المنشور

“دور الجامعة العربية السلبي في عدم الوقوف مع الشعوب العربية التي تطمح للحرية”


في هذا التاريخ  يصادف  مرور سبعون عاما على تأسيس الجامعة العربية من 22 مارس 1945 إلى 22 مارس 2015 , حينها  كانت الدول العربية المؤسسة  للجامعة  العربية في تلك الحقبة من الزمن هي  المملكة الأردنية الهاشمية, و الجمهورية السورية, و المملكة العراقية  سابقاً, ثم المملكة العربية السعودية و الجمهورية اللبنانية, و كذالك  المملكة المتوكلة اليمنية  سابقاً.  وقد وصلت العضوية الآن  فى حرم الجامعة العربية  إلى 22  دولة  كان ذلك على مراحل, و كان  من ضمن الاهداف الجامعة العربية ان تصبح  منظمة إقليمية تعمل على توثيق الصلات بين الدول العربية الأعضاء من اجل التنسيق فيما بينهم لوضع الخطط في المجالات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و الأمنية.
 
 نعم هذا شيء تاريخي جميل جدا أن يقام مثل هذا المشروع الكبير, و من المفترض من  فترة زمنية طويلة جداً كان قد مهد للوحدة العربية لو كانت الإرادة  للدول العربية المؤسسة تصب فى هذا الاتجاه,  و من اجل الاستقلال الوطني الحقيقي و من ثم الابتعاد عن الهيمنة للاستعمار الذي عم البلدان العربية, و الحصول على  القرار السياسي المستقل بعيدا عن التبعية للوصايا الاستعمارية و الهيمنة الامبريالية, و التأثير الصهيونى و الرجعي, وهكذا قد وصلت الشعوب العربية و قواها الوطنية الديمقراطية و اليسارية الى قناعات  بأن الوضع الراهن لم نرى  فيه من انجاز واحد لا سياسي و لا اقتصادي, و لا صناعي, و لا علمي, و لا ثقافي, و لا حتى رياضي  من قبل الجامعة العربية,  ولا  موقف وطني مشرف لا لصالح البلدان العربية و لا للشعوب العربية,  ثم ان مسألة القومية العربية قد حاربتها بعض الانظمة العربية خصوصا فى عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي حاول ان يدخل فى وحدة مع سوريا, الا ان القوى المضادة فى الجامعة العربية قد افشلت المشروع الوحدوي انذاك بالتعاون مع الاستعمار.
 و ايضاً  و من  خلال   الأوضاع الراهنة والساخنة على الساحة العربية الحالية فهي  توضح تماما ان الجامعة العربية ليس لها مشروع وطني قومي سياسي او اقتصادي  لصالح الشعوب العربية, بل مانراه ان الجامعة العربية تسير وراء الاوهام  والشروع في التجهيزات العسكرية  متحالفة مع المشروع للقوى  الاقليمية و الامبريالية والصهيونية, و التي تسعى لأن يكون الوطن العربي فى حالة من الازمات  العسكرية و السياسية والاقتصادية  لمشروع التمزق العربي و تدمير لقواه الاقتصادية,  و تدمير بناه التحتية و العسكرية بقرار عربي من الجامعة العربية,  و  ذلك مثل مايحدث  في سوريا  وليبيا و العراق و اليمن  و لبنان  وبلدان عربية اخرى.   ومن ثم  هناك دولاً عربية قد دعمت و ساندت و سلحت  هجوم قوى الإرهاب من قبل المرتزقة في العالم و المدعوم من قبل أنظمة اقليمية و عالمية  أجنبية  مع تطبيق عقلية الفوضى الخلاقة لمفهوم الليبرالية المتوحشة التي تطبق من قبل النظام الرأسمالي, و الصهيونية في العالم بقيادة أمريكا و بعض الدول فى  الاتحاد الاوروبي  لتدمير الوطن العربي.  حقيقةً ان الشعوب العربية  ترى أن الجامعة العربية  ليس لها أي مخرج عربى قومي لحلحلة الاوضاع الماساوية فى الوطن العربي  و فى المقدمة القضية الفلسطينية,  بل هي مقيدة  و تسير فى اتجاه تبعية السياسات الرأسمالية الصهيونية و الرجعية العربية.
حقيقة  ومع اختلافنا مع نظام الاسد كنظام دكتاتوري مثلما كان نظام صدام حسين وحسني مبارك  والقدافي, الا اننا نرى ان تدمير سوريا و العراق وليبيا  و اليوم اليمن  سوف يعمل خلل يصعب اصلاحه في  الوطن العربي على مدى سنوات قادمة, خصوصا مسالة تدمير   القوى المعادية للكيان الصهيوني وتتمثل  في سوريا,  و اهمال المقاومة الفلسطينية او تطويعها للسياسات الامبريالية,  و من ثم تدمير القدرات الاقتصادية و البنى التحتية للدول العربية المعادية للامبريالية,  و تبذير للثروات النفطية العربية,  و إلا لماذا هذا التحالف الامبريالي الصهيوني مع بعض الانظمة الشمولية  العربية بصنوفها وافكارها المتخلفة التي  تسعى وتبارك تدمير الوطن العربي بالتحالف مع القوى الاقليمية صاحبة الاطماع في الوطن العربي.
 
حقيقةً  ان السبب الاول  لما يجري على مستوى الوطن العربى من ازمات سياسية و اقتصادية و عسكرية هو لصالح ان تبقى اسرائيل صاحبة السيادة على قرارات الشرق الاوسط, و المتحكمة في السياسات الاقتصادية لصالح الشركات الاحتكارية العالمية,  و في المقدمة الانجلو أمريكية و الغربية  تحت السيطرة الصهيونية.  كما ان تحفظ  المصالح العليا  لامريكا و الكيان الصهيوني و ان تبقى الانظمة العربية الرجعية الدكتا تورية صاحبة القرار و النفوذ في الجامعة العربية لضرب كل الحركات والاحزاب العربية المعادية للامبريالية والانظمة الدكتاتورية, ثم ان  من خلال السياسة الامريكية و التطبيق لسياسة  الفوضى  الخلاقة في الوطن العربي, و تدمير الوطن العربي  لصالح السيطرة على منابع النفط و الغاز والاسواق التجارية والعسكرية و من اجل سلب السيادة الوطنية والشعبية وجعل الشعوب العربية تعيش تحت الهيمنة والنفوذ للأمبريالية,  و اعتقد هذا ما تخطط اليه القوى المعادية للشعوب العربية من المحيط حتى الخليج العربي  تحت قبة الجامعة العربية و الذي يتمثل فى شن العدوان ان كان من قبل اسرائيل او الامريكان او من ينوبون عنهم من انظمة عربية, او قوى همجية مرتزقة هذا  امر صعب تحت مرأى و مسمع الجامعة العربية,  وهى التي تساوم على القضية الفلسطينية منذ عام 1948  و لغاية الان,  ومن ثم قد تعودنا  ان نسمع اصوات الشجب و الاستنكار  مثلما حدث فى حرب تدميرية على غزة عام  2014 , و  من حروب أخرى  كانت قد شنتها إسرائيل على العرب,  و للاسف  كل ذلك فى ظل هيمنة الجامعة العربية على القرار السياسي و المستمر فى محاربة تطلعات الشعوب العربية فى نيل  الحرية والاستقلال الوطني الحقيقي,  و بناء الاسس لنظام عربي ديمقراطي تكون فيه للشعوب العربية ادوار, و ليس مثل ما هو الان ان الشعوب العربية مغيبةً’ و مضطهدةًة و مكبوتةً’ و محاربةً من قبل الانظمة العربية, وها نحن الشعوب العربية نعاني من سطو الانظمة الشمولية  العربية التي تحارب شعوبها و تمنع  الحريات العامة و الخاصة ومحاربة حرية الانشطة السياسية و الفكرية و النقابية, و المحاولة لعرقلة كل الانشطة المدنية, و تغييب لمسألة حقوق الانسان, و اضعاف التطور الديمقراطي و المشاركة الشعبية, بل نرى ان هناك  دولاً عربية هي من ينفخ في تأجيج الصراع الطائفي فى اكثر البلدان العربية بمباركة الجامعة العربية, ولديهم توجهات لدعم و تشجيع الثقافة الطائفية على حساب تغييب الوعي القومي و الوطني و الديمقراطي فى صفوف الشعوب العربية, و تدميير كل ما له صلة بشعارات القومية العربية او الوحدة العربية او أي شيء لصالح الشعوب العربية, و منها التراث التاريخي الذي يبرز معالم الحضارات التي نشأت على الارض العربية, و  هذا مايحدث فى العراق وسوريا و بلدان عربية اخرى.
 
  نعم و هكذا  سوف تبقى الشعوب العربية خاضعة عشرات السنين تحت سيطرة الاستعمار الجديد الامريكي الصهيوني الاوروبي بمباركة الانظمة الرجعية العربية تحت قبة الجامعة العربية,  وسوف تضيع كل الجهود للقوى الوطنية  الديمقراطية التي تطالب بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية  و حقوق الانسان,  و سوف تبقى مثل هذه المطالب صعبة للغاية و من هنا يجب ان تتعالى الاصوات المعادية للحروب  الهمجية فى  سوريا و العراق و ليبيا  و اليمن وغيرها من البلدان العربية كواجب وطني وقومي للشعوب العربية وقواها الوطنية والديمقراطية واليسارية, و ان تتعالى الاصوات  ويشتد النضال الوطني من اجل  تحقيق المطالب بالديمقراطية, و اعطاء القوى الوطنية و الديمقراطية الفرصة فى الوصول لمراكز القرار السياسي لانقاذ الوطن العربي من المزيد من الانقسامات و الدمار الشامل الذي يصب لصالح الهيمنة لقوى الظلام و الرجعية و الاستعمار الجديد العسكري و الاقتصادي.


  
  جواد المرخي/
المنبر التقدمي / البحرين

اقرأ المزيد

من تجليات الوهــن..!!


 
آثرنا هذه المرة ان نتوقف مجدداً عند بعض القضايا، ولكن بالإشارة السريعة، مع ملاحظة احسب انه من المهم التأكيد عليها، ان كل نقطة، كل إشارة، بمجموعها وبكل مضمونها ليست مجرد خواطر عابرة، إنما هي بعض ما يتداوله الناس العاديون، ويشغل بالهم، واذا نظرنا الى واقع الحال بالعين المجردة حتماً سنخلص الى ان هذا الذي نثيره اليوم ماهو الا غيض من فيض من قضايا أساسية احسب ان منها ماقد يعد من تجليات الوهن الذي نعيشه، قضايا تحتاج بمجملها الى وقفة صادقة وجادة، ومعالجات صائبة وملحة، ونعلم ان منها ما يحتاج الى بعض التضحيات:

ـ عندما تجد وزيراً او مسؤولاً مثالاً فى الاستقامة والنزاهة، لا يعطي امتيازاً لقريب او حسيب، لا يستغل منصبه فى مصالح شخصية، لا ينفٌع احدا، ولا يخالف القانون، ويرفض ثقافة النفاق والحاشية ولا يخضع لفقه الاستئناس بالبطانات، لا يعطي الفرصة الا للعلماء واصحاب الكفاءة ولا يخلق بطانة تتبعه فى هرولة دون ان يكون لأي من أفرادها عمل حقيقي، ولا يضيق الخناق على كل صاحب موهبة او كفاءة، لا يضغط عليه، اويسيئ اليه، او يحاصره، او يستعلي عليه، او يحجمه، او يتجاهله، ويعتبره جزءاً معتبراً من قدرات البلد وثروته.

وحين يعي الوزير او المسؤول فن التعامل مع استحقاقات المنصب دون انتظار لتوجيهات او تعليمات من فوق، ولا يتنصل او يتملص من مسؤولية اي خطأ، ولا يسرف فى الظهور الاعلامي والشكلي على حساب العمل والمهنية والانجاز، وحين لا تكون تكلفة بقاء هذا او ذاك او تكلفة إنجازه مادياً وعملياً باهظة باي معيار، حين يتحقق كل ذلك نكون قد بدأنا السير في الاتجاه المأمول..

