المنشور

عشرون عاماً على ميثاق العمل الوطني

في الرابع عشر والخامس عشر من فبراير الجاري 2021 يمرّ عشرون عاماً على التصويت على ميثاق العمل الوطني، في ذلك التاريخ من عام 2001 ، حيث حصل على نسبة 98.4% في إجماع وطني قلَّ نظيره في التاريخ السياسي البحريني، وجاء التصويت على الميثاق ليطويَ صفحةً سوداءَ في تاريخ البحرين، بإطلاق سراح المعتقلين والسجناء السياسيين وعودة المنفيين من الخارج، بعد حقبة قانون أمن الدولة وتدابير محكمة أمن الدولة التي استمرت منذ حل المجلس الوطني في 26 أغسطس 1975 حتى تاريخ التصويت على الميثاق.

كانت أهم مطالب الحركة الوطنية والشعبية في تلك الحقبة هي إطلاق سراح المعتقلين والسجناء السياسيين وعودة المنفيين وإعادة الحياة النيابية وإشاعة الديمقراطية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة، وهي المطالب التي ركَّزَت عليها العريضتان النخبوية والشعبية في الفترة 1992/1994، بالإضافة إلى مطلب حق المرأة في المشاركة السياسية بالترشيح والانتخاب.

لن ندخل في تفاصيل تلك الحقبة السوداء التي سبق لنا الكتابة عنها، وسنكرس قراءتنا للأحداث والتغيرات خلال العشرين سنة الماضية من التصويت على ميثاق العمل الوطني، والذي شكَّل الحدث الأهم في بداية الألفية الجديدة في البحرين وفي بلدان مجلس التعاون الخليجي، حيث كانت التطلعات بأن تتطور التجربة في بلادنا نحو نقلة نوعية للتحولات الديمقراطية والإصلاح السياسي بمزيدٍ من التغيير والديمقراطية في ظل عهدٍ جديدٍ جاء ليواكبَ التغييرات والتحولات في العديد من بلدان العالم من أجل إيجاد مسارات جديدة في بنية النظام السياسي القديم، والقيام بإلغاء القوانين المعيقة للتحول الديمقراطي من الحقبة السابقة، خاصة بعد السماح بتشكيل الجمعيات السياسية والنقابات العمالية والمهنية والعديد من منظمات المجتمع المدني، وإجازة إصدار جرائد يومية وإسبوعية وتوسيع هامش الحريات العامة، حيث كان ملحوظاً النشاط السياسي والمدني في البلاد، وجرت انتخابات للمجالس النيابية والبلدية في عام 2002 بعد صدور دستور مملكة البحرين والجدل الذي أثاره، وما تلى ذلك من تطورات وأحداث سياسية متسارعة في المشهد السياسي لم يتعود عليها البحرينيون من قبل.

لكن أحداث فبراير/ مارس 2011 وتداعياتها، عادت بالأجواء السياسية المتشددة للوراء، والأسوأ من هذا حدث الانقسام بين الشعب وهو ما تتحمل مسؤوليته أطراف عدة في البلاد، حيث انحدرت الأمور نحو منعطفٍ خطيرٍ، ونشأ واقعٍ مغايرٍ للبدايات الأولى للانفتاح السياسي، بنقل التجربة التي حدثت في بعض البلدان العربية في عام 2011 فيما عرف “الربيع العربي” الذي لم تتعافَ منه تلك البلدان العربية، مع استثناء نسبي للتجربة التونسية.

فالإنتفاضات التي رفعت فيها الشعارات الثورية بالأبعاد الإنسانية: الخبز، الكرامة، العدالة، الحرية، تحولت إلى كوارث ومآسٍ وبالأخص بعد أن رُفِعَ شعارُ (الشعب يريد إسقاط النظام) في أكثر من بلد عربي، وتدخلت في تلك الأحداث عوامل وأطراف داخلية وخارجية غايتها ليس التغيير والديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان، وإنما إشعال نيران الفتن الداخلية من خلال الفوضى والتخريب والفرقة في المجتمعات العربية لكي لا تقوم لها قائمة لا في الحاضر ولا المستقبل، فعمقت من الأزمات الداخلية اقتصاديا واجتماعيا ومعيشياً، ولتتحول إلى معوقات كبيرة أمام توجهات التغيير والإصلاح في أي بلد عربي لسنوات قادمة، لهذا بات شعار الاستقرار والأمن من قبل بعض الانظمة السياسية العربية يتقدم على أي شعارات أو تغيّرات أخرى، ولم تقبل بأن تجري حتى التحولات التدريجية نحو التغيير و الديمقراطية، التي ستبقى مؤجلة إلى وقت آخر.

ومن المعروف الأهمية التي توليها العديد من القوى الدولية لمنطقتنا لموقعها الاستراتيجي الهام لوجود الطاقة فيها بكميات كبيرة بمخزون كافٍ لعشرات السنوات القادمة، وسوف تظلّ تدعم ذلك الاستقرار والأمن من أجل مصالحها ولن يعني لها شيئاً إنْ برزت مظاهر الاستبداد والاضطهاد أو تكميم الأفواه للمعارضين في البلدان العربية، وسوف تتعاطى مع كل نظام حسب خصوصياته ووضعه وطبيعة علاقاتها معه.

عودة إلى الوضع القائم في بلادنا أصبحت الثقة مهزوزة بين مؤسسة الحكم والمعارضة، بسبب تداعيات تلك الأحداث السياسية، وما تلى ذلك من تسريع صدور قوانين جديدة تعيق من تطوير التجربة الناشئة للتحول الديمقراطي في البلاد باسم السلطة التشريعية، خاصة بعد انسحاب كتلة الوفاق منه فترة الأحداث، وما تلى ذلك من تعثر جولات الحوار الوطني، ومقاطعة انتخابات عام 2014، وما تلى ذلك من أحداث، أهمها حلّ بعض الجمعيات السياسية المعارضة، وتعقدت الأجواء السياسية في البلاد بسبب تلك التراجعات السياسية، وهكذا عدنا لأجواء مشحونة بالتوتر والريبة وانعدام الثقة بين الأطراف المختلفة، ليتصاعد خطاب الكراهية والتمييز، يقتات منه المؤزمون الذين يعملون جاهدين من أجل استمرار تلك الأجواء المليئة بروح الكراهية والفرقة في المجتمع كيلا يخسروا المنافع والمصالح الشخصية التي حصلوا عليها.

في هذا الوضع السياسي الذي يغيب فيه صوت العقلانية والوحدة الوطنية، بالرغم من هذا يشق خطاب الرأي الواقعي والوحدة الوطنية طريقه بهدوء ليفتح ثغرة في الجدار ليؤسِّس لواقعٍ جديدٍ ناضلت أجيال عديدة من أبناء وبنات الحركة الوطنية الديمقراطية في البحرين، فمستقبل البحرين ليس في الخيار الأمني، وإنما في مزيدٍ من الديمقراطية والحريات العامة والعدالة الاجتماعية والمساواة والوحدة الوطنية.

إن البحرين في ظل الوضع الاقتصادي والمعيشي الصعب بسبب جائحة كورونا وآثارها السلبية، في حاجة إلى جميع أبنائها، وعليها تقوية الجبهة الداخلية بالتكاتف والتلاحم من خلال حوار وطني شامل يناقش القضايا الحيوية والملحة يُخرجَ البلاد و العباد إلى آفاقٍ أرحب.

اقرأ المزيد

إنجلز ضد ماركس؟* (2- 3)

