسم الشعب. وكان ضمن العشرات من المنبريين الذين
طالبوا بالالتزام ببرنامج المنبر ونظامه الداخلي والرجوع الى الجمعية
العمومية لمناقشة مستجدات الأحداث واتخاذ موقفا موحدا منها. وللأسف لم يحصل
هذا في حينه مما أدى الى تعميق الخلاف في المنبر واستقالة وانكفاء العشرات
من المنبريين والعديد من كوادر وقدامى المناضلين. وللأسف الشديد رحل
المناضل الوطني العنيد بو جابر وفي حلقه غصة مؤلمة على أوضاع المنبر دون
الاهتمام الواجب بها من قبل المعنيين، وكذلك على الانقسام العميق الذي أصاب
نسيج مجتمعنا البحريني لم يرى تاريخ البحرين مثيلا له بسبب الفتنة
الطائفية البغيضة.


لذلك كان الراحل في أيامه الأخيرة، ورغم معاناته من
اشتداد المرض عليه، يحمل هم الوطن والمنبر ويصر في أحاديثه لكل من يزوره من
الرفاق على الحديث عن المنبر وضرورة استعادة وحدته ومكانته الطليعية
بأفكاره الوطنية التقدمية العابرة للطوائف، ليتمكن من درء الفتنة الطائفية
وخدمة الشعب كل الشعب والوطن كل الوطن. وذلك عبر الالتزام بالنظام الداخلي
وبرنامج المنبر لتحقيق المطالب الشعبية لإصلاح المجتمع والدولة وتعزيز
المكتسبات الديمقراطية ومجلس منتخب كامل الصلاحية عبر انتخابات عادلة
وتحسين مستوى معيشة المواطنين ومكافحة الفساد والحفاظ على المال العام ووقف
تدمير البيئة وتلوثها ومكافحة الأمراض الناتجة عنها وغيرها الكثير.


تلك
كانت هموم رفيقنا الراحل المناضل الوطني محمد جابر ووصيته والتي شاركناه
بها ونؤكد عليها ونتذكرها في أربعينيته وسنستمر في النضال من أجلها.


رحلت يا بو جابر جسدا ولكنك ستبقى في ذاكرة شعبنا وفي قلوب محبيك.


اقرأ المزيد