ـ ليس الحكمة في تغيير وزراء، او الإبقاء على وزراء، او مناقلة وزراء، وإنما الحكمة تغيير العقلية والمنهجية وفهم احتياجات المرحلة، وإلا سنظل في مكاننا نراوح، وكأنه يكفي ان نستمع او نقرأ الكلام الجميل عن مشروعات وخطط وبرامج، وخدمات، ومشاريع، واستراتيجيات، وإنجازات في كل مجال وميدان، الصحة، التعليم، الاسكان، خدمات اجتماعية، ومشاريع بنى تحتية وخدمات عامة، ومنها ما وجدناه مقروناً بمفردات من نوع « الأكبر « و»الأضخم « و» الاول « و» الأفضل « مما قد يشعرنا بانه ليس هناك ابدع مما هو كائن، وليس هناك مجال للشكوى والتذمر، يكفي ان نتابع على مدى السنوات الماضية ما حفلت به الصحف من تصريحات الوزراء ومسؤولين أطلقت بلا حساب، لم يراجعهم احد فيما قالوه، ولم تجر متابعة او مساءلة لكل الوعود والمشاريع التى بات كثير منها طي النسيان، لنظل فى مكاننا نراوح.. يصرح من يشاء ما يشاء، وينتقد من يشاء اي شيء يشاء، ويعترض من يشاء على ما يشاء، لأن هناك من يؤمن ب « قولوا ماتشاؤون ونحن نعمل ما نشاء «، والخاسر هو الوطن..!!

ـ مسؤوليات العمل العام يجب ان يدركها كل من يتولى مسؤولية عامة، ومن هذه الزاوية نقول للوزراء، لانريد ان ننام على حرير من الوعود، ولا إنجازا بسرعة السلحفاة، او إنجازا من باب تمشية الحال، او انجازاً لا يتحقق الا بتوجيه، ولا نريد احاديث تطلق عن التقدم والنهضة، ولا نريد خطباً مناسباتية قد تطرب الاسماع، او تصريحات تشد البعض، لا نريد كل ذلك طالما لا يتغير من واقع الحال شيء، بل نريد انجازاً يرتكز على معاني المسؤولية واحترام القانون وأداء الواجب والقبول بالمساءلة والالتزام بمقتضياتها، ونريد التوجه نحو المستقبل بآليات ديناميكية وعقلية عملية تعترف بالمشكلات وأوجه الخلل والقصور، وتدرك بانه من دون ذلك يكون التفكير فى الحلول مضيعة للوقت، او نوعاً من العبث الذي يجعلنا نتعايش مع مشكلات تلو مشكلات، او حلول ترقيعية تفاقم المشكلات، وتثير الالتباسات، عقلية لا تغتر بالأضواء، ولا تنطلي عليها لعبة متزلفين يجعلون المصلحة العامة لا يختلف حالها عن حال الأيتام على مائدة اللئام، قناعتنا تظل بان تطلعات الوطن لن يحققها غير الأكفاء المخلصين الذين يفترض انه ليس هناك مكان لغيرهم، والتكهن بمناسبة هذا الكلام اتركه لكم..!

ـ هذا الوطن مبتلى بكثر يفهمون مصالح الوطن بانها تلك الى تتوافق مع مصالحهم، ومصالحهم تقتضي ان نعيش أزمة تلو أزمة، حتى الحلول فى رأيهم تكون ضد مصلحة الوطن اذا جاءت ضد مصالحهم. حتى حين يضطرون الى الدعوة الى معالجات، نكتشف بان دعواتهم هذه تعني تعقيد الأزمات، ودفع اي حلول الى كمائن صامتة، و«تمويت» كل جهد وطني مخلص..!

ـ نتحسر على ذلك الزمان الذي كانت فيه الضمائر طاهرة وحية، ولها اعتبار، ومحل من الاعراب فى القلوب والنفوس، أما الضمائر المستترة، الميتة، فلم نسمع عنها الا في كتب النحو، واذا كان ثمة مجال في ان يؤذن لنا في الإلحاح على الدعوة لعمل ما، عمل لا يشكل عدواناً على الضمير، بل يحيي الضمائر الميتة، ضمائر أولئك الذين لا يريدون لنا سوى ان ندور فى فلك الانشطار والتفريق والعداء والضغينة، وما يهبط المعنويات، ويفرض الانتماء الى الطائفة او الجماعة بديلاً عن الانتماء للوطن، والعيش في واقع مبتلى بما يؤرق ويقلق الضمائر الحية..!!

– كثر ممن ينصبون انفسهم رقباء على الحياة العامة، يرتكبون انفسهم الكثير من الأقوال والأفعال المستنكرة التى يطلقون لأنفسهم العنان فى لوم الغير عليها، أقوال وأفعال يجنون عوائدها في السر..!!

ـ ينسب لأحد دهاة السياسة قوله: ان السياسة هى ان تخفي كذبك فى صدقك، وان تخفي سرك فى صراحتك، وتعلم ان الطريق المستقيم، هو عدة خطوط ملتوية ببراعة.

اذا كان هذا القول صحيحاً، ويبدو انه كذلك، فان علينا ونحن نراقب الألاعيب من حولنا، ان نمسك فى صبر وتأن بداية خط السياسيين عندنا، ومن فرضوا علينا قسراً وباتوا يعدون انفسهم سياسيين، لعل الصورة تكون أوضح أمام الجميع، تعالوا نرى ونفحص وندقق، وبعقول تملك جرأة المكاشفة وتسمية الأشياء بمسمياتها الصحيحة. لعلنا نستطيع إيقاف العروض العبثية التى تجرنا الى حسابات وانانيات واستحواذات ثمة من يريد ان يوهمنا بانها مستحقات وطنية لا نجد انفسنا نقدرها او نقرها او نقبل بها ولا نراها تقيم وزنا للعقلً بأي شكل من الأشكال
 
حرر في 7 أبريل  2015

اقرأ المزيد

شيخ المناضلين البحرينيين – النقي خلقا وسيرة


قابلته مرة يتيمة مع بعض زملاء الدراسة الجامعية اليساريين في بيروت السبعينات. وقتها كان يتخذ مثل الكثيرين من نظرائه العرب من بيروت منفى اجباريا بعدما طورد بسبب نشاطه السياسي وأفكاره اليسارية وقيادته للنشاط الخارجي لما كان يعرف ب «جبهة التحرير الوطني البحرانية». وهذه الجبهة لمن لا يعرفها من غير البحرينيين كيان طليعي تأسس في فبراير 1955 وتسمى بهذا الاسم تيمنا بـ «جبهة التحرير الوطني الجزائرية»، وكان يستهدف الدفاع عن حقوق الطبقة العاملة من عمال وفلاحين، والنضال ضد سلطات الحماية البريطانية، وتحقيق الاستقلال والعدالة والمساواة والتقدم وحقوق المرأة، والدفاع عن الثروة الوطنية وقيم الحداثة والعصرنة والتنوير، وغير ذلك من الاهداف التي كانت شعارات رائجة زمن المد اليساري وسطوع نجم الاتحاد السوفياتي وكتلته الشرقية.

وتمر الايام، وتغيب أخباره، لكن صورته لا تنمحي من الذاكرة، وكذا اسمه الحركي الذي عُرف به في الاوساط السياسية وهو «سيف بن علي». والسبب أنّ الرجل أسرني، كما كان يأسر كل من يلتقي به، بدماثة خلقه وبشاشة وجهه وروحه النقية وتواضعه الجم وخفوت صوته وعذوبة أحاديثه وواقعية طروحاته، إلى درجة أني تساءلت بيني وبين نفسي «هل يُعقل أنْ يكون رجلا بهكذا محيا وهكذا صفات شاعرية رقيقة زعيما لجبهة ثورية يسارية؟». وتساؤلي هذا كان مشروعا وقتذاك لأن الصورة المطبوعة في أذهاننا للمناضلين اليساريين كانت لا تخرج عن صورة الرجل كث الشوارب ذي النظارات المقعرة القاتمة والصوت المرتفع، الشره في استهلاك السجائر، الجاف والمتعالي في تعامله مع الآخرين بمن فيهم رفاقه، المتسربل بالتنظيرات والشعارات الطنانة، المنفعل في مواجهة من يخالفونه الرأي.

لاحقا في بداية الألفية الجديدة، حينما أطلق جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة مشروعه الاصلاحي الذي اشتمل على جملة من الأمور، كان بينها إلغاء قانون أمن الدولة والسماح لكل المبعدين والمنفيين من أبناء البحرين بالعودة الى وطنهم، عاد «سيف بن علي» الى البحرين مكللا بتيجان الفخار ليساهم في الحياة السياسية وفق مقتضيات المرحلة الجديدة. فكان في استقباله في صالة الوصول بمطار البحرين الدولي جمهور غفير من مختلف المشارب الفكرية والمستويات الاجتماعية يتقدمهم بالطبع الكادحون الذين ناضل الرجل عقودا من أجلهم ممن ضج بهم المكان، وممن اصروا على زفه إلى منزل شقيقه خالد في الرفاع بالهتاف والتصفيق والمشموم والرياحين. ولبعض الوقت في عام 2001 ظلت خيمة كبيرة منصوبة أمام منزل شقيقه يتزاحم فيها يوميا المهنئون بعودته إلى أرض الوطن. بعدها استأجر الذوادي لنفسه شقة في شارع البديع قبل أنْ توفر له الدولة سكنا في مدينة زايد. وفي هذه الأثناء كان يتردد على مستشفى السلمانية للعلاج ويكتب بعض المقالات الاسبوعية لصالح جريدة الأيام.

لم تمر فترة قصيرة إلا و” جبهة التحرير البحرانية ” تسدل في 14 سبتمبر 2001 الستار على حقبة العمل السري وتظهر إلى العلن في صورة جمعية سياسية معترف بها رسميا تحت إسم ” جمعية المنبر الديمقراطي التقدم ” بقيادة ” سيف بن علي ” نفسه الذي تخلى عن اسمه الحركي بعدما لم يجد له مبررا في عصر الإصلاح والديمقراطية، وعاد إلى اسمه الأصلي الخالد. وهكذا صرتُ أراه مرارا وتكرارا في الفعاليات السياسية والمناسبات الاجتماعية، وفي كل مرة كان يحتضنني ويمطرني بالقبلات وهو يردد: ” كلما أراك يا أبا تيمور أشعر بالتفاؤل “، رغم أني لم أكن يوما عضوا في تنظيمه. وكان آخر مرة سمعتُ منه هذه الجملة يوم أنْ دعتني جمعيته في 2005 لإلقاء محاضرة عن مخاطر النووي الإيراني على منطقة الخليج. وقتها كان هناك همس كثير بأن المرض الخبيث قد تسرب إلى أحشاء الرجل وأنّ أيامه باتت معدودة. غير أنّ من قاوم المستعمر والمستغل بالتصميم والعزيمة والأمل والعناد استطاع بالأسلحة ذاتها أنْ يصارع المرض اللعين 11 سنة وسط دهشة أطبائه إلى أنْ انتقل إلى جوار ربه في الساعة الرابعة والنصف من صباح الثامن من يوليو 2006، ليشيع في جنازة مهيبة ويدفن في مقبرة المنامة وتتدفق رسائل التعزية والمواساة من كل حدب وصوب بما فيها رسائل من ملك البلاد وولي عهده ورئيس وزرائه.