مائتا عام من فريدريك إنجلز

بقلم : Paul Blackledge
ترجمة: غريب عوض
إن أقرب دليل قاطع لتأييد ماركس لإطروحة الإختلاف هو رسالة مُضحِكة كتبها إلى إنجلز في الأول من أغسطُس/آب عام 1856. ويؤكد كارفر، في هذهِ الرسالة، كيف اشتكى ماركس في هذهِ الرسالة من كتابة أحد الصحفيين لهُما كما لو أنهما شخص واحد. وكان الكاتب المعني هو لودويغ سايمون Ludwig Simon، نائب مُهاجر من جمعية فرانكفورت عام 1848-49، الذي أظهر ما أسماه ماركس “ميلاً” غريباً للغاية للتحدث عنا في صيغة المُفرد “يقول ماركس وإنجلز” إلخ…” “والآن، خارج النص المكتوب المُشتَرَك، هذهِ العِبارة بأي مقياس هي شاذة نحوياً. ومع ذلك، في مِزاحهِ حول “النواح” الذي كتبهُ سايمون بشكل سيئ، كتب إلى صديقه القديم أنهُ “عاجلاً سوف يملأ رغوة الصابون أو يشربها مع زرادشت على شخ البقرة الساخن بدلاً من قراءة كلُ تلك الأشياء”- كتب ماركس في الواقع عن النكات التي أطلقها إنجلز أثناء الثورة كما لو كانت تخُصُهُما “في صيغة المُفرد”: حتى النكات التي أطلقاها على سويسرا في الريفيو” تملئهُ بالسُخط.”
وبالرغم من زعم كارفر بأن ماركس “لا يقول شيء إيجابياً” في هذهِ الرسالة “أو في أي موقع آخر بأي مقياس حول معايير الفصل والتداخل بينهُ وبين إنجلز، فإن الحقيقية هي أن ماركس استخدم مِراراً وتَكراراً المُصطلحات نحنُ، لنا، ونحنُ عند الإشارة إلى علاقته السياسية والنظرية مع إنجلز. وعلى الرغم من أن تعليقاتهِ على هذهِ العلاقة قد لا تكون مكتوب “مُطولاً”، إلا أن الأدِلة الموجودة تدعم بشكل ساحق الإدعاء بأن ماركس كان يعتقد أنهُ كان مع إنجلز شراكة فكرية وسياسية فريدة. ولعل تعليقهُ الأكثر شُهرة حول أهمية تعاونهُ مع إنجلز موجود في مُقدمة عام 1859 لـ مُساهمة في نقد الإقتصاد السياسي:
فريدريك إنجلز، الذي حافظت معهُ على تبادل مستمر للأفكار عن طريق المُراسلة مُنذُ نشر مقالتهُ الرائعة حول نقد التصنيفات الإقتصادية … وصلتُ بطريق آخر (قارن حالة الطبقة العاملة في إنجلترا) بنفس النتيجة عندي، وعندما جاء في ربيع عام 1845 للإقامة في بروكسل، قررنا أن نضع معاً مفهومنا على عكس المفهوم الأيديولوجي للفلسفة الألمانية، في الواقع لتصفية الحسابات مع وعينا الفلسفي السابق.
بعد عام، في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1860، أعاد التأكيد على هذا الإدعاء وعززهُ بالفعل في رسالة إلى بيرتالان زيمير Bertalan Szemere أصرَ فيها على أن إنجلز “يجب” “اعتبارهِ كِبريائي المُتغيّر”. أما فيما يتعلق بقُدرات إنجلز الفكرية، فقد كتب ماركس إلى أدولف كوس Adolf Cuss، في 18 تشرين الأول/أُكتوبر 1853، أنهُ “لكونهِ موسوعة علمية حقيقية مُتنقِلة، فإن إنجلز “قادر، سواء كان مخموراً أو رصيناً، على العمل في أي ساعة من النهار أو الليل، [فهو] كاتبٌ سريع وشيطاني سريع الإستيعاب.”
وبدورها، كتبت إلينور Eleanor إبنة ماركس بأن والِدُها إعتاد أن يتحدث مع رسائل إنجلز “وكأن الكاتب هناك أمامه،” يتفق، يختلف، ويضحك أحياناً “حتى تنهمر الدموع على وجنتيهِ.” وعن صداقتهُما كَتَبَت، “لقد كانت تلك التي ستُصبِح تاريخية مثلُ صداقة دامون Damon و بيثياس Pythias في الأساطير الإغريقية.” وبالمثل، ذكر بول لافارج Paul Lafargue، صِهر ماركس، بأن ماركس “يحترم [إنجلز] باعتبارهِ الرجل الأكثر عِلماً في أوروبا” و “لم يتعب أبداً من الإعجاب بعالمية عقله”. في الواقع، خلافاً لإقتراح كارفر الذي لا أساس لهُ والتشهير الصريح للسمعة بأن ماركس التزم الصمت إنتقاداتهِ لعمل إنجلز بسبب “فائدة موارد إنجلز المالية”، فإنهُ لا يمكن تصور أي شخص سوى “الرجل الأكثر علماً في أوروبا”، وإلى جانب ذلك، يمكن لواحد من أعظم النُشطاء الثوريين في ذلك الزمن أن يُحافظ على شراكة مُتساوية مع رجل في مكانة ماركس لمدة أربعة عقود تقريباً. كما كتب كريس آرثر Chris Arthur، إن مُحاولات التقليل من تأثير إنجلز على ماركس غير عادلة لماركس مثلها مثل لإنجلز: “لم يكن ماركس أبداً من يحكم باستخفاف على أوجه القصور الفكرية للآخرين، ومع ذلك فقد اختار تشكيل، مع إنجلز من بين جميع مُعاصريه، شراكة فكرية وثيقة.
تم التأكيد مُجدداً على تقدير ماركس لأهمية تعاونه مع إنجلزفي كتابهِ المنسي إلى حد كبير “السيد فوغت/ Herr Vogt (1860). في تعليق على مقال إنجلز “نهر بو ونهر الراين/ Po and Rhine”، الذي كتبهُ ماركس ، ونُشِرَ “بموافقتي” والذي وصفهُ بأنهُ يُقدم كلمة إجلانية (نسبة إلى إنجلز) “علمية” سيئة، وهذا “يُثبت عسكرياً” أن ألمانيا لا تحتاج إلى أي جزء من إيطاليا من أجل دِفاعاتها، “وكتب أنهُ وإنجلز يعملان عموماً على خِطة مُشتركة وبعد إتفاق مُسبق”. وبالرغم من الحقائق القائلة بأن ذلك البيان الذي لا لبس فيه المكتوب على الورق، وأن درابر Draper سلط الضوء عليه في نظرية الثورة لكارل ماركس، فإنهُ يميلُ إلى تجاهلهُ من قِبل أُولئك الذين يهدفون إلى فرض الإنقسامات بين ماركس وإنجلز.
ولم تنتهي تعليقات ماركس المُفضلة لديه حول تعاونه مع إنجلز في عام 1860. بعد سبعة عشر عاماً، في 10 تشرين الثاني/نوفمبر 1877، في رِسالة إلى ويلهلم بلوس Wilhelm Blos، كتب عن “أنا وإنجلز” و “نحنُ” عند استعراض المواقف السياسية السابقة لديهما سبق أتخذاها معاً. والشيء الأكثر أهمية، في رسالة لأدولف سورج Adolph Sorge مؤرخة في 19 أيلول/سبتمبر عام 1879 – كُتِبت مُباشرةً بعد صدور كِتاب “ضد دوهرنغ Anti-Dühring” وقبل أقل من أربع سنوات من وفاتهِ – يُثبت ماركس الدرجة العميقة من التعاون بينهُ وبين إنجلز. لقد كتب ليس فقط عن “وثيقة اتفاق” أن إنجلز يعتني بـ “شئوون العمل والعمولات” أثناء تواجدهِ بعيداً في إيجازة، بل كتب أيضاً عن كِتابة إنجلز للرسالة الدورية الشهيرة آن ذاك في عام 1879 إلى قيادة الحزب الإجتماعي الديمقراطي الألماني بإسميهُما والتي بِها “يتم تحديد وجهة نظرينا بوضوح”. وفي غضون ذلك، كتب عن “موقفنا، “دعمنا”، “نُتمسك بـ”، أنا وإنجلز، “شكوانا”، “نختلف عن [جوهان] موست [Johan] Most،” أسمائنا”، وضد مُحاولات شدنا” لدعم المواقف المُختلفة التي اختلفوا معها. كُلُ هذا مع الإشادة بدحض إنجلز، من وجهة نظرهم المُشتركة، للإصلاحيين “أنصار التنمية السلمية”. كَتَبَ يقول، أظهر إنجلز مدى عُمق الهوة بين [Höchberg – PB] وبيننا “لنقول رأينا صراحة فيه.”
هذهِ الرسالة ورسائل كثيرة أُخرى شبيهة بِها تُشير إلى في حين أنهُ قد يكون من الحماقة مُعاملة ماركس وإنجلز بصيغة المُفرد، ومن السُخف أكثر بكثير الزعم، كما يفعل توماس Thomas، أنهُ “لا يوجد دليل على اي عقيدة مُشتركة خارج إصرار إنجلز على أنها كانت موجودة بطريقة أو باُخرى.” هذا بِبِساطة غير صحيح، وإن إنكار توماس للأدلة من ماركس حول عقيدة مُشتركة مع إنجلز يُشيرُ إلى أن بحثهُ يُعاني من مشكلة يتوق إلى أن ينسبها للآخرين: “جهلٌ مُذهل بما كتبهُ ماركس”.
وبطبيعة الحال، لم يكُن توماس جاهلاً بما كتبهُ ماركس. ولكن لماذا إذاً الإستمرار في الإصرار على أطروحة الإختلاف في حين أن الأدلة الموجودة، كما يُشير هونلي Hunley، “يجب أن تُثبت لأي شخص لا تُعميه الأيديولوجيا تماماً أن ماركس وإنجلز يتفقان بشكل أساسي مع بعضهما البعض”؟ ويبدو أن مؤيدي فرضية الإختلاف مدفوعون بالأيديولوجيا أكثر من بالدليل. في الواقع، لا يُجادل كارفر وتوماس فقط (وبشكل مُبرَر) في إن إرث ماركس يجب أن يُفّصل عن ميراث الستالينية ولكن أيضاً (وبشكل غير مُبرر) ينبغي فصله بالمثل عن السياسة الثورية الحديثة. ويختلف موقف توم روكمور Tom Rockmore المُناهض لموقف أتباع إنجلز عن موقِفي كُلٌ من كارفر وتوماس وذلك لأنهُ يوافق على أن “ماركس وإنجلز يتفقان سياسياً، “في حين أنهُ يَصِرُ على أنهما “لايتفقا فلسفياً.” تستفيد مُحاجة روكمور من الاعتراف، بما يتعارض مع إدعاء كارفر بأن ماركس تصوّر الإنتقال إلى الإشتراكية من خلال وسائل “دستورية” و “سلمية”، وأن إنجلز كان على حق عندما قال في تأبين ماركس أن مُساعِدهُ كان “ثورياً فوق كلُ شيء”. ومع ذلك، فإن روكمور مُخطئ بِشأن الخلافات الفلسفية المُفترضة بين ماركس وإنجلز.
إن تقييم إنجلز الخاص لدورهِ في صياغة الأساس النظري لوجهة نظرهُما السياسية هو تقدير مشهور وإنكار للذات دون داعٍ. وبعد مرور عام على وفاة ماركس، أدعى في رسالة كتبها إلى يوهان فيليب بيكر Johann Philipp Becker، في 15 آب/أغسطس 1884، أنها كانت مُجرد “ألة كمان ثانية” بمعنى “خِدعة” لماركس:
ومن سوء حظي أنهُ مُنذُ أن فقدنا ماركس كان من المُفترض أن أُمثِلهُ. لقد أمضيت عُمري أفعل ما كُنتُ مُهيأ لهُ، أي العزف على الكمان الثاني، وأنا أعتقد بالفعل أنني برأتُ نفسي بشكل معقول. وكُنتُ سعيداً لأن لدي كماناً رئعاً مثل ماركس. ولكن الآن بعد أن توقعت فجأهً أن آخذ مكان ماركس في المسائل النظرية وألعب دور الكمان الأول، ستكون هناك حتماً أخطاء فادِحة ولن يدركها أحداً أكثرَ مني. ولن نُدرِك حقاً ما فقدناه في ماركس إلى أن تُصبِح الأزمنة أكثر إضطراباً إلى حدٍ ما. لا أحد منا يمتلك اتساع الرؤية التي مكنتهُ، في نفس اللحظة التي دعت فيها إلى اتخاذ إجراء سريع، للتوصل إلى الحل الصحيح بشكل ثابت وفي الحال الوصول إلى لُبُ الموضوع. وفي الأوقات الأكثر سلاماً يمكن أن يحدث أن تثبت الأحداث صحة ما أقول وخطأ ما يقول، ولكن في مُنعطف ثوري كان حُكمهُ معصوماً عن الخطأ.
وبعد مُضي أربع سنوات في كِتاب لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الألمانية الكلاسيكية، أوضح هذا التقدير المُتواضع لمُساهمتهِ المطبوعة:
تمت الإشارة مؤخراً إلى نصيبي في هذهِ النظرية، ولذا لا يُمكنني تجنُب قول بضع كلمات هُنا لتسوية هذهِ النقطة. لا أستطيع أن أنكر أنهُ قبل وأثناء تعاوني مع ماركس لمدة أربعين عاماً، كان لي نصيب مُستقل مُعيّن في إرساء أُسُس النظرية، وبشكل أكثر تحديداً في صياغتها. ولكن الجزء الأكبر من مبادئها الرئيسية الأساسية، خاصةً في مجال الإقتصاد والتاريخ، وفوق كل شيء، صيغتهما النهائية القوية، تخُصُ ماركس. ما ساهمتُ بهِ على أي حال، بإستثناء عملي في بعض المجالات الخاصة، كان من المُمكن أن يفعلهُ ماركس جيداً بدوني. إن ما أنجزهُ ماركس ما كان لي أن أحققهُ. لقد وقف ماركس في مكان أعلى، ورأى أبعد، وأخذ نظرة أوسع وأسرع منا جميعاً. كان ماركس عبقرياً؛ كُنا الآخرين موهُوبين في أحسن الأحوال. بدونهِ لن تكون النظرية على ما هي عليه اليوم. لذلك فهي تحمل إسمهِ بِحق.
وبالطبع، سيكون من الحماقة إنكار الجزء الأكبر لماركس في تعاونهِ مع إنجلز. ولكن هذهِ الحقيقة ليست مُفاجِئة بالنظر إلى أنهُ حتى في شبابهِ، شعر أحد مُعاصريه، موسى هيس Moses Hess، بأنهُ من الإنصاف وصف ماركس على النحو التالي:
إنهُ ظاهِرة … الأعظم … ربما هو الفيلسوف الحقيقي الوحيد في الجيل الحالي. عندما يظهر للجمهور، سواء كِتابةً إو في قاعة المُحاضرات، سوف يجذب انتباه كل ألمانيا … سيُعطي دين القرون الوسطي وفلسفتها إنقلابهما، فهو يجمعُ بين الجدية الفلسفية العميقة والذكاء اللاذع. تخيّل روسو Rousseau و فولتير Voltaire و هولباخ Holbach و ليسينج Lessing و هاين Heine و هيجل إندمجوا في شخص واحد – أقول أندمجوا وليس جنباً إلى جنب – ويكون لديك الدكتور كارل ماركس.
إن القول بأن إنجلز (أو أي شخص آخر غير أرسطو في اليوم الأخير) فشل في مُطابقة المُستوى الفكري لشخص يمكن وصفه بشكل معقول بهذهِ المُصطلحات ليس بالأمر المُنير. ومن المُثير للإهتمام أكثر أن نُدرِك، مع أندرسون Anderson، أن إنجلز كان يتمتع بنقاط قوة فكرية كبيرة وأنهُ قدم عدداً من المُساهمات المُهمة في منظوره النظري المُشتَرَك مع ماركس.
وبالفعل، كان ماركس أول من أدرك نِقاط قوة إنجلز ونأى عنهُ التواضع الذي لا مُبرر لهُ. على سبيل المِثال، في رِسالة في 4 تموز/ يوليو، عام 1864، كَتَبَ: “كما تعلم. أولاً، أنا دائماً بعيداً عن الهدف في كلُ شيء، ثانياً، أنا حتماً أتبع خُطواتك.” وهذا التأكيد كان صحيحاً بشكل خاص في أربعينيات القرن التاسع عشر عندما يلعب إنجلز دوراً مُهماً فحسب، بل لعب دوراً رائداً أيضاً في شراكتهما الفكرية والسياسية. وبعد ذلك، عمل الرجلان معاً بشكل وثيق في تعاون تعلم من خِلاله كلٌ منهُما من الآخر وأصبح كِلاهُما أكثر بكثير مما كانا عليه لو كان كلٌ مِنهُما يعملُ بِمُفردهِ.
وعلى النقيض، تَميلُ إطروحة الاختلاف إلى إجراء الكثير من الأختلافات الطفيفة نسبياً بين الرجُلين، وفي أسوأ الأحوال، لإختراع الإختلافات حيثُ لا وجود لها لِتُناسب التنبؤات الخاصة لكل ناقد. وتعليقاً على مُتغيّر ليفين Levine لهذهِ الحجة، يقول ألفين جولدنر Alvin Gouldner أنهُ “من سِمات ليفين … أن صياغاتهِ ليست غير دقيقة فحسب، بل سخيفة”. ويُضيف بأن الفكرة القائلة بأن إنجلز هو من بدأ إبتذال أفكار ماركس تستمر في التأثير “بسبب تبريرها الفكري أكثر من كونها بسبب الحاجة التي تخدمها”: وتسمح أسطورة الإختلاف فعلياً لِنُقاد الماركسية بِإلقاء اللوم على إنجلز في أي جانب من جوانب الماركسية الكلاسيكية يُريدون رفضها. في الواقع، لقد أدت هذهِ المُقاربة إلى الميل إلى إعادة تصور إنجلز، كما قال إدوارد طومسون Edward Thompson، على أنهُ “كبش فداء” الذي كان مُثقلاً بأي عيب “يختاره المرء ليطعن في الماركسية اللاحقة”. ومع ذلك، فإن الأدبيات المُناهِضة لإنجلز سلبية إلى حد كبير في نِطاقها وبعيدة عن الترابط. ولأن نُقاد إنجلز يلقون عليه عموماً أي جزء من الماركسية لا يحبونه، فإنهم يميلون، كما يُشير هونلي Hunley، إلى مُناقضة “بعضهم البعض وأحيناً مُناقضة حتى أنفسهم”. والأهم من ذلك، فإن ما يُسميهِ آرثر Arthur أدب إنجلز الرهابي يميل إلى أن يكون حريصاً جداً على إدانة إنجلز لدرجة أن مؤلِفوا هذا الإقناع يتجنبون المُشكلات المُهمة في حججهم الخاصة.
هذا النقد صحيح بشكل خاص فيما يتعلق بمحاولات مُنتقدي إنجلز إثبات درجة مُعيّنة من التماسك بين آرائهِ ونسخة ستالين المُنحطة عن الماركسية. فكارفر وتوماس، على سبيل المِثال، يُشارِكان ليفين في اعتقادهِ بأن أديولوجية ستالين يمكن اشتقاقها من “الإنجلانية” (نسبة إلى إنجلز). وكما كتب كارفر في عام 1981، “تتضمن الحياة السياسية والأكاديمية في المؤسسات الرسمية للإتحاد السوفيتي … إلتزاماً إيجابياً بالمادية الديالكتيكية التاريخية المُستمدة من عمل إنجلز ولكنها تتطلب شهادة ماركس بعد وفاتهِ. وبعد عامين، كَتَبَ يقول، بأن “عقائد” أعمال إنجلز الفلسفية “تم تمريرها إلى مُحاضرات، وكُتيبات تمهيدية، وكُتيبات، وصولاً إلى الديالكتيك السوفيتي الرسمي.”إلا أنهُ، بالرغم من تكرار تفسير ستالين للمادية التاريخية الديالكتيكية (هيستمات Histmat و ديامات Diamat كما أصبحا معروفين في الإتحاد السوفيتي) مُشتق من عمل إنجلز، إلا أنهُ يُلاحَظ في كثير من الأحيان أن مُحاولة ستالين إضفاء الشرعية على نظامه المُعادي للثورة بالرجوع إلى الماركسية وثورة أكتوبر قادتهُ إلى تجرُع فكر ماركس وإنجلز في جوهره الثوري.
وفيما يتعلق بفكر إنجلز، رفض ستالين صراحةً عددٌ من الأفكار الرئيسية المُشتقة من عمله. لقد شطب نقد إنجلز من النظرية السوفيتية الرسمية لفكرة الإشتراكية في بلد واحد، ورأيه القائل بأن الإشتراكية ستتسم بتلاشي الدولة، وزعمِهِ بأن قانون القيمة سيتوقف عن العمل في المجتمع الإشتراكي. وفيما يتعلق بالفلسفة، حذف ستالين مفهوم “نفي النفي” من حِساب الديالكتيك الذي أصبح تقليدياً في روسيا في الثلاثينيات. لم تكُن هذهِ الأجزاء من فكر إنجلز جوانب غير جوهرية من ماركسيتهُ. وكما يُشير ألفرد إفانز Alfred Evans في زعم يجلس بشكل مُثير للسُخرية إلى جانب مُحاولات كارفر وآخرين لإنتزاع ماركس من الماركسية من أجل إعادة تخيّله كمُنظّر لتغيير دستوري سلمي، وعززت “إبتكارات” ستالين إعادة تفسير الماركسية التي تم من خلالها تقديم “أي آثار ثورية للتطور الإشتراكي”.

