المنشور

تحطيم التماثيل والتاريخ الموازي

إذا كانت جائحة كورونا “كوفيد – 19” قد جاءت لتعري بامتياز أخلاق الدول الرأسمالية الكبرى اللاإنسانية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ولتكشف عجزها حتى عن التعاون فيما بينها، سواء على مستوى حلف الأطلنطي أو على مستوى الأتحاد الأوروبي لمواجهة الوباء، فإن الاحتجاجات على مقتل المواطن الأميركي من أصل أفريقي، جورج فلويد، في مايو/ ايار الماضي تحت ركبة الشرطي الأبيض اختناقا طوال ما يقرب من عشر دقائق أمام الملأ.

هذه الاحتجاجات التي عمّت العالم ضدالممارسات العنصرية في الولايات المتحدة وفي الدول الرأسمالية الاخرى – كبريطانيا وفرنسا واستراليا – قد جاءت لتعري بدورها حقيقة التاريخ المسكوت عنه المزيّف والذي ما فتئت هذه الدول تعتبره مقدساً لا يجوز مسه ولا مس رموزه التاريخية المخلدة بتماثيل تم نصبها في أشهر شوارع عواصمها ومدنها.

وفي كل بلد من تلك البلدان الرأسمالية قامت ثلة واعية من المحتجين السلميين بالتعبير عن احتجاجها بتحطيم تلك التماثيل بغية تذكير شعوبها وشعوب العالم بأن ثمة تاريخاً آخر موازياً يُراد طمسه وتشويه وعي الشعوب بالتاريخ التي تحاول الأنظمة الرأسمالية فرضه. ولعل من أهم التماثيل التي جرى تحطيمها وارتبطت بالعبودية أو الاسترقاق الاستعماري تلك التي جرت في الولايات المتحدة، ومنها: تمثال الرحالة الإيطالي كريستوفر كولمبوس في مدينة فرجينيا الأميركية في العاشر من يونيو/ حزيران الماضي، ثم مرة اخرى جرى تحطيم تمثال آخر له في مدينة بالتيمور في الرابع من يوليو / تموز الماضي أثناء احتفالات ” الاستقلال “.

ونعلم بأن هذا الرحّالة وُصف بأنه “مُكتشف” ذلك العالم الجديد الذي وصلت سفينته إلى سواحله إثر تيهه في المحيط الأطلسي ضالاً الوصول إلى الهند على طريق رأس الرجاء الصالح؛ وما كانت حقيقة هذا “الاكتشاف” المزعوم سوى فتح لتاريخ مظلم جديد من العنصرية في ذلك العالم ليس ضد السود فقط ، كما جرى لاحقاً؛ بل بدءاً بسكان ماسُمي ب “العالم الجديد” الذين اُطلق عليهم “الهنود الحُمر”.

وكما يقول الباحث البلغاري تزفيان تودروف : إن كلمة ” اكتشاف ” تتضمن عنصرية وتمحوراً غربياً ومركزية غربية. فالمكتشِف ( بكسر الشين ) أوروبي والمكتشَف (بفتح الشين) القارة التي كانت حينذاك مجهولة بالنسبة لاوروبا والعالم القديم. لكن هذا “الإكتشاف” لا يعني شيئاً لسكان القارة الأصليين من ذوي الحضارة العريقة من أمثال الأزتيك والإنكا والمايا وغيرهم، والذين تمت إبادة مالايقل عن 112 مليوناً منهم عن بكرة أبيهم على أيدي الرجال البيض الاُوربيين الذي دشن لهم كولمبوس طريق الهجرة والاستيطان الجديد، ولم يتبق اليوم منهم سوى أقليات معزولة داخل الولايات المتحدة المتحدة نفسها؛ أو متوزعة في بلدان أميركا اللاتينية (إنظر: تودو روف، فتح أمريكا، مسألة الآخر، ترجمة بشير السباعي، سينا للنشر، القاهرة ، 1991 ) .

كما جرى تحطيم تمثال البرت بايك، وهو التمثال الوحيد في واشنطن العاصمة، لاتهام صاحبه بأنه من مؤسسي منظمة “كوكلاكس كلان” العنصرية. وفي بريطانيا تم تحطيم تاجر الرقيق إدوارد كولستون في مدينة بريستول البريطانية، وفي فرنسا جرى تشويه تمثال للرئيس شارل ديجول في مدينة “لأنوار” باريس، بتهمة أنه كان تاجر رقيق ولمسؤوليته أيضاً عن الجرائم التي ارتكبت في عهده بالبلدان التي استعمرتها بلاده؛ لا سيما الجزائر.

وفي الوقت الذي أبدى فيه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون استنكاره لتحطيم تمثال ديجول بدا كمن تناسى أن بلاده مازالت تحتفظ في متحف التاريخ جماجم ما لايقل عن 36 قائداً وطنياً من رموز المقاومة الوطنية الذين فصلت قوات الاحتلال الفرنسي رؤوسهم عن أجسادهم منذ أكثر من قرن ونصف! وفقط لاحقاً كُشف الغطاء عن هذه الفضيحة المدوية من سجل الاستعمار الفرنسي؛ واستجاب ماكرون لطلب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون حينما وجد هذا الأخير الفرصة مؤاتية لتقديم هذا الطلب وتم إعادة جماجم الشهداء إلى الجزائر ليدفنوا في ترابهم الوطني.

سُئل المفكر الأميركي التقدمي نعوم تشومسكي بأن الممثل جورج كلوني قال في مقال له في صحيفة (الديلي بيست) تعليقاً على مقتل جورج فلويد: أن العنصرية هي وباء أميركي، وأننا خلال 400 عام لم نجد لها لقاحاً، فلماذا تبدو العنصرية راسخة ومستعصية إلى هذا الحد ؟ فأجاب تشومسكي بالرد المسهب التالي: “الاجابة موجودة في ما حدث خلال الـ 400 سنة هذه، لقد تمّ البحث فيها وعرضها من قبل، لكن بالنسبة لي فإن الأمر يستحق بعض الدقائق للتفكير من خلالها بالأمر مرة أخرى حتى ترسخ في عمق الوعي.

السنوات الـ 250 الأولى صنعت أكثر أنظمة العبودية شراسة في تاريخ الإنسانية بمجرد أن حصلت المستعمرات على حريتها. وقد كان هذا النظام العبودي فريدا لا بقسوته البشعة لكن أيضا لكونه كان يعتمد على لون البشرة. ولهذا لم يكن استئصاله ممكنا، بل هي لعنة تصل الى الأجيال المستقبلية.

العبودية الرسمية في الولايات المتحدة انتهت قي عام 1865، ومنح للسود عقد كامل من اعادة الانشاء، والذي استغلوه بصورة مثيرة للإعجاب في فعاليتها وتأثيرها، نظرا لميراث الرعب الذي يحملونه. لكن حتى هذا انتهى، حيث ان اتفاقية بين الشمال والجنوب سمحت للعنصرين في الجنوب أن يقتلوا ويقمعوا وأن يحولوا السود الى قوة عمل بالسخرة لتحرك الثورة الصناعية الجنوبية، وكل ذلك بواسطة “تجريم” السود وسجنهم بشكل جماعي وسلبهم حقوقهم.
هذه الوصمة في التاريخ الأمريكي دامت حتى الحرب العالمية الثانية تقريبا، حينما احتاجت صناعة الحرب الى العمالة الحرة .. غير أن عراقيل جدية بقيت موجودة. الفرص التعليمية التي منحت بعد الحرب أنكرت على المواطنين السود بواسطة قوانين معينة. ملكية المنازل، أساس الثروة لمعظم الناس، تم حرمان السود منها بواسطة القوانين الفدرالية. وفي الوقت الذي سحبت فيه هذه القوانين العنصرية تحت ضغط نضال حركة الحقوق المدنية في الستينيات، كانت الفرصة قد ضاعت على الكثير من المواطنين السود.
الاقتصاد عانى من الكساد في فترة السبعينيات وعندها انقضت النيوليبرالية وسيطرت على الاقتصاد، حيث صممت بالأساس لابقاء المواطنين الفقراء والعمال في مكانهم، وكالعادة فالمجتمعات السوداء كانت الأكثر تأثرا بشكل وحشي. وهذا العدوان النيوليبرالي الاقتصادي على السود جاء مجتمعا مع الموجة الجديدة من تجريم السود بواسطة إدارة ريغان العنصرية، وهي السياسة التي عُززت بواسطة بيل كلينتون تحت عباءة “أنا واحد منكم”، وحتى جورج فلويد اليوم. ليس من الصعب اذن الإجابة على السؤال، على الأقل على مستوى واحد. أما على مستوى أعمق فيمكن أن نسأل لماذا يصعب علينا معالجة هذا المرض ؟” (” طريق الشعب” العراقية ، 23 يونيو/ حزيران 20 20 ).
وفي تقديرنا أنه بالرغم من تلك الاحتجاجات العارمة ضد الرأسمالية في الولايات المتحدة والدول الرأسمالية الاخرى، وما تضمنته من صراع ايديولوجي علني تجسد في تحطيم تماثيل الرموز العنصرية التاريخية؛ إلا أن تلك الاحتجاجات لا تكفي لحمل تلك الدول على اجراء إصلاحات جذرية ؛ فمالم تقُد تلك الاحتجاجات قوى طليعة مُنظِمة من قوى ديمقراطية ويسارية واجتماعية قادرة على استقطاب أوسع قاعدة جماهيرية ممكنة؛ من طبقات وشرائح اجتماعية عريضة متضررة من شرور الرأسمالية، وبما يمكنها من ممارسة أقصى درجات الضغط على أنظمتها الرأسمالية ، فإن التغيير لن يأتي سريعاً ولربما أثمر في أحسن الحالات عن تغيير شكلي. بيد أن تلك القوى الطليعية للأسف مازالت بحاجة إلى إعادة ترتيب بيوتها من الداخل بما يمكنها من أخذ زمام المبادرة التاريخية مجدداً.

