المنشور

«الرفاق القدامى» خطوة أخرى للوراء

على من ينتقد موقف الجمعيات الديمقراطية التقدمية من الأزمة الحالية
ودخولها في تحالف مع جمعية الوفاق، أن يقدم برنامجاً وطنياً جامعاً يستقطب
مختلف التيارات السياسية والفكرية في المجتمع بما فيها الشخصيات الوطنية
والعلمانية، وأن يطرح مخرجاً يحظى بموافقة جميع البحرينيين من الطائفتين.

من
الواضح أن اتهام القوى الوطنية بالتخندق الطائفي بسبب تحالفها مع «الوفاق»
يهدف بشكل أساسي إلى التشكيك بموقف «الجبهة الوطنية»، التي تشكلت بعد
أحداث فبراير/ شباط ومارس/ آذار 2011، والتي ضمت جميع القوى الوطنية
المعارضة من خلال طرح مطالب محددة ومتفق عليها، فإن كان من الصعب الاعتراض
على مضمون الإصلاحات التي يطالب بها المواطنون فلابدّ من التشكيك في نوايا
من يطالب بها.

المفارقة أن من ظل يتهم القوى التقدمية بالتبعية
والطائفية، هو نفسه اتخذ موقفاً مشابهاً، ولكن في الطرف المقابل، وأصبح
تابعاً أميناً أو «ريموت كنترول» في يد السلطة.

قبل يومين نشرت إحدى
الصحف المحلية تقريراً بشأن نية مجموعة من المنشقين من المنبر التقدمي
لإطلاق تكتل سياسي جديد يحمل اسم «التغيير الديمقراطي».

ويشير
التقرير إلى أن «التكتل يضم مجموعة من الشخصيات الوطنية التي لها تاريخ
سياسي وعمالي واجتماعي… اعتبروا التطبيع مع الجمعيات الإسلامية مخالفاً
لفكر وتوجهات التقدميين».

وبعيداً عن «شخصنة» الموضوع، والإشارة إلى
من يتزعم تأسيس التكتل الجديد، بعد أن تم طرده من المنبر التقدمي بسبب صدور
أحكام قضائية نافذة بحبسه لمدة عام واحد بسبب عمليات التزوير والاحتيال،
ولم يقضِ يوماً واحداً في السجن بسبب الخدمات الجليلة التي قدمها للوطن،
وكيف يمكن «للرفاق الملتزمين بالفكر الإنساني التقدمي»، أن يقبلوا بشخص
مثله في تأسيس تكتلهم، الذي «يناهض شتى أنواع الاستغلال وكافة أشكال
التمييز». وما لذلك من دلالة واضحة.

يبدو أن السلطة ستتقدم خطوة أخرى
للأمام بعد أن حاصرت مؤسسات المجتمع المدني، حيث أغلقت عدداً من الجمعيات
المهنية الأهلية وأثّرت على انتخابات البعض الآخر واستمالت البعض، باتجاه
تأسيس جمعيات سياسية موالية ذات طابع تقدمي، بعد أن أثبتت الجمعيات
السياسية الدينية الموالية فشلها في لعب الدور المطلوب منها.

مثل هذه
الجمعيات مهمة جداً في الوقت الحالي، فليس من المنطقي أن تكون جميع
الجمعيات السياسية الموالية من طيف سياسي ومذهبي واحد، على الأقل أمام
الرأي العام العالمي، كما يمكن أن تكون هذه الجمعيات نواة لتأسيس الجمعيات
السياسية غير الطائفية بعد تطبيق قانون الجمعيات السياسية بشكل فعلي على
الأرض.

من جهة أخرى، يمكن لـ «الرفاق القدامى» الذين يرون أنه من
العار عليهم الالتحاق بجمعيات سياسية دينية، وهم الذين ظلوا يحاربون تحالف
التقدمي مع الوفاق، أن يخطو خطوة أخرى للأمام بتأسيس تكتلهم بعد أن ظلوا
متفرقين طوال هذه المدة، وخصوصاً أن الدعم المالي لن يكون مشكلة.

جميل المحاري

اقرأ المزيد

هل هرمت النخب؟



“لقد هرمنا في انتظار تلك اللحظة التاريخية”-
مَن مِنا لا يتذكر صورة وصوت ذلك الكهل التونسي الذي كان يمسح براحة يده على شعره الأشيب،
وهو يردد بتأثر تلك العبارة، بعيد سقوط زين العابدين بن علي . 
  
حملت
العبارة دلالات عدة، بينها أن اليأس كان قد بلغ مبلغه عند النخب السياسية من إمكانية
تحريك الجمود الذي طغى على الواقع العربي على مدار حقبة تاريخية كاملة، امتدت عقوداً،
بدا معها الأفق مقفلاً بوجه أي تغيير . وحملت أيضاً شعوراً بالغبطة تجاه الجيل الجديد،
فما لم تفعله الأجيال السابقة فعله . 
  
كانت
تلك لحظة عاطفية استثنائية تبرر مثل هذا الشعور، ولكن الأمر للأسف لم يقف عند حدود
حال التأثر هذه، وإنما انبنى عليها وقف متكامل فحواه أن على جميع النخب أن تتقاعد مفسحة
المجال للجيل الجديد، الذي أنجز في أسابيع ما عجزت عنه هذه النخب خلال عقود . 
  
ولكن
تلك كانت طامة كبرى، سرعان ما تكشفت أضرارها الفادحة على كامل مسار التحول العربي،
فرموز هذه النخب، وهي تجلد ذاتها، نسيت أن التحولات التي جرت ما كانت ستجري لولا العمل
التراكمي الذي قامت به هي نفسها على مدار عقود، سواء في مجال الفكر والمعرفة، أو في
مجال العمل الميداني . 
  
ليس الأمر
هنا فقط، وإنما في حقيقة أن الشباب كمفهوم هو مرحلة عمرية فحسب، وليسوا كتلة اجتماعية
ثابتة ومتجانسة، حتى الذين هرموا في انتظار تلك اللحظة التاريخية، لم يكونوا أقل عنفواناً
وحماسة ووعداً واستعداداً للتضحية، من شباب ميدان التحرير أو سواه من الميادين العربية،
وشباب اليوم لن يعودوا كذلك بعد عقدٍ من الآن، لا في العمر ولا في التفكير . 
  
ما من
تحولات كبرى في العالم تجري من دون أفكار كبرى، من دون نخب واعية . الحماسة حالة انفعالية
مؤقتة لا تدوم، أما الفكر فهو ما يمكث في الأرض، ويمهد تربتها للتحولات الواعدة، ومهارة
استخدام التقنيات الحديثة التي يتوفر عليها أبناء وبنات الجيل الجديد، لا تعني بالضرورة
امتلاكهم الوعي، وإذا امتلكوا هذا الوعي فستنقصهم الخبرة التي يُعتد بها . 
  