فمن هو هذا الرجل الذي حُفرت صورته في ذاكرة الوطن وغدا منارة يهتدي بها الساسة الوطنيون الشرفاء المترفعون عن المصالح الشخصية والدسائس الفئوية والنوازع الطائفية البغيضة ممن يملكون الضمائر الحية والروح البحرينية الأصيلة التي تجمع ولا تفرق؟ من هو هذا الذي قيل عنه ” من الصعب أنْ تجد إنسانا تتحدث معه فينصت لك باهتمام وصبر ودون مقاطعة، وإذا ما خالفته الرأي ورفعت صوتك خفض هو صوته “؟

إنه إبن البحرين البار المناضل أحمد ابراهيم محمد الذوادي المكنى بأبي قيس، الذي ولد في المنامة في 1938 لأسرة شديدة الفقر، وخبر اليتم بوفاة والده في طفولته ليقوم أخواله في البحرين والسعودية بتربيته، والذي تفتحت ملكاته ومواهبه الثقافية والسياسية في سن مبكرة، وعاش جل حياته متنقلا ما بين السجون والمنافي والمرض والغربة، أو كما قال الشاعر الجميل علي الشرقاوي:
 كنت الطير
تعطي الحب حيث تطير
عشت براثن المنفى
عرفت اليتم قبل اليتم
شربت الملح في الغربة
ألا يا سيد الشباب كنت الرمح والحرية
وكنت تهاجم الاحباط

مكان ميلاده في فريج الذواودة كان له تأثير بالغ عليه وعلى أفكاره اللاحقة، ذلك أنّ هذا الفريج بامتداداته المعروفة في الحورة والقضيبية ورأس رمان وفرجان بن سوار والعوضية والحدادة والفاضل والبلوش يقع في قلب المنامة حيث يعيش خليط متعدد الاعراق والمذاهب من الطبقة العاملة الفقيرة التي عادة ما تدغدغ عواطفها الأفكار الماركسية وشعاراتها حول المساواة والعدالة الاجتماعية. لذا لم يكن غريبا، والحالة هذه، أن يتشرب الذوادي الفقير هذه الأفكار مبكرا ثم يصبح مبشرا بها وهو في سن السابعة عشر، ثم يساهم في سبيلها بتأسيس أول تنظيم يساري سري في منطقة الخليج هو ” جبهة التحرير الوطني البحرانية ” في 15 فبراير 1955 بمشاركة رفاقه علي دويغر، إبراهيم ديتو، علي مدان، جعفر الصياد، محمد كشتي، رضا العلوان، وآخرين. وفي هذا السياق يُعزي الزميل عقيل سوار فضل انتشار الفكر التقدمي اليساري في الأحياء المشار إليها الى النشأة الشعبية للذوادي فيقول في الصفحة 99 و100 من كتاب ” أحمد الذوادي في ذاكرة الوطن ” ما معناه أنه صحيح أنّ حي الذواودة وحي العوضية في قلب المنامة شهدا ظهور الفكر التقدمي لكن الصحيح أيضا أن هذا الفكر لم يتحول إلى فكر بحريني منتشر الا بفضل مساهمة الذوادي التي كانت انعطافية. ويضيف ” أحال أحمد ما كان حزبا شيوعيا منبوذا من المزاج العروبي لأهل هذه الأحياء وعمقها بسبب ارتباط أدبياته، على الأقل، بحزب تودة الإيراني الذي لم يكن يرى على خلفية نزعته الأممية غضاضة في اعتبار البحرين فارسية إلى حزب أكثر ألفة مع المزاج العروبي “.

بدأ الذوادي تعليمه بالالتحاق بالكتّاب البدائي لوالده المطوع ابراهيم بن محمد فتعلم مبادئ القرآن الكريم وبعض الاناشيد وتمرن على مخارج الألفاظ السليمة. وعن هذه المرحلة كتب واحد ممن زاملوه في الكتّاب وهو الاستاذ عبدالله الذوادي أن أبا قيس كان يشاغب أثناء الدرس وأن عصاة والده المطوع ابراهيم كانت تطاله مثلما كانت تطال الآخرين. وهو لئن تمكن من مواصلة دراسته حتى المرحلة الثانوية، رغم ما كان يكابده من شظف العيش، فإنه لم يستطع اكمال تعليمه الجامعي، حيث اضطرته ظروفه المعيشية أن يدخل سوق العمل مبكرا. وكانت البداية هي الالتحاق بسلك التدريس وذلك من منطلق قناعته بأهمية تخريج اجيال متعلمة تعليما جادا وسليما، لكنه ترك التدريس في 1958 ليلتحق بدائرة العمل من أجل الوقوف إلى جانب عمال البحرين في وقت كانوا يتعرضون فيه لضغوط من قبل المسؤولين الأجانب في شركة النفط (بابكو). ويبدو أنّ دفاعه عن حقوق العمال كان سببا في فصله، فالتحق حينها بالقطاع الخاص كموظف. وما بين هذا وذاك قادته ثقافته الذاتية وإطلاعه الواسع إلى المساهمة في تقديم البرامج الثقافية من إذاعة البحرين بُعيد افتتاحها في 1955، فقدم برنامج «موكب الخالدين» الذي كان يتناول فيه سيرة شخصيات ثقافية وأدبية وقيادية.

إن ثقافته التي بناها بنفسه من خلال القراءة المكثفة في مختلف المواضيع حدت به في هذه المرحلة إلى العمل مع الاستاذ عبدالله الذوادي سكرتير نادي الوحدة بالحورة على دمج هذا النادي مع نادي النصر الثقافي والاجتماعي ليظهر الى الوجود كيانا جديدا يهتم بالرياضة والفكر والثقافة والمسرح والغناء ومحو الأمية تحت اسم «نادي الفجر» الذي احتل إحدى الفلل المملوكة للشيخ أحمد الجابر الصباح جنوبي مدرسة الحورة الثانوية للبنات.

وهكذا نجد أنّ نشاط الذوادي لم يقتصر على السياسة وإنما صاحبته مساهمات ثقافية ورياضية واجتماعية في نادي الفجر، بدليل أنه كان وراء فكرة افتتاح فصول لمحو الأمية وإنشاء فرقة موسيقية بقيادة الفنان المعتزل حمد الدوخي ومشاركة المرحوم يوسف هادي، وتأسيس فرقة تمثيل ضمته شخصيا إلى جانب حسين شرفي وعلي صالح وعيسى عاشير ومحمد عواد وفوزي الزياني وغيرهم، وإدخال لعبة الشطرنج، التي كان يلعبها ببراعة، إلى النادي طبقا لما ذكره عبدالله الذوادي في كتاب «احمد الذوادي في ذاكرة الوطن»(ص 92 93).
ينتمي أحمد الذوادي كما يدل لقبه الى عائلة الذواودة المعروفة في البحرين والمنتشرة في كل أصقاع الخليج العربي، والمنتمية إلى قبيلة بني خالد فرع العمائر طبقا لما ذكره لوريمر في القسم الجغرافي من كتابه الشهير «دليل الخليج». وهي عائلة انجبتْ أسماء لامعة في دنيا الأدب والاعلام والدبلوماسية والسينما والموسيقى والمسرح والرياضة. ويقول عبدالرحمن صالح الدوسري في صحيفة الوطن البحرينية(23/5/2014) أنّ هناك من الوثائق العثمانية وغيرها ما يشير إلى أن الذواودة سكنوا قرى في القطيف مثل الخترشية والنابية وعنك وجزيرة جنة والمسلمية شمال مدينة الجبيل، إضافة إلى «حي شريبة» الذي يعتبر من أقدم أحياء دارين. والحقيقة كما يروي أحد رجالات الذواودة (عبدالله بن يوسف بن يعقوب الذوادي) أن الذواودة كانوا يسكنون فريج الشريبة بالقرب من ساحل باربار كأسرة واحدة تحت زعامة أحد شيوخ العائلة الحاكمة وهو الشيخ دعيج، لكن هذا الأخير قتل في رحلة قنص بالظهران، وعندما انتشر الخبر طلب خصومه في البحرين من جماعة الذواودة أن يغادروا «شريبة» على الفور، ولم يمهلوهم الفرصة لجمع أمتعتهم، فدفن بعضهم أمتعته تحت الأرض وخرجوا من «شريبة»، فيما فر بعضهم إلى «دارين» وتوزع البقية على مناطق البحرين المختلفة من الحد إلى الزلاق، وحرقت بيوتهم المبنية من السعف. أما رحلة عودة الذواودة إلى البحرين فقد بدأت باقامتهم في منطقة الحالة الصغرى بالمنامة التي كانت تتوسط فرجان رأس رمان والعوضية وبن سوار، حيث استمروا في حيهم الجديد يمارسون مهنة الغوص والطواشة وأعمال البحر إلى أن وقع اختيار الإنجليز على حيهم لإقامة دار للمعتمد البريطاني (الباليوز)، فهُجروا إلى منطقة جديدة جنوب رأس رمان وهي المنطقة المعروفة حاليا ب «فريج الذواودة».

تعرض أبوقيس للإعتقال لأول مرة في 1961 حيث قررت السلطات نفيه الى الخارج فغادر البحرين الى قطر لكن الأخيرة رفضت استقباله فتوجه الى الكويت التي مكث فيها زهاء عشرة أشهر غادر بعدها متوجها الى بيروت التي استقر بها حتى 1964. وأثناء تواجده في لبنان نجح الذوادي في بناء شبكة من العلاقات التنظيمية النضالية بين جبهته والتنظيمات اليسارية العربية وغير العربية التي كان لها تمثيل على الارض اللبنانية. وكان لنجاحه هذا مردود ايجابي انعكس على أبناء البحرينيين الفقراء ممن كانوا يطمحون لمواصلة دراستهم الجامعية في الخارج لكن فقرهم كان يقف حائلا بينهم وبين تلك الطموحات. وبكلام آخر نجح الذوادي من خلال لجنة التضامن السوفياتية في الحصول على منح دراسية لطلبة البحرين الفقراء للدراسة في جامعة الصداقة بموسكو. والحقيقة أن الرجل لم يكتف بذلك فقط بل راح أيضا يتفقد هؤلاء المبتعثين في أماكن دراستهم، ويحثهم على الجد والاجتهاد من أجل العودة بشهادات وتخصصات أكاديمية تخدم الوطن، ويحرضهم على أنْ يكونوا قدوة وسفراء للبحرين في الخارج. إلى ذلك ساهم الذوادي في انشاء رابطة طلبة البحرين في موسكو من خلال إعداد دستورها.

 بعد رحلة المنفى في لبنان عاد الى البحرين ودخلها دخولا طبيعيا لأن فترة نفيه كانت قد انقضت، وتمكن من العودة إلى وظيفته السابقة في شركة عبدالرحمن الزياني. غير أن الأقدار كانت تخبئ له المزيد من المتاعب. ففي منتصف الستينات انطلقت شرارة ما يعرف في الأدبيات السياسية البحرينية بانتفاضة مارس، وذلك حينما وقعت انفجارات استهدفت سيارات لإثنين من ضباط الأمن. وعلى اثر هذه الحادثة طالبته السلطات الامنية بالخروج مجددا من البحرين فاتجه صوب امارات الساحل المتصالح (دولة الامارات حاليا) واستقر هناك لبعض الوقت توجه بعده الى القاهرة كممثل رسمي لجبهة التحرير البحرانية في مصر زمن الرئيس عبدالناصر الذي كان يدعم كل حركات التحرر ضد الاستعمار. ويروي شوقي العلوي وهو أحد رفاق نضاله في كتاب «احمد الذوادي في ذاكرة الوطن»(ص57) أن أبا قيس كان يسكن في القاهرة في شقة متواضعة في حي «باب الخلق» الشعبي، وكان يقوم بالطبخ بنفسه، وأنّ غداءه كان في العادة عبارة عن سمك مقلي ورز وبصل، وكان ممن يترددون عليه ويشاركونه الغداء وزير الدولة الحالي للشؤون الخارجية في سلطنة عمان يوسف بن علوي بن عبدالله.

وفي 1971 حدث تطوران دفعا الذوادي إلى الخروج من القاهرة والعودة إلى بيروت تلافيا للحرج، أولهما انتهاء المرحلة الناصرية وبدء حقبة السادات المختلفة سياسيا، وثانيهما تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة والمنامة. غير أنه ما لبث أنْ عاد إلى القاهرة في 1973 في وقت كانت البحرين فيه على موعد مع انفراجات سياسية بعد اتمام انتخابات المجلس التاسيسي الذي وضع أول دستور للبحرين، وانتخابات أول برلمان بالتصويت الحر المباشر في 1974 وهي الانتخابات التي فاز بأحد مقاعدها خالد الذوادي شقيق أبي قيس، الأمر الذي ساعد الأخير في الحصول على وثائق سفر تمكنه من العودة الى وطنه. وبالفعل عاد الذوادي الى البحرين في 1974 وعمل لبعض الوقت موظفا قبل أنْ تطاله حملة الاعتقالات الواسعة التي جرت في العام نفسه بموجب قانون أمن الدولة الجديد، فزج به في المعتقل مذاك وحتى 1979.
 