اقرأ المزيد

ما هو جيد للعدالة الاجتماعية جيد للاقتصاد والدولة

إذا كانت أهم مؤشرات الاقتصاد العالمي تشير بوضوح منذ العام 2017 إلى أنه متجه نحو أزمة عامة من طراز جديد هذه المرة، وأن موعد انفجارها العظيم لا يتعدى نهاية العام الحالي 2020، أو بداية العام القادم، فإن جائحة كوفيد – 19، جاءت إضافة ثقيلة لتُعجِّل أوان الإنفجار. ولنستعد نحن، فستكون التبعات وخيمة على الاقتصاد العالمي: مالا وإنتاجا واستهلاكا، والمجتمعات: تشغيلا ومعيشة واستقرارا، وعلى البلدان: ديونا وأمنا وسيادة، وعلى العلاقات الدولية: انتهاكا للقانون الدولي، وبروزا للتكتلات الإقليمية، وتحضيرات لإعادة اقتسام العالم. بالنسبة لبلداننا فقد رمانا السقوط “الحر” لأسعار النفط بثالثة الأثافي ليجعل مصائبنا أضعافا. أضف إلى ذلك: بُنانا الاقتصادية هشة، أوضاعنا الإقليمية شديدة التوتر وخللنا السكاني خطر للغاية وقنوات الاستنزاف المالي تعمل ليل نهار. وحفرتنا عميقة، بلا قرار.
الدول الكبرى مشغولة بحالها، وببعضها، أكثر مما تستطيع التعامل مع مشاكل البلدان الضعيفة، إقليمنا المحيط راكم من المشاكل ما يقلص إمكانيات مدّ يد العون للبلدان الأقل قدرة. وعلى بلادنا أن تواجه مشاكلها منفردة. لكن، رب ضارة نافعة. فالأجدى دائما أن تبدأ الحلول من داخلك، بإمكانياتك المادية، بطاقاتك البشرية الإبداعية. أستطيع القول جزما إن بلادنا الآن في قبضة هذه القاعدة السليمة، بحكم الواقع، وليس الخيار الواعي. لكن ماذا بعد ؟
كلمة السر للحل هي الإصلاح الجذري وليس أي “إصلاح”. الحركة نحو الإصلاح الحقيقي لا تقاس بسرعتها فحسب، بل وباتجاهها المصوب للهدف الصح. أي، بأية أبعاد يتحرك هذا الإصلاح، الإنسان أم الاقتصاد أولا ؟
تجربة الصين مع جائحة كوفيد – 19 قريبة وتبعث على الفخر. رفعت شعار “الإنسان قبل الاقتصاد”. بل وسخّرت المال والاقتصاد وكل القاعدة التقنية – التكنولوجية لمزيد من النهوض بالقطاع الصحي وسرعة تعافي الإنسان. لم يتعذر على أحد الوصول إلى العلاج النوعي. لم يمت أحد جوعا أو على قارعة الطريق بلا سكن. هذا البعد كان مُودَعاً في طبيعة النظام الاقتصادي الاجتماعي أصلا. وكسبت الصين المعركة: استعاد الإنسان عافيته، والآن يعيد الإنسان للاقتصاد حيويته. وتستعيد الدولة قدراتها وجبروتها. تماماً بعكس الحال في أميركا، العاجزة عن التصدي للوباء بالكفاءة اللازمة والتعامل المتساوي مع المواطنين. انفجر مُرَكَّب هذه المشاكل وغيرها في وجه النظام حراكا اجتماعيا – سياسيا لم تشهد له أميركا مثيلا منذ الحرب الأهلية.
نعود إلى واقعنا. لم يرتق الأداء في مواجهة الجائحة إلى الجودة التي بلغتها الصين، لكن نظامنا الصحي لم يواجه تهديد الإنهيار كما في بعض الدول “المتقدمة”. والواقعية تقتضي الاعتراف بأن الفضل في ذلك يعود لبقايا مزايا دولة الرعاية الشاملة، التي، على كل نواقصها، نوَدِّعها الآن بحسرة، مرتمين في قبضة الأسوأ – الليبرالية الجديدة، الثقيلة الوطئ على الناس، وأناس العمل خاصة.
النيولبرالية طرحت علينا “الإصلاح الإقتصادي” من منظور التوازن المالي لميزانية الدولة، أي من منظور محاسبي بحت، دون إعطاء الاعتبار اللازم للعدالة الاجتماعية. وبدون الخوض في التفاصيل يرى الجميع أن الخصخصة وتقليص النفقات على الخدمات الضرورية وتعدد أشكال الضرائب غير المباشرة أنهكت الغالبية الساحقة من المواطنين والشركات الصغيرة والمتوسطة. هذا قبل الجائحة التي زادت الوضع سوءا على سوء. الآن، ضعفت قدرات المواطن الشرائية وقدرته على تلبية الكثير من حاجاته الضرورية، فقَلَّ الطلب وبالتالي ضاقت السوق. وضعفت قدرة الشركات على التوظيف وعلى الوفاء بالالتزامات الضريبية وأصبح الآلاف منها يستعد لإشهار الإفلاس. طبعا موجة الإفلاسات ستعم العالم. وتشير دراسة قريبة لشركة التأمين “يولر إرميس” أن زيادة عدد الشركات التي ستعلن إفلاسها عالميا 35% بين عامي 2019 و2021. أعلاها في أميركا 57% وأدناها في الصين 20% فقط (وهنا أيضا تستعرض الصين أفضلية). أما لدينا فنحن لحدّ الآن لا نعرف الأرقام والنسب التي تعتمل في الاقتصاد والمجتمع قبل أن يتصاعد دخانها يوما.
الذي نعرفه جيدا هو نتيجة “الإصلاحات” على وجه العموم: خسر الإنسان وخسر الاقتصاد ولم تُنمِّ الدولة مواردها، إذ لم تكن هذه هي الوجهة الصحيحة المطلوبة للإصلاح. نعم، هذا هو “الإصلاح” المطلوب من وجهة نظر صندوق النقد والبنك الدوليين، بهدف مزيد من تمركز الثروات لدى الأوساط الاجتماعية الدائرة في فلك رأس المال المالي العالمي. وهاهي دراسة لشركة بوسطن كونسلتينج جروب تشير إلى أن أصحاب الملايين استحوذوا في عام 2019 على حوالي 68.8% من الثروة في البحرين، وأن عدد هؤلاء سيزداد بنسبة 1.1% في الأعوام القادمة (“الأيام”، 21 يوليو). لكن مثل هذه الإصلاحات، التي تسبب مزيدا من إفقار الفقراء، تشكل صدمة مفاجئة وقوية للطبيعة التي بني على أساسها النظام الاقتصادي الاجتماعي لدينا على مدى عقود. وكان لمقاربة أخرى للإصلاح من منظور مصلحة المجتمع ككل أن تعني إصلاحا حقيقيا يخدم الإنسان والاقتصاد وقدرات الدولة. وهذا موضوع بحث مستقل.
ذات السؤال بالنسبة لموضوع اللحظة – إصلاح نظام التقاعد والتأمينات الاجتماعية. كان واضحا منذ زمن حجم المشكلة وخطورتها وأهمية إصلاحها. لكن من جديد أي إصلاح ؟ في أي اتجاه ؟ نخشى أنه إن سار كما يُعَدُّ له الآن، من جنس التوازن المالي، فحتما ستكون النتيجة من نفس الجنس أيضا. مزيدا من إفقار المتقاعد الفقير، مزيدا من تقليص المساهمات التقاعدية للمؤسسات الاقتصادية. ومزيدا من سوء استثمار أصول التقاعد ومزيدا من سوء توزيع الدخل بين المتقاعدين. ولنبدأ بالأخيرة. الحد الأقصى المقر (4000 دينار) يفوق الحد الأدنى (350 دينار) بأكثر من 11 ضعفا !!! وهو فوق حاجة أي متقاعد لم يعد مهموما بتكوين عائلة أو بناء سكن أو تربية أو تعليم أبناء. فما بالك بالمعاشات التقاعدية الفاحشة التي لا تزال تتجاوز الحد الأقصى بأضعاف. كل ما يعنيه هذا هو خرق فاضح لمبدأ العدالة الاجتماعية ونسف للفكرة التكافلية للنظام التقاعدي. إن هناك حاجة ماسة لإعمال العدالة في التوزيع بخفض الحد الأقصى للمعاش التقاعدي، والعمل به فورا، بما في ذلك تطبيقه على قدامى المستفيدين.
ليس بكاءً على اللبن المسكوب، إنما من أجل المستقبل نذكر أن في عام 1986 وبضغط من غرفة التجارة والصناعة تم خفض نسبة المساهمات التقاعدية من 21% (14% أصحاب العمل + 7% العامل) إلى 15% (10% + 5%). وكان هذا القرار بمثابة انحياز طبقي لمصالح الطبقة المسيطرة اقتصاديا. وبعد قرابة عقدين من سنوات تطبيق هذا الانحياز أحست الدولة بمدى إجهاد هذا الإجراء للنظام التقاعدي فذهبت بحجم المساهمات في عام 2007 إلى “حل” وسط 18% (12% + 6%). خسر النظام التقاعدي بنتيجة هذه “الإصلاحات” ما قُدِّر بحدود 7 – 8 مليار دينار (+ عوائد استثمارها المفترضة). هذه “الإصلاحات” ليست خرقا لمبدأ العدالة الاجتماعية فحسب، بل وللنموذج المصمم أصلا لتمويل الصندوق. لو لم يكن هذا “الإصلاح” لاستطاعت هذه الأموال أن تلعب دورا أكبر بكثير من صندوق التعطل لمواجهة تبعات الجائحة الآن. إذن، فحال الصندوق والعدالة الاجتماعية تقتضيان العودة إلى النظام الأصل للإشتراكات التقاعدية.
قس على ذلك حجم الخسارة التي ألحقها “إصلاح” عام 1977 بوقف التأمين الاجتماعي على العمالة الأجنبية. أيضا لن تصعب معرفة لمصلحة من هذا “الإصلاح”. قيل حينها أنه إجراء مؤقت، ليقترح النائب محمد عيسى ورفاقه الآن، بعد أكثر من أربعين عاما، إلغاء هذا “المؤقت”، وإعادة الأمور إلى نصابها. والحقيقة أن الخبير الأكتواري قد أوصى عام 2017 بإعادة هذه الاشتراكات، على أن يتم الشروع في ذلك بعد عودته من السفر. ترى هل ذهب الخبير ولم يعد؟! توجد مصلحة وطنية ملحة بإعادة العمل بإدراج الأجانب الذين يزيد عددهم على 600 ألف في نظام التأمين الاجتماعي. وعلى نواب الشعب أن يمضوا في هذا بإصرار.
وماذا عن إلغاء “الزيادة” السنوية بنسبة 3% ؟ هي في الحقيقة ليست زيادة، ولا مكافأة كما قيل، بل تعويض عن التضخم وللحفاظ على مستوى القوة الشرائية للمعاش التقاعدي كي لا تبتعد قيمته الفعلية عن قيمته الإسمية مع الزمن. هذا كل ما في الأمر. هنا يكفي أن نورد فقرة من تقرير للبنك الدولي في ابريل 2019 تقول عن البحرين: ” … ومن المتوقع أن يرتفع معدل التضخم إلى 3% في 2019-2020، بالنظر إلى فرض ضريبة القيمة المضافة في عام 2019 والزيادات الإضافية المقترحة في أسعار الطاقة”. أرأيتم ؟ هذا هو مغزى نسبة زيادة 3%، لكن التضخم قد يزيد عن هذا الحد أو ربما زاد !!
الحديث يطول عن سوء استثمار أموال نظام التقاعد والفرص الضائعة. أُنشِأ النظام التقاعدي عام 1976 . لكن قانون إنشائه هو الإبن الشرعي للبرلمان الذي حُل عام 1975. تصادف ذلك مع أثر طفرة أسعار النفط الكبرى وتَشَكُّل “الفوائض” المالية. وعلى خلفية ذلك انصرف التفكير التنموي في البلاد من الاستثمار في مجالات الإنتاج إلى عالم المال والعقار. وأُخذِت أموال التقاعد إلى هذا المنحى أيضا. وبالنتيجة صار النظام التقاعدي باستثنماراته المالية الضخمة من أكبر ضحايا الأزمة المالية العالمية والمحلية. وبدون الخوض في تفاصيل أكثر نؤكد الآن على ضرورة أن يعاد النظر بشكل جذري في فلسفة السياسة الاستثمارية لأموال التقاعد باعتبارها مصدرا حيويا من مصادر التمويل الداخلي للاستثمارات الإنتاجية التي تولِّد أماكن عمل حقيقية تقوي الاقتصاد وتشكل بدورها إسهاما إضافيا كبيرا في الاشتراكات التقاعدية.
أخيرا، وليس آخرا. الخشية كل الخشية أن تُحدِثَ الحلول الترقيعية وغير الجذرية سباقا حثيثا في الخطين البيانيين النزولنيين لموارد الأموال التقاعدية وللدخول والمزايا التي يحصل عليها المتقاعدون. نزولا .. وصولا إلى الترويج لقناعة ألا فائدة من نظام التقاعد بمظلة الدولة، وأن الحل في الخصخصة العتيدة. هذا بالضبط ما حدث في تشيلي عام 1981 بإيحاء من مدرسة “فتية شيكاغو” الاقتصادية و”اتفاق واشنطن” ووصايا صندوق النقد والبنك الدوليين. وبعد أن سلكت تشيلي ومعها بضع عشرات من الدول درب الآلام العسير هذا، وما أدى إليه من فقد للعدالة الاجتماعية وتدهور شديد للاقتصاد، وبالتالي احتجاجات اجتماعية – سياسية هزت أوضاعها، عاد معظم هذه البلدان بعد أزمة 2008 – 2009 المالية الاقتصادية إلى إبطال خصخصة النظم التقاعدية وتأميمها من جديد. وعليه فليس من المصلحة الوطنية، خصوصا في ظروف الليبرالية الجديدة، خصخصة النظام التقاعدي ووضع المتقاعدين تحت رحمة رأس المال الكبير.
القاعدة البسيطة، والدرس الكبير في نفس الوقت، هي أنه، وخصوصا في ظروف انهيار الطبقة “الوسطى” سيبقى المواطن البسيط، عامل أو متقاعد، في مجموعه الإحصائي هو المستهلك الأساسي في الاقتصاد. إن زاد دخله اتسعت السوق المحلية وتحرك الاقتصاد، وإن قلَّ دخله ضاقت السوق وتراجع الاقتصاد. فهلا وعينا أن ما هو جيد للعدالة الاجتماعية جيد للاقتصاد وللدولة ؟