بعد عام
أو عامين من الغفوة أو الغيبوبة وعت النخب الحديثة أنها تنازلت عن دور ما كان يجب عليها
أن تتنازل عنه، لمصلحة حركات، لا شك أنها شجاعة ومقدامة، لكنها عفوية، والعفوية وحدها
لا تصنع تغييراً حقيقياً . 


د . حسن
مدن 
اقرأ المزيد

الحرب العالمية للإرهاب

حتى ما قبل ثلاث سنوات، لم يكن أحد
ليتصور أن تتمكن منظمة عسكرية صغيرة، تعمل تحت الأرض، ضمن حيز جغرافي معروف ومحاصر
بالجغرافيا، كما بالسياسة وكافة أدواتها، من القفز والتحول إلى جيوش صغيرة متنامية
العدة والعدد، انتقلت بسرعة متناهية من الحالة الدفاعية إلى الحالة الهجومية،
متسلحة بأحدث أنواع أسلحة الدمار الشامل، وهو سلاح القنابل البشرية المفخخة الذي
وإن كان محظوراً من الناحية السياسية والأخلاقية، وإلى حد ما الدينية (حيث يُشرعنه
بعض الدعاة ويُحرِّمه آخرون)، والتمدد والانتشار والتحول بسرعة البرق إلى أكثر
المنظمات العسكرية تهديداً للأمن والسلم الدوليين










.




صحيح أن الإعلام الغربي، وأتذكر منه
مجلة “الإكونومست” البريطانية وصحيفة “وول ستريت جورنال”
و”واشنطن بوست”، على سبيل المثال، أشارت في مقالات يتيمة، متفرقة
ومتباعدة زمنياً، قبل نحو سنة أو أقل، إلى عودة القاعدة من جديد للاستعراض
العملياتي الميداني في أكثر من ساحة عالمية، وتحديداً آسيوية وإفريقية، لكن
بالتأكيد ليس على هذا النحو المثير وغير المتوقع، وليس تنبُّؤاً بالحالة الحربية
العالمية واسعة النطاق التي أضحت عليها منظمة القاعدة اليوم










.




فهي – أي القاعدة – لم تعد اليوم
منظمة معزولة في جبال تورا بورا بأفغانستان أو مناطق القبائل الباكستانية في
وزيرستان، كما كانت عليه إلى ما قبل العملية الأمريكية لتصفية زعيم القاعدة أسامة
بن لادن (في 2 مايو/ آيار 2011)، بل أضحت جيشاً منظماً له قواعده الثابتة
والمتحركة على امتداد القارات الخمس . وبات واضحاً لكل ذي عقل بصير أن تنظيم
القاعدة يشن اليوم حرباً عالمية بأسلوب حرب العصابات التي تجمع بين الكر والفر
والتموضع والتمدد الميداني، بعد أن صدرت الأوامر لتشكيلاته السرية من المجندين المدربين
حول العالم والأنصار الأيديولوجيين الذين يتم تجنيدهم سواء ميدانياً أو عبر
الوسائط التكنولوجية المختلفة










.




ومن الطبيعي أن تثير مثل هذه القفزة
النوعية للتمدد العملياتي الجغرافي للقاعدة، قدراً من الأسئلة على قدر الإدهاش
الذي سببته . .من قبيل: كيف قُيّض لمثل هذه










الجيوش النانو” (المتناهية
الصغر) “التوالد” والتحرك بهذه القوة وهذه الخفة في وقت واحد وفي أكثر
من جبهة مفتوحة؟ ما هي مصادر تمويل هذه المنظمة العسكرية بالمال والسلاح؟ وما هي
خطوط نقل هذا التمويل وهذه الإمدادات الوفيرة والغزيرة من السلاح؟ وما هو تفسير
اختيار منطقة المشرق والمغرب العربيين لتكون ميدان الحرب العالمية للقاعدة؟ وهل
يمكن أن يجري كل هذا الانسياب لحركة الأشخاص القاعديين ولخطوط تمويلهم وإمدادهم
بالسلاح بعيداً عن أعين أجهزة الرصد والتتبع المخابراتي العالمية؟ وإذا كانت هذه
الأجهزة على بيّنة من كل هذا أو بعضه لماذا تمتنع عن الانقضاض السريع على الهدف الذي
صارت تضطره سياسته الحربية التوسعية للتخلي عن بعض حذره وتحوطه المعهودين إبان
فترة “الحرب على الإرهاب” التي شنتها الولايات المتحدة بعد هجمات 11
سبتمبر؟ وغيرها من الأسئلة التي ستبقى حائرة ومعلقة من دون أن تلقى إجابات صريحة
وشافية









!

ولعل حيرة هذه الأسئلة وعدم إجابتها
ناجمان عما هو ظاهر من الغموض الذي يلف المواقف الحقيقية، وليس المعلنة، لكثير من الدول
الكبرى ورديفاتها المتحالفة أو التابعة، من منظمة القاعدة، التي تبدي حرصاً شديداً
على زيادة جرعات هذا الغموض الباغي إفشال محاولات إماطة اللثام عنه، بما يشي بأن
بعض الدول تملك نفوذاً حقيقياً على التنظيم وتفريعاته، وأنها تستخدمها ورقة ضمن
حزمة أوراقها وأدواتها الموظفة بانتقائية، سافرة أحياناً ومستترة أحياناً أخرى، في
سياستها الخارجية . وهي ورقة رابحة بالنسبة لها لا يبدو أنها مستعدة للتخلي عنها
تحت أي ظرف حتى وإن انكشف مستورها . فهي في هذه الحالة تسارع للعمل على تعميق حالة
الغموض من خلال إظهار الموقف النقيض المبعد، وليس بالضرورة المبدد للشبهة . وهذا لعمري
كاللعب بنار السلاح ذي الحدين . فالتوظيف الممنهج لورقة تشكيلات القاعدة يشبه إلى
حد بعيد تورط بعض الدول في تجارة تهريب اليورانيوم ومكونات أجهزة تخصيبه









.




والحال، إن الأسئلة التي يثيرها غموض
الموقف الدولي، وفي القلب منه الموقف الغربي، من هذا التغول المريب للقاعدة و”بناتها”،
من حيث التلكؤ في التحرك بصورة موحدة وحازمة للوقوف ضد خطرها في تأهيل وتجهيز
“القنابل البشرية” المعدة والجاهزة للتفجير في أي مكان، والمعادل، بهذا
المعنى، لقوة أحد أنواع أسلحة الدمار الشامل التي تحظر انتشارها الدول والاتفاقيات
الدولية، إن هذه الأسئلة لا تفعل سوى إحالة الباحث إلى مزيد من الإيغال في غموضها









!