بعد الافراج عنه استقر في البحرين لفترة تزوج خلالها من الشاعرة حمدة خميس في 1980 وانجب ابنته مريم. في هذه المرحلة كان الذوادي يعمل مع شقيقه خالد، لكنه كان يتعرض باستمرار للكثير من المضايقات بسبب تاريخه السياسي وأفكاره اليسارية، فقرر في 1983 أن يخرج من البحرين ويستقر مع زوجته في دولة الامارات الوليدة حيث أنجبت له زوجته في 1986 إبنه الوحيد الذي اختار له إسم «قيس» ذي الارتباط الوثيق في الذاكرة العربية بالحب والعشق وأشعار الغرام، فخالف بذلك أعراف غلاة اليساريين ممن يفضلون أسماء أممية لأولادهم مثل غيفارا ولينين وجياب. وهذا دليل آخر على شاعرية الذوادي وحبه للغة العربية والشعر العربي. وفي هذا السياق يخبرنا عباس عواجي أحد زملائه في المعتقل أنه عاش معه مدة 6 سنوات في سجن سافرة تعلم منه خلالها اللغة العربية والنحو والشعر لأنه أي الذوادي كان ضليعا فيه وقادرا على تصحيح مخارج الشعر المتداول في السجن.

في 1987 تلقت جبهة التحرير البحرانية ضربة قاسية باعتقال العديد من كوادرها الشابة في الداخل وزجهم في المعتقلات واستشهاد بعضهم. وعلى اثر هذه التطورات قرر الذوادي الخروج من منطقة الخليج، فلم يجد أمامه سوى لبنان. لكن لبنان كان يشهد وقتذاك حربا عبثية ضروس كان أحد طرفيها الحركات الوطنية اليسارية التي كانت داعمة لتنظيمه فيما مضى. وهكذا لم يجد الرجل سوى الخروج إلى سوريا ليبدا رحلة كفاح من نوع آخر كان خصمه فيها هذه المرة هو سرطان القولون الذي اكتشف اصابته به في 1995 أو نحوه. وعلى الرغم من ذهابه في 1995 للاستشفاء في كوبا وعودته منها في أوائل 1996 في صحة جيدة بعد استئصال السرطان المذكور، إلا أن صحته اعتلت مجددا مما اضطر معه للذهاب إلى فرنسا لإجراء عملية استئصال السرطان من الكبد بعد أن تمدد من القولون إلى الكبد.

واخيرا فإنه مما يحسب للذوادي أنه كان كارها للأنا، باغضا للتقسيمات الطائفية، وزاهدا بالمناصب، والأمر الأخير نادر الحدوث عند زعماء التنظيمات اليسارية، خصوصا العربية منها. فقد ترك قيادة جمعية المنبر التقدمي لرفاقه بعد دورة واحدة، وتحول إلى مجرد عضو عادي وناشط في لجنته الإعلامية. أما الأمر الآخر الذي يحسب له هو أنه لم تسجل عنه كلمة نابية ضد خصومه السياسيين في البحرين المتمثلين في رموز ما سُمي ب «الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي». وفي هذا السياق يخبرنا الدكتور يعقوب يوسف جناحي الذي عرف الذوادي عن كثب وعمل معه أنّ الخلافات بين جبهة التحرير والجبهة الشعبية تعلقت تحديدا برفض الأولى لما كانت تتبناه الثانية من مواقف حول تعميم ونشر أسلوب الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية على النمط الماوي في بلدان الخليج العربية وخاصة البحرين.

رثاه الشاعرعبدالحميد القائد بقصيدة قال فيها:
هذه الأرض تعشق فرسانها
وفي الريح تكتب أسماءهم
لتلثمها النجوم
قالت الأرض «أباقيس»
فانحنى الزمان
واستفاق الثرى مهرجان
فارسا روحه عصية على الموت
إنه هناك
جالسا على عرشه
في كبد الأرض
ينقش الوطن بالطين
مضى ماردا
تاركا كتابه أمام الشبابيك
كي تقرأه الشمس
والأطفال القادمون على دربه
 
صحيفة الأيام 16 أبريل 2015

اقرأ المزيد

التمييز العنصري وصناعة الفقر

 


من أعظم المقولات المأثورة للإمام علي (ع) وستظل نابضةً بحيويتها ما بقي الظلم الاجتماعي والطبقي قائماً: «ما وجدت نعمةً موفورةً إلا وإلى جانبها حقٌّ مضيّع». ولعلنا يمكننا القول في عصرنا الراهن على القياس: إن أغلب الصراعات الاجتماعية الداخلية، كما الخارجية، إنما هي من جراء نعم موفورة وراءها حقوق طال تضييعها، ولطالما تم إلباسها أشكالاً من التمييز العنصري سواء أكانت عرقية أم قبلية أم قومية أم دينية أم طائفية أم مذهبية.
 
لقد بات التمييز العنصري بأشكاله المذكورة وسيلة ونتيجة في الوقت ذاته، للإفقار والاضطهاد الاجتماعي، فهو وسيلةٌ للمستغِلين من أرباب النعم والثروات الموفورة لتحريف جوهر الصراع الطبقي وتزييف وعي ضحاياه بزجهم في أتون صراعات طائفية عبثية لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فإن كانت طائفية أوهمَ النظام القائم في مجتمع الصراع بين طائفتين بأنه يدافع عن مصالح إحداهما وألبها ضد الأخرى، والحال مماثل إذا ما كانت الصراعات إثنية أو قومية أو قبلية أو مذهبية، والهدف واحد هو طمس حقيقة الصراع القائم.
 
يشير الأكاديمي البريطاني في جامعة هارفارد روجر أوين إلى ظاهرة التمييز العنصري في الولايات المتحدة فيقول: «إن العبودية تتسبب بانقسام في مجتمع، يُعامل فيه الأشخاص على أنهم سود بالكامل إذا لم يكونوا بيضاً بالكامل». ويضيف: «ومن ثم هناك روابط ثابتة بين البشرة السوداء والفقر، وبين البشرة السوداء والتربية السيئة، وفي بعض الأحياء الأكثر فقراً في المدن الكبرى بين البشرة السوداء والبطالة بين الشباب ونسبة الجرائم، مع العلم أن هذا الرابط لايزال يقاوم التغيير لأسباب عدة».
 
بيد أن هذه الوضعية السائدة في المجتمع الأميركي الذي يُنظر إليه كنموذج للديمقراطية والتسامح والمواطنة المتساوية وتساوي الفرص، ومن ثمَ يصبح ملاذاً افتراضياً جاذباً للمضطهدين في العالم، إنما يخفي وراءه تلك الحقائق المرة على أرض الواقع، ويمكنك بكل سهولة أن تجد ما يحاكيه أو يكاد يطابقه في عددٍ من مجتمعاتنا العربية بل والخليجية، التي تمكّنت بعض الأنظمة فيها من إجهاض الربيع العربي محققةً بذلك نجاحات باهرة لتزييف جوهر الصراعات القائمة، وتمكّنت من تشتيت الإصطفافات السياسية الأصلية المفترض أن تقوم عليها، ومن ثم يمكنك بكل سهولة أن تجد على قياس روجر أوين في النموذج الأميركي روابط بين الفقر والطائفة، وبين الطائفة والبطالة، وبين الشباب والبطالة. وحين يسخر أوين غامزاً «بأن البعض يفترض أي تجمع للسود سيشارك فيه مشاغبون يسعون إلى سلب الممتلكات وحرقها»، فإنك ستشعر كأنه يتحدّث عيانياً عن واحد من تلك المجتمعات العربية. («الحياة» 3/12/ 2014).
 
وبتلك التناقضات التي ما انفك يعج بها المجتمع الأميركي، يتهافت المفهوم البراق الذي أطلقه عالم السياسة جوزيف ناي «القوة الناعمة»، والمتمثل في القيم والثقافة الأميركية الجذابة التي يمكن للولايات المتحدة توظيفها لحمل الشعوب الأخرى على تبنيها كمصدر إعجاب وإلهام.
 
على أن الحقائق التاريخية المعاصرة الثابتة أن سياسات الولايات المتحدة لم تكن مصدر إلهامٍ لشعوب العالم قط، وخصوصاً العالم الثالث منه، وإن بدا بريق الحياة فيها يجذب مجاميع من الباحثين عن الرزق أو عن فرص لتطوير نبوغهم العلمي أو إبداعاتهم في مجالات مختلفة ينعدم وجودها في أوطانهم التي تحكمها الأنظمة الاستبدادية المتسلطة التي تحظى بدعم الولايات المتحدة نفسها، وغضها عن انتهاكاتها لحقوق الإنسان.
 
وقد كان عالم السياسة روبرت كاغان واحداً ممن تصدّوا لتفنيد مقولة جوزيف ناي حول مفهوم القوة الناعمة كبديل عن القوة العسكرية لتلميع وجه الامبريالية الأميركية القبيح، مذكّراً ومعدّداً لمظاهر عديدة لهذا القُبح كما تجلت في سياسات الولايات المتحدة الداخلية والخارجية، ومن ذلك قمع حركات الحقوق المدنية للسود في الخمسينيات والستينيات، وتورط الـ «سي آي أيه» في تدبير وتمويل عدد من الانقلابات العسكرية على الحكومات الشرعية، منها حكومة مصدق في إيران، والفظاعات الوحشية التي ارتكبها الجيش الأميركي بحق الشعب الفيتنامي، وغزو جمهورية الدومينكان في عهد جونسون العام 1965، والمظاهرات الطلابية العارمة التي شهدتها فرنسا وأوروبا ومناطق عديدة من العالم والتي لم تخلُ جميعها من التنديد الشديد بالسياسات الأميركية.
 
وحسب تعبير كاغان نفسه، فإن الجمعية العامة للأمم المتحدة أصبحت من الستينيات حتى نهاية الحرب الباردة، منبراً للتعبير الدائم عن معاداة الولايات المتحدة، وكما نعلم فمن على هذا المنبر صدر قرار تاريخي العام 1957 باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية خلال العصر الذهبي لتحالف دول كتلة عدم الانحياز وحركات التحرر الوطني في العالم الثالث مع الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية في مواجهة سياسات الإستقواء والهيمنة على بلدان هذا العالم من قِبل الغرب وأميركا، وهو القرار الذي أزعج حينها «إسرائيل» والحركة الصهيونية أشد الإزعاج، وظلتا تتحينان الفرص بشتى السُبل لحمل المنظمة الأممية على إلغائه. وكان لهما ما أرادتا بدعم ومساندة من الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين غداة انهيار الاتحاد السوفياتي في أوائل تسعينيات القرن الماضي.
 
صحيفة الوسط 14 أبريل 2015

اقرأ المزيد

الميديا وأسعار النفط

يتحكم في
تذبذبات أسعار النفط نوعان من العوامل، النوع الأول هي تلك العوامل التي
تنتمي إلى الأساسيات الاقتصادية (Economic fundamentals)، والنوع الثاني
وهي تلك التي تنتمي إلى ما تسمي بالمتغيرات الفنية (Technical variables) .
النوع الأول هو الذي يشكل الأساس الموضوعي والمحوري لتحركات الأسعار
صعوداً أو هبوطاً لأنه يتعلق بدالتي العرض الطلب (قوى السوق) . في حين يشكل
النوع الثاني رديفاً مكملاً للبارومترات الأساسية التي تؤثر في حركة
الأسعار . وهي تتعلق أساساً بالحوادث الطارئة مثل الأعاصير التي تلحق
أضراراً بالمنشآت النفطية، والاضرابات فيها، والاضطراب السياسي، وأعمال
الإرهاب والتخريب التي تطال هذه المنشآت، والإغلاقات لأغراض الصيانة
الدورية في المنشآت النفطية (Major shutdowns) . فما إن يطرأ حادث ما من
هذه الحوادث، حتى يجد انعكاساته صعوداً في سعر برميل النفط، لكنه صعود طفيف
لا يتجاوز حجمه حجم كمية النفط المحجوبة بفعل الحادث الطارئ .