اقرأ المزيد

قراءة في واقع الحركة النقابية البحرينية – 3

في إطارالمتابعة للوضع النقابي نود أن نشير الى البيان الصادر من قبل اربعة عشر نقابة الصادر بتاريخ 13 يونيو 2020، وهي نقابات بعضها مستقيل من الاتحاد الحر، وأخرى جديدة، وثالثة هي نقابات في اختلاف دائم مع توجهات الاتحاد العام.
ركز بيان الجمعيات الأربعة عشر على مطالب قديمة – جديدة في وضعنا الراهن، بينها ضرورة تفعيل العمل النقابي الجاد في الدفاع عن مصالح العمال مركزا على ضرورة توفير فرص العمل والوظيفة للمواطنين العاطلين عن العمل، محذراَ من خطورة تنامي حجم البطالة في البحرين خصوصا في ظل قانون العمل الذي لا يدفع في مسألة البحرنة مع تطبيق سياسة اغراق البحرين بالعمالة الوافدة.
كما أكدّ البيان على ضرورة الوقوف والتضامن مع سائر العمال الذين تضرروا وفقدوا أعمالهم جراء انتشار وباء كورونا، حاثاً الدولة على الاستمرارية في الدعم المالي للمتضررين من الوضع الحالي للجائحة، ومشيراً إلى ضرورة اتخاذ موافق وطنية من قبل الشركات والمؤوسسات في القطاع الخاص بعدم الاقدام على تسريح العمالة الوطنية بذرائح ظروف كورونا.
في البيان أيضاً مطالبة بإحلال البحرينيين الباحثين عن العمل محل العمالة الوافدة في وزارات ومؤسسات الدولة والشركات الكبرى مع تسليم البحرينيين المهام القيادية فيها بدلا من الوافديين. فضلاً عن مطالب لا تقل اهمية لصالح سير العمل النقابي.
كما نتمنى أن تقف هذه النقابات المستقلة دوما في الدفاع عن مبدأ التعددية النقابية والوقوف في وجه المحاولات للمساس بكل المكتسبات خصوصا في حرية العمل النقابي وتشكيل الاتحادات النقابية من اجل الابتعاد عن دكتاتورية العمل النقابي وان لا يكون محتكرا لتوجهات معينة ولاعتبارات تتصل بالمصلحة الشخصية.
بات من الضروري في هذه المرحلة التركيز على حماية المتقاعدين والتصدي لمجموعات الفساد المالي والاداري في هيئة الضمان الاجتماعي والابتعاد عن تحمل المتقاعديين كل الخسائر التي تتعرض لها هيئة التأمينات الاجتماعية وعدم المساس بحقوق المتقاعدين المكتسبة و منها الزيادة السنوية البالغة 3%، وصون الحقوق المكتسبة للمتقاعدين.
ومن الأهمية بمكان الدفع في اصدار تشريعات للمحاسبة المالية في وسط الاتحادات النقابية لمعرفة أين تصرف هذه الاموال وبشفافية، والتقليل من الخلافات الشخصية وتغليب المصلحة العامة من أجل العمل النقابي الجاد والمثمر والنوعي، مع التركيز على الاستقلالية في اتخاذ القرار المناسب والابتعاد عن صنوف التبعية لاي جهة كانت.
كما بات من المهم حماية النقابات من التآكل وهذا يحتاج لدور نشط ووعي نقابي حقيقي، مع تطوير الأنشطة الإعلامية والعمل الميداني في صفوف العمال لكسب ثقتهم. وهذا لا يمكن أن يتحقق الا مع الابتعاد عن روح الاتكالية والإنهزامية وهذه صفات لشخصيات نقابية حذرت منها الأدبيات النقابية دوما لخطورتها والتي لا تقل عن خطورة الإنتهازية في وسط الحركة النقابية والعمالية.