أوليس غريباً ومريباً هذا
“التوالد” المتداعي سريعاً ل”مشتقات” القاعدة في مناطق عربية
بعينها؟




لتزداد الغرابة المحيّرة أكثر حين يرى
المرء بأم عينيه ما يمكن أن نعتبره “الجناح السياسي” لتنظيم القاعدة
الأم متمثلاً في القيادات ورجال الدين، وهم يعتلون المنابر ويُظهرون ولاءهم وانتماءهم
العلني والصريح للقاعدة ولكافة أفعالها الإرهابية المشينة، من دون أن يخالجهم، على
ما هو ظاهر، أي نوع من أنواع الهواجس من أن تُكشف حقيقتهم ومن ثم إدراجهم ضمن
استهدافات بعض الأجهزة الأمنية، الأجنبية على الأقل، فيجري تعقبهم والنيل منهم؟









. .

فهؤلاء يتصرفون بكل اطمئنان وبكامل حريتهم التحريضية والتعبوية
الجهادية (العسكرية) والمالية









!

وكل ذلك رغم معرفة واطلاع كافة أجهزة
الأمن الدولية، لاسيما منها الأمريكية والأوروبية، على تفاصيل الخطة الاستراتيجية الممرحلة
لمنظمة القاعدة للسيطرة على العالم بحلول عام ،2020 بدأت بما سمّته الاستراتيجية
“مرحلة الإفاقة” التي امتدت من عام 2000 حتى عام ،2003 تلتها المرحلة
الثانية مرحلة “فتح العيون” (من 2003 إلى 2006)، ثم مرحلة










النهوض والوقوف على القدمين” (من 2007 إلى 2010)، تبعتها
مرحلة “استعادة العافية” (2010-2013)، فالمرحلة الخامسة (2013-2016)
التي سُميت مرحلة










إعلان دولة الخلافة”، تليها
مرحلة “المواجهة الشاملة” (2016-2020)، وهي مرحلة ما أسمته الاستراتيجية
بداية المواجهة بين فسطاطي الإيمان والكفر التي ستندلع بعد إعلان إقامة الخلافة
الإسلامية . ليُتوج كل ذلك التخطيط بإطلاق المرحلة السابعة والأخيرة في عام 2020
والتي أُطلق عليها مرحلة










الانتصار النهائي” للمسلمين على
بقية العالم وإخضاعه لمشيئتهم؟









!


د . محمد الصياد





 

اقرأ المزيد

الديمقراطية… طريق شاق للشعوب العربية

منذ العام 2011 والموازين تغيّرت في المنطقة العربية، هذه الموازين التي
أخرجت الناس من منازلهم إلى الشوارع باحثين عن حقوق ظلت معطلة، وحرية ظلت
مسلوبة لحقب طويلة. الحرية التي تريدها الشعوب كانت دائماً مادةً للتلاعب
من قبل أولئك الذين يملكون السلطة والقوة والسيطرة على وسائل الإعلام
والتعليم وغيرها.

الشعوب العربية تبحث اليوم عن حلٍّ يخرجها من مأزق
القهر السياسي والاقتصادي، وهي ترى الخلاص من ذلك عبر تفعيل حقيقي
للديمقراطية. فغياب الديمقراطية معناه استمرار للقضايا التي لا تجد الحل
إلا بإنهاء الصراع مع الديكتاتورية التي تغلغلت في أركان الأنظمة السياسية
في منطقة لا تعير اهتماماً لحقوق المواطن، مكتفيةً بالشعارات والتصريحات
التي تجمّل صورتها عبر الإعلام فقط.

الديمقراطية ليست شعاراً أو
كلاماً يردّد في الهتافات الحماسية خلال المظاهرات، ولكنه عقلية تستوعب
الاختلاف والتعددية البعيدة عن الهوية القبلية والطائفية والدينية وغيرها.
عقلية تستوعب مفهوم الهوية الوطنية التي تشمل جميع مكونات المجتمع في أي
بلد عربي، وهو أمرٌ مايزال مترنحاً في المنطقة العربية التي تحرّكها مشاعر
الطائفة أو القبيلة وليس الحس الوطني.

وفي الوقت الراهن تشهد بلدان
المنطقة العربية صراعات كثيرة معقدة، والسبب غياب الديمقراطية التي تسمح
بالتعايش مع الآخر. ولو قرأنا تجربة جنوب إفريقيا مع الحرية والديمقراطية،
سنرى الطريق كانت طويلة وشاقة، فشخصية مثل نيلسون مانديلا خاضت الكثير من
التجارب، ودخل السجن باعتباره إرهابياً مجرماً، وخرج منه بطلاً قومياً يقود
الحرية، ناشراً لمبادئها في كل مكان.

وكون أن أجزاء كبيرة من
البلدان العربية تخوض حالياً آلام النمو المصاحبة للصحوة العربية في مقابل
حالة الإنكار والإفلات من العقاب، فإن الدروس المستفادة من مانديلا تستطيع
أن تغيّر إن أصبحت الدرع الحامي من أي فشل. فقد كتبت النائب الأول لرئيس
منظمة «البحث عن أرضية مشتركة» سوزان كولين ماركس، وهي صانعة سلام عالمية
تتمتع بالاحترام ووسيطة ومؤلفة من جنوب إفريقيا عن مانديلا والديمقراطية
قائلة: «كان قائداً لجميع سكان جنوب إفريقيا، ولم يحِدْ أبداً عن رؤيته
لأمةٍ مكوّنةٍ من قوس قزح، وكان شجاعاً في حل المشاكل، عمليّاً يرتكز
أسلوبه على قيم جوهرية تُرجمت إلى إطار أخلاقي شخصي ومهني عميق. جاء إلهامه
من هدف أكبر منه، وألهم وجوده وصوته وانضباطه الآخرين ليكونوا أفضل مما
يمكن أن يتصوروا في يوم من الأيام».

وبحسب ماركس، «هناك أهمية لما
كان عليه كقائد في وقت الثورات العالمية هذا. ففي الوقت الذي يتم فيه
اجتثاث الثوابت القديمة، يكمن التحدي في كيفية إيجاد عالم جديد لمصلحتنا
جميعاً، وليس فقط لجماعتي (أنا) أو لأي فصيل معيّن أو جماعة محدّدة. لقد
جعلنا نرى ليس فقط ما يتوجب علينا أن نفعله وكيف نفعله، بل أيضاً ما يجب أن
نكون عليه كقادة وكمواطنين». وتضيف: «فهم مانديلا أن الحياة ستلقي الكثير
علينا، وأن الأمر يعود إلينا في كيفية التجاوب معها. عرف قوة المغفرة،
وتناول الشاي مع بيتسي فيرورد، أرملة هنريك فيرورد، مهندس نظام الفصل
العنصري. تعلّم أن الحب هو أقوى سلطةٍ في الكون، ودعا سجّانيه إلى حفل
تنصيبه كأول رئيس ديمقراطي في جنوب إفريقيا. علّمنا كيف نعيش مع أنفسنا ومع
بعضنا بعضاً، معانقين إنسانيتنا المشتركة».