وهناك
نوع ثالث نميل إلى إضافته بالرغم من انتمائه للنوع الثاني وهو الدور الذي
تضطلع به أجهزة الميديا لاسيما منها الإعلام الاقتصادي الدولي المتخصص وفي
مقدمته وكالة الأنباء الأمريكية المتخصصة في القضايا الاقتصادية والبيانات
المالية “بلومبيرغ”، ووكالة الأنباء البريطانية “رويترز” وغيرهما، وذلك من
خلال تأثيرها القوي والواضح في توجيه أمزجة الأسواق وصانعي الأسواق (Market
Makers) والمتعاملين فيها، خصوصاً إبان فترات اختلال التوازن بين العرض
والطلب على النفط في السوق البترولية الدولية .


إذ تصب القراءات
والتحليلات التي يدلي بها المحللون الاقتصاديون والنفطيون لوسائل الإعلام
المختلفة، لاسيما لوكالتي الأنباء سالفتي الذكر، في مجرى التأثيرات الملقية
بظلالها على توجهات المستثمرين والمتعاملين في الأسواق العالمية، لاسيما
منها سوق البترول الدولية . وإن شئنا الاستفاضة، فإننا نميل إلى ترجيح
فرضية قيام هذه الوسائط الإعلامية النافذة بالتخادم مع تلك الأوساط من
المتعاملين في بورصات النفط العالمية (ما دمنا نتحدث عن سلعة النفط
تحديداً) المنتمين منهم خصوصاً إلى فئة المضاربين (Speculators) .


وكنت
قد عدت للتو من العاصمة السعودية الرياض، حيث دُعيت للمشاركة في أعمال
ملتقى الإعلام البترولي الثاني لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي
عُقد تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود
خلال الفترة من 22-24 مارس 2015 تحت شعار “الإعلام البترولي الخليجي . .
قضايا وتحديات”، معقباً على بعض الأوراق التي طرحت في الملتقى الذي شارك
فيه وزراء النفط والطاقة وكبار مسؤولي قطاع النفط في دول مجلس التعاون لدول
الخليج العربية، حيث كرّس يوم افتتاحه خصيصاً لحوار مفتوح شارك فيه وزراء
النفط والطاقة بدول المجلس . فكانت هذه الجلسة النقاشية الوزارية، مناسبة
لوزراء النفط والطاقة بدول المجلس، لتسليط الضوء على الأسباب الحقيقية التي
أدت إلى انخفاض أسعار النفط وما رافقها من ملابسات وإشاعات وتأويلات بعيدة
عن واقع الحال في سوق البترول الدولية .


فلقد انبرى وزير البترول
والثروة المعدنية في المملكة العربية السعودية علي النعيمي لإعادة التوضيح
والتأكيد على أن قرار “أوبك” في اجتماعها الأخير في فيينا في 27 نوفمبر/
تشرين الثاني ،2014 بالإبقاء على سقف إنتاج المنظمة من دون تغيير عند 30
مليون برميل يومياً، جاء بهدف محافظة الدول الأعضاء على حصصها في أسواق
استهلاك النفط العالمية، وليس لدواعي سياسية تتعلق بروسيا أو إيران أو
النفط الصخري الأمريكي كما ذهبت الإشاعات إلى ترديده . موضحاً: “تحدثنا
كثيراً عن عدم وجود مؤامرة، إلا أن هنالك بعض الأصوات التي ما زالت تردد
وجود ذلك للأسف، وأن أوبك لن تتحمل وحدها عبء ما هو حاصل اليوم في سوق
النفط الدولية، وقد اجتمعنا وحاولنا مع بعض الدول ولم نوفق نظراً لإصرارها
على أن تتحمل أوبك فقط عبء خفض الإنتاج” .


وقد ثبت من خلال مناقشات
الملتقى وجود أزمة ثقة بين وزارات النفط وكبار مسؤوليها في الدول المنتجة
والمصدرة للنفط وبين الاعلاميين، خصوصاً الإعلاميين الغربيين الذين “يشطح”
بهم الخيال في تناولاتهم للقضايا والسياسات النفطية لهذه الدول . وهو ما
نوه به وزير الطاقة سهيل المزروعي في حلقة النقاش الوزارية التي دشنت
الافتتاح الرسمي لملتقى الإعلام البترولي الثاني . وهو ما أوضحة أيضاً
وبشكل تفصيلي مستشار وزير البترول والثروة المعدنية السعودي الدكتور
إبراهيم المهنا في ورقته التي قدمها في جلسة العمل الأولى للملتقى .


والحال
أنه من الصعب تصديق أن وسائل الاعلام الغربي، ومن ضمنها وسائل الإعلام
الاقتصادي المتخصص، غير مطلعة أو غير مدركة لحقيقة أن قرار “أوبك” في 27
نوفمبر 2014 بالإبقاء على سقف إنتاجها عند مستوى 30 مليون برميل يومياً من
دون تغيير، كان قد اتُخذ بإجماع الدول الأعضاء ال 12 . فكيف يمكن أن يكون
القرار موجهاً ضد دولة عضو مثل إيران وهي صوتت مع اتخاذ هذا القرار .


ثم
إن الإعلام الغربي على اطلاع تام بما تقوم به مصافي النفط الروسية الصغيرة
أو “أوني الشاي” (Tea pots)، كما تسمى، نظراً لطاقتها التكريرية المحدودة
(أقل من 100 ألف برميل يومياً)، التي يقتصر نشاطها التكريري على استخلاص
زيت الوقود من دون بقية المنتجات النفطية مثل الديزل أو البنزين وغيرهما،
ما تقوم به هذه الأيام من تصدير نفطها الخام عوضاً عن تكريره بعد اضطرار
الحكومة الروسية لتقليص دعوماتها لهذه المصافي نتيجة لتراجع إيرادات
موازنتها بعد انخفاض أسعار النفط، حيث يتوقع أن تصل كمية ما تعرضه هذه
المصافي في السوق إلى نحو ربع مليون برميل يومياً تضاف إلى صافي الفائض في
السوق والمقدر حالياً بأكثر من مليوني برميل يومياً . فكيف يمكن أن تكون
روسيا مستهدفة بانخفاض أسعار النفط وقد صارت هي نفسها عاملاً إضافياً
ضاغطاً على أسعار النفط؟


الإعلام الغربي بهذا المعنى يدرك هذه الحقائق
ولكنه ينشر ما يوافق مصالح حكومات بلدانه المستوردة والمستهلكة للنفط . 
اقرأ المزيد

تصنيف الدول


د . محمد الصياد
يتطور
الاقتصاد العالمي وتتطور ميكانيزماته، فتُنشِئ هذه فضاءً جديداً للعلاقات
الدولية تمد حركتها إليه بأشكال جديدة، وتفرض هذه بدورها نشوء مفاهيم
وتوصيفات ومؤشرات قياس جديدة . كذلك الحال بالنسبة لديناميات الحياة
الدولية، بكل مناحيها وتشعباتها، لاسيما على صعيدها السياسي الدولي . فهذه
الديناميات التي كان قد أفضى اليها الحراك الاقتصادي الدولي، هي الأخرى
تفرض على الفكر السياسي الدولي مواكبتها ونحت واختراع واقتراح مفاهيم
وتوصيفات وتصنيفات للظواهر التي ما انفك الحراك الحياتي الدولي يُنشئها .
ويشمل ذلك، بطبيعة الحال، أداوات العلاقات الدولية، وهي هنا الدول
السيادية، ومواد هذه العلاقات، وهي هنا عناصر العلاقات الاقتصادية الدولية
المنشئة للعلاقات بين الدول، مثل التجارة، وتصدير رأس المال، وتصدير أو
انتقال قوة العمل عبر الحدود، ونقل التكنولوجيا . ولما كانت التبدلات
النوعية التي تفرزها الحركة الدؤوبة لهذه لعناصر، بدفع من مواد هذه
العلاقات (الدول ومؤسساتها العامة والخاصة)، سوف تفضي حكماً – وقد أفضت
فعلاً في السنوات الأخيرة – إلى حدوث تبدلات نوعية تطاول شكل وجوهر الدول،
فقد استدعى الأمر استحداث مفاهيم تقارب هذه التبدلات . فكان أن ظهرت
التصنيفات المبتكرة للدول لتعكس الحالة التي استجدت عليها أوضاع بعض الدول
صعوداً وهبوطاً . فظهر مسمى الدول الصاعدة ومسمى الاقتصادات الصاعدة
المنسوب لها، إلى جانب مسميات أخرى تعكس تصنيفاً جديداً للدول بحالتها
المتقهقرة والمتدهورة على كافة الأصعدة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية
والثقافية .


وفي توصيف الحالة المتقهقرة للدول، فقد ظهر مسمى الدولة
الفاشلة لتوصيف حالة الدول التي تمر بمرحلة فقدان السيطرة على كامل أراضيها
السيادية، وعجزها عن توفير السلع والخدمات الأساسية لسكانها، وعدم قدرتها
على توفير الأمن لهم نتيجة سطوة مجموعات مسلحة، ووقوعها فريسة للرشوة
والفساد على نطاق واسع، واتساع نطاق الجريمة في أراضيها، وتدهور حاد في
اقتصادها الوطني، وتآكل شرعيتها نتيجة اتساع الرفض الشعبي لطريقة إدارة
وتوزيع الثروات الوطنية . ويقوم صندوق السلام الأمريكي بإعداد “مؤشر الدول
الفاشلة” سنوياً وينشره في مجلة السياسة الخارجية المحسوبة على اليمين
الأمريكي المحافظ، حيث أصدر في العام الماضي نسخته التاسعة من هذا المؤشر
الذي يشمل 12 معياراً قياسياً لأوجه الاستدامة التي عُلّمت باللون الأخضر،
والوضع المستقر الذي عُلّم باللون الأصفر، ووضع الدولة الذي يقتضي التحذير
من عواقبه والذي عُلّم باللون البرتقالي، والدولة البالغة مرحلة الإنذار
بمداهمة الخطر والذي عُلّم باللون الأحمر القاني المنذر ببلوغها حافة مرحلة
الفشل في مجموعة القياس التي بلغ عددها 178 دولة .


ومن التصنيفات
الأخرى، الجديدة نسبياً، للدول، المبنية على معايير قياس النجاح
والاضمحلال، مسمى الدولة المارقة الذي أطلق على الدول التي يسيطر عليها
نظام شمولي، ومهدَرة فيها حقوق الانسان، وترعى حكومتها الإرهاب، وتسعى
لحيازة وتكديس أسلحة الدمار الشامل، وتشكل بالتالي تهديداً للسلم العالمي .
وكانت الولايات المتحدة الأمريكية هي التي أطلقت هذا التوصيف في عام 1994
إبان ولاية الرئيس الأسبق بيل كلينتون (الحزب الديمقراطي) حين وصم مستشار
الأمن القومي في إدارته أنتوني ليك خمس دول هي كوريا الشمالية وكوبا
والعراق وإيران وليبيا بالمروق . ورغم ادعاء وزارة خارجيتها بأنها توقفت عن
استخدامه رسمياً منذ عام ،2000 إلا أن استخدام هذا التوصيف السلبي للدول
مازال شائعاً في الخطاب الإعلامي الأمريكي والأوروبي الحليف . بل إن واشنطن
نفسها لا تزال تصنف كلاً من كوريا الشمالية والسودان وسوريا وإيران كدول
مارقة . وقبل ذلك كانت قائمتها تشمل أفغانستان والعراق قبل إخراجهما منها
بعد أن احتلتهما القوات الأمريكية والأطلسية، وكذلك ليبيا التي أخرجت منها
هي الأخرى بعد أن تخلى الرئيس الليبي المخلوع معمر القذافي، طواعيةً، عن
أسلحة الدمار الشامل، وتحديداً مخزونه من السلاح الكيماوي، إضافة إلى صربيا
التي أخرجت من القائمة بعد أن أخضعت بواسطة الحرب الأطلسية وإكمال تقسيمها
بانفصال آخر جمهورية كانت تنتظم الاتحاد اليوغسلافي وهي الجبل الأسود عن
صربيا .