اقرأ المزيد

لا للمساس بحقوق المتقاعدين

فى نفس اليوم الذى اطلقت فيه اللجنة الوطنية للمتقاعدين بالاتحاد العام لعمال البحرين حملة تغريدات على تويتر تحت العنوان المذكور، وهى الحملة التى عبرت عن أحد أوجه التوجس، والقلق فى أوساط المتقاعدين، والرفض لأي مساس بحقوقهم والامتيازات التى اكتسبوها طيلة سنوات طويلة، فى نفس اليوم تقرّ التعديلات ويصدر بها مرسوم يجعل هذه التعديلات أمراً واقعاً، ويظهر بعض المسؤولين فى نفس اليوم طبعاً ليبعثوا برسالة فهم الناس معناها “دوام الحال من المحال”!

المتقاعدون لم يكونوا بحاجة إلى مزيد من المخاوف على أوضاعهم، وجعل بواعث القلق على مستقبلهم تسرح وتمرح دون ضوابط، هؤلاء الذين تعرضوا إلى ما يغرق واقعهم بالعتمة، وكأن هناك من يريد ان يقذف بهم إلى ظروف أسوأ، وينسف آمالهم واحلامهم، فى الوقت الذى كانوا يتطلعون إلى ما يحقق لهم أسباب الراحة والطمأنينة، ويجنبهم القنوط واليأس، ويمنع عنهم السيناريوهات والسياسات المريرة، والحديث هنا تحديداً عن أصحاب الرواتب التقاعدية المتدنية، وهم الغالبية العظمى!

انطلاقاً من ذلك نقول، إذا كان الذين انهمكوا بغزل “الاصلاحات” التى رفعت للحكومة بصفة
عاجلة، وكأن العجلة والتعجيل لا يتم إلا فى العطلة البرلمانية، فعلوها فى شهر يونيو 2018، وها هم يفعلونها مجدداً بكل “محبة” فى العطلة البرلمانية الحالية، وكأن هذه العطل تزيد من شهيتهم لطرح وتمرير ما يشغل بال المواطنين ويربكهم ويقلقهم، خاصة فى هذا الزمن الكوروني، والمدهش، والمحزن، انه فى الوقت الذى يجتمع فيه ممثلون عن الحكومة والسلطة التشريعية للنظر فى تعديلات التقاعد الطارئة وما يمس حقوق وامتيازات للمتقاعدين، يصدر مرسوم يقضي بإقرار هذه التعديلات أو “الإصلاحات”، فى الوقت الذى توالت تصريحات لرئيسي مجلسي النواب والشورى وبعض المسؤولين تصب باتجاه التاكيد بأن إنقاذ الصناديق التقاعدية والتأمينية لايحتمل التأخير لتمكينها من الاستمرار ومواجهة التحديات، وأنه من دون إقرار الإصلاحات العشرة التى تقدمت بها الهيئة العامة للتأمين الاجتماعى، سيكون الوضع مأساوياً وقد يؤدى الى المحتوم، وهو إفلاس التأمينات!

لم يقف الأمر عند ذلك الحد، بل فى سياق التهيئة ل “الاصلاحات” كشفت الرئيس التنفيذى للهيئة فى ندوة سريعة دعا لها مركز دراسات، حول مستقبل الصناديق التقاعدية ما اعتبرته احدى الصحف المحلية بالحقائق المفزعة عن وضع صناديق التقاعد والتى تتطلب اصلاحات جذرية، ويبدو أنه على الناس ان يستقبلوا المزيد من المفاجآت كون أن هناك أربع اصلاحات طارئة، من جملة اصلاحات عشرة لابد منها لتمكين الصناديق التقاعدية للإيفاء بالتزامات الهيئة تجاه 95 ألف مواطن، وهذا فى حد ذاته مبعث حيرة وقلق وتساؤلات واستنتاجات ثقيلة العيار، أبسطها يعنى أنه على المتقاعدين أن ينتظروا المزيد من “المفاجعات”!

وإذا كان لابد من التوقف إلى ما شكّل هبّة شعبية رافضة لأي مساس بحقوق وامتيازات المتقاعدين، عبر بيانات صدرت عن جمعيات سياسية واتحادات وتجمعات نقابية وندوات عبر الفضاء الاليكتروني، وكل ما أثير فى مجمله لايحتاج إلى شرح يطول، بل يمكن اختزاله تحت عنوان “رفض شعبى عارم للتعديلات”، فإنه لا بد أيضاً من التوقف حول مغزى دعوة كل من رئيسي مجلسي النواب والشورى خلل الاجتماع المشترك الذى عقد بين ممثلي الحكومة والسلطة التشريعية، إلى تضافر الجهود الوطنية فى هذه المرحلة من أجل الوصول إلى الغايات المرجوة” وهى الدعوة المقرونة بالتأكيد على الحاجة الماسة لتضافر هذه الجهود، ايضاً يمكن التوقف والاشارة الى تأكيد ممثلي الحكومة فى الاجتماع المذكور على أن الباب مفتوح للاستماع لمرئيات السلطة التشريعية يمكن ان تسهم فى ايجاد حلول لعجز صناديق التقاعد والنظر فى الحلول المطروحة.

نستعيد تلك الوقفات ونذْكر بها، فقط لان ما جرى لم يترجم منه شيئاً على أرض الواقع الملموس، وما اتخذ من خطوات شكّل خيبة أمل المتقاعدين وهزّ وجدانهم، وعظّم من هذه الخيبة النواب الذين أغدقوا على الناس الوعود بموقف ثابت ضد كل ما يمس حقوق وامتيازات المتقاعدين، بل المفارقة – تعودنا على مفارقات كثير من النواب – تغيّر موقف بعض النواب، والصمت المطبق من قبل آخرين، وكأنهم دخلوا فى سبات عميق، فيما موقف عدد قليل من النواب، وفى المقدمة منهم نواب كتلة “تقدّم” التى تقدمت بمرئيات معلنة أكدّت فيها بأن اصلاح أوضاع الصناديق التقاعدية بات ضرورة ملحة، لكن ذلك لا يجب أن يتم عبر التهديد بالانتقاص المستمر بمكاسب آلاف المشتركين والمتقاعدين، إنما عبر تطوير آليات عمل الهيئة واصلاح أوضاعها وأنظمتها عبر قرارات مهنية جريئة، بعيداً عن التخبط الإدارى والمالى المستمر.

تظل التساؤلات مثارة، حول نتائج اعمال لجنتي التحقيق البرلمانيتين، وحول عمل وإدارة وشفافية أعمال الهيئة وما تحتاجه من خطوات تصحيحية واصلاحية، وحول العجز الاكتواري، والمسببات الحقيقية لهذا العجز، ومدّ عمر الصناديق التقاعدية، ومدى حسن وكفاءة إدارة استثمارات الهيئة، وعوائدها وسبل تعظيمها، وحدود صلاحيات مجلس ادارة الهيئة، وتساؤلات حقيقية حول كل اللغط الذى يثار منذ سنوات حول تجاوزات ادارية وفساد وهدر مالي فى بعض مسارات عمل الهيئة وادارة استثماراتها، ومنها ما هو وارد فى تقارير ديوان الرقابة المالية والادارية، لسنا هنا فى وارد اجترار ما طرح وأثير حول كل ذلك، فهو كثير ومتعدد الأوجه، كما لسنا بصدد معاودة جرد التساؤلات المملة التى تنتظر أجوبة شافية، ممّلة هى من كثرة طرحها وتداولها، على مدى سنوات دون جدوى، وهذا برأينا إن دلّ على شئ فانما يدل عن عجز فى وضح النهار، ولا نريد ان نطلق عليه وصفاً آخر!