*هذا المقال هو إقتِباس من مُقدِمة كِتاب Paul Blackledge الأخير، فريدريك إنجلز والنظرية الإجتماعية والسياسية الحديثة.

اقرأ المزيد

استغلال “تمكين”

ما يقوم به بعض أصحاب الأعمال لا يمكن وصفه إلا على أنه جشع، ورغبة شرهة في الكسب دون أي اعتبارات اجتماعية أو حتى أخلاقية، الرغبة الجامحة في الكسب بأي بطريقة، ومنها ما يقوم به بعض أصحاب الشركات من توظيف حديثي التخرج من الشباب لمدة عامين ويقومون بتدريبهم على العمل واعطائهم مهامهم وواجباتهم، وبعدهما يتم انهاء عقود أغلب هؤلاء، لأسباب عادة ما تكون واهية في ظاهرها، اما ما بطن من أسباب ذلك، فهو انقضاء فترة دعم صندوق العمل “تمكين”.
ورغم ان إنهاء عقد محدد المدة بسنتين قانوني في ظاهره، لكن الطريقة التي ينهجها القائمون على تلك الشركات غير أخلاقية بلا شك، وإلا ماذا يعني توظيف شاب حديث التخرج وهو في مقتبل العمر المهني وبعد انتهاء دعم “تمكين” يتم التخلي عنه وإعادة الكرة مع آخرين من أجل الحصول على الدعم من جديد.
يركز برنامج دعم الأجور الذي أطلقته “تمكين” على توفير نوعين من الدعم المادي، الأول تدريب الموظفين والعمال على تحسين كفاءاتهم ليحققوا أعلى معايير الإنتاجية، والثاني دعم أو زيادة أجور الموظفين، في مسعى لمساعدة المنشئات على خفض تكاليف التوظيف أملاً في تنميتها.
وتشير إدارة تمكين إلى أن:” برنامج دعم الأجور يتماشى مع أهداف البرنامج الوطني للتوظيف وذلك بهدف تشجيع المؤسسات على توظيف المزيد من حديثي التخرج، وتعزيز ثقافة زيادة الأجور، والتأكيد على أهمية دور التدريب في زيادة الإنتاجية إلى جانب تخفيف جزء من النفقات على المؤسسات لمساعدتها على النمو والتطور والمساهمة في الاقتصاد الوطني”.
هدف صندوق العمل النبيل في دعم حديثي التخرج وتمكينهم من الولوج لسوق العمل كعمالة وطنية مساهمة بكل فعالية في التنمية، يواجهه جشع سافر من بعض الشركات والمؤسسات التجارية التي تعمل كالعلقات في امتصاصها لقدرات وامكانيات وجهود هذه الدماء الحديثة المندفعة بكل الأماني والطموح للحياة العملية.
هناك مسؤولية أخلاقية ووطنية يجب أن يحملها بكل أمانة أصحاب الأعمال ومؤسسات القطاع الخاص في دعمها لتوظيف وتمكين العمالة الوطنية، هذه المسؤولية يجب تأطيرها في تشريعات حمائية من شأنها حفظ حقوق حديثي التوظيف والنظر في أسباب إنهاء عقودهم، كما يجب وضع تلك المؤسسات تحت الملاحظة الدقيقة، للبحث عما يمكن وصفه بالنمط في عمليات التوظيف وانهاء العقود من أجل تأمين دعم “تمكين”، وإن وجد لابد من محاسبة تلك المؤسسات محاسبة صارمة ووضعها ضمن قوائم غير مستحقي الدعم، بل ويجب أن تنال جزاءً أكثر قسوة من ذلك، يتناسب مع ما تقترفته من جرم لاغتيالها أحلام هؤلاء الشباب.