هذه هي رؤى وتجربة
مانديلا وجنوب إفريقيا، لكن في البلدان العربية مازال الطريق نحو
الديمقراطية طويلاً، وكلما منع الناس من المشاركة في قرارهم وصنع مصيرهم
واختيار نمط حياتهم، فإن ذلك لن يثنيهم، ولذلك يبدو أن الربط بين الحرية
والديمقراطية هو الذي يؤمن أفضل الشروط لتحقيق نظام سياسي أكثر عدالة بين
الدولة والشعب.

ريم خليفة

اقرأ المزيد

يتفقون على التأزيم ويختلفون عند الحل

هم يؤكدون وجود فساد مالي وإداري ينخر مفاصل الدولة حتى العظم، ويعترفون
بتقسيم المجتمع لفئات وطبقات متفاوتة حسب القبيلة والعائلة، فهناك من
يرتقي لأعلى عليين دون كفاءة وهناك من يتم سحبه للأسفل كلما ارتقى بعلمه
وعمله، لمجرد أن الأول هو ابن فلان وأن الثاني هو ابن إنسان بسيط.

هم
يطالبون بعدالة اجتماعية وتقسيم عادل للثروة الوطنية، لا يمكنهم إنكار
التمييز في التوظيف وشغل الوظائف العليا على أساس طائفي بحت، ويعترفون على
مضض بعدم العدالة في الدوائر الانتخابية.

يتهامسون حول ما أنتجه
التجنيس السياسي من ضغط هائل على الخدمات المقدمة للمواطنين، ويتباكون على
تدني مستوى التعليم والضغط الهائل على المستشفيات والمراكز الصحية،
ويتذمرون من طول انتظار الخدمة الإسكانية لسنوات طوال في حين أن المواطن
الجديد يحصل على وحدته السكنية في أقل من عام واحد.

يشكون من منازلهم
الآيلة للسقوط، وتوقف برنامج إعادة إعمارها بسبب عدم تخصيص ميزانية لذلك،
يتندرون على مستوى تدني الرواتب، ويتملكهم الغيظ عند مقارنة الرواتب التي
يحصلون عليها بما يحصل عليه إخوانهم في الدول الخليجية.

هم مثلنا
يعانون من كل ذلك، ويأملون بحياة أفضل لهم ولأبنائهم في المستقبل، ومع ذلك
فإن المتمصلحين منهم يقنعونهم بأن أي تغيير مقبل يمكن أن يؤدي إلى ما هو
أسوأ من ذلك بكثير، وخصوصاً عند تنفيذ المطالب التي تنادي بها الجمعيات
السياسية المعارضة.

ليس من مصلحة المتمصلحين أن يعي الناس لحقوقهم أو يطالبوا بها، لذلك فهم مستعدون أن يمارسوا جميع أنواع الكذب والتضليل وزرع الفتنة.

تضليل
الناس بدأ في الظهور عندما اضطر من هو مصر على إبقاء الوضع الحالي، على
تقديم مرئياته في الجولة الثالثة من حوار التوافق الوطني، حيث ظل يماطل
لأكثر من سنتين لتقديم أي حلول أو مقترحات، والسبب في ذلك أنه لا يملك
قراراً أو موقفاً وطنياً صادقاً يضع البحرين قبل أي مصلحة أخرى في
أولوياته.

المؤتمر الصحافي الذي عقده ائتلاف جمعيات الفاتح وردود
الأفعال والتصريحات التي أعقبت ذلك من انتقاد لاذع وتبادل التهم بين أعضاء
الفريق الواحد، كشف الصراع الدائر بين الجمعيات «الأخوات».

ولكي لا
تتطور الأمور لأكثر من ذلك ألغت جمعيات الائتلاف المؤتمر الصحافي الذي كان
مقرراً مساء اليوم (الأربعاء)، «المارد» أرجع سبب هذا الإلغاء إلى «غياب
معظم قيادات الائتلاف عن البلاد في الوقت الحالي».

من الواضح أن هذه
الجمعيات لا تعمل إلا من أجل التأزيم، فهي تقف كالحائط الصلب عند الحديث عن
التخوين وتشديد القبضة الأمنية، وتسريح الآلاف من أعمالهم، وهدم دور
العبادة، ورفض أي مقترح تتقدم به القوى الديمقراطية المعارضة، وأمّا
التوافق والحوار فهي لا تملك حتى صفحة واحدة من 100 كلمة يمكن تتفق عليها
وتقدمها كمرئيات لحل الأزمة في البحرين.

جميل المحاري

اقرأ المزيد

بسبب تحميلهم رسوم الدعوى .. العمال بين مطرقة الفصل و سندان القضاء


نظم قطاع النقابات العمالية والمهنية في المنبر الديمقراطي التقدمي في يوم السبت الموافق 8 فبراير 2014 حلقة حوارية تحت عنوان ( حق العامل بين الحماية القضائية وتحميله تكاليف الدعوى ) شارك فيها نخبة من دوي الاختصاص من نقابين و قانونيين وتحدث فيها عدد من العمال عن معاناتهم من ملاحقة وزارة العدل لهم بإجراءات التنفيذ الجبرية لتسديد قيمة رسوم الدعاوى التي رفعوها  .

 وتأتي هذه الحلقة الحوارية كأحدى الفعاليات العمالية التى درج قطاع النقابات في المنبر الديمقراطي التقدمي في الفترة الاخيرة على إقامتها لتسليط الضوء على جملة من القضايا والمشكلات التي تواجه العمال بعد اقرار قانون العمل الجديد والبدء في تطبيقه  في اغسطس من العام 2012 .

و سنركز في هذا المقال على الاثار السلبية الناجمة عن تطبيق المادة 6 من قانون العمل المتعلقة بتحميل العامل رسوم الدعاوى في حالة رفض دعواه وما طرحته الحلقة الحوارية من توصيات للحد من هذه الاثار و إزالتها.

فلقد شرع قانون العمل الجديد لأول مرة إلى مسالة التقاضي في المحاكم العمالية على درجة واحدة خلافا لما هو جاري عليه العمل في القضاء التجاري والمدني وحتى الشرعي الذي يتم فيه نظر النزاع على مرحلتين. فحسب المادة 134 من القانون فأن الاحكام الصادرة من المحكمة الكبرى هي احكام نهائية غير قابلة للاستئناف ولا يجوز الطعن عليها إلا بالتمييز ومحكمة التمييز هي محكمة قانون وليست محكمة موضوع .