مفارقة لافتة تجلت فى ما قاله عضو بمجلس أمناء مركز دراسات فى الندوة المشار إليها، الذي أوضح:
“إن أي اصلاحات لصناديق التقاعد تتطلب من السياسيين التفكير فى حقوق الأجيال القادمة، وليس فى الانتخابات القادمة”.. والسؤال بعيداً عن المراوغة، هل الأمر هو حقاً كذلك ..؟!!، مفارقة أخرى لافتة، ان التعديلات أو الاصلاحات انصبت بالمجمل على المتقاعدين، ولم يأت من قبل أي مسؤول معني، أي ذكر لإصلاحات فى ادارة الهيئة، ولا أي اشارة حول مدى حسن ادارة استثمارات الشركات التابعة لها، وحجم العوائد التى تحققها، وهى من بين الأمور التى أخذت حيزاً من اللغط المثار، سابقاً وحالياً ..!

وإذا كنا على يقين بأن مواقف بعض النواب، بل كثير من النواب، ليس حيال ملف التأمين الاجتماعي فحسب بل حيال ملفات كثيرة، مواقف متبدلة، متحولة، ومراوغة، من الصعب الركون اليها، فانه لا يبقى أمامنا إلا تبنى دعوة الجمعيات السياسية فى بيانها المشترك والرافض المساس بحقوق المتقاعدين، مع دعوتها لحوار جدي واسع حول أوضاع هيئة التأمين الاجتماعي، بمشاركة أطراف الانتاج الثلاثة، فمثل هذا الحوار يمكن أن يكون خطوة تحقق تضافر الجهود الوطنية التى دعا لها رئيسا مجلسي النواب والشورى، لإصلاح منظومة التقاعد والتأمين الاجتماعى، وتلك الدعوة والحوار يمكن ان يصبان فى خدمة مشروع المنتدى الوطنى الموسع والشامل، الاقتصادى والاجتماعى، الذى دعا اليه نائب رئيس مجلس النواب عضو كتلة تقدّم عبدالنبي سلمان بهدف وضع الخطط والاستراتيجيات والبرامج والتوجهات لصياغة معالم المرحلة المقبلة بالنسبة لعدد من الملفات الكبرى، وملف التأمين الاجتماعى فى الصدارة، ياترى، هل يمكن ان يتحقق ذلك بشكل جدي، لا بشكل يغلب عليه الطابع الكاريكاتوري، أي الطابع الذى يزدري ذكاء المواطن، وتتسم مخرجاته بالقحط والإحباط، وما أكثر هذه وتلك ..!!

اقرأ المزيد

الفقراء هم الضحايا

“الناس يولدون من بطون أمهاتهم أحراراً متساوين في الحقوق، ولكن عندما يخوضون معترك الحياة لا يعودون متساوين في الحقوق، فمنهم من تسلب حريته ومنهم من يعاني الفقر أو المرض أو الجوع “.
فكتور هوغو

“الشعب مصدر السلطات جميعاً”، مادة دستورية لكي تتحقق على الواقع الملموس يجب القيام بالعديد من الإجراءات والإصلاحات، أولها مجلس النواب بأن تتطور صلاحياته لكي يقوم بواجباته الرقابية والتشريعية بالشكل الصحيح، ولكي يتحقق هذا التعديل الدستوري ويصبح مجلس النواب ذا صلاحيات واسعة، لابد من إعادة النظر في تقسيم الدوائر الانتخابية الحالي، الذي سبق للقوى السياسية قبل أحداث فبراير / مارس 2011 في البلاد، أن تقدمت بالعديد من الرؤى والأفكار بشأن العملية الانتخابية من خلال تنظيم ورش عمل وندوات حول (الدائرة الواحدة/ الدوائر الانتخابية الخمس/ التمثيل النسبي).

من شأن ذلك أن يحقق العدالة في الاختيار بين المرشحين، ولكي يتمثل في مجلس النواب أكثر فئات وأطياف المجتمع وألا تكون هناك غلبة لطرف أو فئة على حساب أخرى، أو تُقصى كفاءات وطنية مشهود لها بالنزاهة والأمانة من الوصول إلى قبة البرلمان، لهذا يتعين وضع نظام انتخابي عادل يأخذ بعين الاعتبار كل المعطيات والآراء، ويبعد البلاد عن التجاذبات الحادة التي يمكن أن ينتج عنها تراجع كبير في مسار التحولات الديمقراطية في البلاد مثلما حدث بعد أحداث فبراير/ مارس 2011، حيث تعمقت الأزمة مابين مؤسسة الحكم والمعارضة.

وهذا يتطلب من جميع الأطراف المشاركة في العملية السياسية قراءة مغايرة للواقع السياسي الحالي لكي تستطيع السير بالبلاد إلى بر الأمان وتبحث عن إيجاد القواسم المشتركة، لتؤسِّس لبداية جديدة تساعد باتجاه فتح طريق نحو آفاق أرحب للحوار السياسي يهدف لتطوير العمل السياسي في البلاد من خلال العودة لمسار التحولات الديمقراطية التي بدأت مع مرحلة الانفراج السياسي في فبراير من عام 2001، بدلاً من أخذها نحو التشدد والانغلاق والغلو والتحول إلى الدولة الأمنية بديلاً عن الدولة المدنية المنشودة، والدفع بها إلى الامام بإرساء مقومات ذلك على الأصعدة السياسية والنقابية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

هذه الدولة المدنية المنشودة تقوم على مبادئ التسامح والتنوع والتعدد، وتحترم حقوق الإنسان، وتترسخ فيها أسس الديمقراطية بمضامينها السياسية والاجتماعية، وتسود فيها الحريات العامة وتنشط فيها الأحزاب السياسية والنقابات العمالية ومنظمات وهيئات المجتمع المدني، وتتصدى للفساد والفاسدين وسارقي المال العام وتقدّم من يثبت عليه الجرم للعدالة والمساءلة القانونية، إعمالاً لما نصّ عليه الدستور في المادة “18” القائلة: (الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، ويتساوي المواطنون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة).

بدأنا مقالنا بموضوع توسيع صلاحيات مجلس النواب في البحرين من أجل أن تكون السلطة التشريعية قوية وقادرة على التصدي للقضايا المخالفة للدستور أو التي تتعارض مع مواده، ولكي لا يكون هناك عذراً لأعضاء مجلس النواب بأن ليس لديهم صلاحيات تجبر السلطة التنفيذية على التراجع والالتزام بمواد الدستور .

منذ الثالث عشر من يوليو الماضي 2020، بالرغم من جائحة كورونا وآثارها السلبية على جميع مناحي الحياة وبالأخص منها الاقتصادية والمالية والمعيشية، ومعاناة الناس اليومية من جراء ذلك، كان حديث المواطنين في البيوت والعمل وعلى وسائل التواصل الاجتماعي وأينما وجدوا عن التأمينات الاجتماعية والقرارات الجديدة التي شعروا بأنها تمسّ حاضرهم وتعرض مستقبلهم للخطر في ظل ما آلت إليه أوضاع التأمينات الاجتماعية التي تسوء من سيِّئٍ إلى أسوأ، وكأن لسان حالهم يقول “اِرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”.

منذ سنوات يدور الحديث عن العجز الإكتواري في التأمينات الاجتماعية، وبالتأكيد تتعدد الأسباب، لكن لا يتحمل المسؤولية المواطنون من المشاركين والمتقاعدين، الفقراء ومتوسطي الدخل، فهم غير مسؤولين عن ذلك، والمسؤولية إنما تقع على الحكومة وأعضاء مجلس الإدارة الذين لم يوفقوا في المحافظة على أموال المواطنين وتطوير الاستثمار، ويتداول بأنه قد تم إيداع مبلغ كبير في البنوك الوطنية يقدر بملياري دينار بحريني، وفي بنك واحد فقط أودع حوالي 800 مليون دينار بحريني منذ سنوات، وهكذا نجد أن المستفيد من اموال التقاعد البنوك والمساهمين فيها، ولا يعرف مقدار الفوائد ما إذا كان 3% أو 4%، وأن كانت لا تشكل شيئاً مقارنة بالمبالغ الكبيرة المودعة.

وتمَّ دفع قرض لأحد البنوك في البحرين بمبلغ قدره 100 مليون دينار وتعرض لخسائر في مشروعه العقاري ولم يرجع المبلغ، فهل، يا ترى، سوف يُسجل ديناً معدوماً مثلما حدث مع بنوك وطنية أخرى، فالشفافية غائبة، ويكلف استئجار مبنى جديد للتأمينات الاجتماعية إيجاراً سنوياً بملايين الدنانير، فيما لا تجري الاستفادة من المبنى القديم.