اقرأ المزيد

في بيتنا “كورونا”

تلقينا كل المعلومات المفصلة عن جائحة كورونا ربما قبل غيرنا من الناس على أثر التحذيرات التي بلغتنا مباشرة من شقيقي استشاري الامراض المعدية والعناية المركزة الدكتور طارق الموسوي،وهو الذي افشل كل خطط السفر لدينا منذ مطلع عام 2020 بل واقنع البعض منا على إلغاء الحجوزات المسبقة فورا قبل التحذير الرسمي من السفر،وهو الذي ارتدى الكمامة قبل غيره،وهو الذي حذرنا من سماع أصوات “مؤامرة الجائحة ” ،هل من السهل تجاهل صيحات تنطلق من داخل البيت ومن أقرب الناس إليك ؟
ومع كل تطور شهدناه على مدى عام كامل كنا نتلقى محاضرة مباشرة واقعية على الارض او افتراضية عبر زووم تعرفنا بآخر المستجدات حول الجائحة ، وقلنا لن تقربنا كورونا مع شقيق واقف لنا بالمرصاد نصحا وتثقيفا وتحذيرا .
ولقد ظلت كورونا عصية علينا كأسرة منذ الإعلان عنها في ديسمبر الماضي ولغاية ديسمبر 2020 رغم الحجر الذي وقع على بعض منا نتيجة مخالطة مصابين من هنا وهناك، اجرينا الفحوصات المرة تلو الاخرى ومنحتنا النتائج السلبية اطمئنانا وراحة نفسية وشعورا بالتفوق الصحي في مواجهة كورونا،و تساءلنا : اهي المصادفة أم التقيد بالتباعد الجسدي أم سر آخر لا نعرفه عن سلوك هذا الفيروس الغريب الغامض وكيفية اختياره لضحاياه ؟
ودخلنا الى مرحلة الذروة في الصيف الماضي حين قفزت اعداد المصابين والوفيات ،ومرة اخرى سلمت عائلتنا رغم مجلس العزاء المقتضب المحدود الذي اقمناه على اثر وفاة والدتي ،ثم لاحقا أي في الأشهر التالية بدا وكأن الوضع الصحي يتجه الى الانفراج والانفتاح ومعاودة السفر والعودة الى الحياة الطبيعية مع انطلاق موجة اللقاح في بلدنا وفي كل مكان في العالم ، وبدأت تصلنا عروض السفر المغرية على هواتفنا النقالة،لكن حارسنا الصحي الدكتور طارق ظل يحذر ،انتبهوا من السفر فلا يزال الوضع قابلا لكل الاحتمالات ، وثمة خشية من إغلاق الملاحة الجوية والبحرية لأي سبب خصوصا وان كثير من المناطق السياحية الجذابة يعشش فيها المرض وتخلو من الرصد والمتابعة اليومية لحركة الفيروس.

في شهر ديسمبر الماضي رصدت بريطانيا التي تعد البلد الأول في الاصابات والوفيات، رصدت ما اسمته بالفيروس المتحور وتحدثت عن موجة ثانية للفيروس الذي بدا أكثر شراسة واسرع انتشاراً، وتميّز باصابة أعداد كبيرة من الشباب على عكس الفيروس السابق، فأعادت إغلاق أجوائها ومنافذها البرية والبحرية وتبعتها دول أخرى، وما هي إلا أيام حتى وصلتنا رسالة على “جروبنا” العائلي من أختي العائدة لتوها من رحلة سفر سياحية تنبأنا باصابتها بـ كورونا، ثم وبعد عدة أيام سجل أحد افراد الاسرة اصابة أخرى بعد عودته من السفر أيضاً، وهكذا تبين لنا ان لا عاصم من كورونا ولا ميزة صحية او جينية لأي مخلوق انساني قبالته، وأن التعاطي مع الفيروس بوعي وحذر وانتباه هو السبيل الوحيد لاتقاء المرض ولا شيئ آخر على الإطلاق، وهكذا أغلقنا المكان الذي نجتمع فيه، وآخر حضن جميل بقى لنا في ظل الجائحة التي تسببت في إغلاق كل الانشطة الترويحية، انفض سامر مجلسنا العائلي الذي لم يشهد اغلاقا حتى في أحلك الظروف، وبدا مساء الخميس كئيبا وموحشا ومفتوحا على كل احتمالات صيرورة فيروس كورونا .

لا أحد يعلم متى وكيف أصيب، وهل ستمنحه الإصابة وقاية دائمة أو مؤقتة؟ ارتبطت الاصابة به بالخصوصية الصحية والخشية من الوصمة المعيبة ما جعل الناس يفضلون الصمت والكتمان أو الاختفاء بدلا من الإفصاح الموجب للحيطة والحذر، فلا تعرف المصابين في محيطك او أقرب الناس اليك أحيانا.

ثمة حكايات عديدة نسمعها ولا نرى اثرا لها في الصحافة، وبالتأكيد فقد كان للاسر الممتدة التي يعيش أفرادها في بيت واحد ويتشاركون المائدة الواحدة النصيب الأكبر من إصابات كورونا. وثمة حكايات لا يزال يكتنفها الغموض والحيرة فقد عزل أحد المسنين نفسه تماما منذ انطلاق الجائحة لكن مجيئ اول حفيد له حفٌز والدته على أخذه إلى جده فأصيب الطفل بالمرض وكانت أصغر إصابة لمولود لم يتجاوز عمره عدة أيام، وبقي السؤال من الذي نقل المرض للآخر وكيف يصاب بالمرض شخص معزول؟ وثمة مسافرين خضعوا للفحص لحظة وصولهم إلى المطار وجاءت النتيجة سلبية ثم تبينت اصابتهم بعد عدة ايام، وعن عائلة اصيب ابويها ونقل كلاهما إلى المستشفى، وقد أحيطت الام بعناية مضاعفة على خلفية تعدد أمراضها إلا أنها نجت وتوفي الأب، وعن إصابات متكررة للفيروس لدى بعض المصابين، وعن أعراض غريبة وغير مألوفة صاحبت الإصابة بالفيروس كتساقط الأسنان أو الشعر لدى بعض بعض المتعافين.

حتى اللقاح الذي تراكض الناس للحصول عليه اتقاءا لشر كورونا – والذي لا يعني الحماية المطلقة للفيروس كما هو معروف – منح الناس إحساسا كاذباً وزائفاً بقرب النهاية فتساهلوا وعادوا إلى مألوف عاداتهم في الاختلاط والالتصاق ومخالفة القواعد الصحية ،فشهد البلد قفزة جديدة في أعداد المصابين، وكله على وقع تفكير رغائبي بأن الفيروس قد أفل أو شارف على النهاية.

مؤخراً دخلت محلا تجاريا فإذا بي امام مجموعة موظفين بلا كمامات، استفسرت بعجب مشيرة إلى انعدام الكمامة، فأجابني أحدهم: ألم ينتهِ الفيروس؟ مثل هؤلاء يصابون وينقلون المرض لأقربائهم بسهولة ثم يتساءلون باستغراب كيف أصبنا؟

تحصل في احسن العائلات ولدى أحسن الناس، لا نجاة من الفيروس إلا بالحذر، الخطر لا يزال موجودا كما يشير عنوان المرحلة. انتقلنا من فيروس مستجد إلى متحور، وقد نشهد جيلاً جديداً للفيروس بعد الطعوم في قادم الأيام، من يدري؟

اقرأ المزيد

البطالة ومشروع التوظيف الوطني

يتابع الشارع البحريني بكثير من الاهتمام مداولات مجلس النواب بالنسبة للعديد من القضايا، والتي تشكل في مجملها ملفات مهمة تفرض أولويتها على تطلعات الشارع البحريني ليتمّ التركيز عليها باستمرار، بغية الوصول إلى حلول وانجازات منتظرة، ويأتي على رأس تلك الأولويات بطبيعة الحال ملفا البطالة والإسكان اللذان لا سبيل لمجلس النواب وللسلطتين التشريعية والتنفيذية، عامة، اهمالهما تحت أي ظرف، نظرا لالتصاقهما بشكل مباشر بمصالح جميع الشرائح والفئات تقريبا، وكذلك لارتباطهما بما بات يسمى بتحسين جودة الحياة بالنسبة للأفراد والأسر في ظل التحديات المتعاظمة، وعلى أكثر من صعيد أمام الشباب وأسرهم المتطلعة لتحقيق المزيد من الإطمئنان والثقة في المستقبل بشكل افضل.

ملف البطالة بالذات سيكون محور حديثي في هذه العجالة، على أن نفرد مقالات قادمة لقضايا الإسكان والتقاعد وغيرها بحسب الظروف، وهذا الملف، بحسب متابعاتي، بات يحتل أولوية خاصة بالنسبة للجميع في البحرين للأسباب الآنفة الذكر وأسباب أخرى عديدة لا يتسع المجال للتفصيل فيها.