لذلك فلقد رأى المشاركون ان من الاهمية بمكان ان يكون  القضاء العمالي قضاء متخصص يوكل مهمة القضاء فيه إلى من هم اصحاب الكفاءة العليمة والخبرة الطويلة في هذا المجال سواء بالنسبة إلى مرحلة إدارة الدعوى العمالية او بالنسبة إلى  المحكمة التى تفصل في النزاع بعد أحالته اليها لعدم  تسوية النزاع ودياً امام قاضي إدارة الدعوى . وهو ما ليس متوافر في الوقت الحاضر لكون اغلب قضاته هم أما من قليلي الخبرة و إما هم ممن تكون خبرتهم القضائية بعيدة عن المجال العمالي وهذا يؤثر من دون شك سلباً في نوعية الاحكام التي تصدر ويضر بالحماية القضائية للعامل وهو الطرف الاضعف في العملية الانتاجية.

وبالنسبة إلى المادة  6 من قانون العمل الجديد التي تحمل العامل مصاريف الدعوى العمالية فأن حكم هذا المادة جاء متراجعاً عما كان عليه الحال في قانون العمل القديم الذي صدر في عام 1976 الذي اعفى العامل من الرسوم القضائية وأعطى إلى القاضي الحكم عليه بالرسوم بشكل جزئي او كلي على عكس المادة 6  التي ألزمت العامل بالرسوم اذا ما خسر الدعوى وألزمت القاضي بالحكم عليه بالرسوم وبهذا يتراجع القانون عن مبدأ إعفاء العامل من رسوم الدعوى العمالية إلا في حالات محددة  مثل كيدية الدعوى او التعسف فيها.

ولذلك فقد رأى المشاركون ان قانون العمل الحالي هو من أسوء القوانين العمالية التي صدرت في البحرين فلقد شرع فعلياً إلى حرمان العامل من اللجوء الى القضاء للحصول على الحماية القضائية وهو الطرف الاضعف في عملية الانتاج مما اثر على امكانية العامل في تحصيل حقوقه ومستحقاته . ولذلك يلاحظ انكفاء  العمال وترددهم في اللجوء إلى القضاء خوفاً من تحميلهم رسوم الدعوى التي تشكل عبأ ماليا إضافيا عليهم في الوقت الذي يكون فيه العامل عندما يلجأ للقضاء مفصول من عمله بلا اي مصدر للرزق وغير قادر على إعالة اسرته او دفع ديونه  أو الانتظام في دفع اقساط القروض المستحقة عليه للبنوك.

و ما زاد الطين بله هو التفسير الواسع الذي لجئت اليه المحكمة العمالية في تفسيرها لنص  المادة 6 من القانون المتعلقة بإلزام العامل بالرسوم . فالمادة تنص على الزام رافع الدعوى بالمصروفات كلها او بعضها في حالة رفض الدعوى أي رفض الدعوى من حيث الموضوع كما يراه  المشاركون وليس من حيث الشكل كرفض الدعوى لعدم الاختصاص او عند رفض بعض طلبات العامل وهو ما يعد توسع في تطبيق هذا النص على حالات لا يشملها النص .

لقد كان اعفاء العامل من الرسوم دائماً هو الاصل في قوانين العمل سواء في البحرين او القوانين العربية وحتى المادة 6 من القانون الحالي فهي تنص في فقرتها الأولى على ان تعفى من الرسوم كافة الدعوى العمالية التى يرفعها العمال والمستحقون عنهم ولذلك يجب ان يوضع حكم الماد ة  6 من هذا القانون في سياقه الطبيعي كحالة استثناء من الاصل لا يجب التوسع فيها.

وعلى عكس القانون السابق فأن القانون الحالي قد تم إقراره من قبل السلطة التشريعية بغرفتيها مجلس الشورى ومجلس النواب وفي البدء اقر مجلس النواب إعفاء العامل من الرسوم إلا في حالة كيدية الدعوى وعند مناقشة المادة  امام مجلس الشورى تصدى اصحاب الاعمال وبعض القانونين لهذا النص واجروا عليه تعديل يلزم العامل برسوم الدعوى في حالة رفض الدعوى . و كان تبريرهم هو صعوبة اثبات الكيدية من قبل المحكمة وهذا غير صحيح وعندما عرض التعديل امام مجلس النواب لم يرفض التعديل ولم يصر على موقفه ولذلك اقر نص المادة 6 بالصيغة الحالية .

و ما اثقل كاهل العمال ايضاً في هذه المسالة هو عدم تفعيل نص المادة 160 من القانون المتعلقة بهيئة التحكيم المختصة بالنظر في النزاعات الجماعية وهو ما اضطر العمال المفصولين إلى تقديم دعواهم إلى القضاء مباشرة التي حكمت بدورها  بعدم اختصاصه بنظر النزاع وألزمتهم رسوم الدعوى .

وعن معاناة العمال مع إجراءات التنفيذ الجبرية التي تمت ملاحقتهم بها من قبل وزارة العدل تحدث عدد من العمال فجاءت شهادتهم تكشف عن أن العمال ليسوا فقط الطرف الاضعف في عملية الانتاج والتعاقد وإنما هم ايضاُ الطرف الذي لا يوجد من يمثله في السلطة التشريعية او يدافع عن مصالحه ولذلك لا ينظر لحقوقه و مصالحة عند اعداد القوانين والتشريعات .

من هذه الشهادات جاءت شهادة صادق يوسف عبدالوهاب وهو مهندس كان يعمل في شركة امريكية من سنة 2009 وفي سنة 2012 تم فصله من عمله عن طريق الاتصال به هاتفياً من نيويورك وإبلاغه بالاستغناء عن خدماته وقيل له بان مركزه الوظيفي اصبح فائض عن الحاجة . يقول وكلت محامي و رفع الدعوى وبسبب وجود خطأ في محضر جلسات المحكمة تم شطب الدعوى و رفعت دعوى اخرى بعد العمل بالقانون الجديد وقد رفضت بسبب سقوط الدعوى بالتقادم . و قد حكمت علي المحكمة بان ادفع رسوم الدعوى وقدرها 2031.500 دينار ( الفين وواحد وثلاثين دينار وخمسمائة فلس ) وقد تقدمت بخطاب إلى سعادة وزير العدل بطلب إعفائي من الرسوم وتم رفض طلبي وأنا اليوم مهدد اما الدفع وإما الحبس .

حسين علي وهو احد مفصولين شركة البا قال تقدمت بدعوى وتم رفضها وانا الان مطلوب الي وزارة العدل بمبلغ 630 دينار ( ستمائة و ثلاثين دينار ) عن رسوم الدعوى وقد طلب الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين من وزير العمل مخاطبة وزير العدل لإعفاء مفصولين البا من الرسوم وقد تمت المخاطبة  ولكن لا يوجد رد حتى الان.