إلى ذلك أيضاً، فإن من بين الأنواع المختلفة للدول التي اكتسبت
خاصيتها ضمن التصنيفات “الجديدة” التي أفرزتها التطورات الجارفة في
العلاقات الدولية وطاولت هياكل أشكال وجوهر الدول، يمكن تمييز ما نفترض
تسميتها بالدول اللوجستية . وهي بلدان عكفت طبقتها السياسية الحاكمة
ودعاماتها التكنوقراطية المستظلة بأفياء مؤسسة حكمها، الداعمة بفكرها
وعملها الخلاق لديناميات العمل المؤسسي للدولة، عكفت على تفحص ودراسة
الخيارات التنموية التي مازالت متاحة أمامها والأخرى المستجدة في النظام
الدولي لتقسيم العمل الذي تتخصص في إطاره مختلف بلدان العالم إنتاجياً
وخدماتياً وفقاً لإمكاناتها ومقومات بناء وتفصيل هياكلها الاقتصادية
ومخرجاتها الإنتاجية المؤمِّنة لها قدراً معيناً من الميزات التنافسية في
العلاقات الاقتصادية الدولية .


في وقت مبكر من طفرتها الاقتصادية برزت
سنغافورة الصغيرة كدولة لوجستية نموذجية توفر مختلف الخدمات المالية وخدمات
التشبيك، بالجمع بين قطاعات الأعمال في أوروبا وقريناتها في آسيا، وخدمات
النقل الجوي والبحري، بما يشمل اضطلاعها بدور المنصة البحرية لتكرير النفط
الخام المستورد وإعادة تصديره في صورة منتجات بترولية وسيطة إلى البلدان
الآسيوية المجاورة . بينما تتخصص بعض البلدان الأخرى كجمهورية نيبال على
سبيل المثال (كانت مملكة لمدة 239 عاماً قبل أن تتحول إلى جمهورية في 28
مايو/ أيار 2008)، في تزويد شرائح معينة من أسواق العمل الدولية بنوعية
خاصة من قوة العمل عالية الانضباط والولاء والاعتمادية للخدمة في شركات
الأمن الخاصة ولدى بعض مرافق الأمن للقوى العظمى وتزويد الأمم المتحدة
باحتياجاتها من قوات حفظ السلام الدولية العاملة في مناطق مضطربة من العالم
. في حين يضطلع بعض الدول اللوجستية، إضافة لهذه المهام، بوظيفة القيام
بدور الوسيط الناقل للرسائل والمنظم للفعاليات الإقليمية والدولية الرامية
لإيقاع الصلح بين الخصوم، أي النهوض في هذه الحالة بدور الدولة الحاجزة،
وهي هنا الدولة المحايدة الواقعة بين دولتين تعمل بوحي من موقعها على
الحيلولة دون تصادمهما، أو الترحيب والقبول برعاية مبادرة دولية سياسية أو
اقتصادية أو بيئية أو حملة جبائية دولية للدول المانحة . . الخ . ويمكن
اعتبار “حسن سلوك وأداء” هذه الدول بمثابة إجازة تأهيلها، المفتوحة
تقريباً، للحصول على المعونات والمنح والمساعدات الدولية اللازمة لتمويل
انفاقها الجاري والاستثماري . بيد أنها، وهي على هذا النحو الهش، عرضة
لتقلبات “قوى السوق”، فيما يتصل خصوصاً بالطلب على خدماتها .
اقرأ المزيد

ضغط غربي متواصل لإنجاح مؤتمر باريس لتغير المناخ

وجهت
80 منطمة غير حكومية تمثل القارات الخمس خطابا إلى المفاوضين لاستبعاد مثل
هذه المقاربات في مجال التخفيف وإبعاد حقوق الأرض عن مداولاتهم .


بالرغم
من فرص الفشل القوية التي مازالت تحيط بنتائج مؤتمر الأطراف ال 21 لتغير
المناخ الذي سيعقد في باريس من 30 نوفمبر/تشرين ثاني إلى 11 ديسمبر/كانون
أول ،2015 كما أوضحنا ذلك في مقالنا السابق “ما مصير النفط في مؤتمر باريس
لتغير المناخ”، فإن عوامل نجاح المؤتمر صارت تسابق عوامل فشله، وذلك برسم
التطورات المتسارعة المتصلة بمسودة البروتوكول التنفيذي الجديد لاتفاقية
الأمم المتحدة لتغير المناخ (UNFCCC) الذي سيحل محل بروتوكول كيوتو المنتهي
أمده منذ شهر ديسمبر ،2012 والتي تعكس عملاً غربياً منسقاً ودؤوباً لإنجاز
هذا الهدف، وجعل استحقاق تطبيقه سارياً على جميع الدول الأعضاء في
الاتفاقية، بما فيها الدول النامية التي استثنيت من الالتزامات (بخفض
الانبعاثات) في البروتوكول السابق . ولعل أبرز هذه المستجدات توصل أطراف
التفاوض (194 دولة) في الثالث عشر من فبراير/شباط الماضي بعد مفاوضات
استمرت اسبوعا في جنيف، إلى مسودة اتفاق من 86 صفحة، يغطي مواضيع التخفيف
(Mitigation)، والتكيف (Adaptation)، والتمويل، ونقل التكنولوجيا، وبناء
القدرات، على أمل أن يتم اقراره بصورة نهائية في مؤتمر الأطراف في باريس
أواخر هذا العام، وعلى أن يبدأ سريانه اعتباراً من عام ،2020 وذلك وفقا
لمنهاج دوربان (Durban Platform) الذي أُقر في مؤتمر الأطراف ال 17 الذي
عقد في دوربان بجنوب إفريقيا من 28 نوفمبر إلى 9 ديسمبر 2011 . وحال
الانتهاء من إعداد مسودة الاتفاق باللغات الست الرسمية المعتمدة في الأمم
المتحدة، سوف يتم إرسالها إلى الحكومات، وهو ما يُتوقع حصوله نهاية شهر
مارس الجاري .


وفي الاجتماعات التحضيرية التي تعقدها عادةً أطراف
التفاوض قبل انعقاد مؤتمر الأطراف السنوي لتغير المناخ، لاسيما الاجتماعات
الثلاثة المهمة التي تحتضنها مدينة بون الألمانية، الاجتماع الأول من 1 إلى
11 يونيه ، والاجتماع الثاني من 31 أغسطس إلى 4 سبتمبر والثالث من 19 إلى
23 أكتوبر ،2015 سوف تركز الفرق الفنية للوفود المشاركة في المفاوضات على
تحديد القضايا الرئيسية ذات الاهتمام الأكبر في مسودة الاتفاق لتضمينها
اتفاق باريس، وتحديد المواضيع المناسبة لاتخاذ قرارات بشأنها في باريس .
ففي حين سيتم تضمين الاتفاقية، على سبيل المثال، إنشاء آلية تكفل سرعة
الاستجابة للرد على تحدي تغير المناخ، فإن التفاصيل بشأن كيفية عمل هذه
الآلية سوف تتكفل بها القرارات المرفقة بالاتفاقية التي ستصدر عن لقاء
باريس .


حكومات الدول الأعضاء في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير
المناخ مطالبة بتقديم عروضها لخفض الانبعاثات خلال الموعد المحدد، وهو بين
شهري مارس ويونيه 2015 . إلا أن سويسرا قدمت عرضها فيما يتعلق بالمساهمة
الوطنية المعتزم تحديدها .


(Intended Nationally Determined
Contribution) قبل هذا الموعد، وذلك في 27 فبراير 2015 كأول دولة تفعل ذلك .
وكانت هذه الآلية قد اختيرت لاستدراج عروض الدول حول مساهمتها، والتي يجب
أن تتضمن تفاصيل عن خفض الانبعاثات التي تتعهد بها، إضافة إلى إمكانية
تضمينها خططاً عملية حول القضايا الأخرى ذات الصلة مثل التكيف .


ولحق
الاتحاد الأوروبي بسويسرا، حيث قدم عرضه الخاص ب”مساهمته الوطنية المعتزم
تحديدها (INDC) يوم السادس من مارس 2015 . وتتوقع الرئيسة التنفيذية
لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ كريستيانا فيغيريس (
Christiana Figueres) أن يبادر مزيد من الدول المتقدمة لتقديم عروضها في
الأيام القليلة المقبلة . وهذا مفهوم، فهي الأكثر تحمساً لسرعة نسخ كيوتو
باتفاق يُلزم الصين والهند وبقية الدول الصاعدة في العالم النامي بتحمل قسط
من كلفة خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري .


ولكن في الوقت الذي
تعهد فيه الاتحاد الأوروبي بالعمل على أن يكون البروتوكول التنفيذي الجديد
لاتفاق المناخ المقرر اقراره في باريس، ملزماً قانونياً للدول الأعضاء، بل
ان بعض الدول ترغب في فرض عقوبات على أكثر الدول نفثا للانبعاثات وغير
الموافقة على الاتفاق، فإن إدارة أوباما تسعى، بحسب صحيفة “نيويورك تايمز”،
إلى التوصل لاتفاق غير ملزم للدول بهدف تفادي الذهاب للكونغرس الذي يسيطر
عليه الجمهوريون، للحصول على مصادقته على الاتفاق .


كذلك يضاف إلى
المستجدات التي من المؤكد أن تشهد شداً وجدباً خلال الاجتماعات التحضيرية،
لاسيما اجتماعات بون الثلاثة التي ستسبق انعقاد لقاء باريس، مساعي عدد من
وفود الدول الغربية لتضمين الاتفاق الجديد نصاً يتعلق باستغلال الأراضي
لإيداع غاز ثاني أكسيد الكربون في باطن الأرض، وهو مسعى يلقى معارضة قوية
حتى الآن ليس من الدول الأعضاء وحسب، وإنما من جانب منظمات المجتمع المدني
أيضاً، حيث وجهت 80 منطمة غير حكومية تمثل القارات الخمس خطاباً إلى
المفاوضين لاستبعاد مثل هذه المقاربات في مجال التخفيف وإبعاد حقوق الأرض
عن مداولاتهم .


الآن، ما الذي يتعين على دول مجلس التعاون، والدول
العربية البترولية بصفة عامة، فعله إزاء هذه المستجدات الضاغطة على نحو
واضح وصريح على جميع الدول النامية الأعضاء في اتفاقية الأمم المتحدة
الإطارية لتغير المناخ (مجموعة ال 77 + الصين)، خصوصاً منها الصين والهند
والبرازيل ذات الثقل بسياساتها الاستقلالية الصريحة ومعها الدول الرئيسية
المنتجة والمصدرة للبترول؟


نظراً لضيق المساحة فإننا باختصار نقترح على
وفود هذه الدول التمهل وعدم التسرع في تقديم أي عروض سابقة لأوان معرفة
هوية وشكل الالتزامات التي ستقدمها الدول المتقدمة، ومعرفة ردود أفعال بقية
أعضاء منظومة مجموعة ال 77 . فهذه التواريخ التي تضعها سكرتارية الاتفاقية
ليست مقدسة، ولسوف يعاد جدولتها مرة وأخرى نتيجة لعدم اكتمال النصاب
المطلوب لإنشاء التزامات مربوطة . ولنا وقفات أخرى لمتابعة هذا الموضوع
الذي يشكل أحد أكبر التحديات التي يمكن أن تهدد عرش الوقود الأحفوري والنفط
منه على وجه الخصوص في المستقبل .
اقرأ المزيد

ما عجزتُ عن قوله في يوم الوفاء



أصدقائي الأعزاء حضور فعالية يوم الوفاء لتكريم مجموعة من المناضلين. 



  إسمحوا لي أن أعتذر منكم مرة أخرى –عبر موقع التقدمي- على عدم قدرتي على إتمام كلمتي عن أحمد الشملان في الفعالية المذكورة، فقد غلبني التأثر ودكتني العبرات.. واسمحوا لي فيما يلي أن أقول ما عجزت عن قوله في تلك الأمسية. 