بالنسبة لمجلس النواب، وكما تابع الجميع خلال الدورين الأول والثاني من الفصل التشريعي الخامس، وكذلك مجريات الدور التشريعي الحالي، الذي نعيش فصوله منذ سبتمبر الماضي، ويمكننا متابعة ذلك من خلال العديد من الأسئلة المطروحة على الوزراء والحكومة، وجلسات المناقشة العامة في ملفات مهمة كسوق العمل والتعليم والبطالة والصيادين وغيرها، وهي ملفات عرضت فيها أرقام وحقائق شخّصت بشكل واضح أبعاد المشكلة وتداخلاتها، ولا شك أن مجلس النواب بذلك قد مارس ضغطاً كبيراً باتجاه الدعوة للإسراع في إيجاد حلول عبر مشروع واضح المعالم، كما ساعدتنا في ذلك الخطوات الإيجابية التي اتخذت في أكثر من بلد خليجي بعض دول الخليج تجاه ملف البطالة وهيكلة أسواق العمل، وأستطيع أن أقول حجم الضغوطات على الحكومة كان ولا يزال غير مسبوق.

لذلك فإن تجاوب الحكومة الأخير، وإن طال انتظاره بالنسبة لنا على الأقل، عبر طرحها النسخة الثانية من مشروع التوظيف الوطني الذي كان عنوانه الأبرز هذه المرة: إيجاد 25 الف وظيفه للبحرينيين العاطلين في العام 2021 الحالي، يمكن أن يحفز آمال العاطلين وأسرهم في غدٍ افضل، على أن ذلك يجب ألا يستدعي الركون للتصريحات، بل العمل بتفعيلها على الأرض بما يصبّ في مصلحة العاطلين والتي من أول شروطها فهم آليات تحقيق ذلك، والتي يجب أن تبدأ بالإفصاح عن حجم المشكلة وتداخلاتها، ومن ثم الشروع بإعادة هيكلة سوق العمل بحسب معطيات ذات ابعاد وطنية ومعيشية وأمنية واقتصادية، وانسجاماً مع ما سبق أن دعت اليه رؤية البحرين 2030 وما بشر به مشروع تنظيم سوق العمل منذ العام 2006.

في المجمل نحن أمام مرحلة جديدة بكل ما تحمله من تحديات، وأثق أننا سنكون قادرين على تجاوز الكثير من التحديات والمصاعب شريطة أن نتحلى جميعا بروح جديدة ومتفائلة، وقبل ذلك بأفكار ومقاربات ورؤى مختلفة قادرة ان تستشرف المستقبل بكل ما يحمل لنا ولغيرنا من تحديات، لا سبيل امامنا إلا بتجاوزها متكاتفين لإنجاز مهماتنا الوطنية بأقصى ما نستطيع من تلاحم وانسجام وطني، بغية الإسهام، كل من موقعه، في بناء مستقبل أفضل لجميع أبناءنا وشبابنا العاطلين وانصافهم في أولوية التوظيف وتحقيق الاستقرار لسوق العمل الذي شهد فوضى وتخريباً لا قبل لنا بالتعايش معه اكثر، حفاظاً على هويتنا الوطنية ومصالح أبناء شعبنا.

اقرأ المزيد

أمريكا بعد الانتخابات

أفول زمن الثوابت

تشي كل الأمور بأن أميركا دخلت مرحلة طويلة من النزاعات الداخلية. وفي مقالة سابقة (“التقدمي”، عدد 157) بحثنا وإياكم في الجذور الاجتماعية الاقتصادية لما جرى في الانتخابات الأميركية. وبناء على تحلينا السابق لا يكمن الأمر في الخصومة السياسية بين ترمب والديمقراطيين وحتى مع قسم من الجمهوريين. ورغم الدهشة التي يثيرها مسلك ترمب السياسي فقد هيأ هذا الرجل لتمزيق “مختلف الأقنعة” التي كشفت عن مجمل مركب المشاكل الاجتماعية الاقتصادية التي لم يعمل أحد في أميركا على حلها منذ عقود طويلة، حتى انفجرت مواجهات اجتماعية سياسية حادة وانقساماً مجتمعيا خطيرا. “بفضل” مواصفاته الخاصة استدعى ترمب إلى الظهور كل “الأرواح” الممكنة – من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار في صراع بين “أميركتين” مختلفتين. الأولى – أميركا المحافظة والتقليدية التي تضرب بجذورها في تصور الوافدين الأوائل، القادمين من أوروبا، الباحثين عن الحرية الفردية و”القرن الذهبي” المتميز عن الآخرين. الثانية – أمريكا الليبرالية، المرتبطة بطاقات الإبداعات الاجتماعية وغيرها، التي حولت أميركا على مدى 150 عاما من مُنزَوٍ فخور بذاته إلى مهيمن في السياسة العالمية. هذه الاصطفافات – المشاكل تراكمت منذ ثمانينات القرن الماضي، فطفت على السطح في شكل ما سمي “بالحرب الأهلية الباردة” التي باتت تهدد مستقبل أميركا.
قد يتراجع لبعض الوقت أنصار ترمب، وليس أنصاره فحسب، بل، ببساطة، خصوم بايدن، لكن ليستجمعوا قواهم ويعيدوا تنظيم أنفسهم على مستوى أفضل. ويصعب تقدير كم ستكون شدة الموجة القادمة، وبأي قدر ستستعر الصدامات. ولا يخفف من الخطورة تصوير أجهزة الإعلام الوضع بأنه قريبا ستتم معاقبة “الإرهابيين الداخليين”، وستعود المياه إلى مجاريها. كان من الواجب استيعاب خطوة المحتجين على أنها إشارة جدية بأن السياسيين يعملون تماما على غير ما يجب، وأنهم لا يجيدون حتى التداعي فيما بينهم للوصول إلى مساومات تاريخية. والآن صارت الأرض تميد من تحت أقدامهم، بينما هم ملتهون بلعبة العزل. لقد ضرب العجز تفكير النخب الأميركية. ويبدو كما لو أن الوحش النائم في أحشاء المجتمع الأميركي قد استيقظ من سباته.. أيقظته حماقات المعالجات الراهنة.
ومع كل حلقة جديدة في حلزون تاريخ هذا البلد يصبح التعايش أكثر صعوبة بين هذين النموذجين. لكن الأزمة الأميركية الداخلية تزداد وطأة لكونها تندلع في ظروف تغيرات مجمل النظام العالمي وتشكل جزءا منه. وهذا ما يفسر جزئيا حمأة النزال البعيدة عن أن تبرد. أصبح اختلال النظام الاجتماعي السياسي جدي للغاية. الليبراليون يستشعرون إمكانية النصر المؤزر – العوامل الديمغرافية والتكنولوجية تبدي شديد الضغط على أميركا التقليدية. والجمهوريون يدركون ذلك جيدا، ولذلك يسترشدون بمنطق “لا خطوة للوراء!”.
وجود ترمب كرمز في هذا الصراع كهرب هؤلاء وأؤلئك. والحيلولة دون عودته إلى الرئاسة بنتيجة انتخابات 2024 أصبحت هدفا مقدسا. لذلك غدت مسألة “العزل” قضية القضايا لدى الديمقراطيين، رغم أن ترمب لم يعد رئيسا. ويَرشَح من نوايا الجمهوريين الآن أنهم عازمون على طرح ثلاث قضايا عزل لبايدن في المراحل القادمة لإرباكه طوال فترة رئاسته، إن أكملها بصورة طبيعية دون أن يتنازل لصالح نائبته كمالا هاريس.
في ظل هذا الصراع العديم الآفاق بالنسبة لأميركا يزداد التذمر الشعبي من الرأسمالية ومن بنية المجتمع الأميركي حجما وعمقا. وأظهرت عدة استطلاعات للرأي ميلا متزايدا لدى قسم واسع من السكان نحو الأفكار الاشتراكية. لكن ذلك لا يقابله طرح نظري يقدم البدائل، حتى من جانب اليسار الحقيقي للأسف. ما تيسر لنا الإطلاع عليه من طرح اليسار لا يتعدى لحد الآن أهداف التحالف المرحلي بين تيارات اليسار المختلفة والحزب الديمقراطي والضغط لتعديل بعض الجوانب الاجتماعية في البرنامج الانتخابي للرئيس بايدن ووسائل تطبيقاتها بعد الانتخابات. وهذا مبرَر تكتيكيا، لكن حركة من يتطلعون صوب الاشتراكية لن تمتلك اتجاهها الهادف والفاعل ما لم تستند إلى نظرية ثورية تعالج تطور الرأسمالية في مرحلة هيمنة الرأسمالية المالية الاحتكارية وأزمتها المستفحلة، وتطرح البدائل. فالناس تعرف أن كل شيئ سيئ وأنها سئمت من ذلك، لكنها لا تجد حلولا. قسم آخر من اليسار يبدو مشوش الطرح. نعوم تشومسكي ناقد مرير للرأسمالية، لكن ما الذي يطرحه بديلا؟ مع كل الاحترام له، أشبه بالأناركية السنديكالية. أما برامج بيرني ساندرز فتحوم في إطار “اليسار الليبرالي”.
وفي ذات الوقت لا تملك الطبقات المسيطرة أية حلول لأزمتها بالمرة. بدلا من ذلك تُكثِر الحديث عن الشيوعية، وخصوصا الحزب الشيوعي الصيني لغرضين : كتوظيف لهذه “الشتيمة” للنيل من هيبة الصين وتفوقها الاقتصادي الملحوظ في المنافسة بين البلدين، والمقررة لمعالم تطور عالم المستقبل، ومن جهة ثانية كفزاعة – حذار من التوجهات الداخلية صوب “الشيوعية”. إذن إلى أين ؟ لا أحد يعرف.
كل هذا كان يمكن أن يعتبر أمرا أميركيا خالصا، لو أن أميركا لا تحتل مكانة عالمية متميزة. وآفاق خضات أميركا تقلق الكثيرين بسبب آثارها المحتملة على بقية البشرية. لكن هذا الأخير ليس قدراً مطلقاً، لسببين : أولا، أن انخفاض مستوى الهيمنة الأميركية العالمية يحدث حتى بدون النزاعات الداخلية الأميركية، أي بحكم التطور العالمي العام. ثانياً، بالمقاييس التاريخية عانى العالم الإنهيار المنظومي لدولة عظمى – الاتحاد السوفييتي، لكنه تكيف مع ذلك بسرعة معقولة.
ربما الإنجليز، الأكثر دهاء، أكثر من أدرك هذه الحقائق منذ زمن. وهم يعرفون جيدا كيف ينجون بأنفسهم. ويبدو أنهم ليس اعتباطا قفزوا من على ظهر سفينة “الاتحاد الأوروبي”. كما يبدو أنهم سيكيفون لصالحم حدث وفاة البارون بنجامين دو روتشيلد الشهر الماضي. وهو رئيس مجلس إدارة شركة “إدمون دو روتشيلد” الفابضة التي تشرف على المجموعة المالية الفرنسية السويسرية. هذا الحدث سيهيئ للفرع البريطاني من عائلة آل روتشيلد الصعود في عالم المال كونيا.
كما أن مناطق أخرى في العالم بدأت منذ زمن في رسم ملامح نظمها الإقليمية الخاصة ابتعادا عن المركزية الأميركية. ومما تقدم، ومع انتظار ومراقبة ما سيحدث في أميركا، يبدو أننا نقترب من لحظة إعادة صياغة جذرية للعالم – عالم بلا أميركا التي ستستغرق وقتا طويلا لإعادة بنائها الداخلي. نأمل أن يجدوا تلك الحقيقة والعدالة ويعودوا للعالم الكبير مُجدَّدِين.
لكن ماذا عن وضعنا الإقليمي في هذا العالم المتغير بتسارع نحو اللامركزية، وانتهاء حقبة قيادة دولة أوحد لمجمل العالم وتقرير مصائره؟ الرئيس السابق ترمب استعار من مبدأ الرئيس نيكسون “سياسة الركيزتين” (إيران الشاه كقوة عسكرية ضاربة في المنطقة + السعودية كصُرَّة المال) لترتيب أوضاع منطقة الخليج وتبعا لذلك الجزيرة العربية وكامل الشرق الأوسط. على أن تقوم هذه الركائز بضبط أوضاع المنطقة. ترمب يتبع ما يشبه هذا المبدأ تمهيدا لابتعاد أميركا تدريجيا في سياق شعار “العودة إلى الدار” الذي آمن به. وواضح أن الرئيس الحالي جوزيف بايدن سينسف مبدأ ترمب (هنا كما في كل شيئ)، ويعود أدراجه إلى رؤية رئيسه السابق باراك أوباما تجاه الخليج والجزيرة العربية، بما يعني إحداث توازن للقوى في المنطقة بين إيران وجاراتها الخليجية، مع إعادة إيران إلى المجتمع الدولي وعودة الأطراف المعنية إلى الاتفاق النووي الإيراني، وإنهاء حرب اليمن.
وهكذا تتبدل الاستراتيجيات الأميركية تجاه المنطقة مع تبدل الإدارات الرئاسية الأميركية. وبافتراض جاء الجمهوريون إلى الرئاسة بعد الانتخابات القادمة 2024 فستتبدل الاستراتيجية الأميركية نحو المنطقة من جديد. فأين رؤية دول المنطقة الخاصة إزاء أمنها الإقليمي الذاتي؟ هذا السؤال يطرح نفسه الآن بأضعاف قوة إلحاحه وحيويته في ظل المتغيرات الجديدة في الأوضاع الأميركية – العالمية، المتسمة بتراجع المركزية الأميركية ورياديتها للعالم !!