نبيل علي وهو احد المتقاعدين طوعياً من طيران الخليج قال لم احصل على كل مستحقاتي فوكلت مع مجموعة من المتقاعدين محامي للمطالبة بباقي المستحقات ورفع الدعوى فحكمت المحكمة بعدم الاختصاص وحكمت علي برسوم عن الدعوى مبلغ 13000.000 دينار ( ثلاثة عشر الف دينار ) وأنا  الوحيد من الزم بالرسوم  ولم يلزم احد غيري ممن معي في الدعوى بالرسوم .وقد تقدمت بخطاب إلى سعادة وزير العدل بطلب إعفائي من هذه الرسوم وتم رفض طلبي وقد حضرت الشرطة المدنية الى منزلي وقبضت علي واقتادتني الى المركز و قد الزمتني محكمة التنفيذ بتقسيط المبلغ خمسين دينار شهرياً علماً بان الطعن لا يزال منظور امام محكمة التمييز .
خليل ابراهيم الفردان من نقابة الموانى قال انا ومن ضمن 73 عامل تقدمنا بدعوى وقد حكمت المحكمة بعدم الاختصاص بنظر النزاع ونحن الان ملاحقين بالرسوم التى حكم بها علينا وتم الحجز على حساباتنا البنكية مع انه لا يوجد بها اية مبالغ .
وهناك ايضاً عمال اخرين أدلوا بشهادتهم في الموضوع و تحدثوا جميعاً عن إجراءات التنفيذ الجبرية التي صدرت ضدهم من قبل محكمة التنفيذ لإجبارهم على دفع هذه الرسوم وتخييرهم بين تسديد المبالغ او الحبس .

من جهة اخرى تحدث بعض المحاميين عن تراخي محكمة التنفيذ في تنفيذ الاحكام التي تصدر لصالح العامل وفي الموافقة على  اتخاذ الاجراءات الجبرية على الشركات وأصحاب العمل لأسباب شتى على الرغم من ان القانون يعطي الدعوى العمالية صفة الاستعجال وهو ما يؤدي إلى بقاء ملف التنفيذ مفتوح لسنوات في قسم التنفيذ من دون ان يتمكن العامل من الحصول على مستحقاته.

وفي ختام الحلقة الحوارية صاغ المشاركون بعض التوصيات التي رأوا بان من شأن الاخذ بها ان يعالج بعض مساوئ حكم المادة 6 من قانون العمل فقد طالبوا الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين والجمعيات السياسية المعنية بالدفاع عن مصالح العمال بالسعي لدى الجهة التشريعية والرسمية لتعديل حكم هذه المادة لإعفاء العامل من الرسوم القضائية و حصر حالات الالزام فقط بحالة الكيدية . كما طالبوا المشاركون وزير العدل استخدام صلاحياته لإعفاء العمال ممن صدرت بحقهم احكام بالرسوم إعفائهم من هذه المبالغ .

اقرأ المزيد

شكراً للمحامين

لم يكن الوضع عادياً على أرض الوطن، أو بالنسبة للمواطنين، فقد كان مثقلاً بالكثير من الأحداث التي أينعت ثماراً وأسقطت أخرى وهزّت قلوباً مؤمنة بأهدافها وبشعبها فعلمتها معنى الصمود والصبر لتصبح أقوى على تحمل الجراح.

الأحداث التي انطلقت منذ الرابع عشر من فبراير 2011، عرفتنا في بلادنا أن على أرضنا جنوداً مخلصين للأرض والشعب والوطن، لم نكن نعرف من بعضهم إلا أسماءهم أو صورهم التي تُنْشَر بين فترة وأخرى في الصحف المحلية، ولو أردنا إحصاءهم لتطلب الأمر منا الكثير من الصفحات والوقت الطويل. هؤلاء الجنود كانوا لغيرهم من المواطنين أحضاناً وملاذاً وقادةً كل بحسب مجاله وتخصصه.

والمحامون كانوا من هؤلاء الجنود الذين لم يتوانوا عن خدمة أبناء شعبهم، فاكتظت بهم أروقة المحاكم منذ أول اعتقال في هذه الاحتجاجات الشعبية التي بدأت قبل ثلاث سنوات، كما اكتظت مكاتبهم وسجلات محادثتهم في هواتفهم بالمراجعين الذين لم يترددوا بالاتصال بهم بعد دعوات أطلقها كثير منهم بترحيبهم بالدفاع عن معتقلي الرأي بشكل مجاني؛ إيماناً منهم بدور الشعب في إحداث التغيير السلمي المنشود، ولعلمهم بقطع أرزاق كثيرٍ من أبناء شعبهم ممن كانت تهمتهم الوحيدة هي حلمهم بالحياة الحرة الكريمة، في وطنٍ يضم جميع أبنائه دون تفرقة أو تمييز، ويحمي كرامة الجميع.

لقد دافعوا عن شعبهم، ودافعوا عن قضايا وطنهم، فاعتُقِل منهم من اعتُقِل، وهُدِّدَ من هُدِّد، وشُهِّر بمن شُهِّر به، وعلى رغم كل ذلك لم ييأسوا ولم يتراجعوا، وكانوا أحد عناوين التضحية والصمود والعزة، والقلوب الكبيرة والضمائر الحية. تحمّلوا التعب والسهر وازدحام مكاتبهم بملفات كثيرة وقضايا متنوعة من أجل قَسَمِهم الذي أقسموا عليه يوماً، وهو نصرة الحق، والوقوف إلى جانب القضايا المحقة.

كانت القضايا كثيرة ومازالت، وبحجم الجراح كانوا يبثون الأمل؛ وبقدر الألم كانوا بلسماً لكثير من الأسر؛ وبقدر دعوات التجويع في فترة كان صوت الحق فيها متهماً بالخيانة العظمى… كانوا يطلقون دعوات احترام الدستور على رغم اختلافهم مع بعض بنوده، وهو الذي يؤكد على حق العيش بكرامة للمواطنين.

وقفوا ومازالوا يقفون مع الطبيب والمعلّم والصحافي والمهندس والعاطل والعامل، فلم يتخيّروا موكليهم ولم ينتظروا جزاءً ولا شكوراً، مع علمهم باحتمال تعرضهم للاعتقال أو التوقيف أو التعذيب أو التشهير. كانوا يدافعون عن موكليهم في المحاكم والنيابة وفي صفحات المواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي وعلى طاولات المؤتمرات الصحافية التي من خلالها أظهروا جوانب كثيرة من الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، ولم يأخذهم التعب، ولم يخفهم التهديد.