وفي السنوات الماضية تمَّ توزيع مكأفآت مالية بآلاف الدنانير على أعضاء مجلس الإدارة، كما تمَّ ترتيب وضعهم التقاعدي من أموال المتقاعدين والمشاركين في التأمينات الاجتماعية، يعني بكلمات سوء إدارة وفساد ينخر في جسد التأمينات الاجتماعية ولا توجد شفافية أو مكاشفة لمعرفة كم يوجد من أموال لدى الهيئة العامة للتأمين الاجتماعي، هل هي 2 مليار دينار مثلما صرح رئيس مجلس الإدارة للصحافة المحلية في 15 يوليو الماضي؟

التساؤل هنا لماذا لم يقدم مجلس الإدارة استقالته بعد هذا الإخفاق والفشل في الإدارة والتصرف وعدم المحافظة على أموال المشاركين والمتقاعدين في التأمينات الاجتماعية ، بدلاً من أن تُصدر القرارات والتعديلات وتوافق عليها الحكومة دون طرحها على مجلس النواب، والتضييق على المواطنين وبالأخص ذوي الدخل المحدود الذين يستلمون رواتب تقاعدية بالكاد تغطي بعض المصاريف المالية والعديد منهم يكدحون ويعملون في وظائف إضافية بالرغم من التقاعد من سنوات ولكن بسبب الأعباء المعشية الصعبة في ظل ارتفاع الأسعار ليس سنوياً فقط، بعض الاحيان شهرياً وبالأخص في المواد الغذائية، لهذا يضطرُّ المتقاعدون للعمل من أجل لقمة العيش.

اقرأ المزيد

“ولي في ربوع الشمال” يا قلب الماء

لم نعد نفهم هذا الموت، كأنه ينتظرنا على الباب، تحت المخدة، أو ينام تحت جلدنا، الوداعات لا تتوقف، لدرجة لا نجد كلمة صغيرة أن نتوقف عندها، يفجعنا هذا الموت اللعين برحيل أحباء القلب، هؤلاء الذين ينامون في ليالينا، يعيشون معنا في مفاصل الحياة، وها هو سلمان زيمان يودعنا، يغيبه الموت، يخطفه من قلوبنا، هذا هو قلب البحرين يتركنا بلا ماء وهو الذي قربنا إلى قلبه.
هذا الصوت الجريح القادم من ماء القلب، ليصلنا مع أجراسه، مريم وهدى وفوزي وخليفة وبدرية وسلوى الذين شكلوا في أجراسهم التي تجاوزت ماء الجزيرة لتعبر القلوب وتسكن في منتصف القلب، وهو الذي غنى”ولي في ربوع الشمال “، التي نهضت بإسمه إلى الأذن العربية، وتمددت مريم وهدى معه في هذه التجربة حتى أقتربن من عالم الطفل وحياة”سنان”، الذي شكل وعيٌ الطفل الخليجي والعربي في السبعينيات، وظل سلمان مع شقيقته ممتدا في ظله الزيماني حتى أصبحت أجراسهم كأجراس الكنائس معلقة تحت السماء، لكن الإجهاضات العربية وماصاحبها من تنكيل بالوعيٌ الثقافي لم نعد نسمع هذه الأجراس البحرينية وطغى عليها الزيٌف والتمييع الموسيقي.
لم يكن زيمان منشورا سياسيا وإن عاش مع مريم وهدى في كنف الحياة الجديدة في البحرين، وفي ظل النهارات البيضاء، الحالمة ب”أحلى الليالي”، وينصهر كالنحاس في دلمون ودمها الثائر، ليكون مع رفقاء المرحلة والرحلة ورفيق مانديلا البحرين، وكأنهما شمس الجزيرة، وهما كذلك، يحفر زيمان إسمه في قلب هذه الجزيرة وفي جزر محبيه، لنودعه بدمعة بحجم ماء البحرين، ونتذكره في “أحلى الليالي” و”الطائر الهيمان” وغيرها من أغانيه الخالدة في القلوب الجريحة، وسنتذكره اكثر في “أقبل العيد “.

* كاتب من سلطنة عمان

اقرأ المزيد

وداعاً.. أيها الصوت القادم من الحُلم

ونحن نمضي بخطى متعثرة في هذه الأيام التي لا تشبه الأيام. وبعد أن فقدنا كل أشكال الحياة فصارت الأوقات تتشابه والليالي بلا طعم. يصلنا في هذا الصباح الصيفي الحارق من شهر يوليو نبأ رحيل الفنان البحريني القدير سلمان زيمان، وكأن هذا ما ينقص القلب، خبرثقيل كصخرة تجثم على الروح المتعبة. ويا للصدف، قبيل أيام فقط كنت أسلي نفسي في هذه العزلة الإجبارية بالاستماع إلى أغنية (أم الجدائل) التي أحب، ولأن العلاج الأمثل في هذه الظروف هو استحضار أيامنا الطبيعية الجميلة.
سلمان زيمان أيها الصوت النادر، القادم من الحلم.. وداعاً. أيها الصوت الذي يهمس من الماضي المشتهى دوماً. وداعا أيها القلب الطيب، أيتها المحبة، أيتها الضحكه الصافية. وداعاً أيها المثقف الاستثنائي، القومي والوطني الراسخ في ذاكرة البحرين.
سلمان حين لا يكون الفنان مجرد صوت حالم فقط، بل حالة فريدة متكاملة وروح تشعر بالآخروتدرك همه. عرفته طفلة صغيره يصطحبني أبي لحفلات فرقة أجراس، فكانت تلك من أجمل الأوقات التي ظلت محفورة بذاكرتي أنا وأخوتي. إلى أن كبرت، ظللت أتتبع أخبار سلمان زيمان فكل ما عرفت عن حفلة له حرصت على حضورها، لم أكن لأفوت حفلة يغني فيها أبا سلام.. تطفئ الأضواء، أجلس متسمرة وأغمض عيناي ريثما يغني فيأخذني صوته العذب لطفولتي ، لوجه أبي شاباً ممسكاً بيدي، مهرولاً بي نحو قاعة الحفل في مقتبل التسعينات. لقلبي الذي كان خفيفا حينها. كم أحب صوت سلمان زيمان ليس لأنه نادر ودافئ فقط، بل لأني كنت أجد فيه قدرة هائلة على إيقاظ جوانب بعيدة المنال في روحي. صوته يضيء غرف قلبي المعتمه، ويجعلني أطير لأماكن أراها في الحلم فقط.
ترى هل يعود الزمن؟ مساء ساحر من عام 1993 سلمان زيمان في بيتنا، حين قبل دعوة أبي على العشاء، كان عمري حينها لا يتجاوز السبع سنوات، طفلة كنت لا تتسع الدنيا لفرحتي إذ كنت أتشارك المائدة مع سلمان زيمان بذاته، وأريه الصور الفوتوغرافيه لحفلات أجراس وأشير على صورته لأخبره بأنه موجود في كل الصور، فيضحك ضحكة مجلجلة.
“يهز كياني دبيب الهوا وتأخذني جنة غامرة”.. هذه الجملة تحديداً من أغنيته الرائعة (ربوع الشمال) حين يغنيها زيمان بصوته تبدو وكأن معناها يتجدد في كل مرة. كل حفل أحضره له أترقب بشغف أن يغني هذه الأغنية التي تخاطب الوعي قبل الإحساس. أغنية تثير مخيلتي في كل مرة أسمعها بصوته أتخيل مكانا مختلفاً، وهذا مالا يمكن أن تحققه ألف أغنية من أغاني زمننا الحالي. يا لحزني يا أبا سلام، ماعاد خيار إنتظار حفلتك القادمه متاحاً لي.
تترجل اليوم، تاركاً إرثاً من الموسيقى الجميلة المتنوعة، من القصائد التي وجدت معناها بعد أن عرفت حنجرتك، لا شيء يجبر هذا الفقد يا سلمان، لا شيء يداوي هذه الحقيقة المُحزنة سوى إغماضة عين على رفة النخل في صوتكَ الهادىْ.

اقرأ المزيد

البحرين بلا سلمان؟!