اقرأ المزيد

الصرخة

تتوالى صرخات الفنان تبعات تبعات، هل هي صرخات استنجاد أو صرخات قلق من واقع متعب؟

لم تخفَ علينا هذه اللوحة الشهيرة للفنان النرويجي إدوارد مونش التي تمّ إعادة استخدامها في كثير من الأفلام السينمائية والمسلسلات. لا نستطيع الوقوف أمام لوحة كهذه دون انفعال، فما أن تقع العين عليها، حتى تشرع بالذهول، لتبدي اتصالها بحال بطل اللوحة المذعور.

يرجح رسم إدوارد مونش لهذه اللوحة بين العامين ١٨٩٣ و ١٩١٧، مع أربع نسخ أصلية، منجزة على مراحل مختلفة، و كأنها أتت لتؤكد استمرار الصراخ الخارج من أعماق الفنان، هو نفسه ذات الصراخ الذي يجسد الطبيعة القلقة للإنسان المعاصر، و لكن الذي لا يقوى على الإعلان عنه، فيحبسه بالداخل، ليجعله يتكاثر كالخشب المتراكم، بانتظار الاشتعال.

أول ما يشدّ انتباهنا في اللوحة، هو الرجل الذي يعكس وجهه مشاعر الرعب، واقفاً على جسر وهو يمسك رأسه بيديه ويطلق صرخة، على خلفية من الأشكال المتماوجة وتدرجات اللون الأحمر الصارخة.

إن أكثرنا التمعن في الخلفية، سنرى مضيق أوسلو البحري الذي يطل عليه المارة من حي ايكبيرغ ذائع الصيت، و يُحكى بأن مونش استوحى الإطار من غروب الشمس، و حاول تسليط الضوء عليه ليس من خلال اللوحة و حسب، بل كذلك بواسطة أبيات من الشعر المسطورة على طريقته:

كنت أسير على طريقٍ مع صديقين،
كانت الشمس تغرب،
سرعان ما تحولت فجأة إلى دم أحمر
توقفت ، تعبت ، واتكأت على السياج
رأيت في الأعالي دماء
وألسنة من النار فوق مضيق المدينة الأزرق والأسود
واصل أصدقائي ، وبقيت هناك ، أرتجف من شدة القلق
شعرت بصراخ لا نهاية له يمر عبر الكون
و يمزق الطبيعة

نجمع بأن اللوحة تجسد حقا أيقونة الذعر الوجودي في تأمل عواقب تقييد الإنسان عرش الرب، والمسؤولية اللاحقة التي ألقيت على كاهل الإنسان – الأوروبي – في إيجاد مغزى ومعنى للحياة بنفسه، من خلال شطب قول سيدنا المسيح عليه السلام: “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”، ليصبح كل شيء لقيصر مع الأسف.

نحن لا نستغرب، إذن، إن تعالت الصرخات، فلا عدالة في يد قيصر، ولا حكمة في أن يكون كل إنسان قيصر نفسه. صعب جدا ان يعلن الإنسان إحلال عرش لا يقوى على تحمل مسؤوليته، فيذعر. ما أكثر الذعر في هذه الأيام، بعدما خلّفت جائحة “كورونا” عواقب وخيمة، وحملت على الحكومات والناس أجمع مسؤولية إصلاح الضرر الناتج، وإنقاذ أكبر عدد ممكن من البشر. هناك من نجح وهنالك من أخفق ولم تتوقف الجائحة انتشاراً بعد، لا بل توالد الفيروس نسخاً أخرى. لقد توحدنا جميعاً في الضرر، والكل منا أبدى في لحظة أو في أخرى رغبته بالصراخ، و لو من الداخل، على غرار لوحة مونش.

أما عن عوامل الإلهام، يذهب دونالد أولسون ، أستاذ الفيزياء الفلكية بجامعة تكساس، بفرضية احتمال أن يكون سبب الغروب الأحمر الحارق هو الرماد المنبعث أثناء ثوران بركان كراكاتوا عام 1838، فيما يشير المؤرخ روبرت روزنبلوم إلى استيحاء الفنان مونش هيئة بطل اللوحة من مومياء معروضة على ذات الشكل، استوقفته خلال زيارته لمعرض في باريس واستلهم منها رسم النسخة الأولى من لوحته.

يذكر بأن لوحة الصرخة نجحت كذلك في إلهام العديد من المؤلفين، أمثال الكاتب الكندي فينسينت تيبو الذي وظف اللوحة لإنتاج قصته القصيرة ” حمل الفنان مونش الثقيل” ، أو لورانت غراف الذي لم يتأخر كثيراً عن تأليف رواية “الصرخة الهاوية” معنوناً على غلافها العبارات الآتية: “إنها قصة نهاية العالم، متلخصة في نهاية عالم إنسان”.

اقرأ المزيد

لا يزال العرض مستمراً..