اليوم وبعد ثلاثة أعوام من معرفتنا بهم وبعطائهم، نقول لكل هؤلاء الجنود المخلصين من المحامين الكرماء: شكراً لكم، وكل عام وأنتم أحرار وضمائركم منابر حق.

سوسن دهنيم
اقرأ المزيد

ثورة الكادحين

حبيب السنافي

حبيب السنافي

يسأل مواطن غربي صديقه العربي عن طموحاته بالعام الجديد، فيجيب له العربي: وظيفة وبيت وزوجة.

ليرد عليه الأميركي مستغرباً: هذه حقوقك، أنا أسألك عن طموحاتك!

ثورات الربيع العربي انطلقت شرارتها من
مناطق منكوبة ومهضومة تضم مواطنين بسطاء، بالكاد يستوفون لأنفسهم أدنى
متطلبات الحياة ويحلمون بما يسدون به رمقهم وما يؤمّن لهم قوت يومهم، لا
أكثر، هذه الطبقة المسحوقة – وربما يشتد الفقر، ليشمل الطبقة الوسطى أو
مراتبها المتدنية- أصابها اليأس والقنوط، وتنتظر أي فرصة أو زلة أو حادثة
لتجلجل بهدير الثورة والرفض لاستمرار الخنوع والخضوع للطبقة الحاكمة أو
المسيطرة، سياسياً واقتصادياً، والقابضة على مفاصل الدولة ومؤسساتها
والمتولية للمناصب الرفيعة والقيادية، هذه الطبقة المغلوبة على أمرها،
والتي قهرت واستغلت حتى أضحى طابور رغيف الخبز جزءاً من طقوسها اليومية،
وأمسى حلم شبابها امتلاك عربة خضار على قارعة الطريق وسيلة للرزق تتصدق بها
الطبقة المتخومة والغاصة بالفساد.

هذه الطبقة العريضة من الشعوب العربية على
مدى عقود طويلة رزحت تحت ضغوط اجتماعية واقتصادية انهكتها وحرمتها من أبسط
حقوقها الإنسانية والقانونية، وسخرتها لخدمة الطبقات الاجتماعية الأرفع،
وفرضت عليها القبول بالواقع الاجتماعي المتخلف، وأضحت طموحات أفرادها
الاكتفاء بخربة يسكنونها أو هجرة للخارج غير مضمونة العوائد.

تناضل هذه الطبقة المتآكلة اقتصادياً،
والمحتقرة اجتماعياً، والمنسية من التنمية بأشكالها، من أجل الحصول على
حقوقها المحرومة منها، ومطالبها حثيثة للطبقة الحاكمة والمتنفذة المتحزمة
بالمال والسلطة بمنحها الفرصة لتوفير حياة كريمة وتغيير نمطية حياتها
الرازحة تحت وطأة الديون والفقر والجهل والبطالة، وأن يستمع لصوتها المكبوت
الذي لا يصغى إليه إلا بالمواسم الانتخابية، حينها تتكالب عليها أطماع
المرشحين، استغلالًا للوصول للبرلمان لتحقيق أطماعهم وجشعهم على حساب هذه
الطبقة المتهالكة.

أعتقد بأن السبب الرئيسي للثورات العربية،
وحتى من غيرها من الثورات التي نتابع أحداثها بأصقاع العالم، كما في
أوكرانيا وتايلند، أن الطبقات الاجتماعية الأرفع والبرجوازية، والتي
أحياناً تتخندق بالمذهبية والقبلية تدافع بأنانية عن مصالحها ومميزاتها
بحرمان الطبقة الكادحة من أسباب التقدم والتطور، خوفاً من المشاركة
والمنافسة على السلطة والمنصب، واعتبارها ترساً في آلة الإنتاج، لا أكثر،
وإقناع الطبقة الكادحة بفتات الحرية والتعليم وبقية الاحتياجات الإنسانية
الضرورية، وإبقاء هوة عميقة بين الطبقات، لإلهائها بالصراع الطبقي، ورسم
حواجز تمنع وجود طبقة متوسطة عريضة تهدد مصالحها.

في المجتمعات المتقدمة المستقرة سياسياً
هناك عملية تواصل وتفاعل في ما بين الطبقات الاجتماعية، وفرص التقدم
والمشاركة متاحة، من خلال الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، ما يتيح للطبقات
السفلية والمواهب والكفاءات المتعددة بالبروز ونيل نصيبها من الاهتمام
والترقي وتأمين مستقبلها وتكوين الثروة بجهدها، وبالتالي تقليص الفوارق
الطبقية وزيادة الاندماج والمشاركة بين أفراد الطبقات في مشاريع وخطط
التنمية، وإعطاء الأولوية لها في برامج التنمية وتطوير البنى التحتية، ما
يتيح ويبيح للجميع التنعم بالثروات، ويرسخ الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي
للكيانات السياسية.

اقرأ المزيد

الاتفاقية الأمنية والتباين الثقافي

إن الجدل الدائر هذه الأيام حول الاتفاقية الأمنية بين دول مجلس التعاون
الخليجي، والتي بالتأكيد تتعارض مع مواد الدستور الكويتي، يخلق لدى البعض
وهماً بأن دول الخليج متطابقة في نظمها وأنماط سلوك مواطنيها وتكوينات
بنيتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.


ومثلما هناك منظور تتبناه
الدول ذات السياسة الاقتصادية النيوليبرالية حول تقسيم العالم إلى مراكز
وتخوم أو أطراف، وما تعكسه سياسة العولمة من ثقافة استعلائية حول التعددية
الثقافية كمصطلح بديل عن العرقية الذي حاولت الليبرالية تكريسه في البداية،
هناك أيضاً استعلاء ثقافي عربي يقسم البلدان العربية إلى مراكز وأطراف
ثقافية وتصنف العواصم القديمة مثل القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق كمراكز
ثقافية، وتصنف دول الخليج والمغرب العربي وبعض الدول الأفريقية كأطراف
ثقافية.


فمفهوم «التعددية الثقافية» النيوليبرالي يختلف عن الخصوصية
الثقافية للمجتمعات والسمات الخاصة لكل منها، ليس فقط استناداً على العامل
الاقتصادي الاجتماعي، ولكن على مجموعة من العوامل المكملة والمتداخلة
والمتشابكة، مثل العوامل الديموغرافية والأيكولوجية «البيئية» والتاريخية
والتعدد العرقي التي تحدد التطور الثقافي لكل مجتمع وإن تشابه في ذلك مع
دول إقليمية ولكنه بالتأكيد غير متطابق.


فالمصطلح الليبرالي
«الثقافة البربرية» الذي تسمى به كل الدول التابعة والمستعمرة، يشبه السمة
التي تطلقها ما تسمى المراكز الثقافية العربية مثل «الثقافة الخليجية والفن
الخليجي» و«الثقافة المغاربية والفن المغاربي»، دون مراعاة للخصوصيات
الثقافية في كل مجتمع، بل الثقافات المختلفة في المجتمع الواحد.