هكذا بهدوء، وبسلام تام رحل أبوسلام، ذلك الإنسان الذي كان يحمل همومنا أكثر منا نحن أنفسنا، بعد أن حمل في قلبه وعقله ووجدانه هموم وطنه البحرين ووطنه الآخر فلسطين، إلى جانب مكان مشرق من نفسه وضع فيه حب الكويت، التي كان من عشاقها، وكان يبتهج إذا زارها ويراها موطن ميلاده الفني ومستودعاً لأفضل ما عاشه من أيام حياته، بل إنه كان أول من اتصل بي وأنا في أميركا عندما احتُلت الكويت، وفي أول لقاء لي به بعد المشاركة في مؤتمر جدة طلب مني قصيدة مسفر الدوسري (شفاه الله) “أمي قالت” ليلحنها ويغنيها للكويت مع “أجراسه” .
لم أره أو أسمعه يوماً يشكو همه الشخصي، اللهم إن كان ناجماً عن فقدان عزيز أو رحيل حبيب، لذا عندما رقد في المستشفى منذ شهر مارس، أخفى عن أحبته هذا النبأ، إشفاقاً عليهم من مشقة التفكير في حالته وهم غير قادرين على زيارته بسبب الأوضاع وإغلاق المطارات وتوقف السفر، غير أنني بطبيعة فضول المحب وأسئلتي عن صحته نصبت له شباكاً محكمة لم يجد معها مفراً من أن يبوح بحالته، لكنه أصر على أن يبقى الأمر بيننا وثالثتنا رفيقة دربه وحبيبته أم سلام، حتى في تلك الحالة المتقدمة من آلام المرض، كان تفكيره في محبيه أكثر من نفسه.
رحل أبوسلام دون حتى أن نتمكن من التعزية فيه أو تقبل العزاء به، وهو الذي لم يترك مناسبة سعيدة أو حزينة لدى أحد من أحبائه، وما أكثرهم، إلا سبق إليه ليتواصل ويساعد ويؤازر ويشارك… رحل أبوسلام تاركاً كنزاً من أجمل الذكريات وتاريخاً من العطاء، وقبلهما فراغاً كبيراً لن يملأه أحد بعده.
قبل انتشار الوباء، التقيته، ذات مناسبة حزينة، بعد فقدنا صديقنا وأخانا سيد علي، فقلت له حينئذ: كيف سأزور البحرين مرة أخرى وأنا أعلم أني لن أرى سيد؟! فرد على الفور: وكيف لي أنا أن أعيش في البحرين، وبيني وبين بيت الفقيد مجرد أمتار قليلة وهذه أعماله الفنية وصوره التي أبدع التقاطها، تحاصرني في كل مكان؟! والآن يا أبا سلام بعدما لحقت بصديقنا، ها أنا أكرر عليك السؤال بعدما زادت صعوبته صعوبةً، ومرارته مرارة وغصة: كيف لي أن أرى البحرين بعدما فقدتكما أنتما الاثنين؟
بغيابك يا صاحبي وأخي ورفيقي، غابت أضخم طاقة إيجابية حملتها الأرض، فقد كان مجرد مرور طيفك على خاطرنا أو حتى الحديث إليك يشحن روح محبيك بكل معاني السعادة والاطمئنان والرضا، كيف كنت قادراً على بث مثل هذا السرور في كل مكان ترتاده أو بعثه في كل شخص يراك… آه ما أطيب الحديث عنك، وما أمر رحيلك وأقساه!
منذ التقينا في “ربوع الكويت” في بداية ثمانينيات القرن الماضي، لم تفترق أرواحنا وأسرتانا ودائرة أصحابنا وأحبابنا التي كانت تتسع مع كل لقاء جديد، يشهد ما يشهده من الحب والمرح والثقافة والحديث والمناقشة وطرح الآراء المتعارضة والمتساندة والإنسانيات وهموم الحياة وتخوفاتها.
سلمان زيمان أكبر من أن تعدد مآثره في مقالة ضئيلة الحجم قليلة الأسطر، فقد كان قامة عظيمة إنسانياً وفنياً، ومهما قلت ففي القلب شيء لا تترجمه الأحرف، وليس لنا في هذا المقام إلا أن نعزي أنفسنا وأسرته ومحبيه في غيابه جسداً، لا روحاً، إذ سيبقى ماثلاً في ذاكرتنا، حاضراً في قلوبنا ومناسباتنا بأجمل “ذكريات” تقاسمناها معاً.
وختاماً، أقول لأختي الغالية أم سلام ولأبناء أخي: سلام وأيمن ودعيج، والأحفاد ولجميع أشقائه وشقيقاته وإخوته ولآل زيمان جميعاً: بوسلام باق بوجودكم، فقد عشتم في كنفه ونهلتم من صفاته الطيبة، وأنتم استمرار لذكراه وتاريخه وعطائه… ولروحه السلام وليس لنا سوى الصبر.

اقرأ المزيد

دمع الدفاتر حبر

تغريدة غطت ذلك اليوم بالسواد، “سلمان زيمان في ذمة الله”… تمنيتها اشاعة مثل تلك الإشاعات القبيحة التي تطال المشاهير بين الحين والآخر، ولكن مع الأسف ليست أكذوبة. شلّت الصدمة عقلي وأخذت مشاعري شيئًا فشيئًا تستوعب الفاجعة. رحل عمي سلمان! هذا الرجل الحنون الدافئ دفء صوته الشجي. عرفته البحرين فنانًا راقيًا ومعلمًا حنونًا ودؤوبًا ووطنيًا شغوفًا، وعرفته أنا ككل ذلك وأكثر، فقد عرفته أيضًا كالرجل الخلوق والصديق الصدوق لوالديّ، والعم الأبوي الحنون فأي حظ جميل حالفني لأنعم في حياتي بهذا الشرف العظيم.

فأخذني “الطائر الهيمان” في زورق الأحزان المبحر في دموعه لعش الذكريات الغالي ذاك الذي عنه رحلنا منذ رحل عنا الزمن الجميل، زمن “أجراس”. تذكرت والشوق يغلبني لقاءاتنا. وبما أن “دمع الدفاتر حبر”، قررت رثائه بهذا الحبر الافتراضي ومشاركتكم هذه المحطات التي جمعتني به لتعرفوه كما عرفته تكريمًا لهذه الروح الجميلة التي فقدناها.
الكويت، 1988 – حتّمت علي الحياة الفراق عن والديّ ووطني لدواعٍ علاجية، لم يتوان عمي سلمان الذي كان مقيمًا في الكويت آنذاك عن خلق الوقت لإخراجي من جو مركز التأهيل وأخذي معه لشقته للعب مع سلام وأيمن. قد تبدو تلك بادرة صغيرة لكن تأثيرها كان كبيرًا على طفلة في السادسة من عمرها.
الكويت 1988 – تستحضر حواسي رائحة البحر في شاليه صديق العائلة الكويتي العزيز “أبوسلام”: وليد الرجيب وأنا مع عائلتي التي تسافر لي برًا كل نهاية أسبوع. تستحضر مخيلتي منظر البحر الأزرق على صدى صوتك يا نسمة بعزّ القيظ، وانت تغني بشجن يا بو سلام (البحريني) على شريط الكاسيت للألبوم الجديد، “ولي في ربوع الشمال غرامٌ”.
البحرين، 1989 – بعد خضوعي لعملية جراحية، عدتُ للبحرين ورجليّ مجبرتين بالكامل، فغدوت غير قادرة على الحركة أو اللعب خلال مدة التعافي، حينها زارني عمي سلمان وفي الدقائق الأولى من الزيارة وكأن فطرته الموسيقية طغت فجأة، “ليش ما نعلمها تعزف موسيقى؟”، والتفت الي: “عمي شرايج نعلمج تعزفين مثلنا؟”، وما كان منه الا أن عاد بعد يوم حاضنًا آلة أورغ ليهديني إياها، وبعدها أخذت أول درس لي على يد شقيقه المايسترو خليفة (أبو زياد)، ومن هذه النقطة بدأ شغفي بالموسيقى الذي أضفته بعد سنين لقائمة الهجر والأحلام المنقوصة وخذلاني لنفسي.
البحرين، 1990 – 1993 حماس طفولي وفرحة عارمة تغمرنا ونحن بأبهى حلة وكأنه يوم عيد ونحن نحضر مهرجانات “أجراس” كلنا فخر أننا لسنا كغيرنا من الحضور، فنحن نعرف الفنانين. يصدح صوتك كلما تذكرنا تلك الأيام فنحن تربينا نتطلع “للولد بوالفعايل” وعلى دروس “يمّه أرضك”.
فكانت “أحلى الليالي وأحلى الأيام” تلك التي كان يزورنا فيها عمي سلمان و”أجراس” ومجموعة الأصدقاء الرفاق على مدى أواخر الثمانينات والتسعينات. كان يفيض بيتنا الصغير المتواضع في مدينة عيسى بالدفء والحب وتصدح الضحكات والطرب والنقاشات في التاريخ والسياسة والوطن، نقاشات منها المفرح المفعم بالأمل ومنها المبكي المليء بالألم والقهر والخوف مما يخبأه المستقبل.
وعلى الرغم من عدم قدرة عقولنا الطفلة آنذاك استيعاب أحاديث الكبار، إلا أننا كنا نمتص كل الشغف والحب والحميمية، نمت فينا هذه الصداقات التي كنا نراها أمام أعيننا احساساً بالأمان، لأنه على الرغم من ندرة وجود أمان الصداقات الحقيقية بإنسانيتها وأفلاطونيتها، طاهرة من العقد والمواريث البالية التي تدنس كل ما هو بريء وطاهر. وعلى الرغم من أن هذا الأمان قد لا يحمينا في كبرنا من قذارة العالم الا أنه مكننا من السعي لخلقها والأمل في خلق عالم أجمل.
البحرين، ١٩٩٩ – ٢٠٠١ – وكما شاءت الحياة عندما انتقلت لمدرسة جديدة لاستكمال آخر عامين دراسيين من الثانوية العامة، كانت المفاجئة الجميلة مصادفة مدرس الموسيقى عمي الحبيب سلمان، وكأن الأقدار شاءت أن تعيد ذلك الحظ الجميل لحياتي. وفي آخر عام دراسي لي عندما تعثر معي إيجاد طريقة لإنهاء ساعات خدمة المجتمع التي كانت تتطلبها المدرسة للتخرج، عرض علي عمي بو سلام مساعدته في الفصل. وفي أول يوم لي معه، وبعد أن امتلأ الفصل بطلاب الفصل السابع، بدأ الأستاذ سلمان حصته معرفًا بي باللغة الإنجليزية:

”This is Amal. I know her since she was one day old! She is like my daughter. And she will be helping me in class to finish her CAS hours for graduation.”