تعيد مسرحية “العيارين.. العرائس أيضاً يحكمون” نكهة مرّ وقت طويل على تذوقها، ذلك الطعم الذي شاهده كثيرون، ولازالوا، في مسرحيات كويتية خالدة، قُدمت في سبعينيات القرن الماضي، مثل عرضي “حفلة على الخازوق” و”علي جناح التبريزي وصاحبه قفة” اللذين قدما باللغة العربية الفصحى المبسطة، عبر كاتبين عربيين مميزين هما: محفوظ عبدالرحمن، وألفريد فرج، فكسب الجمهور محتوى متقناً ومشاهدة ممتعة، لا يزالان حتى اليوم من النماذج التطبيقية لطلاب كل أقسام دراسات الفنون المسرحية، وأيضاً لمحبي فن المسرح.
اشتغل الكاتب الكويتي بدر محارب على نص “العيارين” في نهاية الثمانينيات، لكنه لم يقم بنشره إلا في 2012، وهذا يعني مزيداً من التعديلات، ومزيداً من النضج المبهج. محارب خريج النقد والأدب المسرحي من المعهد العالي للفنون المسرحية منتصف الثمانينات، مال إلى الكتابة الإبداعية والإخراج أيضاً، لذا فهو صاحب رصيد ذي قيمة في تاريخ المسرح الكويتي، والدراما التلفزيونية أيضاً. عمل محارب في هذا النص على إعادة استخدام شخصية “علي الزئبق” ذات الصيت المميز لدى عموم الشعب، وأحد أشهر الشطار والعيارين في السير الشعبية؛ هذا الزئبق الذي أعاد توزيع الثروة بطريقته، فكيف لا يسعد الناس به، حتى مع إدراكهم لصوصيته التي تصب في صالحهم؟
ويشير الباحثون إلى أن أول إشارة للزئبق – الذي وصف بالفارس النبيل – هو ضمن حكايات “ألف ليلة وليلة” في مجموعة “حكايات علي الزيبق وأبوه حسن راس الغول وما جرى لهما مع دليلة المحتالة وابنتها زينب النصّابة”(1)، حيث يتصارع والده حسن الغول مع مقدم درك مصر، صلاح الكلبي، الذي يدس السم للأول، ويفوز عليه بالخداع، وتتوالى الحكاية حتى ظهور علي الذي يتحول إلى ذلك البطل الشعبي، الذي ينتهي به الأمر بعدم قبوله منصب قائد الشرطة، خشية أن تغيره السلطة إلى شخص لا يحسّ بمعاناة الآخرين، والبسطاء منهم تحديداً.
ويمسك محارب بمضمون الحكاية ليعيد تشكيلها في مجلس القاضي ذي “الصاجات الراقصة”! في قضية أرض علي الزيبق التي ورثها عن أبيه، ولكن شهادة الزور والرشاوى والنفوذ قبلها، تعطي الحق للشاه بندر بأخذ الأرض، وجلد البطل، وجلد كل من يعترض على ذلك!(2) الحالة الشعورية بالقهر مشبعة عند علي الذي سرق حقه/ خذله الحمار في شهادته/ عدم قبول شهادة الإسكافي لصالحه/ جلده في العلن، وغلبة الظلم الذي لا يرد، لأنه بفعل القاضي، المفترض أن يحكم عدلاً بين المختصمين/ وعدم مبالاة الآخرين -من المستضعفين أيضاً- لما أصاب واحداً منهم. هنا تولدت شرارة القهر التي تحولت إلى ما يشبه الميليشيات في حدوتته الأصلية، وإلى سلسلة انتقام ظريفة في النص من كل الذين سلبوا حقه وساهموا في ظلمه.
وقبل التعرف على نمط الشخصيات في النص، يهيئ المؤلفُ المتلقي للتعاطف سلفاً مع “الزيبق”، عبر القاضي الذي يظهر محاطاً بحاجبين يربطان صاجات كالتي تستخدم في الرقص الشرقي، في توظيف رمزي لكيفية سير العدالة عند القاضي، وهي نفس الحيلة التي استخدمت في عرض مشروع التخرج للفرقة الرابعة بالمعهد العالي للفنون المسرحية بدولة الكويت(3)، حين يتوافق شكل الشخصية مع مضمونها في توضيح كيف أن العدالة “تتلوى” أمام كل مصلحة شخصية مع النفوذ الذي يشبهها شاه بندر، عزرا الصائغ وعقيل العطار، في تمثيل للطبقة الرأسمالية المستحوذة على المناصب والمال، وأيضاً على ما يملكه البسطاء والفقراء، والصراع غير التقليدي الذي يخلق بين أفكار وتوجهات، وليس بين شخصيات حقيقية مقصودة بذاتها.
لجأ بدر محارب أيضاً، من أجل تحريض المتلقي على المشاركة الإدراكية، المتعلقة بفهم المعنى وسط الكوميديا السوداء، إلى طرح قضايا تدور في كل زمان، لأن التاريخ يعيد نفسه من وجهة نظر القراقوزات الرواة، فأدخل بعضاً من الأسلوب الملحمي الذي يعتمد التغريب في تقديم المألوف بطريقة غير مألوفة؛ مثل حيلة “بريختية” تساهم في رفع وعي المتلقي لبيان المتناقضات من حوله، هدم الحائط الرابع، وكسر الإيهام المسرحي الحائل بين الممثل والجمهور. ولم ينسَ أن يُذكرنا، مع نهاية كل فصل في “العيارين”، أن ثمة قراقوزات تنوب عنه في سرد الأحداث، تشاغب وتقول وجهة نظرها بشجاعة، ولكنها تقفل غالباً بجملة “لا يزال العرض مستمراً”، حتى لا يغفل المتلقي عن واقعه، ولا يفصله عما يشاهد في سيرة علي الزئبق، فما يحدث هناك قد يحدث هنا أحياناً.
واستعانة المؤلف بالتراث الذي أعاد صياغته ببطله الزئبق، وبشخوص آخرين محتملين في هذه الحكايات، استعارة ذكية يلجأ إليها الكثير من المؤلفين الميالين للكتابة على طريقة المسرح الملحمي/ التغريبي/ البريختي – وليس بالضرورة أن يفلح الجميع في اللعب بمكوناته أو توظيفه- من أجل الإسقاط على واقع أو حاضر أو تبعات لواقعة قديمة تلقي بظلالها للآن على الحاضر. فدافع بريخت كان الإنحياز لأفكار الثورة الاشتراكية ضد الرأسمالية، والتي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى، ولأن التأويل فيها مفتوح وحمّال أوجه، خصوصاً حين يستدعي المؤلف مشكلة حدثت في الماضي شبيهة بما يحدث في الحاضر، فيقوم بتفريغها من محتواها الأصلي، وتعبئتها مجدداً بما يتناسب مع رؤيته العصرية حتى تحمل صورة مكتملة.
وليس غريباً أن يشير أستاذ النقد والأدب المسرحي الدكتور علي العنزي في مقدمته لنص “العيارين” إلى لفتة ذكية في اختيار المؤلف لشخصياته؛ فما هم – حسب رؤيته – إلا أجداد “الإنسان الجديد الراهن المساير لسلوكيات أسلافه” أصحاب النفوذ والسلطات والتجار، وحتى البسطاء الذين يكتفون بما تمنحهم الحياة، ويقبلونه بسلبية، دون تغيير، وهم يورثون أبناءهم ذات الصفات؛ فتخرج الأجيال المغلوبة على أمرها، مثل جينات يتناقلونها بينهم، فلا عجب إن حكم على إنسان يعيش في هذا العصر من اسمه بسعادة أو شقاء ورثت له مجبراً من لقب عائلته!
أما استعمال القراقوزات/ الأرجوزات في نص العيارين، فهو أسلوب ذكي لتمرير كل ما يمكن قوله عبر الدمى المتحركة، فهي تعلن أن الأحداث، والشخصيات، والمؤلف، والمخرج، والجمهور أيضاً من العرائس، وهم من يقومون بتحريكها(4)، أي أن كل العملية قائمة بين الوهم والحقيقة، بين أحداث قد تكون موجودة في الواقع، ولكن محركها قراقوز، الذي هو في الأصل دمية يحركها شخص آخر مخفي ليقوم بدور هزلي! فمن يحرك من؟ كما عمد محارب إلى الإشارة إلى أغنية “معبرة” عن الوضع، دون أن يكتب كلماتها، حتى يحيل الاختيار للمخرج، لكسر سير الأحداث، ومنع اندماج المتلقي مع الحدث، وحتى لا يكون هناك سياق درامي جامد. إن لم تكن الدمى هي اللاعب، فلن يتمكن ممثل يؤدي دور الشاه بندر (شيخ التجار) من التصريح بأن “اللف والدوران ضروريان لسلب الحقوق”(5)، وهي بالمناسبة الجملة التي أوحت للزئبق بعمل كل الحيل للانتقام منهم، وبالتالي لن يتمكن الممثل الذي أدى دور القاضي أن يصرح -بعد نوم الوالي ورغبته هو الآخر أن ينام- بالتعبير بجملة: “إذا السلطة التنفيذية نامت، فما عمل السلطة القضائية؟”(6) لأن هذه الجملة التي تبدو مباشرة، من الممكن أن تشير إلى السلطات في بلاد تنعم بالأمان، ومستقرة، أو خلاف ذلك، ويمكن أيضاً أن نعني الكيانات الصغيرة؛ مثل سلطة العائلة، وسلطة المجتمع، وإلى آخر هذه الدوائر التي تحيط بحياة الإنسان.
وحينما تعود الأمور إلى أصولها، بعد أن يصاب المجتمع بالخروق، جراء فساد السلطة العليا في “العيارين”، لن يستغرب رد فعل الحمار – مقدم الدرك لاحقاً – والذي عُيّن لسد فراغ المنصب، وحاجتهم إلى “طرطور”، حينما خيّره علي الزئبق بين حوائج الناس أو حماره الضائع، فاختار الأخير بلا تردد! لأنه ببساطة لا يحتاج المنصب، ولا يرى نفسه فيه، حتى من باب الوجاهة! معرفته الوحيدة بالحياة هي احتياجات حماره، حتى بدا التأثر به واضحاً في شخصيته الخنوعة، المطيعة لمن يحركها.
إشارة أخرى ضمّنها النص، حين سأل الوالي عن وقت صلاة العشاء(7) فلا يجيبه أحد، حينها يوجه سؤاله للصائغ “عزرا”، اليهودي، الوحيد في وسط مجتمع مسلم، ليجيبه ببساطة رصينة، متبعاً جملته بتحذير حول إحضار أمواله لدار الشرطة حفاظاً عليها من اللص الموعود! أليست كلها التفاتات تحتاج للنبر والتقليب مرة بعد مرة؟ فإن كانت غاية بدر محارب من العيارين تغيير المجتمع للأفضل؛ عبر التأمل، والتفكر، والنقد، والتغيير، فإن إهداءه الممهور بالنص إلى “كل حر وحرة فقط”، سيجد غايته يوماً ما، ولو طال الانتظار.

الإحالات والهوامش
(1) https://ayyamsyria.net/%D8%B9%D9%84%D9%/

(2) العيارين.. العرائس أيضاً يحكمون، بدر محارب، دار مسعى، الطبعة الأولى 2013م ـ ص 24

(3)
– https://www.youtube.com/watch?v=u9mWaAVPutI

(4) العيارين، ص 24
(5) نفس المصدر السابق ص 18
(6) نفس المصدر السابق ص 109
(7) نفس المصدر السابق ص 98

اقرأ المزيد

الوصمةُ البشريّة ووصمة عار أمريكا

تقول عنه مترجمة الرواية بأنه “كاتب داهية وروايته هذه رواية داهية”. توصيف حقيقي أصاب كبد الحقيقة، فكاتب مثل فليب روث لايمكن أن لا يكون غير ذلك، فمقدار المعلومات المسربة إليك تبقيك حبيس المكان لتواصل مشوار لذة التشويق لمعرفة المزيد عن حال شخوص الرواية وما آلوا إليه.

رواية تقع في أربعمائة وواحد وستين صفحة صادرة عن دار المدى في العام 2012، تُرجمت باقتدار من قبل فاطمة ناعوت الكاتبة والصحفية والشاعرة والمهندسة المعمارية أيضاً.

الكاتب يضع يديه على الجروح، جروح بلده الولايات المتحدة: التمييز العنصري والأفكار الناتجة عن هذا التمييز وفعلها على الفرد والمجتمع والفوارق الطبقية وما تؤدي اليه من فجوة شاسعة بين الأغنياء والفقراء وحال الرؤساء ومغامراتهم ونزواتهم الجنسية وغزواتهم للشعوب الأخرى في فيتنام والعراق وأفغانستان وما تخلفه تلك الحروب على الجنود من أمراض وندوب نفسية يعيشونها بعد عودتهم للولايات المتحدة كأمراض مستعصية مثل مرض اضطرابات إجهاد ما بعد الصدمة (PTSD) .

وهنا يقول الكاتب في معرض الحوار الدائر في الرواية (آلاف وآلاف من الرجال يستيقظون في منتصف الليل عائدين إلى فيتنام. آلاف وآلاف من الرجال هاتفهم الناس ولا يردون على الهواتف. آلاف وآلاف من الرجال تباغتهم تلك الأحلام المخيفة بحق). رواية تتبع كل تلك الأحداث بأسلوب راقي وجميل، لا يخلو من التهكم اللذيذ، أسلوب نعتته المترجمة بالفريد في انتقاء الجمل والكلمات التي لايمكن ترجمتها إلى العربية الا وأن يختل المعنى .