 أحسب أن غالب ما يمكن أن يقال عن تجربة أحمد الشملان الحياتية والنضالية قد ورد في سيرته “أحمد الشملان. سيرة مناضل وتاريخ وطن”. أما الآن فيمكن تسليط الضوء فقط على جانبين هما: حياة أحمد الشملان في كنف المرض بدءاً من العام 1997 حتى اليوم(ثمانية عشر عاماً)، والخصال الإنسانية-النضالية التي اكتسبها الشملان عبر مسيرته النضالية، ومعه حتما كثير من المناضلين. 


1. لو لم يمر أحمد الشملان بتجارب نضالية طويلة ومريرة لما أمكنه التعايش مع الحالة المرضية الصعبة التي يعيش. ببساطة هو غير قادر على الكلام والتعبير عن نفسه وتوصيل ما يريد قوله للآخر، اللهم سوى كلمات منفردة غير مترابطة في الغالب. في الوقت نفسه تعز الكتابة على أبي خالد لعدم توفر قدرة دماغية توجه لذلك. أما القدرات القرائية فهي محدودة جداً نظراً لحالة التعب الذهني التي تصيب أبا خالد أثناء القراءة، إلى جانب القدرة المحدودة على استيعاب التفاصيل. ما أقسى الحياة لو تصور الواحد منا نفسه معزولاً محاطاً بسياج يقطع قنوات التواصل بينه وبين الآخرين بمن فيهم الأقربين، في حين تتطلب الحياة اليومية وكافة احتياجاتها ألف تواصل وتواصل. لكن ومنذ أيام مرضه الأولى أظهر أبو خالد رغبة عارمة في مواجهة المرض ومقاومته، وحين استوعب صعوبة الحالة أظهر نية قوية على التعايش مع المرض وهو كذلك اليوم. 


 وليس معنى القول هنا أن أبا خالد لا يعاني ولا يتألم في حضرة هذا النمط الحياتي القاسي وهو الذي كان يملأ الدنيا بقوله وقلمه، فهو يمر أحياناً بحالات من الضيق والإكتئاب وعدم الرغبة في الإنفتاح على الحياة. وتؤكد الكتب الطبية المتخصصة أن غالب من يعانون من الحالة المرضية ذاتها يكونون عرضة لاكتئاب شديد. لكن – وهذا من حسن الطالع- لا تُصنف حالة أبي خالد اليوم كاكتئاب مرضى السكتة الدماغية، بل كاكتئاب ظرفي دوري بسيط. أما غالب وقته فهو مقدم على الحياة محب لها، ساع لإسعاد نفسه ومن حوله بالقدر الذي تتيحه حالته المرضية. 


2. لم تأت قدرة أبي خالد على التعايش مع حالته المرضية القاسية من فراغ، فقد أهّلته لذلك خصال إنسانية ونضالية اكتسبها عبر السنين مثله كمثل آخرين من المناضلين. وأحسب أن التطرق لهذه الخصال مهمٌ اليوم في حاضرنا السياسي الصعب كي – كما ذكر الأستاذ خليل يوسف مقدم الفعالية- نستلهمها ونقتديها. تميز أبو خالد بالطهرانية النضالية التي تذهب إلى الحرص الشديد على عدم تدنيس السلوك النضالي بأي تصرف أو دافع ذاتي قد يمسه بالتشويه، بل والعبور إلى خصال نضالية أخرى كالإيثار والإستعداد الكامل للتضحية والقابلية الكبيرة للصمود. وقد لمستُ الخصال ذاتها في رجال منحتني الحياة فرصة ثمينة في التعرف عليهم عن قرب، هو قرب الأصدقاء، كالشهيد الصديق هاشم العلوي والشهيد الصديق محمد غلوم اللذين أرى فيهما شبهاً خصالياً كبيراً مع أبي خالد فيما أسميته الطهرانية النضالية ومتطلباتها. مع الزمن تشرّب أحمد الشملان تلك الطهرانية وما يتبعها من خصال حتى تلبسته وأصبحت هي حياته كما عبّر لي عن ذلك الأستاذ بدر عبدالملك بقوله:”أحمد تفانى إلى درجة حالة الإنسان الذي يقول عنه الحلاج: ذاته تذوب في تلك الذات، أقصد في ذات القضية الوطنية، أنت تشعر أن لديه طهرانية وهو مؤمن بشيء صحيح وشيء نبيل، وغير مستعد أن يناقش أن الأمر صحيح أو خاطىء”. 


 ومع تكرار المحطات النضالية التي خاضها الشملان اكتسب سماتاً أخرى كالشجاعة وكالإقدام على المغامرة، وهما خصلتان لمستهما في مناضل تعرفت عليه لفترة قصيرة في عمر مبكر هو الشهيد محمد بونفور. وللصدفة كلهم شهداء، ولعمري لو عُذب أبو خالد كمثل ما عُذبوا لكان اليوم من الشهداء، فرغم عدد مرات اعتقاله لم ينل أبا خالد تعذيبٌ قاسٍ إلا خلال أول اعتقال له في انتفاضة 1965. وقد عذبه الضابط البريطاني “بوب” بالضرب بالخيزرانة، وعرفتُ بعد نشر السيرة أن أبا خالد كان أثناء تعذيبه يباغتُ بوب ويسحب منه الخيزرانة بقوة ويرد عليه ضربا بضرب مما جعلهم يسرعون في تقييده. قد لا يكون ذلك سببا في عدم تعذيب الشملان خلال اعتقالاته اللاحقة، لكنه أعتقل بعد ذلك أربع مرات على مدى ثلاثة عقود ولم ينله أي تعذيب. ومع تكرار الإعتقالات كان الشملان كغيره من كثير من المناضلين قد اكتسب خصلة الصبر وتحمل الشدائد والتعايش مع ظروف الإعتقال الأكثر من قاسية. ولا أجد غير تجارب المعتقل في صقل شخصية أبي خالد وتعوّيدها على الصمود في مواجهة الشدائد وأعظمها حالته المرضية الحالية. 


  ذلك لا يعني قطعاً أن أبا خالد يخلو من الخصال السلبية فهو بشرٌ، وبظني لقد ظلت خصال كالإندفاع وروح المغامرة – رغم أنها مطلوبة بدرجة معينة كخصلة نضالية- تنقلب أحياناً ضد ما يروم أبو خالد حين يخونه حسبان العواقب. وطوال حياته ظل الشملان عصبي المزاج متمسكاً برأيه، ولقد أسهمت العقاقير المهدئة التي يتناولها حالياً بانتظام في التخفيف من تلك العصبية، كما خففت الحالة المرضية من تمسكه برأيه. وهنا أود أن أتوجه بالشكر الجزيل لإنسان جميل على دنو كبير من أبي خالد في مكتبه هو الصديق المحامي فيصل خليفة الذي يتفهم الحالة المرضية لأبي خالد ويُظهر الكثير من المرونة في التعامل معه، وتحمل توتره حين يعجز عن التعبير عن نفسه وعما يريد توصيله. 


أعتذر منكم مجدداً وأتمنى لكم ولأبي خالد الصحة والسعادة وطول العمر. 
اقرأ المزيد

أمورنا حين تكون مقلوبة..!!


 
أمور غريبة، معايير مقلوبة، وأشياء تسير معكوسة، وكأننا فى مسرح عبثي بامتياز، وعلى كل منا ان يصفق، حتى دون ان يفهم شيئاً، ومن الأفضل له الا يفهم، وان فهم فليتحمل التبعات، او أقلها ان يتجاهل، او يدعي عدم الفهم، وحتى فى هذه الحالة عليه ان يتحمل تبعات هذا التجاهل والادعاء بعدم الفهم، لا مفر..
 
هناك من يعد هذا الحال انخراطاً فى هذه التجارة الرائجة هذه الأيام، تجارة المهدئات والمسكنات، وحتى المراوغات المقرونة بكثير من التمويه والتضليل، كانه يراد لنا ان نعيش فى حالة شديدة التعقيد تهدر فيها الكثير من الجهد والوقت والمال والقيم..؟! تساؤلات لا تنتهي حيال هذا الذي يجري.. هذه الخلطات المضحكة من المراوحات والتقلبات والمراوغات والمنزلقات التى تجعلنا نتقوقع، نتوتر، نتعامى، نبحث عن الضد، وليس عن الشريك، نغرق فى حالة من التيه، نعجز عن فعل إيجابي يخفف علينا وطأة هذا الذي يجري ويجعل الأمور تمضي مقلوبة، وإن فعلنا ماهو إيجابي تظل الكثير من أمور حياتنا تمضي فى اتجاه مقلوب شئنا ام أبينا، عمداً او سهواً، بطيبة خاطر او بالإكراه، ونحن بذلك لا نكتفي باهدار فرص تلو فرص، وكأننا فى مباراة للفرص الضائعة، بل الأسوأ ان يظهر الأمر وكأن ثمة من يريد للبحرينيين ان يعيشوا حالة «تيئيس» وان يلغوا من اذهانهم احتمالات المستقبل..!!
 
لا اظن اننا فى حاجة للاكثار من البراهين لكي نكتشف ان الامور تسير حقاً مقلوبة. وان صحائف واقعنا لا تدع مجالاً للشك فى ان ثمة مثابرة على الخطأ، بل وفي حالات كثيرة نعظم الخطأ، لانولي الأهمية والاهتمام المطلوبين لأي تشخيص او رغبة في معالجة لهذا البعد في المسافة بين الكلام والفعل، بين الفكر والواقع، بين الخطط والتطبيق، بين الوعود والأوهام، لذا تبقى أحوالنا مستعصية تنتظر الفرج وتتشوق للحظة التي توضع فيها الأمور في نصابها الصحيح.
 
لا بأس من إشارات، إشارات عابرة او سريعة ربما تمهد لتفصيل إضافي لما نحن فيه من حال.. اشارات من هذا الواقع الراهن بمختلف عناصره، السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وان كنت احسب انه سيكون من العسير فصل الخيوط المتشابكة فيما بينها، ولكن لا بأس من الإمساك بشيء مما يزخر به المشهد، هل نبدأ بهؤلاء الذين نجدهم يدعون الى صوت الوحدة الوطنية ويدعون الى التمسك بها ويبدون حماساً لها بينما هم يضربونها فى الصميم ويقوضون كل أساس لها، ويعبثون بكل مقوماتها، ويعيقون استدعاء المشتركات فى الضمير العام، ام نتحدث عن هؤلاء الذين ما انفكوا يدعون الى تطبيق القانون بمناسبة ومن دون مناسبة، وعندما يطرق القانون بابهم يبكون ويتباكون ويعترضون، هل نقف عند هؤلاء الوزراء والمسؤولين الذين يذكروننا بين الفينة والأخرى بانهم يمارسون سياسة الأبواب المفتوحة، وأنهم يخصصون وقتاً للناس والخروج بمظهر المتواضع الذي يصغي ويستجيب، يعني، أول ما يعني ان اداء جهازه الذى يتولى قيادته يعاني الخلل والقصور والضعف، وإلا لما اضطر الناس لمراجعته للنظر فى ما يفترض الا يحدث من الأساس، هل نقف عند ملف الكفاءة فهو زاخر بما يمكن الحديث فيه، الكفاءة التى جعلناها محوراً لتصريحات واجتماعات ومؤتمرات نؤكد فيها تمسكنا بها فى كل أمر وشأن وعمل، فيما نمارس هدماً حقيقياً لمعنى الكفاءة، ونحدث إحباطاً يعاني منه أصحاب الكفاءة الحقيقيون حين نتجاهلهم، ونمارس سياسة الترضيات التى لا تعرف للكفاءة قيمة واعتبارا.
 
والأدهى حين نجد بان أشد ما يجزع منه البعض فى كثير من مواقع العمل والمسؤولية هو «الكفاءات» ويمارسون بحقها حالة من الكر والفر وما بينهما معبرة بحق عن «فوبيا الكفاءات». هل نتطرق الى موضوع الاستثمار، ونذكر بأننا ألفنا المسؤولين يرحبون بشكل دائم بالمستثمرين، وبخلق البيئة الجاذبة للاستثمار وتقديم كل التسهيلات لتعزيز تنافسيتنا فى هذا المجال فى الوقت الذي نقرأ ونسمع ان مستثمرين يئنون من عراقيل وضغوط وبيروقراطية لا تنقصها البراءة، وها قد التقطنا مؤخراً – مثالا ليس إلا – مشهد الإعلان الغريب لمجلس بلدي المحرق أراد أن يغلق مجمع تجاري فى يوم افتتاحه.. والذريعة عدم توفر مواقف كافية للسيارات، وكأن ليس هناك من خطط ورسم ونفذ ورخص..!!
 