(هذه أمل، عرفتها منذ كان عمرها يوم، وهي بمثابة ابنة لي، وهي في الفصل كي تساعدني لاستكمال ساعات الخدمة التي تحتاجها لتتخرج.)
وعلى قدر ما شعرت بالإحراج بحساسية المراهقين الهشة على قدر ما شعرت بالاحتواء والحنان في كلماته وافتخرت بها. وبعد الفصل عاتبني بحنان ورفق على عدم مواصلتي تعلم البيانو.
انتهى العام، ووقفت على المسرح مع زملائي بقبعة ومعطف التخرج نغني نشيد الخريجين، وعاهدت بوسلام مع زملائي بكلماته وألحانه قسمًا أن “أرفع راية الحق خفاقةً في الأعالي” و “أروي زرعكِ حبًا بالدم أفديكِ بلادي.”
وتوالت السنين والتقينا في ساحات الفن والنضال والاحتفال، وفي كل مرة يغمرني ثغرك البسام ودفء صوتك وهو يحييني بكل حب “هلا بنتي!”
كم سأشتاق لسماعها بصوتك وابتسامتك ولكل هذا الدفء والحب … شكرًا عمي سلمان
تعازيي الحارة لأحبائي خالتي أم سلام، سلام أيمن ودعيج، أجراس والعائلة والمحبين، تعازيي للبحرين،
“كل أمر سهل من دون الوداع….كيف أنا باودعك”.. لروحك السلام حبيبنا بو سلام.

اقرأ المزيد

لمّ استعجلت الرحيل يا أبا سلام؟

حزين لدرجة المرارة، لأن رجلاً مثل “أبو سلام” ليس من طباعه أن لا يقول كلمة قبل الرحيل، فالعاشق الولهان لا يترك معشوقته البحرين دون وداع، وليست من عادات “أبو الفعايل” ولا من طباعه أن يذهب دون مقدمات ولا أن يغيب دونما أعذار ولا أن يمتحن عشاق فنه ومحبيه بهذه الطريقة، ولكن وقد فعلها فإنه قد خيب ظننا هذه المرة، وأخذ منا أجمل ما كنا بانتظاره منه من أعمال منتظرة يقوم بها. لا معنى لكل ذلك فالقدر هو القدرولو أن قدر الفنان أن ينطفئ واقفاً كالشمعة، وقدر سلمان أن يكون كذلك لولا صحته التي خانته بغير سابق إنذار.

خبر وفاتك يا أبا سلام وقع علينا كالصاعقة، ذهول ممزوج بعدم التصديق، حزن وكآبة ودموع وقلب مفجوع، كيف لك أن تترجل وترحل بهذه السرعة غير الاعتيادية، وأنت الذي لا تتسرع أبدًا في إطلاق أعمالك الفنية، فالتأني كان شعارك وانتقاء الكلمات بروّية كان هدفك وعملك الفني يمر باختبارات ليصل إلي قرارك ولكن هل من معنى لهذه السرعة في رحيلك أمر يصيب محبيك ومعجبيك بالذهول والفزع والوجوم وعدم التصديق.

شيء ما يتآكل في داخلنا بهذه الفواجع المباغتة، فقد ادخلتنا يا أبا سلام في حالة ذهول وكأن الزمن يمر بسرعة مذهلة عندما نتذكر الأيام الجميلة، أيام كنا طلاباً في الجامعة، وها نحن اليوم نتجرع سم رحيلك . كنت أحاول إقناع نفسي والامل يراودني من أن الخبر المتداول غير صحيح، ولكن الحقيقة كانت أقوى، فضجيج المسجات يتوالى.

عندها تركت لخيالاتي أن تستيقظ لاقول كيف لانسان مثل سلمان زيمان الممتلئ بالحياة أن يرحل وبهذه السرعة. تذكرت أخر التفاصيل، آخر الكلمات، آخر اللقاءات وكأنما شريط الذاكرة عاد يعمل وبنشاط، فالناس الطيبون لا يرحلون عن الذاكرة ويظل طيفهم مغروساً وإن غابوا للحظات. لم تكن لدي إجابات مقنعة سوى استرجاع اللحظات الحلوة التي عشناها معًا في الأعظمية ببغداد، حتى توالت تلك الذكريات وصار من المستحيل تعدادها، عندها أفقت ولست أدري كم مرّ من الزمان على تلك الإفاقة.

عرفت سلمان منذ أن كنا طلابا في جامعة بغداد، كان صديقا لكل الطلبة محبوبا من الكل يعزف ويلحن ويغني ويزرع الفرح في نفوس من حوله ويجعلهم مبللين بالغبطة والسرور. وأشعر بأن هذا اليوم هو أكثر الأيام كآبة وحزنًا فليس من السهل أن يرحل عنك صديق بهذه الطريقة غير المتوقعة وأي صديق؟!، صديق في حجم وروعة سلمان زيمان، فرحيل كهذا يترك فينا لوعة وحزنًا وألمًا وحرمانًا من إنسان مدهش في أخلاقه، في تواضعه، في حسه الوطني، في تعاطيه مع الناس، في فنه الراقي المعبر عن هموم الناس وآلامهم ، في وعيه المبكر وخياراته الفكرية.

أستعيد تلك الذكريات من خلال الصور التي في حوزتي أرى سلمان بطلته البهية وهو حامل للقيثارة والطلبة والطالبات متحلقين من حوله، وهو يعزف ويغني للوطن. كم هو زمن جميل قضيناه بصحبة هذا الانسان الرائع صاحب القلب الواسع، عندها كنا نحلم بالوطن وبالحب،فلولا الحلم لانقرضنا، فرغم صعوبة العيش بعيدا عن الأوطان كانت طلّة سلمان زيمان تزيل عنا الهموم وأوجاع الغربة وفراق الأحبة، فقد كان كالبلسم على محيا كل طالب وطالبة، وظلت الصداقات واللقاءات مستمرة حتى وإن تفرّقنا كل في طريق.

ثمة أشياء في الحياة من موت أو خوف أو حزن يصعب علينا أن نتآلف معها ولكن الموت أعمى ولا يترك أحدًا ويأخذ منا أعزّ الأحباب والأصدقاء والرفاق والزملاء، هكذا هي الحياة على الرغم من جمالها، إلا أن المنغصات والآلام والأوجاع تظلّ لصيقة بالإنسان، ولا رادّ لها فليس كل ما نتمناه ندركه للأسف، فلا فرح من غير حزن ولا ألم من غير أمل.

الخميس الحزين سيبقي في ذاكرة محبيك يا أبا سلام يوما للوعة والفراق والفقدان والالم المضاعف هو إن محبيك وأصدقاؤك ورفاقك في ظل هذا المرض الخبيث الذي يجتاح العالم لم يترك فرصة لنا لإلقاء النظرة الأخيرة على روحك الطاهرة النقية، فسلام اليك وعليك وإلى قلبك النقي المملوء نورا وبهاءً فإنك مازلت في القلب وفي الذاكرة ولن ننساك ما حيينا فأنت باق في القلب والوجدان وفِي حنايا الروح فأنت الحبيب وأنت المحب لكل جميل، ولن أقول وداعاً بل أنت باقً وإن رحلت جسداً.

أنا عاجز عن التقاط ما يليق بك من كلمات وأنت الذي تنساب كلمات أغانيك الجميلة باريحية طارقة أجراس الامل للوطن، للحبيبة، لمن قدموا التضحيات من أبناؤه، فأغنياتك عن الجبهة والعويناتي ومجيد مرهون والشملان باقية في الذاكرة وأختيارك لكلمات الشعراء المعروفين من بحرينيين وعرب كسميح القاسم ومحمود درويش يطرق أسماعنا باستمرار.

مازلت في القلب يا أبا سلام وستظل حاضرًا بيننا بفنك الراقي، وبإرثك في كل ما قدمته مع فرقة أجراس، وبما أسست له من مداميك فنية غاصت في وجدان محبيك ومعجبيك، فالفن الراقي لا يموت وإن غاب صاحبه.

اقرأ المزيد