ويسهم
بعض المثقفين الخليجيين ووسائل الإعلام في تشويه هذه الخصوصيات، فعلى سبيل
المثال ما تعرضه وسائل الإعلام الرسمية في الكويت ومدارسها من فنون ورقصات
شعبية على اعتبار أنها فنون شعبية كويتية غير دقيق، فما يُعرض هو فنون
هجينة من مجتمعات الخليج والجزيرة العربية، وليس فناً كويتياً خاصاً
بالمجتمع الكويتي، رغم التشابه بين بعض الفنون الذي أوجده بعض التشابه في
الظروف التاريخية والبيئية، مثلما هناك تشابه بين الفنون العربية وتشابه
أقل على المستوى العالمي، أما تشابه الثقافة الاستهلاكية في المجتمعات
الخليجية والدول العربية فقد فرضه الاقتصاد الريعي الطفيلي، الذي لا يعتبر
مجرد خصوصية ونتيجة لطبيعة الأنظمة بل ساهم به وبشكل فعال بل وفرضه النظام
الاقتصادي الرأسمالي النيوليبرالي والمعولم.


وقبل الحديث عن
الاتفاقية الأمنية الخليجية والوحدة الخليجية التي انفرط عقد التوافق
عليها، علينا أن نتذكر الوحدة بين مصر وسورية فيما سمي بـ «الجمهورية
العربية المتحدة» التي أعلنت في فبراير 1958 وانتهت في سبتمبر 1961،
لاختلاف الظروف الذاتية في كل من البلدين، إضافة إلى ظروف موضوعية أخرى.


فالمجتمعات
الخليجية غير متشابهة في ظروفها الذاتية، الثقافية والاجتماعية
والاقتصادية والسياسية، فليست كل النظم السياسية فيها ديموقراطية و«إن كانت
شكلية»، وهذا ينعكس على القوانين والنظم الأمنية، وتختلف كذلك في مستوى
الحريات والامتداد التاريخي للانفتاح الثقافي بما فيها مكانة المرأة في كل
مجتمع.


والموافقة على هذه الاتفاقية الأمنية تعني إما تخلي الدول
ذات النظم الديموقراطية والحريات النسبية عن مكتسباتها التاريخية، وإما
تبني جميع الدول الخليجية لنظام ديموقراطي واحد يعطي هامشاً للحريات
والتعبير عن الرأي.


وليد الرجيب
اقرأ المزيد

الاتفاقية الأمنية الخليجية وتقييد الحريات

محمد الشحري

محمد الشحري

في الوقت الذي تقوم فيه العديد من الدول
بإصلاحات تشريعية، لتعزيز وحماية حقوق الإنسان، تقوم دولنا الخليجية
بالتمترس خلف الاتفاقيات الثنائية، أو بين ال الدول الست، التي تعرقل
المطالب المنادية بالإصلاح ورغبة المواطنين الخليجيين في التمتع بالحقوق
التي كفلتها الأديان السماوية والقوانين الوضعية في القانون الدولي
والاتفاقيات ذات الصلة بالحريات الأساسية، المتمثلة في حق الرأي والتعبير
وحق التجمع السلمي وحق تكوين الجمعيات، كنا نعتقد بأن المرحلة الراهنة التي
شهدت خروج الشعوب إلى الساحات والشوارع لتطالب بحقوقها بعد 2011، ستكون
كافية لدى القادة السياسيين في دول الخليج لمنح الشعوب الخليجية المزيد من
الاستحقاقات والمشاركة في العمل السياسي، وخلق ثقة بين الحاكم والمحكوم،
ولكن بدلاً من الانفتاح، نرى انغلاقاً وإحاطة الأنظمة ذاتها بالمزيد من
التشريعات التي لا تخدم الدول القائمة على القانون والمؤسسات المستقلة،
والدليل على ذلك التصديق على الاتفاقية الأمنية الخليجية التي أقرَّها
المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في لقائه التشاوري الرابع
عشر الذي عُقد في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية بتاريخ 14 مايو
2012، ووقعت في الرياض في 13 من نوفمبر 2012، وصادقت عليها سلطنة عمان في
13 من يناير الماضي.

تُعد هذه الاتفاقية واحدة من الاتفاقيات
التي تقيّد الحريات في دول الخليج، وكان المنتدى الخليجي لمؤسسات المجتمع
المدني قد أشار إلى ذلك في بيانه الختامي الذي عُقد في بيروت بتاريخ -14 15
ديسمبر 2012، بالقول «إن التوقيع على الاتفاقية الأمنية الذي جرى أخيراً
بين وزراء داخلية دول المجلس في هذه الظروف التي تمر بها المنطقة ومطالبات
الشعوب الخليجية بالمزيد من الحرية والديمقراطية تبعث على القلق والخشية من
أن تستخدم لقمع الحريات وزيادة القبضة الأمنية على المجتمعات»، ومما يبعث
على القلق أن الدساتير أو الأنظمة الأساسية في دول الخليج ليست على درجة
واحدة من التوافق، فمثلا لايزال حق التجمُّع السلمي الذي أقرَّه القانون
الدولي المتعلق بالحقوق والحريات، كحق تكفله القوانين، يُصنف كجريمة، وقد
قدم العديد من المواطنين في بعض دول الخليج إلى المحاكم بتهمة التجمهر.

تضم الاتفاقية الأمنية الخليجية 20 مادة
موزعة على 6 فصول، تنص المادة الأولى على أن تتعاون الأطراف في هذه
الاتفاقية وفقا لتشريعاتها الوطنية والتزاماتها الدولية، ونصَّت المادة
الثانية على التعاون بين الدول الأطراف في ما بينها، لملاحقة الخارجين على
القانون أو النظام أو المطلوبين من الدول الأطراف، أياً كانت جنسياتهم،
واتخاذ الإجراءات اللازمة بحقهم، وتقول المادة الثالثة، تعمل كل دولة طرف
على اتخاذ الإجراءات القانونية في ما يعد جريمة، وفقا للتشريعات النافذة
لديها، عند تدخل مواطنيها أو المقيمين بها في الشؤون الداخلية لأي من
الأطراف الأخرى.

إن هذه الاتفاقية يجب أن ألا تمر على
الشعوب الخليجية من دون نقاشات من قِبل الأفراد ومنظمات المجتمع المدني في
الخليج، للخروج بتوصيات ترفع لقادة دول الخليج لتعديل بعض البنود التي
تضيّق على الحقوق والحريات، مثل حق الرأي والتعبير وحق التجمُّع السلمي،
وحق تكوين الجمعيات.

اقرأ المزيد