هل نتحدث عن مجلس الشورى الذي أبى إلا أن يفاجئنا ثلاث مرات دفعة واحدة بما لم يكن فى الحسبان، مرة حين ناقش التعديلات على قانون العمل وأصر على رفض إعطاء الأولوية للمواطن على غير المواطن حتى وإن تساويا فى الكفاءة، ومرة حين أظهر مجدداً وفى هذا التوقيت مقترح رفع مزايا التقاعد للشوريين والنواب والبلديين، والمرة الثالثة حين طالب بالحبس والغرامة لمن ينشر اي جلسات سرية للشورى والنواب، او نشر بغير امانة وسوء قصد – وهذه كلمات حمالة أوجه – ما نشر فى الجلسات العلنية لأي من المجلسين، ونسي او تناسى المجلس فى الحالة الأولى ان من بديهيات الأمور فى اي دولة ان تكون اولوية التوظيف للمواطن فى وطنه، وان ما من دولة مهما كان تصنيفها متقدمة او نامية او متخلفة تساوي بين المواطن وغير المواطن فى حصوله على حق العمل فى بلده، دستورياً واجتماعياً وحقوقياً وسياسياً ووطنياً، وأعضاء الشورى كأنهم بذلك يدفعون المواطنين الذين لهم حق العمل والمواطنة الى مجرد فئة من السكان عليهم ان يتنافسوا مع الوافدين على فرص العمل والتعليم والرعاية الاجتماعية، كما انهم بذلك ينسون او يتناسون اهداف خطة اصلاح سوق العمل المعلنة قبل سنوات، والتى تدور اهدافها حول جعل البحريني خيارا استراتيجيا للقطاع الخاص، هل تذكرون..؟!
 
وبالنسبة للحالة الثانية فانه يكفى ان نسأل: هل الطرح بزيادة مزايا التقاعد الذي يتطلب تكلفة مالية باهظة يعكس فهماً لفقه الأولويات من جانب الداعين الى هذه الزيادة.؟!، يكفي هذا السؤال، وبالنسبة للحالة الثالثة، فاننا نجد ان مسعى الشوريين يأتي في الوقت الذي نطالب فيه بالشفافية وبهوامش أوسع للحريات، وعدم تكبيل الكلمة وتقييدها، والذين طالبوا منهم بالحبس والغرامة لأي صحفي يجتهد فى البحث عن معلومات عن اي جلسة سرية وينشر عنها، فإن هناك من سيتوعده بالويل والثبور، أقلها اتهامه بإتهامات من نوع انعدام الأمانة وسوء القصد، وهذه كلمات قلنا بانها حمالة أوجه، نسوا او تناسوا مرة أخرى انهم ممن يفترض ان يكونوا فى صدارة من يحملون لواء الشفافية والمطالبة بتوسيع قاعدتها، لا ان ينضمون الى قاعدة أعدائها والمتربصين بها. هل نتحدث عن تقارير ديوان الرقابة المالية والادارية، التى تظهر للعيان منذ اكثر من عشر سنوات واكثر وجود أخطاء وتجاوزات وتعديات ومخالفات فى ادارة المال العام، فى الوقت الذي لم نسمع فيه فى يوم من اﻻيام عن اي نوع من المحاسبة، او عن إعادة هذه الأموال، حتى الإقالة او الاستقالة ثقافة لا أثر ولا اعتبار لها، وهذا فى حد ذاته أمر جدير بالدراسة والتحري والمراجعة، ..!!
 
تلك أمثلة ليس إلا، حيث هناك الكثير مما يمكن قوله، كلام من النوع الذي يعمق الشعور بالدهشة والصدمة فى آن واحد، وهو بالنهاية كلام يجرنا الى خلاصة: آن الأوان لمواجهة معضلة السير بالأمور مقلوبة او معكوسة، ومن الضروري والمصلحة الا يصبح أمر هذه المواجهة وهماً..!!، وأمر هذه المواجهة واجب الآن، والآن تعني الآن..!! 
 



3 مارس 2015
 

اقرأ المزيد

نزاهة العمل البرلماني ..!!


 
كثير من التعليقات، كثير من ردود الأفعال، في شأن تلك المسرحية السمجة التي قام ببطولتها نواب على خلفية تغييرات استوجبت في امانة مجلس النواب، صبت بمجملها في خانة التشديد على رفض كل ما يختزله ويمثله ويعبر عنه هيمنة تلك الجمعية، وهاتيك الجماعة، والمجموعة التي لم يكن همها الا البحث عن حصص ومغانم، ومواقع، وألقاب، وانتماءات ضيقة، وكل ما هو غير مطابق للأصول وخال من الضمير، رغم ان منهم من بات في المناسبات والمزادات يظهر لنا في صورة المناضل الذي يحول دون ان تمضي مجريات الامور بعكس المفروض، ويريد ان يقنعنا بأن جل همه بلوغ المواطنة الصحيحة التي تتغذى من الحق والعدالة والقانون والنزاهة والمساواة والصدقية في زمن اللاصدقية ..!!
 
اللافت في كل ذلك الكم من التعليقات وردود الأفعال تلك الإشارات التي تتحدث عن الفساد، وهذه المرة عن الفساد البرلماني تحديدا – تصوروا – وبدا انه ما من احد ينكر، خاصة أولئك الذين يحسنون قراءة مواطن الخطأ والخلل، الا ويجدون بان ثمة حاجة لفتح ملف نزاهة العمل البرلماني بمزيد من الصفاء والموضوعية، ورب ضارة نافعة ان تلك المسرحية السمجة قد وجهت الأنظار الى ما كنا قد اعتبرناه ملفاً مسكوتاً عنه هو اخطر مما يبدو ويتجاوز حدود امانة النواب، كما انه يفتح الباب لإطلاق العنان لكلام متعمق حول نزاهة واستقامة النواب والعمل البرلماني، ومما يؤسف له ملاحظة ان كثيرا من النواب على مدى السنوات الماضية من عمر التجربة البرلمانية كانت لهم إسهامات واضحة فى انزلاق الأداء والعمل البرلماني الى مستوى مثير لكثير من اللغط لا يجدي تجاهله، وحسبنا هنا ان نذكر بان لاشيء يلزم تخلي النواب في الفصل التشريعي السابق تقليص وتقييد دورهم الرقابي في موقف فريد على مستوى كل برلمانات العالم، يضاف إلى ذالك اعتراضهم على انشاء هيئة وطنية مستقلة لمكافحة الفساد، التي هي احدى موجبات الاتفاقية الدولية لمحاربة الفساد التي صادقت عليها البحرين قبل سنوات، وتلك مواقف لا تفعل شيئاً سوى خلق فرص أخرى للفساد..!!
 
نعود الى صلب الموضوع، نزاهة واستقامة العمل البرلماني، وان شئنا الدقة، الفساد في العمل البرلماني، وهنا ثمة مجال للتوقف عند ما قاله النائب احمد قراطة في الندوة التي نظمتها عدة جمعيات لمناقشة برنامج عمل الحكومة، (عقدت بنادي العروبة في 3 فبراير الجاري)، فالرجل ومن دون الدخول في اي تفاصيل يقر علناً بان هناك نواباً فاسدين ..!! وهو كلام ليس فيه ما يدعو الى الدهشة والعجب، ولا أظنه مصبوغاً ببعض القسوة، لانه كلام متداول منذ زمن، الا انه على الأقل يمكن اعتباره من باب «شهد شاهد من أهلها»..!! نقول الكلام متداول منذ زمن، بل من سنوات، عن الفساد البرلماني، هو فساد أطل برأسه مرات كثيرة، مرة حين خدع هؤلاء النواب ناخبيهم بتقديم انفسهم ايام الانتخابات بصورة المستقلين، فيما هم واقعاً ينتمون لجمعية من الجمعيات يأتمرون بأمرها، أليس هذا من عداد الكذب والتورية المذمومة أخلاقياً ودينياً، ومرة حين لم يتردد هؤلاء فى فترة الانتخابات بتقديم رشاوى انتخابية عينية ومالية، ومرة حين وجدنا نواباً أخلوا بقواعد الحضور تحت قبة البرلمان، ومرة حين جعلوا انفسهم أداة هيمنة على بعض مواقع العمل وشرعوا الباب للانتماءات والولاءات الضيقة. ومرة حين تشاغل النواب بشكل غلب عليه الطابع الكاركاتوري في مناوشات اتسمت بالقحط، ولم تثمر عن تعاط جاد ومسؤول مع ملفات عديدة في المقدمة منها ملف تقارير ديوان الرقابة المالية، ولوانهم احسنوا في عملية التصدي والمتابعة والمحاسبة لماجاء في هذه التقارير كل تلك التجاوزات المتراكمة منذ سنوات كما لايمكن ان ننسى ولجان التحقيق التي تشكلت، ومنها كمثال ليس إلا، لجنة التحقيق في تجاوزات مستشفى الملك حمد، التي قال رئيسها آنذاك، بأن التجاوزات في هذا الملف فاق التوقعات، وهذا كلام موثق ومنشور..!!
 
يمكن أيضاً ان نذكر من يميل الى النسيان، او له مصلحة فيه، بذلك اللغط الذي أثير في الفصل التشريعي السابق على خلفية ما نشر في شأن فساد نائبين تمكنا وبقدرة قادر من رفع رواتبهما التقاعدية حين كانا في موقعي عملهما الرسمي بمقدار يتجاوز 150 بالمائة، ونذكر كيف ان نواباً في مسرحية سمجة أخرى، وهم يحولون جلسة برلمانية الى جلسة صاخبة معترضين على ذلك الاتهام، مطالبين بمعرفة اسماء النائبين وبوضع النقاط على الحروف في هذا الملف حتى لا يكونوا جميعهم عرضة للشبهات، ولكن لم نجد بعد ذلك سوى لا مبالاة فريدة، محيرة ومثيرة بامتياز لعلامات تعجب شتى ..!!
 
انه لممل ان نستعرض الشوائب المتنوعة التى شابت أداء نواب كثر على مر السنوات الماضية، ولعله من المناسب هنا، ان نذكر بان اتفاقية الامم المتحدة لمحاربة الفساد تنص على ردع اي سلوك غير أخلاقي قد يصدر من اي برلماني ومعاقبة مرتكبه حتى لايسيء للسلطة التشريعية بكاملها، وتعزيز ثقة الجمهور في النواب، والتصدي لاحتمالات المتاجرة بالنفوذ من جانب بعض البرلمانيين، وعليه اصبح لمعظم البرلمانات في العالم مدونات السلوك البرلماني تحكم عمل وأداء البرلماني، وان كانت هذه المدونات والقواعد لم تعد كافية في الوقت الحاضر، خاصة مع زيادة محاولات أطراف هنا او هناك لإفساد البرلمانيين، ومع استعداد بعضهم للانحراف في دورهم لمصلحة تربحهم او مد نفوذهم او هيمنتهم. على كل حال، نعاود الترحيب بموقف رئيس البرلماني الحالي الرافض السماح بتبعية امانة مجلس النواب لأي جمعية سياسية او توجه معين. فهو موقف وان كان يستحق التسجيل والتنويه، فان ثمة استخلاصاً نعود اليه، هو ان موضوع نزاهة واستقامة النواب والعمل البرلماني يجب ان يوضع على الطاولة بكل أريحية وشفافية، بقدر ماهي الحاجة ملحة لمشروع تصحيحي يرفع هيمنة وتسلط واستحوذ تيارات بعينها على مواقع عمل ومسؤولية ضاربين بعرض الحائط مايتناقض مع كل الكلام الجميل الذى يتردد في المناسبات والمزادات.
 
حرر في 24 فبراير 2015

اقرأ المزيد