ومع كل ذلك فالتاريخ السياسي والاجتماعي الأمريكي حاضر في ذهن الكاتب يلّوح به في وجه السياسيين عند مناقشته لكل ما يحدث في بلده، فيدخل إلى البيت الأبيض لمعرفة خبايا الرؤساء ويدخل إلى بيوتهم متلصصاً على فضائحهم، وهذا ما فعله مع نيكسون في فضيحة (واترجيت)، ومع كلينتون في فضيحة مونيكا لوينسكي، المتدربة السابقة في البيت الأبيض في منتصف التسعينيات من القرن الماضي والتي سماها الصحافي النقابي المحافظ وليام باكلي في معرض تقييمه لهذه الحالة عدم المقدرة على التحكم في الشهوة الجنسية.

تقول عنه المترجمة بأن فليب روث (يلعب مع القارئ لعبة سيكولوجية مثيرة، لعبة الكرّ والفرّ في التأثير النفسي على القارئ من خلال بناء شخوص الرواية)، ومع كل ذلك تبقى هذه اللعب جميلة ومشوقة إذا ما أجاد القارئ هضمها وفهم معناها ودوافع الكاتب واسلوبه وما يرمي إليه، فكاتب بهذه القامة، وهو الذى حصد العديد من الجوائز لابد وأن يكون له أسلوبه الخاص في الكتابة ومنهجه في تحصيل الوقائع وسردها كأحداث وقعت بالفعل مُضاف اليها قليل من الفنتازيا المشوقة.

تبدو للقارئ هذه الرواية عند قراءتها لأكثر من مرة بأنها رواية غير إعتيادية من حيث طريقة السرد والمضمون الذي قد يلتبس على البعض، فالأحداث تأخذك لعام 1998 حين يبدأ الكاتب في حبك خيوط روايته عبر كلمة قالها بروفيسور كولمن سيلك (spooks) فُهمت خطأً واتهُم بالعنصرية في تعامله مع طلابه مما أوقعه فيما يشبه الشعوربالغبن والضغينة بعد هذا الاتهام غير العادل، مما اضطره لترك التدريس في تلك الجامعة فجئ به إلى الحضيض بعد أن كان ممتلئاً بالحيوية فظل يصارع عارالإخفاق لفترة طويلة من الزمن وانعكس كل ذلك على حياته وبقى مثقل بالضجر الذاتي لكونه غارقاً عارياً في بحر من المرارة كما يقول الكاتب.

كلمة (spooks) مصطلح مُسئّ يوجه أحياناً للسود قالها دونما مقصد من حيث إنه ملون إيضاً وبالتالي إلباسه التهمة فيه إجحاف وفرية مقصودة، وتلك الكلمة كلفته منصب عميد جامعة وبروفيسور مرموق.

ينطلق الكاتب لفضاء المجتمع الأمريكي ليفضح المؤسسة القائمة برمتها من خلال تشريح طرائق التعامل مع الملونين وهنا نستذكر ما يحدث الان في أمريكا في ظل رئاسة ترامب من أحداث عنصرية كمقتل المواطن الأسود جورج فلويد وغيره من المواطنيين السود بعد أن أجج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سعير العنصرية بتصرفاته الممجوجة.

من يقرأ الرواية لابد وأن يرتسم في ذهنه ما يحدث الآن للمجتمع الأميركي وصور الصراعات المحتدمة بين مكوناته التي أخذت تطفو على السطح حول مختلف القضايا، بما فيها أسلوب العيش في مجتمع متعدد الأعراق والقوميات والاجناس والشعوب، فالعنصرية المتأصلة في المجتمع الأمريكي حولت كل شيء إلى دمار اجتماعي ونفسي، واختتم فصلها بتمرد ترامب وانصاره على طريقة الاتنخابات واعتبارها مزورة ومن ثمّ الايعاز لهم بالعنف واقتحام مبنى ال”كابيتول”.

وعوداً على الرواية أراد كولمن النية كما يقول (أن يجعل أمرعرقه سّره الخاص، فإن الثمن الذي كان عليه أن يدفعه هو ألا ينجب أطفالاً) كونه هو أحدٍ الملونين، وهنا يخبرنا الكاتب بما يحصل للملونين ويعطينا مثالاً بالدكتور تشارلز درو وهو الذي أكتشف كيف يُمكن أن يُمنع الدم من التخثّر ومن ثم أمكن تخزينه في بنوك ليقول بأن ذاك الطبيب جُرح في حادث سيارة، والمستشفى الأقرب لم تكن تقبل مرضى ملونين، فمات بعد ما ظل ينزف حتى الموت.

فأي مصير ساخر لاقاه ذلك الطبيب! وهذا المصير يشي بأن المجتمع بفعل الصراعات بعيد عن الإنسانية، فلون البشرة له مفعول سلبي على صاحبه، وبالتالي العزلة للسود وذوي البشرة الملونة في كانتونات هو ما أنتجته الرأسمالية لهذه الشعوب التي فُرض عليها هذه المعيشة المذلة ناهيك عن التمييز في المدارس والمواصلات وغيرها من المرافق العامة.

صاغ الكاتب من اللون والعنصرية والتفاوت الطبقي والعرقي موضوعاً جميلاً، تعرف القارئ من خلاله على كل جوانب العنصرية وفلسفتها التي ما برح المجتمع الأمريكي يعيشها ويتجرع مراراتها، ففي فوضى الانتخابات الأخيرة يتضح مقدار الهوة بين الأمريكيين واهتماماتهم واختلافاتهم في الأمور المصيرية مما يجعل من أكبر قوة في العالم في مهب ريح التغييرات العاتية سواء أكان إيجابية أم سلبية.

سياسة الأرض المحروقة التي يمارسها الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب توضح وبجلاء مقدار الانقسام في المجتمع الأمريكي وتمزق النسيج الاجتماعي والهوة الفاصلة بين الملونين الذين صوتوا لجو بايدن الرئيس المنتخب على حساب ترامب، فلا يعوز المراقبين لتلك الانتخابات الإلهام لمعرفة ما فعله دونالد ترامب بهم ليصوتوا ضده إنتقاماً من سياسته العنصرية المنحازة للبيض.

يعود الكاتب في رواية أخرى له (تزوجت شيوعياً) الصادرة عن دار المدى في العام 2019 ليصب جام غضبه على الطريقة التي يدير بها الحزبان الجمهوري والديمقراطي شؤون البلاد فيما يتعلق بملاحقة النقابيين والمعارضين لسياسة كلا الحزبين الذين يحاربون الظلم والاستبداد وضد اضطهاد العمال، ليقول (لقد كان الحزبان السياسيان الكبيران متساويين في افتقارهما إلى الضمير عندما يتعلق الامر بحقوق الزنوج، ومتساويين في لا مبالاتهما بالممارسات الجائرة التي ورثها النظام الرأسمالي، وفي إغماض عيونهما أمام العواقب الكارثية التي ستنزل بالجنس البشري الناجمة عن استفزاز بلدنا المُتعمد للشعب الروسي المُحب للسلام إنهم يدعمون أنظمة الحكم الرجعية في العالم، ويسلحون أوروبا الغربية ضد روسيا، ويُعسكرون أميريكا).

اقرأ المزيد

لا لقاح للفقراء

ليس مفاجئاً التحذير الذي أطلقته منظمة الصحة العالمية من عدم تكافؤ توزيع اللقاحات المضادة لوباء “كوفيد 19” متحدثة عما أسمته بـ “فشل أخلاقي كارثي”.

منذ أن أعلن في أكثر من دولة في العالم عن نجاح شركاتها المختصة في انتاج هذه اللقاحات التي انكبّت عليه منذ انتشار الجائحة، طرح السؤال حول الآليات التي ستحكم توزيعها على النطاق العالمي، فضلاً عن سؤال آخر مهم حول قدرة هذه الشركات على تلبية الطلب الهائل على اللقاحات في مختلف الدول، حيث تجاوز عدد الوفيات في العالم بسسب الوباء مليوني وفاة، وأضعاف هذا العدد مرات من المصابين به، ددون أن يلوح أفق قريب للسيطرة عليه، أو على الأقل الحدّ منه.

بالنسبة للسؤال الأخير بالذات لوحظ تباطؤ الشركة الأشهر في انتاج اللقاح، شركة فايزر – بيونتيك في تزويد الدول التي تعاقدت معها على شراء كميات معتبرة منه، معزية هذا التباطؤ إلى “خلل” عابر في مصانعها، وواعدة بقرب التغلب عليه، فيما يؤثر التنافس السياسي بين الدول سلباً على فرص الاستفادة من لقاحات أخرى، كتلك المنتجة في الصين وروسيا، حيث “تترفع” دول غربية عن استيرادها تحت مزاعم هاوية، دون أن تفلح في حجب الطبيعة الاقتصادية – السياسية لهذا الموقف.

رئيس منظمة العالمية قال إنه “ليس من العدالة أن يحصل الشباب الأصحاء في الدول الغنية على اللقاحات قبل أولئك الأكثر عرضة للخطر في الدول الفقيرة”، واصفاً المبدأ الذي يقوم عليه هذا النهج، مبدأ “أنا أولاً” بالمدمر، لأنه سيشجع على ارتفاع أسعار اللقاحات وتكديسها.

وكان على الرجل أن يقول ما لم يقله صراحة حول أن منطق المال والربح هو الحاكم في الموضوع، فالشركات المنتجة غير معنية بمن يصاب أو يموت بسبب الوباء، بقدر ما هي معنية بمن هو مستعد لأن يدفع أكثر وأسرع، دون آبهة بما حذرت منه المنظمة المذكورة من أن ثمن هذا النهج “سيُدفع بالأرواح وسبل العيش في الدول الأفقر في العالم”.

عبرت منظمة الصحة العالمية عن أمنيتها بأن ينجح العالم في تحدي ضمان بدء توزيع لقاحات كوفيد- 19 في كل دولة بحلول اليوم العالمي للصحة، في السابع من إبريل/ نيسان، ولكن المعطيات المتاحة تظهر أنه دون هذه المهمة النبيلة عقبات كبيرة، يجعل من تحققها أمراً مشكوكاً فيه.

يمكن اعتبار هذا التحدي معياراً لإظهار إلى أي مدى استخلص العالم أقسى درس من الجائحة الفتاكة، وما من أدلة كافية على أن هذا حدث أو سيحدث.

اقرأ المزيد